هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


واقع خرافي....مسرحية

علي عبد النبي الزيدي

مسرحية

واقع خرافي

تأليف : علي عبد النبي الزيدي

 

الشخصيات

- الميت

- الموت

- الزوجة

- البديل

- صاحب القبر

المكان : يجري الفعل داخل قبر صغير ...

 

الميت  :      ( مرتديا كفنه ، يتمرن على أداء تلحين نشيد هو ربما أشبه بأغنية شعبية

قديمة وشهيرة )

صاحب القبر :     ( يظهر في المكان ) ماذا تفعل هنا ؟

الميت  :      ( غير مبال ) وماذا يفعل الموتى في قبورهم ؟ ( يستمر بالتلحين )

صاحب القبر :     ( يصيح بالميت ) توقف ، كل شيء يجب أن يتوقف هنا ؟

الميت  :      ( يتوقف ، ينظر اليه ) يتوقف ؟ لماذا ؟

صاحب القبر :     جئتك بموضوع هام .

الميت  :      أنا أتمرن على نشيد وطني جديد .

صاحب القبر :     في هذا القبر ؟

الميت  :      تحتاج روحي الى نشيد يختلف عن أناشيد الدنيا الصاخبة !

صاحب القبر :     وماذا تفعل بنشيد هنا ؟

الميت  :      أحتاجه في حفلات الموتى الخاصة .. سيقف الموتى جميعهم احتراما لهذا

النشيد المقبري .

صاحب القبر :     أنتم تحتفلون أيضا ؟

الميت  :      كلما يحل علينا ميت جديد نحتفل به احتفالا راقصا .

صاحب القبر :     هذه الكلمات تفتح شهيتي للموت .

الميت  :      ولكن .. ( يتفحصه باستغراب ) أين كفنك ؟

صاحب القبر :     ليس الآن .

الميت  :    كيف ؟ كل الموتى عندما يأتون الى قبورهم يلبسون أكفانهم .

صاحب القبر :   لست ميتا ، أنا من الأحياء .

الميت  :    ( مؤكدا ) أنت شهيد إذن .

صاحب القبر :   ولــِـمَ عليّ أن أستشهد ؟

الميت  :    وماذا يفعل الناس في الحرب سوى الموت ؟ وماذا تحمل الأمهات في بطونهن سوى أكوام من الرجال ، ما أن يخرجوا حتى يرسلوا مباشرة للحرب!

صاحب القبر : ( يتلفت ) أنا هارب منها .

الميت   :   لا أحد يستطيع الهروب من بارودها .

صاحب القبر:   كما ترى .. ما زلت حيا .

الميت  :    حيا ؟ إذن لماذا أنت هنا ؟

صاحب القبر :   جئتك أيها الميت برجاء خاص .

الميت  :    ماذا يمكن أن أفعل لك أيها الحي والهارب من الحرب ؟ لا تقل لي أريد الإختباء معك في القبر ، كما ترى بالكاد يستوعب جثتي .

صاحب القبر :   لالالا ، أريدك أن تخرج من هذا القبر !

الميت  :    أخرج ؟! ولـِـمَ عليّ الخروج من قبري ؟

صاحب القبر :   لأن هذه الأرض التي دفنوك فيها أرضي بكل بساطة ، وهذا القبر هو قبري وسأدفن فيه عندما أموت بحسب وصيتي .

الميت  :    قبرك ؟ أعرف بأنني أحلم ، ولكن حتى لو كان حلما سأصرخ بوجهك : إذهب  من هنا أيها الحي ، دعني أكمل نشيدي الوطني .

صاحب القبر : ليس حلما أيها الميت ، لقد اشتريت أرض هذا القبر منذ سنوات  ، وعندي كل الأوراق القانونية التي تثبت أن الأرض ملكي .

الميت  :    المكان لا يحتمل الجنون .. كل شيء حقيقي هنا .

صاحب القبر : إنك تغتصب قبري .. هذا انتهاك لحقوق الموتى ، سأشكوك الى القضاء في  حالة امتناعك عن إخلاء المكان .

الميت  :     تشتكي على ميت ؟ كل شيء يمكن أن أتوقع من الأخوة الأحياء !

صاحب القبر : العدالة لا تعرف ميتا أو حيا !

الميت  :    هم وضعوني في هذه الحفرة .. ما شأني ؟

صاحب القبر :   وهذا هو الإحتلال .

الميت  :    الإحتلال ايضا ؟!

صاحب القبر :   إذا لم تخرج .. أنا مضطر لاستخدام العنف معك .

الميت  :     وأنا سأدافع عن قبري حتى آخر لحظة من جثتي .

صاحب القبر : ألا تخاف من غضب الله .

الميت  :     هو غاضب مني دائما .

صاحب القبر :  ستقذف في النار .

الميت  :     أحتاج فعلا الى دفء في قبري البارد .

صاحب القبر :  لا فائدة من الحديث مع ميت .

الميت  :     دعني أعيش في وطني .

صاحب القبر :  وطنك ؟ ماذا تعني ؟

الميت  :     القبر .. أحلى وطن ! كل شيء أبيض هنا رغم السواد .

صاحب القبر :  ( يصرخ به ) أنا أتحدث مع ميت لا يفهم لغة الأحياء .. سأموت أيها الرجل

عن قريب ، وأريد أن أدفن في هذا القبر الذي اشتريت أرضه بأموالي ، أنت

متجاوز على ملكي ، لا يصح ان ينام الموتى في قبر حواسم !

الميت  :     لم تعد التسميات تهمني .. يمكنك أن ترفع شكوى ضد من دفنوني هنا .

صاحب القبر :  وضدك أيضا .

الميت  :     أنا ميت .. هل تفهم ؟

صاحب القبر :  جثتك وضعت في مكان مغتصب ، ستخرج من هذا القبر بالقوة حتى لو كنت بقايا من عظام .

الميت  :     للموتى حرمة أيها الحي .

صاحب القبر :  وللأحياء حرمة أيضا .

الميت  :     وماذا يمكن أن أفعل الآن ؟

صاحب القبر :  أن تخرج من القبر وبهدوء دون ضجة .

الميت  :     أنا شهيد .. اقسم لك بأنني شهيد من شهداء الحرب الأخيرة .

صاحب القبر :  وهل يحق للشهداء الدفن في أرض لا يملكونها ؟

الميت  :      إفعل ما تشاء .. لن أخرج .

صاحب القبر :  ( بغضب ) ستخرج أيها الميت ، ستخرجين أيتها الجثة بالقوة ...( يخرج

صارخا ) جثة متفسخة ...

الميت  :      ( لوحده ) كنت جثة متفسخة ، أعيش الآن بكامل عطري ، في هذا القبر لا أتمنى شيئا إلا على طريقتي الخاصة ، أحلم أن اكون ملكا على سكان مملكة الأموات ، وفي الليلة الأخرى أحلم أن أكون أفقر فقير فيها ، هكذا أعيش كما أريد ( يصيح بصاحب القبر ) أيها الرجل .. الحياة هنا أيها الميت ، تعال لتكن حيا حقيقيا . كم هو بائس أنت تعيش في الدنيا عمرا كاملا غارقا بالوهم ...!

 

( يظهر "الموت" في المكان .. يحمل سجلا كبيرا ، هو

سجل الموتى كما يبدو من عنوانه )

 

الموت :    لـِـمَ كل هذا الصراخ ؟

الميت  :    مت ومازال الأحياء يطاردونني بطمعهم .. أين أهرب منهم ؟

الموت :    الموت كفيل بإنهاء كل تلك الاصوات .

الميت  :    انتظر .. ( يتفحصه ) لقد رأيتك من قبل ، صوتك ليس غريبا عني .

الموت :    أحمل خبرا سارا لك أيها الميت ؟

الميت  :    ومن أنت الآخر ؟

الموت :    أنا ...... ملك الموت !

الميت  :    ( مؤكدا بخوف ) نعم .. ملك الموت ، أنت هو ، لقد التقينا سابقا .

الموت :    وكان لقاء جميلا .

الميت  :    ( يضحك ) جدا ... !

الموت :    كيف حالك ؟

الميت  :    ( بهدوء ) كما ترى .

الموت :    لا تبدو سعيدا .

الميت  :    وهل تؤمن ان السعادة يمكن أن تدخل الى قبر  ؟

الموت :    ممكن .. عن طريق صحيفة أعمالك .

الميت  :    سوداء ومسخمة ! بالرغم من أنني لم أقترف ذنبا كبيرا ، أنا استشهدت من أجل الوطن وكان يفترض أن يصبح قبري روضة من رياض الجنة كما كانوا يقولون ذلك لنا في الحياة ، ولكن كما ترى لا شيء سوى الظلام و ... !

الموت :    ( يقاطعه ) ولكنك لم تستشهد !

الميت  :    ( باستغراب ) لم أستشهد ؟ كيف ؟ والحرب التي شاركت فيها ؟ ( يضحك ، يشير الى جسده ) والشظايا التي ملأت جسدي ؟ والدماء التي نزفتها على أرض الوطن ؟

الموت :    لا أعرف ( يشير الى السجل ) كل ما أعلمه انك لم تكتب شهيدا في سجل الموتى الكبير !

الميت  :    ( بسخرية ) ربما كنت ألعب ( يصرخ بالموت ) لقد كنت أقاتل من أجل شرف

الوطن كما كانوا يقولون ذلك .. هل تفهم ماذا يعني الشرف في الدنيا ؟

الموت :    وأنا هنا لكي أصحح هذا الخطأ .

الميت  :    الخطأ ؟ لقد مت وانتهى الأمر ، كيف تصحح الخطأ ؟

الموت :    اترك الأمر لي .. فقط أحتاج الى موافقتك .

الميت  :    ( يصرخ به ) ماذا تريد مني مرة أخرى ؟ روحي وقبضتها ، لا أملك روحا أخرى .

الموت :    لا تخف .. لقد جئت لمساعدتك .

الميت  :    أعيش هنا بهدوء ولا أحتاج مساعدات من أحد .

الموت :    ( يقرأ في ورقة من السجل ) أنت المدعو عواد بن حليمه  .

الميت  :    كنت ! كنت في تلك السنوات البائسة .. المدعو عواد بن حليمه .

الموت :    والآن ؟

الميت  :    ميت .. مجرد ميت .

الموت :    ( يبتسم ) أعرف بأنك ميت .

الميت  :    أنا في أتعس حال هنا في القبر .. ماذا تريد أكثر ؟

الموت :    لا شيء .. جئتك اليوم لكي أقدم لك اعتذاري !

الميت  :    تعتذرُ لي ؟ لماذا ؟

الموت :    عن الخطأ الذي حصل في موعد موتك !

الميت  :    خطأ في موعد موتي ؟ كيف ؟

الموت :    هناك أحد الاشخاص يحمل نفس اسمك واسم أمك ، وكان يفترض هو الذي يستشهد بدلا عنك !

الميت  :    بدلا عني ؟

الموت :    هو رجل آخر ولكنكما تتشابهان بالأسماء فقط .

الميت  :    لم أفهم شيئا .

الموت :    أنتما بنفس الإسم : عواد بن حليمه .. وقد قبضت روحك وكنت أعتقدها روحه

الميت  :    ( يضحك بقوة ) هذا يعني بأنني كان يجب أن أعيش ؟

الموت :    نعم .. هذا صحيح ، تشابهُ أسماءٍ ليس إلا .

الميت  :    ليس إلا ؟ ببساطة ؟ وهل يحدث هذا دائما معك ؟

الموت :    في بعض الحالات كحالتك .

الميت  :    وماذا تريد الآن ؟

الموت :    قلت لك جئت لتقديم الإعتذار أولا ، هذه ذمة كما تعرف .

الميت  :    وثانيا ؟

الموت :        يجب أن ترجع الى وطنك مرة أخرى ؟

الميت  :       أنا أرجع الى الوطن ؟ ما أروع ذلك ، هل تعلم بأنني منذ زمن لم أسمع بنكتة .

الموت :       أعني تستشهد من أجل وطنك استشهادا حقيقيا !

الميت  :     ( ساخرا ) لابد أن حربا جديدة قامت !

الموت :     اطمئن .. الحروب لا تنتهي .. ويمكنك ان تستشهد في الحرب الجديدة .

الميت  :     حرب أخرى ؟

الموت :     إنها على الأبواب .

الميت  :     ( يضحك ) استشهد مرة أخرى ؟ أأنت واثق من كلامك هذه المرة ؟

الموت :  بالتأكيد .. ( يشير الى احدى الاوراق في السجل ) هذه صفحتك وهذا موعد

استشهادك الصحيح !

الميت  :     ألا يوجد أي أحد يستشهد من أجل الوطن سواي .. أنا فقط من عليه أن يستشهد

مرتين من أجله ؟

الموت : الله أمرنا بذلك .

الميت  :  أمرنا لمرة واحدة ، هو قال ذلك ، ما ذنبي أموت مرة أخرى ؟ وأتحمل خطأك

فأستشهد مرتين ، جسدي قطعته الشظايا من أجل خطأ كما تقول ، وتريده أن

يتقطع مرة ثانية .

الموت : من يريد الجنة عليه أن يتحمل الشظايا والرصاص .

الميت  :    وأنا لا أريد الجنة ، لا أريدها .. لقد اعتدت هنا على قبري ، أفضل ُ البقاء في هذا

الظلام على العودة والاستشهاد من أجل الوطن مرة أخرى .

الموت :     اخجل قليلا ، إنه وطنك الذي احتضنك صغيرا وشابا.

الميت  :    ( يبتسم ) لا أتذكر بأنه احتضنني يوما .. عشت معدما ومشردا وجائعا ، وعندما

بدأت الحرب قذفوني بداخلها فاستشهدت فيها بقذيفة طائشة .

الموت : ( يصحح له ) قلت لك قتلت .. قتلت فيها .

الميت  : مهما كانت المفردات فهي لا تعني لي شيئا الآن !

الموت : حاول أن تساعدني في تصحيح الخطأ .

الميت  : وانت حاول أن تفهم بأننا نموت في حروب لا معنى لها .. رجل تجري في عروقة دماء القتل ، وعلينا أن نكون خرفان ضحايا لنزواته !

الموت : لا أتدخل في هذه القضايا .

الميت  : تحمّل خطأك واذهب من هنا أرجوك .

الموت : يجب أن تعود الى الحياة ، ويستشهد المواطن عواد بن حليمه الذي يشبهك باسمك

واسم أمك ، إنه ينتظر .

الميت  : وما علاقتي ؟ ليستشهد أو يضرب رأسه بألف حائط ، ما شأني ؟ لست  مسؤولا  عن ذلك .

الموت : هذا المواطن ينتظر الآن عودتك لينال شرف الإستشهاد ويدخل الجنة !

الميت  : ماذا أسمع ؟ مواطن ينتظر عودتي لكي يستشهد .. ما هذه الفوضى ؟

الموت : كيف ترضى أن تأخذ مكان غيرك ؟

الميت  : وهل قلت لأحد أقتلني وادفني ؟

الموت : يجب أن تعود الى الحياة .

الميت  : لن أعود  ولا أريد أن أستشهد أصلا .

الموت :    حاول أن تفكر بعقل ناضج ايها الميت .

الميت  :    أحب قبري ، إنه أجمل وأهدأ بكثير من الوطن .

الموت :    عندما تستشهد ستذهب مباشرة الى الجنة التي تجري من تحتها الأنهار .

الميت  :    لا أرغب العيش فيها ، القبر هو جنّتي ، اعتدت على ظلمته .

الموت :    حب الأوطان من الإيمان .

الميت  :    وأنا استشهدت من أجله .. ماذا أقدم له أكثر حتى يرضى ؟

الموت :    الوطن ...

الميت  :    ( يقاطعه ) لافتة طويلة .. هم يكتبون فيها ما يشاؤون وعلينا أن نأخذ لها تحية ،

لقد عرفت متأخرا أن الحياة الدنيا خرافة . دعني وشأني. أريد أن أنام .

الموت :    ستظل هنا الى الأبد في هذا القبر المظلم ، وربما سترسل بعد ذلك الى الجحيم .

الميت  :    أنت لا تصدق بأنني أعيش هنا بسلام !

الموت :    أهلك ينتظرون عودتك يا عواد بن حليمه .

الميت  :    لا أحد ينتظر عودتي .

الموت :    وزوجتك ؟

الميت  :   قلت لها في وصيتي أن تتزوج بعد موتي .. لابد أنها تزوجت وانجبت أطفالا ، هذا هو الوفاء في الدنيا ما أن يموت الزوج حتى تسارع الزوجات للبحث عن زوج جديد.

الموت :    لم تتزوج الى الآن .. هي بحاجة إليك .

الميت  :    حقا ؟ كم هي وفيه ! ولكن لا فائدة سأموت مرة أخرى .

الموت :    ستعيش لسنة واحدة .

الميت  :    وأقتل بعدها .

الموت :    ستستشهد . لا خيار أمام البشر ، الكل سيموت ، بهدوء ، صراخ ، بكاء ، بشظايا أو رصاص ، حرقا ، خنقا ، خسفا ... سيموتون كلهم .

الميت  : لا فرق عندي .. المهم بأنني ميت الآن .

الموت : سأستل روحك بهدوء في المرة الثانية .

الميت  :    ( يصرخ به ) ابتعد من هنا أرجوك ، اخرج من قبري ، لا يحق لك الدخول الى قبور الأخرين .

الموت :     سأبتعد .. حاول أن تفكر قليلا ، سأعود إليك في وقت آخر .

الميت  :    لا تعد .. سأكون نائما .

الموت :     نم .. ولكن الى حين ( يختفي )

الميت  :     ( يحاول اللحاق بالموت ) أين أنت ؟ أين ذهبت ؟ لا تعد الى هنا مرة أخرى ، أريد أن أكمل نشيدي الوطني ، لا يمكن أن يظل هذا القبر دون نشيد وطني وعلم أبيض بلون الهدوء ، أنا لا أحب ألوان الدنيا ، أريد أن أكتشف لونا قبريا جديدا . ( يعاود التلحين ، يطلق أصواتا غنائية قوية )

 

( تظهر الزوجة مسرعة ، ترتدي السواد ، تحمل بعض الثياب ، تبحث في المكان )

 

الزوجة   : أين هو ؟ أين ؟ زوجي الحبيب .. اخرج من قبرك ، ماذا تفعل هنا ؟ لـِـمَ كل هذا الزعيق الذي تطلقه لوحدك .

الميت     : ( بسعادة كبيرة ) زوجتي الحبيبة ، أخيرا .. ماتت زوجتي ، كم أنا سعيد أن نلتقي مرة أخرى وفي عالم آخر ، لوحدنا في هذا الظلام الجميل !

الزوجة   : انتظر .. لم أمت بعد .

الميت     : كيف ؟ لا تقولي جئت لقراءة سورة الفاتحة على روحك فقط .

الزوجة   : لالالالا .. أنا هنا لكي نكمل مشوارنا يا عمري .

الميت     : كوني واضحة .. هل انت ميتة أم لا ؟

الزوجة   : قلت لك لست ميتة .

الميت     : وماذا تفعلين في قبري اذا كنت لست بميتة ؟

الزوجة   : جئت من أجلك يا روحي .

الميت     : ( يصيح ) لم أعد أستوعب كلماتهم بسرعة يا ربي .

الزوجة   : ستعود معي الى الدنيا .

الميت     : أنت الأخرى إذن ؟

الزوجة   : أشعر بسعادة أنك ستعود لي مرة أخرى .

الميت          :   في حين أنا لا أشعر بسعادة .

الزوجة   : زوجي ؟

الميت     : كنت زوجك .

الزوجة   : ( تعطه الملابس ) خذ .. إنزع كفنك الآن وارتدِ  ثيابك .

الميت     : لا أحتاجها .. اعتدت على هذا الكفن .

الزوجة   : إنها ثيابك .. ما زلت أحتفظ  بعطرها .

الميت     : ( يشم الكفن ) فيه عطر ميت لا يزول .

الزوجة   : دعني أعانقك يا حبيبي ( تحاول ان تعانقه )

الميت     : ( يبتعد عنها ) لا يصح ان تعانقي جثة .

الزوجة   : ( بتقزز ) جثة ؟ ما بك ؟ أنا ما زلت أرتدي السواد من أجلك .. وتستقبلني بهذه المفردات التي لا يصح أن تسمعها لحبيبتك .

الميت          :   أنا لا أرفضك .. أرفض العودة الى الحياة .

الزوجة   : أنا زوجتك ، حبيبتك في الدنيا.

الميت          :   وأنا رجل ميت .. كيف تحبين عظاما ؟

الزوجة   : يا ربي .. ستعيش لسنة كاملة معي .

الميت          :   وسأقتل بعدها وأدفن ويأتي الدود ويأكلني ، ما هذه المهزلة ؟

الزوجة   : ( تصيح بقوة ) تستشهد !

الميت     : سميها ما شئتِ .

الزوجة   : أرجوك ان توافق من أجلي .

الميت          :   وأنت ابتعدي من أجلي .

الزوجة        :   هيا انهض ، لـِـمَ تنام هنا يا ربي ؟ انهض يا عمري .

الميت     : وأين ينام الموتى ؟

الزوجة   :        لست ميتا يا زوجي الحبيب .

الميت     : لم أعد زوجك .

الزوجة   :        العالم كله يعلم بأنني زوجتك ؟

الميت     : العالم كله يعلم بأنك الآن أرملة .

الزوجة   :        لالا .. أرجوك .. ستعود الى بيتك وزوجتك وأولادك .

الميت     : من أخبرك ؟

الزوجة   :        أخبرني البارحة ملك الموت بذلك .

الميت     : من يرتكب الأخطاء عليه أن يتحمل نهاياتها .

الزوجة   :        قال اذهبي الى قبر زوجك وأخرجيه .. لقد مات عن طريق الخطأ ، نهضت من نومي مسرعة ، غسلت وجهي وتوضأت وصليت صلاة الشكر لله ، وجئتك مسرعة لكي تعود معي ، ما بك ؟ عد أرجوك .

الميت     : عودي الى بيتك يا امرأة .

الزوجة   :        أنا حبيبتك .. أقسم لك بأنني حبيبتك .

الميت     : في الدنيا .

الزوجة   : وفي القبر والآخرة ، وعندما تقوم الساعة .. ستظل أنت حبيبي أبدا .

الميت     : قلبي لم يدفن معي .

الزوجة   :        سأعطيك قلبي ، عد معي فقط .

الميت     : أعيش بهدوء هنا .

الزوجة   :        أحتاجك .. أقسم لك بأنني أحتاجك ، أعني أن أولادك يحتاجونك .

الميت     : سأقتل مرة أخرى .. أنتم لا تفهمون ماذا يعني أن تخترق الشظايا الملتهبة هذا

الجسد الغض .

الزوجة   :        المهم أنك ستعود إلينا حتى ولو لساعة واحدة .

الميت     : ولماذا عليّ أن أقتل مرتين ؟

الزوجة   :        هم يقولون من أجل شرفنا !

الميت     : وهل أنا وحدي من يملك شرفا لكي أقتل من أجله مرتين .

الزوجة   : هذه قمة الشهادة .

الميت     : لم أقتل شهيدا في المرة الأولى كما قال لي ملك الموت .

الزوجة   :        لا عليك .. في المرة القادمة عندما تقتل ستكون شهيدا بإذن الله .

الميت     : اتركيني ، دعيني أعيش في قبري بسلام .. لا أريد الشهادة أيتها الأرملة .

الزوجة   :        ( تصرخ به ) لا تقل أرملة .

الميت     : كنت زوجتي وعندما قتلت في الحرب .. أصبحت أرملتي ، أين هي المشكلة ؟

الزوجة   :        قلت لك بأنني أحتاجك الآن ، أحتاجك ، أحتاجك ، أحتاجك ...

الميت     : وأنا لا أحتاجكم .

الزوجة   :        أنت زوجي .

الميت     : كنت .

الزوجة   :        جميع الرجال يتمنون الاستشهاد من أجل الوطن ..

الميت     : ( يقاطعها ) كل الموتى أصدقائي سئموا الإستشهاد من أجله .. إنها أكاذيب أيتها الأرملة ، يزجوننا في حروب لا معنى لها ، ويصنعون لها ألف شعار ، ولكنها حروبهم وليست حروبنا ، أنا هنا أرى الأشياء على حقيقتها !

الزوجة   :        ولكن الجود بالنفس ..

الميت     : يكفي لمرة واحدة أن تصبح مغفلا .

الزوجة   :        ( تصيح ) ما أتعسني من زوجة .

الميت     : ( يصحح لها ) أرملة ، أرملة ، أرملة .

الزوجة   :        ( تولول ) ما أتعسك أيتها الزوجة ، ما اتعسك ايتها الحبيبة .

الميت     : هذا موعد مجيء العقارب الى قبر عواد بن حليمه .. اذهبي .

الزوجة   :        العقارب ؟!

الميت     : وبعدها تأتي الأفاعي العملاقة .

الزوجة   :        تعال معي .. أتوسل إليك .

الميت     : القبر يضغط عليّ في كل ساعة .. ابتعدي من هنا .

الزوجة   :        ( خائفة ) ضغطة القبر ؟ اخرج معي .

الميت     : لا فائدة .. هذا هو وطني أيتها الأرملة .

الزوجة   : حاول أن تفكر يا حبيبي ، سأخرج الآن ، أنا خائفة ، لن أنتظر لحظة واحدة          هنا .. ( تخرج مسرعة بخوف ) يا ربي ماذا افعل ... ؟

الميت   :   ( لوحده ) أنا هنا أصنعُ وطنا لا يشبه أي وطن اخر ، ولا يشبه أي ظلام جميل آخر ، وأية جنة أخرى ، أحلم بطريقتي الخاصة ، أونُّ بكل مواويل الجنوب وأرى حزن الملائكة وهي ترتدي السواد من أجله .. أغني كل الأغاني التي كنت أشتهيها ، كتبت نشيدا وطنيا لقبري ، وأجريت استفتاءا مع نفسي على الدستور الذي أتمناه ، عَلمُ هذا الوطن .. قطعة حلم بيضاء بحجم هذا الكون علمي ، هنا ..لا تهمني ساعات التشغيل والاطفاء للكهرباء الوطنية ، ولا أبالي بارتفاع درجات الحرارة ، أضحك هنا في قبري بحجم البكاء الذي بكيته في الحياة ، أرقص كل ليلة على أنغام هذا الهدوء الذي يضمني حبيبا ، أحدّث نفسي عن شريط عمري الذي لم أفهم أي شيء منه ، أحكي لجاري الذي مات في الحرب الاولى عن مصائب الحرب الثانية ووجع الثالثة وخيبات الرابعة والخسارات الطويلة في حربنا الخامسة والسادسة ( يصرخ ) والعاشرة ... وهكذا نقضي الليل كله نتحدث عن حروب الوطن التي لا تنتهي ، تلك الحروب التي جعلت منا حطبا لمزاجها .

انا هنا أصنع وطنا ، في كل يوم أطلق عليه اسما حلوا وأشطبه ، واسميه في اليوم الثاني باسم آخر أكثر حلاوة وطراوة وأمسحه ، وهكذا كما أريد ، حتى انني غيّرت اسمي واسم أبي وأمي لألف مرة ، ولم يعترض أي أحد على الأسماء الجديدة لأطفالي .

( يصرخ ) أنا هنا أصنع وطنا من ظلام ...

 

( يظهر الرجل البديل عواد بن حليمه في المكان )

 

البديل     : هل تعرفني ؟

الميت     : ( يصيح به ) لا أريد زيارتكم .. أرجوك ان تغادر من هنا .

البديل          :   سأقرأ سورة الفاتحة من أجل روحك .

الميت     : لا أحتاجها .

البديل     : من أجل الثواب .

الميت     : لن تنفع معي .

البديل     : قد تنفعك .

الميت     : هيا اقرأها بسرعة واذهب .

البديل     : ( يقرأ سورة الفاتحة )

الميت     : شكرا لك ، هيا غادر ، مع ألف سلامة ، أريد أن أنام .

البديل     : أهكذا يستقبل الموتى ضيوفهم ؟

الميت     : القبر صغير الحجم لا يكاد يستوعب جثتي .

البديل     : لن أتأخر كثيرا .

الميت     :     من أنت ؟ لم أرك سابقا في الدنيا .

البديل     : أنا المدعو عواد بن حليمه .

الميت     : كيف والذي يقف أمامك هو عواد بن حليمه بدمه ولحمه ؟

البديل     : أعرف ذلك .

الميت     : أأنت من الموتى الجدد ؟

البديل     : لم أمت بعد .

الميت     : ولكن هذا المكان مخصص للموتى فقط .

البديل     : أنا ظلمت بسببك !

الميت     : اعتدت أن أكون مظلوما .

البديل     : أنت رجل طيب .

الميت     : أشكرك .

البديل     : ويجب أن نصل الى حل لقضيتنا .

الميت     : لا أعرفك .. وليست بيننا قضايا .

البديل     : ( يصرخ به ) قلت لك أنا عواد بن حليمه .. حليمه هي أمي ، وأنا عواد ابنها الكبير والوحيد .

الميت     : وما شأني ؟

البديل     : أنا من يفترض أن يستشهد بدلا عنك .

الميت     : أها .. أنت هو إذن .. ( ساخرا ) يا مرحبا يا مرحبا يا مرحبا.

البديل     : وبسببك لم أستشهد الى الآن .

الميت     : ملك الموت من أخطأ .. لا ذنب لي .

البديل     : ويجب أن يصحح هذا الخطأ !

الميت     : ماذا تقصد ؟

البديل     : عليك العودة الى الحياة مرة أخرى حتى يمكنني أن أستشهد.

الميت     : الحياة هنا أيها الرجل !

البديل     : أين ؟

الميت     : في هذا القبر .

البديل     : والظلمة ؟

الميت     : لا أرى ظلاما .

البديل     : والعذاب ؟

الميت     : أجمل ما يكون .

البديل     : ستعيش سنة كاملة كما قال لي ملك الموت .

الميت     : ليست هناك حياة خارج هذا القبر .

البديل     : لا يمكن أن تضحك على رجل خبِرَ الحياة جيدا .

الميت     : ولا يمكن أن تقنع ميتا خبِرَ حياة القبور جيدا !

البديل     : أتهمك بسرقة موتي .

الميت     : لست لصا .

البديل     : وكيف تكون السرقة إذن ؟

الميت     : أنا مجرد قتيل من قتلى الحرب ، هم وضعوني فيها وقالوا لي عليك أن تستشهد

من أجل أرضك وشرفك وعرضك وساعة " السوده " ، واستشهدت فعلا . ولا أعلم الى الآن لماذا تـُقتلُ الناس من أجل أرض لا تستوعب حتى جثثهم عندما يموتون ، إنظر ( يشير الى قبره ) إنها مجرد حفرة ، لا أعرف لماذا يقتل أحدنا الآخر بدعوى انتهاك الأرض ونصف أرض الله الواسعة لا يسكنها بشر ؟ لا أعرف فعلا !

البديل     : لا تخرج عن موضوعنا .
الميت     : لا مواضيع بيننا .

البديل     : من المعيب أن تسرق موتي أيها الرجل .. استح على نفسك .

الميت     : اذكروا محاسن موتاكم .

البديل     : عشت عمري كله أنتظر الشهادة وتأتي أنت بكل بساطة وتنهبها مني ! هل هذه من الأخلاق ؟

الميت     : ملك الموت من سلب روحي .. ما شأني ؟

البديل     : خطأ أيها الرجل ، حاول أن تفهم .

الميت     : إنك تتحدث مع ميت شبع من الموت .

البديل     : ويمكنه أن يصبح حيا .

الميت     : وأنا لا أريد العودة الى الحياة .

البديل     : من أجلي ستعود .

الميت     : اذهب لتستشهد بعيدا عني .

البديل     : هل ينفع أن أتوسل إليك ، أرجوك أن تخرج من هذا القبر .

الميت     : إنك لا تفهم .. اعتدت على حياة هادئة هنا  .

البديل     : ستكون مع أولادك وزوجتك وأحبائك ...

الميت     : هم يعيشون معي في هذا القبر .

البديل     : أحملك المسؤولية كاملة في تأخري عن الاستشهاد .

الميت     : لا تحاول معي .. غادر المكان حالا .

البديل     : سأشكوك الى الله في صلاتي ، وسأدعو عليك بنار جهنم وعذاب القبر وبئس المصير  .

الميت     : أعيش هنا كل هذه المتعة أيها الرجل .

البديل     : ( يصيح به ) لن أستسلم حتى اطردك من هذه الجنة كما تزعم .

الميت     : إفعل ما تشاء ...

البديل     : ( يخرج صارخا ) جثة متفسخة ، سأطردك أيتها العظام المنخورة ، سأطردك وأحل في مكانك ...

الميت     : ( يصرخ وراء البديل ) لن أعود الى الوطن مرة اخرى عنادا على الدنيا ، هذا القبر بكل ظلامه وطني ، بكل غربته وطني ،  كن قويا يا عواد بن حليمه ولا تدع الأحياء يغرونك بالحياة مرة أخرى ، لا أرغب ان تتقطع أحلامي مرة أخرى من أجل وطن ينكر بأنني كنت ضحية من ضحاياه ، وجعا من أوجاعه ، جائعا من جياعه ، لا أريدهم أن يضحكوا عليّ مرة أخرى ويزجونني في حرب جديدة وبشعارات أخرى ، وافترش في آخر الأمر قبرا من ظلام  .. ما أتعس ذلك ( يفترش القبر ) كم أحتاج أن أنام ... ( ينام )

 

 

( يظهر الموت والزوجة والبديل وصاحب القبر في المكان )

 

الموت    : دعونا نخرجه من هذا القبر .

صاحب القبر: سأقوم بهدم القبر على رأسه إذ لم يخرج .

الزوجة   : سأطلب منه الطلاق .. قد لا ينفع ، يمكن أن أرفع شكوى ضده وأطالبه بالنفقة الشرعية ، أو أجلبه لبيت الطاعة بالقوة .

البديل     : أنتم لا تعلمون بأنني اشتريت كفني ، وأهلي استعدوا لأيام العزاء ، زوجتي اشترت عشرات الثياب السود من أجلي ، الكل تهيا للبكاء على رحيلي ، لم يبق سوى أن استشهد وينتهي الأمر .. ماذا يمكن أن أفعل ؟ لا أستطيع تحمل البقاء أكثر .

الموت    : لم أر ميتا بهذا العناد .

صاحب القبر: ( يصرخ بالميت ) أنهض أيها الرجل .

البديل     : ( يحرك جسد الميت ) انهض ، هيا انهض ...

الميت     : ( ينهض فزعا ) ماذا يجري هنا ؟

الزوجة   : ( بفرح ) زوجي الحبيب .

الميت     : أووووووووه ...

الموت    : ماذا قلت أيها الميت ؟

الميت     : قلت : أووووووووووووه ...

الزوجة   : لا تتنصل عن مسؤولياتك كأب وزوج وحبيب .

صاحب القبر: ( يخرج مجموعة من الملفات ) كل هذه الملفات تشير أن هذا القبر الذي قمت باحتلاله هو قبري أيها الميت .

الميت     : ( لصاحب القبر ) وانت أيضا : أوووووووووووه ...

البديل     : لن أنتظر أكثر .. ( يصرخ بالميت ) أريد أن أستشهد ، هل تفهم ؟

الميت          :   ( بهدوء ) من سمح لكم الدخول الى قبري ؟

الزوجة   : أنا زوجتك .

الميت          :   وهذه ليست غرفة زفافنا كما ترين أيتها الأرملة .

الزوجة   : ( تصرخ به ) لا تقل أرمله .

الميت     : ( يكررها ) أرملة .

الزوجة   : قلت لك لا تقل أرملة .

الميت     : ( يكررها ) أرمله .

الزوجة   : يبوووووووي .

البديل     : ميت مزعج .

الميت     : ( للموت ) ألم أقل لك أن لا تدخل الى قبري مرة أخرى ؟

الموت    : أنا لا أحتاج الإذن من أي أحد للدخول إليه كم تعرف .

الميت     : ( لصاحب القبر ) وانت ؟

صاحب القبر: هذا قبري وأدخله متى ما أشاء .

البديل     : أنت متهم أيها الرجل بارتكاب جريمة اغتصاب شهادتي .. وهذه الجريمة هي الأولى من نوعها .

الميت     : ( بحزم ) لن أخرج من قبري .. ويمكنكم أن تضربوا رؤوسكم بأقرب حائط من هنا .

الزوجة   : أرجوك ، من أجل أطفالك ، هم ينتظرون عودتك أيها الحبيب .

الميت     : لا قلب عندي .. لم أعد أبا أو زوجا أو حيا .. أنا مجرد عظام ولكنكم لا تروني  على حقيقتي ، انا عظمة بجانب عظمة .. صدقوني .

الزوجة   : ما أبشعك يا زوجي .

الموت    : ( للميت ) ما بك ؟ كن لطيفا ، هو خطأ صغير ليس إلا .

البديل     : ما رأيك ان تخرج من قبرك ليوم واحد فقط ، استشهد أنا ، وبعدها يمكنك العودة إليه.

صاحب القبر: ما هذه الحلول .. إنها أنانية  ، وضرب بمصالح الأخرين .

الزوجة   : يوم واحد لا يكفي .

البديل     : لقد تعبت من الانتظار ، مللت.

الميت          :   لن أخرج حتى لدقيقة واحدة .

صاحب القبر: ميت عنيد .. القانون سيتكفل بإخراجك بالقوة .

الميت     : القانون لا يحاكم الموتى .

الزوجة   : ( يصرخ به ) أعرف بأن عروقك جف فيها الحب ، ولكن لا يهم ، يمكن أن ترجع الحياة إليها ، أرجوك أن تخرج حالا من أجل روحي  .

الميت     : حتى الصراخ هنا في القبر يأتي هادئا .. ليس كصراخكم في الدنيا .

الموت    : إنك لا تملك قلبا .. زوجتك تحترق من أجلك ، وأنت تقف كالميت أمام روحها.

الميت    : لا شيء في الدنيا يدعوني العودة إليها ، الحياة خرافة نعيشها ونحاول أن نصدق هذه الكذبة ، ولكنها أكبر خرافة في رؤوسنا ، أنا ميت حقيقي ، ميت بكامل قواي العقلية ، ميت من دم ولحم ، ميت من وجع وشظايا وبارود ودخان وحرب ولطم وصراخ ، غادرت عالمك الميت الى عالم أرى كل شيء فيه على حقيقته ، انتهت سيرتي في دنياكم ، وأغلق ملف عواد بن حليمه الى الأبد ، بعد أن قتلت وخرجت الدماء من جسدي ، وقطعت الحرب أجزائي ، وقد قاموا بغسلي ودفني وانتهى الامر ، لا يمكن أن أرجع مرة أخرى لكل تلك التفاصيل الموجعة .. لـــم لا تفهمون ؟

البديل    : ( بيأس ) هذا يعني بأنني لن أستشهد يا ربي .. أي حظ عاثر أن يتحكم الموتى بمصائر الأحياء.

صاحب القبر: أنا صاحب حق في هذا القبر ، وسأشكوك الى ... الى من ؟ سأشكوك الى الله.

الميت    : أنا ميت مبلل لا أخاف من مطر شكواك .

الزوجة  :  ( تصيح ) من هذا الذي يقف أمامي ؟ أكاد لا أعرفه ( تصيح أكثر ) أنت لست زوجي ( تولول ) ولست عواد بن حليمه ...

الميت    : ( يصيح بها هو الآخر ) ميت .. أقسم لك بأنني ميت ميت ميت .

الموت   :  حي .. أنت حي ، يجب أن تكون حيا ، أنا في موقف محرج ، أتفهم ؟

الميت    : ( يصرخ بهم ) عليكم الخروج من قبري حالا ، لا أريد أن أراكم لأنني لا أحبكم أيها الأحياء ، أريد العيش بهدوء هنا ، دعوني مع السعادة التي خلقتها في هذا المكان المظلم ( أكثر صراخا ، يشير لهم بإصبعه ) اخرجوا ، اخرجوا من قبري ، لقد شبعت من رؤية وجوهكم في الحياة ، اخرجوا حالا ،             لا أحبكم ، لا أتمنى سوى العيش هنا بسلام ، لقد تعبت من مفردات حروبكم ورصاصكم ودوي مدافعكم ودباباتكم ، انام واستيقظ  متى ما أشاء ، ولا أحد يجبرني هنا أن أحب أو أكره  ( يصرخ بصوت عال ) هيا اخرجوا ، اخرجوا من القبر أيها الموتى ... ( يفتح باب القبر ، يقوم بإخراجهم بالقوة ويغلق الباب وراءهم بعنف ، يغطي كامل جسده بالكفن وينام بهدوء )

 

( انتهت )

علي عبد النبي الزيدي

2012

Ali_zaidi65@yahoo.com

 

تنبيه : لا يجوز إخراج هذا النص من قبل المخرجين العراقيين أو العرب دون موافقة المؤلف عن طريق الإيميل الخاص به ، ولا أسمح على الإطلاق كتابة كلمة           ( إعداد ) من قبل المخرجين على جميع نصوصي ومنها هذا النص ، فليس من مهام أي مخرج إعداد النصوص الأدبية بل قراءتها كعرض على خشبة المسرح.

علي عبد النبي الزيدي


التعليقات

الاسم: انور كاظم ضيدان
التاريخ: 2020-07-17 02:02:35
استاذ علي مرحبا بك
انا طالب كلية الفنون الجميله ومحتاج هذا النص من اجبل تمثيله ارجو الرد
07829839413 وات ساب او تلي كرام

الاسم: الاعلامي حيدر العبادي من ذي قار
التاريخ: 2019-10-09 13:36:54
السلام عليكم استاذ عبدالنبي الزيدي
شكرا لكم على المسرحية الجميلة انها في غايت الروعة
اطلب من حضرتكم بالاذن الي بالموافقة في تقديم السرحية داخل الكلية الاعلام بمشاركة طلاب
انتضر الرد 0773 207 1901

الاسم: صادق المياحي
التاريخ: 2016-05-07 18:53:05
نص بغاية الروعة ... سلمت ايها العراقي الاصيل

الاسم: علي عبد النبي الزيدي
التاريخ: 2012-12-28 15:22:37
الفنانة المسرحية الكبيرة في كل شيء..
سعاد عبد الرزاق
شكرا لروحك ناصعة البياض وهي تؤكد على بياضي ، هذا النص يا سيدتي جزء من ألم طويل أحاول من خلاله قراءة الواقع العراقي مابعد الخرافي ، هو واحد من شطحاتي التي ستقتلني يوما ، فهذا الرأس لا يكف عن السفر باتجاه السماءابدا .
محبتي لك بحجم العراق الذي تورطت بحبه .

الاسم: سعاد عبد الرزاق
التاريخ: 2012-12-27 08:47:59
أنا هنا اصنع وطنا من ظلام.. كم هي ساخرة ومعبرة ومختزلة لروح النص . ألا آن الأون لنصنع وطنامن نور لنضيء الطريق لبعضنا البعض.....نص أسطوري يجسد مأسات شعب بكامله وجدال أفترضه الكاتب من صميم الأحداث التي مرت بالوطن. يدهشني ويستفزني أحساس الكاتب علي الزيدي مفكر دؤب لايمل من اللعب يمزج الخيال مع الواقع ليمتعنا بأعمال تجعلنا أمام تاريخ بات الأخرون نسيانه .. سلم الفكر والقلم الذي سطر هذا الواقع الخرافي ....سعاد عبد الرزاق

الاسم: علي عبد النبي الزيدي
التاريخ: 2012-12-24 19:45:51
صديقي الاروع حمد الله الركابي .. لصيقي الجميل
كل الحب لك
انا سعيد بهذه الكلمات التي قرأت النص قراءة فاحصة وقريبة من شطحاتي . انه الواقع الذي قذفنا فيه رغما عنا ، واقعنا الخرافي ! شكرا لمحبتك ايها النبيل

الاسم: علي عبد النبي الزيدي
التاريخ: 2012-12-24 19:43:23
حبيبي فراس .. شكرا لمرورك الكريم . محبتي لك ابدا

الاسم: فـــــــراس حمــــــــــودي الحـــــــــــربي
التاريخ: 2012-12-24 12:31:11
علي عبد النبي الزيدي

.................................. ///// جهود وأعمال مباركة أيها الأحبة لكم الرقي والإبداع أن شاء الله تستحقون الثناء بما تقومون به دمتم برعاية الله



تحياتـــــــــي فـــــــــــراس حمــــــــــودي الحـــــــــــربي ........................... سفير النـــــــــــــوايا الحسنـــــــــــــــــــة

الاسم: حمدالله الركابي
التاريخ: 2012-12-24 11:37:19

الأستاذ علي عبد النبي الزيدي
لقد أبدعت كثيراً في هذه المسرحية بل إنها ملحمة كاملة توثق وتكشف حجم الألم والفواجع التي تركتها الحروب، أنت تعالج موضوعاً خطيراً يمثل جزء من تاريخنا، نعم أيها الزيدي إنها الحرب التي أكلت خيرة شباب الوطن، وكم أنت رائع عندما تسلط الضوء على هذا الموروث، وتكشف الشعارات الفارغة التي كان يسوقها النظام البعثي لأجل شرعة حروبه تحت شعارات ويافطات عريضة، الحرب هاجس مخيف ومرعب لم يغادر مخيلتنا وكأن الحرب لاتجد سوى أرضنا موطناً لها، بورك هذا القلم الذي ينزف وجعاً سومرياً اصيلاً، بورك هذا الابداع العراقي الذي يحق لنا أن نفخر فيه كوننا أصحاب السبق في بلاد الرافدين.
دام إبداعك أيها الجنوبي الرائع
حمدالله الركابي




5000