..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة : الأرواح المرئية

بديع الآلوسي

على الضفة الأخرى للنهر ، وعلى ذلك التل الأجرد ، تقع قرية شورش الكردية ، التي يقيم فيها (مام ديلمان) الذي عرف بعدم تخليه عن قريته المفجوعة بالفقر والجنون ، والتي دمرت وبعثت عشرات المرات .

الطريق طويل ، في هذا النهار الخريفي الجميل ، لم يكن أمام مام ديلمان سوى ان يسلك ذلك الدرب الترابي المنحدر بهبوط مخيف نحو بستان ( الأرواح ) .حث السير وكلابه الثلاثة معه ، وبعد نصف ساعة وصل إلى تلك البقعة الخضراء بشجيراتها التسع . رمى الصرة التي أجهدته ، وجلس على الصخرة منتظرا ً. تأخر الدرويش جعله يظن أنه قد نسى الموعد ، لذلك لم يكف عن مراقبة الشارع المحاذي للبستان .

قال له الدرويش يوما ً :

ـ رغم كل مجاهداتي لم أر الموتى إلا في الأحلام .

ـ أدري ، ماذا تريد أن تعرف ؟

ـ هل حقا ً ترى الموتى ؟

ـ إن ذلك ممكنا ً .

ـ لكني لا أراهم .

ـ سيظهرون لك إذا آمنت إنهم لم يموتوا.

 

في وسط البستان تذكر مام ديليمان ابنه شيرفان الذي انتحر قبل أسبوعين ، لم يكن يتصور أبدا ً إنه سيأخذ المسدس ذو الستة طلقات ويحشوه بطلقة واحدة ومن ثم يقوم بتدوير الأسطوانة .

 

في هذا الصباح قال لأبنته نارين التي تخجل من سذاجتها :

ـ آه ، أمامي اليوم مهمة وحيدة هي غرس الشجيرة التي ستسكنها روح شيرفان .

هنا سألته متنهدة ً :

ـ وهل سيعود ؟.

قال بصوت واهن :

ـ يجب أن لا نتخلى عنه .

أعادت عليه السؤال متوقعة ً أن يبادر بجواب جديد :

ـ ولكن ما تبغي من وراء ذلك ؟

صمت مطولا ً لكنه أخيرا ً قال لها تلك العبارة التي امتزجت بدموعه :

ـ حين ننجز ذلك نعيد التوازن إلى أرواحنا ، حينها فقط نحس إننا بحال أفضل .

في تلك البقعة الخضراء والمسكونة بتسعة أرواح والمحفوفة بصخور تشبه الديناصورات الجاثمة ، كانت الكلاب تلهو وتتهارش ، وبتلك المجرفة المكسورة حاول جاهدا ً شق تلك الحفرة التي لا تشبه سوى قبر ، تذكر كيف ان أبنه تحدى الجميع غير آبه بالموت ، فوجه المسدس إلى رأسه وسحب الزناد ، حينها كان ملاك الموت له بالمرصاد .

الحفرة تكبر وتكبر ، فجأة ً ، رفع رأسه حين تعالى نباح الكلاب التي انطلقت نحو الشارع ، نهض بقامته وصرخ بغضب :

ـ أيتها الكلاب اللعينة دعي الغريب وحاله .

صار الرجل يداعب الكلاب وكأنه يعرفها وتعرفه ايضا ً ، تنحى عن الشارع ليتجه ويخترق البستان ، فجأة ً صرخ مام ديلمان ذو السبعة والسبعين عاما ً :

ـ مًن شيرفان !؟

عيناه لم تصدق ما يرى ولا عقله ، مع ذلك فتح له ذراعيه ، فركض ابنه ذو الخمسة والثلاثين عاما ً وطوقه معانقا ً .

يا له من عناق ، فكر الأب مستغربا ً، فهو يعرف جيدا ً أن شيرفان وطيلة حياته لم يعانق أحدا ًسوى هيفين .

بدا الابن متعبا ً ، وأحس الأب حين احتضنه أن ملابسه قد بللها مطر خفيف رغم الأجواء المشمسة طيلة النهار .

فرت المفردات من ذهن مام ديلمان ، حتى انه حينها لا يدرِي لماذا لم يتمكن من أن يقول له : إن يومه يحمل أكثر من معنى ، وإن مهمته تسهم في ترميم الوشائج . تجاهل كل ذلك وابتسم ، محاولا ً أن يشكو له صلابة الأرض الجبلية وما يعانيه بسبب الحفرة التي استنزفت قواه .

حتى سأله شيرفان :

ـ ستستضيف روح مَن هذه الشجرة؟

حينها تشجع واعترف له وهو يبكي ويضحك :

ـ هي لك ، والله لك.

ابتسم الابن ساخرا ً وهو يراقب مشهد الغيوم التي بدأت تتكور وتساءل:

ـ نحن متيقنون من أن دود المقبرة سيتدبر أمرنا ، ولكن لماذا تتعجل بمنيتي ؟.

ـ كل شيء جائز ، ولكن صدقني ، حضورك الآن لا يستوعبه الآخرون .

بينما مام ديلمان ينظر بدهشة إلى ابنه ، محدقا ً بعينيه ، استغرب كون لونهما يشبه لون الفستق ، فشعر بالحيرة ، لأنه يعرف جيدا ً أن عينيه تشبهان لون السماء .

ترك الأب التفاصيل والاختلافات الطفيفة ، وافترشت شفتيه ابتسامة تنم عن الرضا ، فرك عينيه ، ليجد نفسه بغتة ينزلق و يغوص بتلك الزوبعة التي أحالت حياتهم الى جحيم ....

 

يعرف الجميع وحتى أطفال شورش المجانين أن شيرفان هام وجُن بهيفين وأن أهلها لم يباركوا ذلك الحب ، وكانوا يتمنون قتله لاعتقادهم أنه سلب عقل أبنتهم بدهائه الشيطاني .

بعدها زادت المتاعب شيئا ً فشيئا ً ، نصحه الدرويش واعظا ً :

ـ قبل أن تموت يا شيرفان، عليك بترك هذه القرية ، فالعالم اكبر مما تتوقع .

 

كان مام ديلمان يستمع الى الصوت المتقطع لولده ، أراد أن يسأله : لماذا زرعت في أحشاء هيفين جنينا ً ما دمت قد عزمت ان تواجه مصيرك كمجنون .

صمت شيرفان المتعطش للحياة ، وبدت على ملامحه علامات القنوط والوحشة كأنه قد أتى من عالم دبق ورطب ليقول كما قالت أخته نارين يوما ً :

ـ لماذا أورثتنا الفقر والجنون يا أبي ؟

كان الأب مُطأطئاً الرأس ينظر إلى الصرة التي حشيت بأسمال وحذاء شيرفان والتي قرر أن يدفنها ويقيم عليها تلك الشجرة ، لم يكن يعرف بماذا يجيب ، حاول كل جهده ان يستحضر ردا ً يُبري ساحته ، لكنه جثا على ركبتيه ، مرددا ً :

ـ كان الأجدر بي أن لا أتزوج ، كي لا تتحملوا كل ذلك .

لكن شيرفان كان أكثر صبرا ً وعطفا ً ، حاول مواساة أبيه بكلمات جعلته يستعيد ابتسامته :

ـ لا تبالي يا أبي ، أتينا إلى هذا العالم وانتهى الأمر .

 

نعم ، مام ديلمان حاول ان ينتشله من تلك الحماقة ، جاهد في السنة الأخيرة عشرات المرات كي يمنعه أو يحيده عن ذلك المصير ، لكن وكما قال الدرويش : إن الشيطان لم يترك له سوى ذلك القرار . في الأشهر الأخيرة كان الأب يستيقظ كل صباح ويبتسم وبمحبة يقول له : هل أنت بحال أفضل .

دائما ً، و بعينين غارقتين بالدهشة يجيب شيرفان : أسأل نارين ، أنها تعرف إني فقدت الأمل .

في ذلك المساء ، رأى الأب أبنته تبكي بعد أن قرأت آخر فنجان قهوة شربه شيرفان ، نعم ، رأت صورا ً معتمة و قدرا ً مشؤوما ً ، ربما لذلك لطمت صدرها وهي تصرخ :

ـ سترك يا رب .

عندما زارهم الدرويش كانت حالة شيرفان تزداد سوءا ً ، اشتد به الأرق لثلاث ليال ٍ ، أحس إن حالته تتطلب قرارا ً جريئا ً ، انحنى على الدرويش ، قائلا ً :

ـ اعرف إنك تحبني وستمشي في جنازتي ، لا تنسى أن تدس المسدس في كفني .

نهض الأب متشبثا ً بالأمل ، وهو يرى الكلاب قد هدأت ، وصارت تصغي لهم ، متوقعا ً أن كل ما حدث لشيرفان لم يعد سوى كابوس قد تغلغل الى أعماق عقله الواهن . هذه اللحظات زادته إيمانا ً ، صار قلبه كقنديل يتوهج ، شعوره بالغبطة دفعه أن يقول لابنه الذي حضر لنجدته :

ـ ما دمنا على قيد الحياة فكل شيء يهون ...

صمت ثم أردف

ـ لكن والله اذكر جيدا ً أن الدرويش ساعدني بحمل التابوت ووضع على قبرك صخرة بيضاء .

أسترق الأب نظرة ً حوله ، عسى أن يحضر الدرويش ويقاسمهم هذه اللحظات التي ربما تنتهي دون أن نفهم لماذا بدأت ، أقتنع أخيرا ً، حتى لو لم يحضر يجب عليه أن يحافظ على تفاؤله ، بدأ يحس إن ذاكرته قد أهيجت ، وراح يثرثر عن الأمل واليأس في آن واحد ، شيرفان ذو العينين الفستقيتين وجد بكل هذه التفاصيل ما هو مسلي ، وكأنه يسمعها لأول مرة . جلس قرب تلك الحفرة متأملا ً وجه أبيه الذي صار يتصبب عرقا ً دون ان ينبس بأي كلمة ، متذكرا ًشقائق النعمان وبطولة أبيه حين اصطاد أرنبين بريين وثلاث قبجات ، في ذلك اليوم أتت هيفين وكانت المصادفة ، ومن فرط فرحها رقصت معه بخفة حول النار حتى احمر وجهها .

قال الأب : رؤيتك الآن تربكني ، هل تفهم ذلك ؟

ـ آه .. ماذا افعل كي اثبت لك ان الموت لم يطلنيِ .

خفض مام ديليمان رأسه ، محاولا ً ان يعيد ترتيب ما حدث .

ـ كيف ، كيف ، قبر مَن اذن ، أنا و نارين والدرويش قد حفرنا .

ـ يا أبي ، حين نطعن في السن تختلط الحقائق في أذهاننا .

تكدر وجهه وجحظت عيناه ، كمن ينتبه إلى نفسه وقال بصوت خرج من اعماق روحه :

ـ تعني إني مصاب بالخرف !.

شعر شيرفان بصعوبة كبيرة قبل أن يقول :

ـ ربما .

واكتفى بأن طلب من أبيه أن لا يحملق به بنظرات الشك . لكن عيناه ذرفت الدمع وارتجفت عضلات وجهه بالغيظ حين قال له أبوه وهو مقطب الجبين :

ـ نعم ، قتلوا هيفين ورموها هي والجنين الذي ملأ بطنها في ذلك الشق السحيق .

تداعى شيرفان ، وتمتم وبدت على ملامح وجهه سورات الغضب والانتقام :

ـ سفلة ، فعلوا كل ذلك في غيابي ؟

ارتبكت روح الأب وهو ينظر الى ابنه وكأنه استلم النبأ لأول مرة ، ولم يتحمل الكارثة ، فهرب مهرولا ً صارخا ً كالمسعور:

ـ اذا كان ما تقوله صحيحا ً، اللعنة عليهم جميعا ً.

هذا المساء ، الشمس لونت الغيوم المتناثرة بالحمرة ، ولم يبق للأب من أمل سوى العويل : عليك أن تخاف الله يا شيرفان .

أرجأ غرس الشجرة وأمرها حتى يتحقق مما يجري، عاد كي يخبر ابنته بالنوايا التي ستثقل كاهلهم .

وهو في طريق العودة مر من أمام شجرة اللوز المعمرة ، تأمل مطولا أغصانها اليابسة ، رأى غرابا ً يفر منها ، رغم التعب النفسي توقف وحدق لثلاث دقائق بالشمس التي صارت تشبه برتقالة هائلة بتوهجها .

وهو يحث الخطى لاهثا ً ، توقف واستراح على صخرة بيضاء ، فرحه وعثوره على أبنه ولو لساعات أعاد الراحة الى نفسه والصفاء الى ذهنه .

على امتداد سنوات عمره الماضية ، وما حملته من كمد وفرح ، لم ينس كومة القش وزوجته التي تحولت روحها قبل ستة أعوام إلى شجرة ، كانت جالسة قرب البئر وهي تنظر إلى السماء وتخاطب نارين بمودة ، حينها كان يسمع كلماتها ويضحك :

ـ يا حبيبتي ، الله لا يحب العوانس ، إذا جاءك النصيب لا تترددي .

غير إن نارين قالت بجزع :

ـ آه يا أمي ، من أين يأتي هذا النصيب وجميع الرجال حمقى .

حينها ، اكتفى بهز رأسه وهو يردد :

ـ أن البشر رغم حماقتهم طيبون .

 

ما أن وصل الى القرية حتى خيم الليل ، سمع الأطفال يرددون اسم شيرفان ، دفع باب كوخه ، وانطلق يسرد بفرح لنارين ما حدث في بستان الأرواح ، بتوتر قال :

ـ نعم ، انه ذهب ليأخذ بثأر هيفين .

لكن ابنته لم تبال بكل ذلك وبصوت خجول وهادىء قالت :

ـ هل أعد لك قدحا ًمن النعناع قبل أن تنام يا أبي .

أراد الأب العجوز أن يبكي ، رفع جبينه وركز عينيه بها :

ــ لا تصدقين ؟

ـ أصدق ماذا ؟

قال بمرارة :

ـ إذا لم تصدقيني ، اسألي الكلاب إنها رأت وسمعت .

ـ يا أبتي ، قرية شورش تصدق خرافات كثيرة ، لكن عقلي على الرغم من سذاجته لا يتصور ذلك ، هيهات ان يعود من دفناهم .

حينها أعلن عن غضبه وصرخ بوجهها :

ـ إذن أنت أيضا ً تعتقدين أني رجل خرف .

فقالت نارين بشفقة :

ـ ، ارحم حالك يا والدي، بالله عليك أكتم الحكاية ولا تقلها حتى للدرويش .

هنا غطى جسده النحيل بمعطفه الفضفاض الكامد اللون ، وهز َ رأسه قائلا ً كمن يكلم نفسه :

ـ أنت على حق ، لكني رأيت شيرفان كما أراك الآن .

بعد أن نامت نارين بفستان العرس ، أطفأ مام ديلمان الفانوس ، ولم يغلق الباب بالمزلاج تلك الليلة ، شعر بالسلوى لأن الأرواح المرئية كانت تطوف حوله ، أما أهالي القرية المصابون بالفقر والجنون فقد واصلوا تناسلهم في عتمة الظلام .

 14 / 10 / 2012

 

 

 

بديع الآلوسي


التعليقات




5000