.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الرحلة العصيبة...قصة قصيرة

رمزي العبيدي

إنَّه مِن مواليد 25/2/1974م ، في محافظة ( بابل ) العراقية ، لأبٍ كانَ يشتغل بالتعليم ، وأمٍ بغدادية لا تعرف القراءة والكتابة ، وهو أكبر أخوته الأربعة ، لكنَّه أقلُّهم في التحصيل المدرسي ، إذ لمْ يكمل دراسته الجامعية في أحدِ أقسام اللغة العربية في جامعة ما من جامعات بغداد ، بسبب قسوة ظروفه الاقتصادية في تسعينيات القرن الفائت والحصار الذي كانَ مفروضاً على بلده العراق نتيجة تصرُّفات حاكمه الهوجاء وأفعاله النكراء ؛ كان يشتغلُ وقتذاك عاملَ كهرباء ليساعد والده المُسنَّ على صعوبات الحياة ، وحتى يكملَ أخوته دراستهم في كليات الطب والهندسة والمدارس الثانوية ، وكانَ قد وصلَ إلى المرحلة الثالثة في قسم اللغة العربية ذاك ، وكان ترتيبه الأوَّل على طلابه ، وظلَّ يعيد ويؤجِّل السنة تلو الأخرى ، حتى فصلوه من الجامعة في العام الدراسي 1996 _ 1997م .

تحوَّلَ بعدها لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية ، فخدمَ خمسةً وخمسينَ يوماً ـ من أصل سبعينَ ـ في مركز تدريب بغداد الأساسي الثالث بمنطقة ( التاجي ) شمال بغداد ، ليتأجَّلَ بعدها لمدَّة خمسة أعوام لأسباب إنسانية ، وكان هذا التأجيل عن طريق الصدفة المحضة ، فقد دعسَتْ سيارة أحدَ الأطفال أمامه في مرآب الكاظمية ـ وهو عائدٌ إلى بيته من وحدته العسكرية مرتدياً لباسها ـ وما كان منه إلا أنْ حملَ الطفل بدون تردُّدٍ أو تفكير إلى مستشفى الكاظمية التعليمي ليسعفه بعد أنْ هربَ السائق الداعسُ إلى جهةٍ مجهولة ، وهنا تمَّ توقيفه من قبل رجال الشرطة المتواجدينَ في ذاك المستشفى ، واتصلوا بدورية الانضباط العسكري ليأتوا ويأخذوه إلى سجنهم المعروف بـ ( الحارثية ) في معسكر الرشيد ، لأنَّه عسكري ولا يحقُّ للشرطة المحليَّة توقيفه ، وعبثاً حاولَ إفهامهم أنَّه ليسَ مَن دَعس الصبيَّ بلْ مَن أنقذه وأسعفه ، لكنَّهم كانوا (( وكأنَّ على رؤوسهم الطير )) ! ، وكانَ كمَن يتحدَّث مع نفسه ، إلى أنْ أنصفه الربُّ في اللحظة الأخيرة بعدما وضع منتسبو دورية الانضباط العسكري الأغلال في يديه وهمُّوا باقتياده خارج مبنى المستشفى ، بأنْ صار قبالتهم وقبالته والد الصغير المدعوس بالسيارة ومعه شخصان من منطقة الكاظمية يعرفانه تصادَف وجودهما بمحلِّ الحادث ، وشهدا بما رأياه ، وأكَّدَتْ شهادتهما بدلته العسكرية التي كانتْ مضرَّجة بدم الصبي ، فَفُكَّتْ الأغلال من يده وشكره الجميع ، واعتذر منه كلٌّ من رجال الشرطة والانضباط العسكري على سوءِ معاملتهم له وكانوا خجلينَ أنفسهم ، ولكنَّ والد الطفل لم يسكت عنهم ، فأخذ له حقَّه منهم ، ووصلَ به الأمرُ إلى حدِّ شتمهم وتعنيفهم على فعلتهم النكراء معه ، فقد كانَ يشتغلُ سائقاً برتبة نائب ضابط عند أحد معاونِي رئيس أركان الجيش .

بالغَ الوالد في شكره للرجل ، وأصرَّ على أنْ يردَّ له المعروف والجميل ، بأنْ ينقله إلى مكان هادِئ يرتاح فيه أثناء تأديته خدمته العسكرية ، فقال له ممتناً : ( ممنون آني ما أريد منك شي ) ، لكنَّ الوالد الكريمَ أصرَّ وألحَّ وحلفَ بكلِّ مقدَّساته ومعتقداته ، فقال له ليعجِّزه العبارة التالية : ( تكدر عمِّي اطلِّعني من الجيش ، هوة الجيش ما بي راحة وين ما كان هوَّة جيش ، تكدر اطلعني حتى أشتغل وأساعد أهلي ) ، وما كانَ يريد من قولته هذه له إلا أنْ يتركه بحاله لظنِّه بأنَّه لا يقدر ، لكنَّه ضحكَ وقال : ( بسيطة بسيطة .. كلش سهلة ، هاي البسيطة .. وهاي أبسط منها ماكو ) ، فأخذ اسمه عنوانه العسكري ، وانصرفَ كلُّ منهما لحاله ؛ وجاءَه بعد أسبوع إلى وحدته العسكرية ومعه أمر من وزارة الدفاع / رئاسة أركان الجيش ، معنون إلى مديرية إدارة المراتب وعن طريقها إلى مركز التدريب الذي يداوم فيه ، بتأجيل خدمته العسكرية لمدَّة خمس سنوات لأسباب إنسانية ، فلم يصدِّق نفسه وما هو فيه ، وأيقنَ أنَّ الدنيا لا تزال بخير ! .

وقبلَ أنْ تنتهي السنينُ الخمسة كانَ أخوينِ له قد تخرَّجا من جامعتيهما ، فتحسَّنَتْ أحوال أسرته المعيشيَّة ، تقدَّمَ إلى الكلية العسكرية بطلب لينتسبَ إليها ويحصل على شهادتها ـ التي اسمها شهادة ! ـ ووظيفة يعيش منها بقيَّة عمره ، ولم تكنْ فكرة الانتساب إلى الكلية العسكرية فكرته ، بلْ كانتْ فكرة ذينكَ الأخوينِ اللذينِ درسَا في كلِّيتَينِ مدنيَّتينِ على نفقة وزارة الدفاع ، وتخرَّجا منها ليداوما في الكلية العسكرية الثانية ويصبحا ضابطينِ باختصاصيهما : الطب والهندسة ؛ فسمعَ كلامهما وقبل نصيحتيهما ، فتقدَّمَ وقُبِلَ ، ثمَّ تخرَّجَ ضابطاً برتبة ملازم في العام 2002م ؛ ويا ليته ما تخرَّجَ ، فقد تمَّ تنسيبه إلى مديرية الصنف الإداري وعينة الجيش كضابط إداري ، ونقله إلى إحدى وحدات المشاة ـ بعد إكماله دورة الصنف بمدرسة الشؤون الإدارية للضباط / معسكر الرشيد ـ في منطقة قضاء بيجي بمحافظة ( صلاح الدين ) ؛ وهنا كانتْ الطامة الكبرى والصدمَة الهائلة ، لأنَّه اكتشفَ الدولة العراقية على حقيقتها ، فوجدَ نفسه بين مجموعة من الفاسدينَ أو شلَّة من الحرامية وقساة القلوب ، فكانوا مثلاً يقسونَ على الجندي في التدريب لا ليعلموه بلْ ليبتزوه فيُجبَر على أنْ يدفع لهم ، عندها تحسَّرَ على نفسه وأسِفَ على حياته التي عاشها وأدركَ أنَّه لم يفهم منها شيئاً ! ، وقرَّرَ أنْ لا يكون مثلهم ، حتى لو كلَّفه ذلك نزع رتبته العسكرية من على كتفيه ، فكانَ يصادِق المراتب والجنود ويمزح معهم كثيراً ليخفِّف عنهم الظلم الذي يتعرَّضونَ له ، ويتربَّع ليأكلَ معهم في قصعتهم ، ولا يأكلُ في مطعم ( بهو ) الضباط ، ويجلسهم في غرفته ويسامرهم ، ولا يقبل منهم التحية العسكرية ، ويقول لهم : أدُّوها لآمر الوحدة أو الضابط الأقدم منِّي عندما أكون معه وهي ستصل إليَّ ، فكانوا لا يخافونَ منه بلْ يحبُّونه ويحترمونه ، وينفِّذونَ كلَّ ما يطلب منهم إرضاءً لخاطرهِ لا لرتبته وسلطته ، وفي الحرب الأخيرة افتداه بعضهم بأرواحهم ، ومنهم من بقي معه إلى الأخير ولمْ يهربْ إلى أنْ انسحبَ منها ، فانسحبوا معه بعدما سُحِقَتْ وحدتهم العسكرية ؛ والطريف أنَّ كلَّ مَن لمْ يبقَ معه جاءَه قبل هروبه وأخبره بأنَّه سيهربُ ، وطلبَ منه أنْ يهربَ معه ، وكانتْ كلُّ أعمالهم وتصرُّفاتهم هذه نتيجة معاملته الطيبة لهم ؛ وكذلك كانَ ينجز معاملات تسريح من يستحق التسريح منهم دون أنْ يبتزَّهم ولا يسمح لأحد أنْ يبتزَّهم أيضاً حتى آمر الوحدة ، وبسبب هذا كلِّه كان كلُّ زملائه الضباط ـ إلا واحداً ـ يكرهونه ولا يطيقونه ولا يرغبونَ بمجالسته أو مصاحبته ، وكانت بينه وبينهم ما يعرف بـ : ( مصانع الحدَّاد ) ، ويقولونَ له معيِّرينَ دائماً ومنكرينَ عليه محبَّة جنوده : ( إنت مو مال ضابط ، إنت أكثرك تكون نايب ضابط ) ، ولم يكن ذلك يهمُّه ، ولم يكترث له .

في فجر يوم 7/4/2003م ، وبعد أنْ انسحقَتْ سرية مقر لواء المشاة الذي كانَ يشغل فيها منصبَ الضابط الإداري برتبة ملازم ، ولمْ يبقَ من أفرادها ومنتسبيها غيره مع ضابطٍ آخر برتبة مقدَّم وثلاثة جنود ؛ عاد إلى بيته في بغداد ، وما أدراكم كيفَ كانتْ تلك العودة المشؤومة ؟ ! ؛ كانتْ مشياً على الأقدام في معظمها ، ومن ذلك المكان النائي البعيد المعروف في الخارطة العسكرية بـ : ( السكرية ) ، وهي منطقة تقع بين مدينتي ( حديثة وبيجي ) في منطقة العراق المتموِّجة أو على خارطته اللعينة ، واستمرَّتْ مدَّة يومينِ ونصف اليوم تقريباً ، لم يذق المسكينُ للنوم طعماً في أولهما ، فلم لم ينَمْ إلا سويعاتٍ قليلاتٍ معدوداتٍ قلقاتٍ في ثانيهما ، لم تكفِه أو ترح بدنه الذي بلغ منه التعب والإعياء ما بلغ ، وكذا شُلَّ تفكيره ، وفُقِد تركيزه .

لم يمشِ صاحبنا في بداية رحلته العصيبة على شارع عام أو طريق معبَّد ، بلْ مشى مع سكَّة القطار التي يعرفها جيداً تمتدُّ من مدينة ( بيجي ) إلى بغداد جنوباً ومنها إلى الموصل شمالاً ، ولم تكن هناك نقطةٌ دالة لتحديد أيٍّ من الشمال أو الجنوب أو غيرهما ، لكن ومِن حسن حظِّهِ أنْ كانتْ معه ( بوصلة ) حدَّدَ بها أو عن طريقها اتجاه الجنوب المؤدِّي إلى بغداد بأنْ سارَ عكس اتجاه الشمال الذي تشير إليه دائماً .

كانَ يرتدي ملابسه العسكرية ، ورتبته متعلِّقة فوق كتفيه ، ويحملُ سلاحه الخفيف التقليدي المعروف ( الكلاشنكوف ) بيده ، ويضع مسدَّسه ( طارق 9 ملم ) في خاصرته ، ومعه ناظور ( دربين ) ، وبعض القنابل ( الرمانات ) اليدوية ، لكنَّه لم يستخدمها كلَّها أو بعضها في قتل أحدٍ من البشر أيِّ بشر ، ولم يستخدمها حتى في قتل الكلاب السائبة والأفاعي التي اعترضَتْ طريقه وطريق جنوده الثلاثة الذين رافقوه في هذه الأيَّام العصيبة التي لم يستطع نسيانها رغم كثرة محاولاته ، ومنعَ أحدهم أيضاً أنْ يقتل كلباً ألحَّ في مطاردتهم والعواء وراءَهم ، وأمره أنْ يطلق النار في الهواء أو فوقه ليذهب عنهم ويتركهم بحالهم ويحلَّ عنهم أو عن سبيلهم ؛ أمَّا الضابط الذي هو برتبة مقدَّم الذي أفلتَ من مَلَكِ الموت مثلهم ، فقد اتَّجه منفرداً وحده شمالاً باتجاه دارٍ لأحد أقاربه في مدينة ( بيجي ) ، ولم يكلِّف نفسه حتى دعوتهم للذهاب معه ليحميهم أو ليحتمونَ به ، فقد ودَّعهم بقوله أو عبارته التي ما يزال يذكرها جيداً : ( الله ويَّاكم ) ، عند وصولهم إلى سكة القطار ؛ وكان قبلَ ساعاتٍ قد حفرَ مع جنوده أنفسهم الذين معه تلك الحفرة العميقة ليخرجوه من الملجأ الذي تهدَّمَ فوق رأسه نتيجة قصف قوات التحالف ، لاحظوا كيفَ ردَّ الجميل والمعروف وجازى المروءة والإحسان وكافأه وكافأهم بقوله : ( الله وياكم ) ! .

كانَ وجنوده أثناء سيرهم يبتعدونَ عن سكة القطار عندما تقتربُ من المدن الواقعة على الطريق ليتجنَّبوا سيطرات الانضباط العسكري وحواجز البعثيينَ على طرقاتها ، فلمْ يكونوا قد سمعوا الأخبار ، لذا لم يكونوا يدرونَ ماذا جرى أو يجري في الدنيا ، لكنَّهم واعون لما صارَتْ عليه حالة وحدتهم العسكرية فقط ، وكانَ أوَّل ابتعادٍ لهم عن سكة القطار هو عندما اقتربَتْ مِن مدينة تكريت ، متجهينَ بمعاونة البوصلة إلى الجنوب الغربي من مكانها ، حتى لا يفقدوا كثيراً أو ليكسبوا بعضاً من مسافةٍ إلى الأمام تفيدهم في وجهتهم ، فلو اتجهوا غرباً فقط سيكونونَ قد بذلوا جهداً أكبر وقطعوا إلى الأمام شوطاً أقلَّ عندما يعودونَ إليها ليكملوا طريقهم .

لا تستغربوا يا أصدقائي الأعزاء من هذا التفصيل المملِّ في الوجهات ولا تتعجَّبوا ، فلو كنتم قد خدمتم في أحدى وحدات المشاة أو غيرها من وحدات الجيش العراقي السابق ، لتولَّد عندكم ما يُعرَف بالإحساس بالاتجاهات أو شيءٌ منه ، وتجمَّعَتْ عندكم خبرة أكثر من التي عندهم وعندي فيها ؛ قلْتُ : كانَ ابتعادهم الأوَّل عن سكة القطار عندما اقتربَتْ من مدينة تكريت باتجاه الجنوب الغربي ، انحرفوا عنها بعد مرورهم بدورٍ لعسكريينَ من المراتب كانوا يداومونَ في كلية القوة الجوية وقد أسكنوا في هذه البيوت ، محاولينَ أولاً الابتعاد عن سياج تلك الكلية هناك ، فقد اضطرُّوا  للزحف على بطونهم عشرات الأمتار حتى يبتعدوا عن أبراج حمايتها ، مع العرض أيضاً أنَّهم لم يكونوا يدرونَ ما الذي وصل إليه حال منتسبيها ، لكنَّهم ابتعدوا خوفاً وحذراً ؛ ثمَّ الابتعاد عن سيطرة ( تكريت بيجي ) ، واستفادوا من طبيعة تلك المنطقة الجغرافية في التخفي والتضليل ، وكان هذا الابتعاد طويلاً جداً ، ليتجنَّبوا ويبتعدوا عن مدينة ( تكريت ) ، ثمَّ بعدها مدينة ( الدور ) ، ثمَّ تلك القرية على الطريق والمعروفة بـ ( مكيشيفة ) ، وقد توغلوا كثيراً في الجنوب الغربي حتى وجدوا أنفسهم قرب بحيرة ( الثرثار ) ، ولم يتوقفوا عن التوغل في هذا الجنوب الغربي إلى أنْ لمحُوا المدرَّعات الأمريكية فيها ، فلمْ يكن أمامهم إلا أنْ يتجهوا إلى الجنوب الشرقي بحذر ، وهنا قد بدأ أوَّل الظلام يخيِّم على رؤوسهم مع تعب بدأ يظهر على أجسادهم الخاوية التي لم تدخلها أيَّة لقمة رغيف من أوَّل فجر ذلك اليوم العصيب ، ليصلوا مع منتصف الليل أو بعده بقليل إلى سكة القطار مرَّة أخرى ، ولمْ يدركوا أينَ هم ؟ ، إلا أنَّهم تركوها ليصلوا إلى الطريق العام ، فوجدوا أنفسهم قبل مدينة ( سامراء ) ببضعة كيلومترات ، وهنا خلصَتْ طاقتهم ولم تعد أقدامهم قادرة على حملهم ، وقفوا على الشارع العام ، وكانتْ السيارات قليلة جداً بل معدودة ، ولم يكلِّف أحد نفسه رغم توسُّلهم بجميع مَن مرَّ بهم أنْ يقف ليقلَّهم معه ، حتى مرَّتْ مجتازة لهم سيارة عسكرية ـ نوع ( بيك آب ) حديث ـ بها ضابط برتبة نقيب ، تبيَّن لهم بعد تحاوروا معه فيما بعد أنَّه من أبناء مدينة ( النجف ) ، ومعه سائق برتبة عريف من أهالي ( سامراء ) ، كانا يرومانِ الذهاب جنوباً إلى معسكر ( التاجي ) ببغداد لأداء مهمَّة ما ، توقَّفَتْ هذه السيارة بعد أنْ اجتازتهم بعدَّة أمتار ، وعادَتْ إلى الخلف باتجاههم أو نحوهم ، ونزَل منها هذا الضابط النقيب ، وسلَّم هو عليهم واستفسرَ عن أحوالهم ، فأخبروه بما جرى معهم وما عانوه في طريقهم ، فعرضَ عليهم أنْ يوصلهم في طريقه الذي ينتهي بمعسكر ( التاجي ) ومستودعاته ، فقد كان يريد أنْ يجلبَ عتاداً لوحدته التي تقع في الموصل ، إلا أنَّهم نصحوه أنْ لا يكملَ مهمَّته ويعود إلى بيته وأولاده الذينَ هم بحاجة إليه ، لأنَّ الأمرَ منتهيٌ أو المعركة محسومة ، لكنَّه لم يسمع نصيحتهم ولم يستجبْ لهم ، لأنَّ وحدته العسكرية لم تتعرض بعد لقصفٍ ، أو إنَّهم لم يروا القوات الأمريكية بعدُ ، وقد رجوه أنْ ينحرفَ عن مساره ليوصلهم إلى داخل مدينة ( سامراء ) ، أو يقلَّهم إلى مشارفها إنْ استطاع ، استجاب الرجل بطيبةٍ ولطفٍ وسماحةٍ دماثة خُلق ٍ ، رغم عدم اقتناعه بانسحابهم من هذه المعركة المزعومة وغير المتكافئة ، فأوصلهم إلى ( الكراج الجديد في سامراء ) ، وكانت الساعة الثالثة والنصف فجراً عندما نزلوا من سيَّارته ، شكروا له فضله ، وأثنوا على جميله ومعروفه ، وتركَوا له سلاحهم كلَّه ، وأخبروه أنَّهم لمْ يعودوا بحاجة له ، فقد انتهى كلُّ شيءٍ بالنسبة لهم ، ثمَّ ودَّعهم ليكمل طريقه .

كان هذا المكان ـ ( كراج سامراء الجديد ) ـ خالياً من الناس والسيارات ، وفيه بعض الدكاكين أو ( أكشاك ) لبيع الشاي والسكائر وبعض المأكولات ، ولم تكنْ كلُّها مفتوحة ساعتها ، توجَّه إلى أحدها ولمْ يجد عنده طعاماً ، كما لم يجد عند غيره ، فاشترى منه بعض علب من البسكويت ( بسكت ماري ) له ولجنوده ، وطلبَ منه أنْ يشعل ناره ويحضِّرَ لهم شاياً ، وافق بعد تأفُّفٍ وتذمُّرٍ ! ، ولم يوافق غيره ! ، وكان هذا المأكول ( البسكويت ) ألذَّ طعامٍ أكلوه في حياتهم ، أو هكذا أحسُّوا بعد شدَّة الجوع الذي تمكَّن منهم ، ويومها عرفُوا معنى أو عذرُوا الذينَ قالوا بأنَّ ( الجوع كافر ) ، نامَ ونامَ كلُّ من جنوده نوماً عميقاً على مصطباتٍ في ذلك ( الكراج ) ، حتى استفاقوا في الساعة الخامسة والنصف على صوت أحد سائقي سيارات النقل المعروفة بـ ( الكيَّات ) وهو يصيح ( بغداد ، بغداد ، بغداد ، .......... ) بصوتٍ عالٍ ومزعج ، طلب منه أحد جنوده أنْ يركبوا معه ، لكنَّه قال لهم : علينا أنْ نتخلَّص من ملابسنا العسكرية أولاً ، ذهبَ إلى صاحب الدكان ( الكشك ) وطلبَ منه أنْ يدبِّر لهم ملابس مدنية أو اللباس العربي المعروف بـ ( الدشاديش ) مقابل ما يطلبه أو من مال أو يفرضه عليهم من ثمن ، فقد كان يحمل ما تبقَّى من راتبهِ للشهرينِ اللذينِ قبضهما مقدَّماً ، وبالتحديد مبلغ ( 160000 ) ألف دينار عراقي وبعض الفكَّة ( الخردة ) ، لأنَّ القائد الضرورة الملهم والأوحد كانَ قد زيَّد رواتبهم في الأشهر الثلاثة قبل الضربة الأمريكية إلى الضعف تقريباً بذرائع متنوِّعة ، معتقداً أنَّهم سيستميتونَ في الدفاع عنه وعن كرسيِّه ـ الذي حصل عليه بالغدر والدم وحكم من فوقه بالحديد والنار ـ مقابل هذه الزيادة المالية ، فقد زاد راتب الملازم من مبلغ ( 58000 ) إلى ( 108000 ) ألف دينار عراقي ؛ لكنَّ صاحب الدكان رفض ، وأعطاه محاضرة في الوطنية ، وما كان منه إلا أنْ شكره وقال له ساخراً منه مستخفاً به وبكلامه وبعقليَّته المتحجِّرة ودماغه المغسول ، وحزيناً على حالته التي وصلَ إليها ومتألِّماً منها وعليها : ( إلي إيدَة بالمَي عمِّي مُو مِثل إلِّي إيدَة بالنار ، وبالعافية عليك الوطن ، وإِنت امبيِّن خوش مواطن ! ) ، وأخذَ جنوده مسرعاً فتوارى عنه ، ليذهب بهم مشياً ـ وهم متعبونَ ـ إلى مركـز مدينة ( سامراء ) قرب ضريح الإمامينِ ( علي الهادي والحسن العسكري ) ، ليجد هناك سيدة عجوزاً باسمة الوجه خفيفة الظلِّ مرحة تبيع القشطة ( الكيمر ) و عسل التمر ( الدبس ) ، ومعها رجلٌ يبيع ( الشاي ) ، مقابل أحد أفران الخبز أو ما يعرف عندنا في العراق بـ ( الصمون ) ، جلسوا قربها فرحَّبَتْ بهم ، واشترى منها ليأكلوا حتى يشبعوا فيطلِّقوا الجوع ويلعنوه ، واضطرُّوا إلى أنْ ينتظروا هناك في مركز المدينة حتى الساعة العاشرة تقريباً أو العاشرة والنصف تقريباً ، حتى فُتِحَتْ دكاكينُ باعة الملابس واشتروا منها أو منهم اللباس العربي أو ( الدشاديش ) ، وما تتطلبه من نِعَال ( شحاطات ) ، وبذا لبسوها ورموا بزاتهم العسكرية في مكان للمهملات بعد أنْ وضعوها في أكياس الملابس الجديدة التي اشتروها ، ويشهد الربُّ أنَّه لمْ يبخل لا على نفسه وعلى جنوده ، فقد اشترى ملبوساتٍ ( دشاديش ) أربعة / نوع ( دشداشة شاكر ) بألوان مختلفة كلٌّ حسب ذوقه ورغبته ، مع أربعة من أجود المراكيب ( النعال ) المختلفات الألوان أيضاً ، ولم يفاصل البائع على غير عادته وطبعه ! ، أمَّا البائع فلم يستطع التخلص من دهشته ، وشقَّتْ عليه نظراتُ استغرابه ، وهو يراهم يبدِّلونَ ملابسهم في زاويةٍ من محلِّه ، لكنَّه لم يسألهم ولم يشرحوا له ، فقد كانتْ مدينة ( سامراء ) يومها قد سمعَتْ بالحرب ولكن لمْ ترَها ، فلا داعي للاستغراب من تعجُّب الرجل ودهشته ؛ ونسيْتُ أنْ أخبركم أيضاً أنَّ ذلك الضابط النقيب صاحب السيارة العسكرية الـ ( بيك آب ) الذي أوصلهم بها إلى ( كراج سامراء ) ، قد اجتازَ سيطرتها العسكرية بكتاب ( المأمورية ) الذي كانَ يحمله ، وبذريعة أنَّه يريد أنْ يزوِّد سيَّارته بالوقود من محطة المدينة ، فقد كانت الدولة العراقية بكلِّ مفاصلها مازالتْ قائمةً يومها في تلك المدينة وكأنَّها في كوكبٍ آخر ! ؛ بعدها ركبوا سيارة أجرة ( تكسي ) إلى ( الكراج ) ذاك ، ليركبوا منـه سيارة نقل عام ـ ( كيا نفرات ) ـ إلى بغداد .

لم تنهِ هذه الرحلة العصيبة عند هذا الحدِّ ، فقد نام الجميع ثانية في سيارة النقل العام التي انطلقتْ بهم من ( كراج سامراء الجديد ) في الساعة الواحدة ظهراً أو بعدها بقليل ، ثمَّ استفاقوا على ما لم يكن بالحسبان ، ليجدوا الطريق إلى بغداد مقطوعاً عند جسر ( التاجي ) ، ممَّا اضطرَّ سائق السيارة التي كانوا يستقلونها إلى الانحراف عنه يساراً ، ليدخلَ إلى أو يمشي في  منطقة ( الطارمية ) ثمَّ يعبرَ الجسر الحديدي العسكري الذي كانَ يقع في نهايتها للوصول عبر قرىً لا يعرفونها أو لمْ يمرُّوا بها قبلاً ، إلى ينتهي به وبهم المطاف إلى طريق معبدة هي طريق بعقوبة الجديد عند منطقة ( بوب الشام ) ، وهنا كان الطريق مقطوعاً أيضاً ، وصارَتْ الساعة إلى السادسة مساءً ، فقد ضاع الوقتُ في السير بينَ البساتينِ وفي الزحام .

قرَّر صاحبنا أنْ يبيتَ ويقضي الليل في مكانه الذي وصل إليهِ ، لأنَّ مَن لقيهم عنده أخبروه بأنَّ القوات الأمريكية قد وصلَتْ إلى منطقة ( الشعب ) وقطعتْ الطريق ، أو هناك معركة تدور رحاها فيها ، فمن وجهة نظره أنْ لا داعي للمجازفة ، وحسناً فعل ، فقد اتجه إلى داخل قرية ( بوب الشام ) واشترى طعاماًَ له ولأصحابه من أحد المطاعم الشعبيَّة فيها ، لم يكنْ طعاماً فاخراً ، بلْ بعض المقالي ، كـ : ( الفلافل ، الباذنجان ، البطاطا ) ، التي لم يجد غيرها ، أكلَ ومَن معه ولم يكونوا بتلك الدرجة من الجوع ، ونامُوا في أحد هياكل البيوت التي لم يكتمل بناؤها ، بعد أنْ افترشوا أرضه الخشنة بأكياس الإسمنت التي وجدوها حوله أو قربه ؛ وقبل نومهم تحسَّفوا وتأسَّفوا على ملابسهم ( دشاديشهم ) الجديدة المشتراة من سوق ( سامراء ) ، والتي تلوَّثَتْ ببقايا الإسمنت في أكياسه ! ، وتندَّروا بذلك وضحكوا حتى غلبهم النوم ولم يدروا بأنفسهم من شدَّة التعب والإعياء الذي بدأ يظهر عليهم ويأخذ مأخذَه منهم .

وكانتْ الساعة الخامسة فجراً ، استيقظ وأيقظ جنوده ، وليكملوا رحلتهم التي ابتدأتْ بالسير على الطريق العام إلى وصلوا إلى سيطرة ( الشعب ) التي كانتْ خالية من البشر وخاويةً من الآثاث ، وقد فشلتْ قبلها محاولاته ومحاولاتهم بإيقاف أيَّة سيارة ، وقد اقتربتْ الساعة من السادسة صباحاً وبدأ النور يتكشَّف ، عندها وقفتْ لهم سيارة صالون ـ نوع ( كرونا ) خصوصي ـ وسألهم لهم صاحبها : ( تريدون تكسي ؟ ) ، حدَّثه زعيمهم بقولٍ لطيفٍ أو مُلَطَّفٍ ، قائلاً : ( تجعلنا ممنونين ) ، فاستفهم منه عن وجهتهم ، فقال له : إلى منطقة ( الدورة ) ، فطلبَ منه مبلغاً كبيراً هو : ( 60000 ) دينار عراقي ، ولمْ تكنْ أجرته يومَ ذاك وفي الظروف العاديَّة تتجاوز الخمسة أو الستة آلاف دينار عراقي ، فقد طلب الرجل عشرة أضعاف حقِّه أو يزيد ، متعذِّراً بخطورة الطريق وانقطاع الوقود ( البنزين ) وغلائه ، وكانَ معه بعض الحقِّ ! ، المهمُّ أنَّهما اتَّفقا على ذلك المبلغ بعد أنْ رفض قابضه تخفيضه ولو قليلاً .

ركبُوا معه فأوصلهم إلى بيت صاحبنا بعد عناءٍ ومشقة ، وسلك طرقاً غير اعتياديَّة في مثل مشواره هذا ، فقد اتجه من منطقة ( الشعب ) جنوباً إلى حي القاهرة ، ولأنَّ الدبابات الأمريكية كانت تقطع طريق محمد القاسم السريع ، سارَ بهم غرباً إلى منطقة ( الأعظمية )  فـ ( الكاظمية ) فحي الجامعة ، ثمَّ ( نفق الشرطة ) و ( حي العامل ) فمدينة ( البياع ) ، وصـولاً إلى طريق ( بغداد ـ حلة ) ليدخل منه إلى منطقة ( الدورة ) .

استضاف الرجل جنوده خمسة أيَّام إلى أنْ هدأتِ الأوضاع وفُتِحَتِ الطرق ، فأوصلَ كلاً منهم بنفسه إلى ( كراج علاوي الحلة ) وركَّبهم إلى محافظاتهم الجنوبية ، فقد كانَ اثنينِ منهم من محافظة ( المثنى ) ، والثالث من محافظة بابل . والغريب أنَّهم لم يسألوا عنه بعد هذا اليوم ، ولا يعرف هو عنهم شيئاً أيضاً ! .

وتسألنِي أينَ صاحبكَ اليوم ؟ ، أو ماذا حلَّ به ؟ ، أو أينَ أراضيه الآن ؟ ، أقول : هو يعيش معي في غربتي في بلاد الشام السورية ، منتظراً متأمِّلاً أنْ تكتمِلَ بسلام إجراءاتُ هجرته ـ أو إعادة توطينه ـ إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، فقد انتظر فطال انتظاره ، وصبر حتى ملَّ الصبرَ ، أو ملَّ الصبرُ منه ، ومنِّي أيضاً .

والسلام ختام .

...............

دمشق
للتواصل مع الكاتب يرجى الكتابة إلى :

Ramzee_Alobadi@Yahoo.Com

رمزي العبيدي


التعليقات

الاسم: اسيل الجواري
التاريخ: 2013-11-23 13:55:15
ارفع قبعتي لكل رجال العراق ولكل من دافع عن العراق




5000