..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


( معلقة بغداد ) قصيدة طويلة للشاعر عبد الأمير الحُصَيري

مهدي شاكر العبيدي

 

نـُشِرَتْ هذه المقالة في مجلة ( العلوم ) البيروتية المحتجبة اليوم ، بالعدد الثاني من السنة الخامسة عشرة ــ شباط / 1970م ؛ وهي دراسة تحليلية لقصيدةٍ مطولةٍ نسجها الشاعر المشاكس والمعترض على زمانه : عبد الأمير الحُصَيري ، عام 1962م ، بمناسبة احتفال السلطات الحكوميَّة التي كانتْ قائمة عهد ذاك بذكرى تأسيس بغداد وتمجيد ذكرى فيلسوف العرب يعقوب الكندي ، وطبعها بكرَّاسة في حينها ، بعنوان : ( معلقة بغداد ) .

       كانتْ حياة الشاعر الحُصَيري وقتها محفوفة بالغرائب ، فقد ارتضَى لونا ً من الحياة صيَّرته مذموما ً ومُبعَّدا ً ، وليس أدلَّ على ذلك من اضطرار دار الشؤون الثقافية العامة للموافقة على طبع مجموعةٍ شعريةٍ له تقدَّم بها إليها في غضون سبعينيَّات القرن المنصرم ، وقد طبعتها فعلا ً نتيجة إلحاحه وإلحافه وكثرة مراجعاته للاستفسار بشأنها ؛ وعلى الرغم من جودة شعرهِ عموما ً في شكله ومضمونه ، وانتفاء الصلة بين مواصفات الشعر وبين التصرُّفات الشخصية لناسجه ، فإنـَّها استثنته من أنْ يُذكر ضمن قائمة مطبوعاتها من النتاجات الشعرية في خواتيم الكتب التي تنشرها دواما ً لشعراء مختلفينَ منهم مَن يتدنى عنه في التوشية والإبداع .

 

       والغريب أنـَّه كانَ يحتفِي به جُلاس المقاهي من الأدباء يتناهبونَ قصائده ، ويحجمونَ عن ذكره في مقالاتهم ، وكثيرا ً ما عوَّل على شاعريَّته الثجَّاجة بعض المتشاعرينَ ، فينتزعونَ منه بعض الأبيات المصنوعة لساعتها يتقرَّبونَ بها من المسؤولينَ للإشادة بمفاخرهم ومواقفهم الموهومة في ساحات الجهاد الوطني ، كلُّ ذلك لقاء ثمن متكشِّفٍ عن لون جديد من التكسُّب بالشعر .

 

       ومن شذوذات طبع الحُصَيري المرفوضة والمستهجنة ، قولته لغير واحدٍ ممَّن أرسل رأيه بخصوص هذه المعلقة : (( مِن الآن ستغدو كاتبا ً مشهورا ً )) ! .

 

       وفي بدء اختياره حياة الصعلكة في العام 1964م ، قصد دولة الكويت بطريقةٍ غير مشروعة لعدم حِيازته جواز سفر ، وقال لِي يومها : إنـَّه سيعتمد على بعض الشواهد الشعرية التي تزخر بها أجزاء ( موسوعة شعراء الغري ) التي صنـَّفها ونسَّقها وبوَّبها الشيخ علي الخاقاني ، وأنـَّه سيجري عليها بعض التحويرات والتعديلات والتشذيبات ، ويغيِّر في الأسماء ، وينزل على ما تقتضيه موسيقى الشعر جرَّاء ذلك ، ثمَّ يتقدَّم بعينة من تلك الأشعار المنظومة إلى شيوخ الكويت ؛ وأنا بدوري أشكُّ بامتلاكه هذا المصنـَّف ، بلْ تصفحه أيَّ جزءٍ مـن أجـزائه بعناية واهتمام ، لكنـَّه الحُصَيري وسخريَّته من نفسه وإزراؤه بالشعر واسترذاله له .

 

       وهناك في الكويت تقدَّم لسدَّة أمير من الفئة الحاكمة بديوان يمتدح فيه ما بلغته بلاده من انفتاح على العالم المتحضِّر ومجاراته في أنماط معيشته ؛ وبعد سنين أنبأنِي الأستاذ جليل العطية ــ الدكتور فيما بعد ــ أنَّ ديوان الحُصَيري ذاك فرَغتْ منه مطابع الكويت ممهورا ً باسم عراقي آخر ــ نسيتُ اسمه ــ يقيم فيها منذ سنين ! .

 

       وكان الحُصَيري حينَ ذاك أصابَ بعض الرَّفه وتجريب حياة الاستقرار عندما عُيِّنَ مصحِّحا ً في إحدى جرائد الحكومة ، لكنـَّه سرعان ما زهد فيها وعاودَ حياة التشرُّد والنفرة من الناس والسخط عليهم ، ليموت وحيدا ً منسيا ً قبل أوانه في سبعينيات القرن الفائت .

 

********

 

نصُّ الدراسة المنشورة عام 1970م :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

       وأسَفاه . إنـَّني استغنيْتُ عن ( منجد ) لويس شيخو ، قبل بضع سنين ، إذ ابتاعه منـِّي معلم بسيط بقصد الاستفادة منه والتوقل عليه في التعرُّف على معاني الكلمات الصعبة في اصطلاح المعلمينَ ، وما استهونته في حينه إلا لأنـَّني وجدتني محوجا ً صفر اليدين ِ خالي الوفاض ، وليس في ذلكم ما يضير أو يشين ، فليس تدوم من الحالات حال ؛ أنا اليوم محوجٌ إلى ( منجد ) لويس شيخو ، بعد أنْ اعتقدْتُ قبلا ً أو سابقا ً ــ وساء الاعتقاد ــ بإمكان الاستغناء عنه وانتفاء الحاجة له ، لا لأنـَّه غير موفٍ بالقصد أو متكفل بالطلب ، بل لأنـَّني ألفيْتُ أنَّ بالإمكان التوسُّل لمعرفة مرادف الكلمة بالضبط وعلى وجه الدِّقة ، من خلال قراءة النص الأدبي كاملا ً ودوام النظر فيه ، فما أفظع الغرور وما أقتلَ البطر والزهو ، ذلك أنَّ قراءة تلك القصيدة الطويلة ــ ( معلقة بغداد ) ــ التي توفر على نظمها وابتداعها الشاعر العراقي : عبد الأمير الحُصَيري ، تضطرُّنا اضطرارا ً قاسيا ً لمراجعة ذاك المعجم أو غيره ! ، وإلا بدونه فنحنُ مخيَّبونَ في اجتناء المتعة الفنيَّة منها ، متولونَ عن اجتلاء حقيقة إحساسه الفني الذي ابتعَث هذه المعلقة ، واستكناه حالته النفسية التي صدر عنها هذا الأثر النفيس ، في ظرفٍ تعدَّدَتْ فيه مذاهب الشعر الحديث وتباينتْ منطلقاته وتفاوتتْ أبعاده ! ، ومالتْ فيه الأذواق الفنية ، رغم كلِّ مظاهر التعدُّد والتباين والتفاوت ، إلى ترجيح الطابع الغالب المؤثر لليُسر والوضوح والبساطة ، مع التأكيد الجاد والحرص الفعلي على رهافيَّة اللفظة وشفافيتها وإيماضها بالإشراق والأسارة الفنية ، بحيثُ تحلُّ محلها من المأثور الفني وتوفي بالمُتطلب منها في التأدية التامة والتجسيد الحي لِمَا يروم الشاعر تصويره من المشاهد والرؤى ، والتعبير عنه من الحالات والمواقف ، وبدون هذا الشرط الذي يبدو عسيرا ً لِمَن لمْ تكتملْ عُدَّته الفنية ويستوي إمكانه وقدرته على التعبير اللفظي ، لا يتأتى للشعر تأدية وظيفته في نقل خطرات ونفثات وجدان الشاعر ــ أي شاعر ــ إلى أفهام القرَّاء ، بحيث تعروهم نفس حالته المتسِمَة بزخور الحسِّ واضطرام الشعور ساعة استغراقه في التجربة الشعورية وانغماره في تجسيدها .

 

       والشاعر الحُصَيري شابٌ في عمره الزمني ، والمُعَوَّل أنْ يدرج على مسالك الشباب في تدارُس كتب المحدثينَ والانصراف عن المأثور القديم والضرب عنه صفحا ً ، وإيثار مطالعة ما يُترجَم عن اللغات الأوربية بدافع من مصاقبة التيَّارات الفكرية الحديثة في وجهتها ، ومواكبتها في مساراتها ، بقصد التوسُّل لحفظ أوفر عدد من أسماء الكـُتـَّاب الغربيينَ للتحذلق بها بمناسبةٍ أو بدونها في الندوات والأسمار ، على وجهٍ ينمُّ عن العصريَّة والتجديد والمبالغة في الادِّعاء لا أكثر ، بدليل التفقه الجاد المتقصِّي في الفلسفات الحديثة والإلمام بأبعادها وآمادها ، بحيث يمكن اعتمادها زادا ً ثقافيا ً مغنيا ً ينضاف إلى مجانيهم من مأثور العرب القديم والجديد ؛ لا فالحُصَيري على ما نعهد عنه يشذ من هذا المنحى عن العديد الأكثر من الشعراء والكـُتـَّاب الشباب في العراق من دعاة الحداثة والتجديد لحدٍ مفرطٍ يتدنى من الإسفاف والابتذال بمقدار ، فهو كثير المراجعة لدواوين أنبغ الشعراء القدامى بين آن ٍ وآخر ، وذا لا يعني بحال زهادته في تدارُس الآثار المُحدثة مترجَمة أو موضوعة والاستقاء منها والاسترفاد بمعطياتها الخلاقة .

 

       فلا مِرَاء أنْ وافتنا المعلقة وكأنـَّها ليسَتْ نتاج قريحة شاعر شاب لمْ يتخط العقود الثلاثة من مسيرة العمر ، إنـَّما تخيِّل لقارئ ما لم يتعرَّفه ويألفه ، أنـَّه يرزح تحت طائلة الستين المُثقلة بشتى المكاره والأوصاب ، يجتلي هذا من خلال إمعانه في قراءة هاته المقاطع التي ينبي فيها الشاعر عمَّا يتهدَّده ويضايقه ويسمِّم حياته من الحسد والبُغض والانتقاص ! ، والأخرى التي يضفي فيها على نفسه طابعا لا نسارع إلى القول أنـَّه مدخولٌ أو مجتلبٌ ، فلبعض الشباب ثمَّة حنكة ودهاء وتمرُّس بالتجارب المضنية ؛ كما يظلُّ بعض الشيوخ مبقينَ على غرور الصّبا ونزق اليفاعة وطيش الشباب إلى حدٍ بعيد جدِّ بعيد ، دون أنْ تعصر منهم الخطوب وتبلوهم التجارب ، إنـَّما يزهيهم النجح البسيط بينا يقعد بهم الرزء الهيِّن الاحتمال ويفتُّ بأعضادهم .

 

       فهو إذن يتغنى بذاته من خلال مناجاته بغداد ، حاضرة الدُّنى ومنتطح الشعوب على تقادُم العصور والأحقاب ، وعلى غرار ما يتغنى الشعراء الطاعنونَ ممَّن وسعتهم الحادثات غرسا ً وفرغتْ من تجريبهم ، ويتعدَّى هذا إلى جلاء ذاته كمَن يتشكى مرارة العقوق والنكران :

 

بـَـغـدَادُ قـَـلـبـِي فـِـي يَــدَيـكِ فـَـعـَذبـِي       إنْ شِئْتِ ، أو إنْ شِئْتِ شُلَّ العَاطِبُ

إمـَّـا صَـبَـبْـتُ سَـعِـيـرَ عُـتـبي لمْ أكـُنْ       لـِسِـوَى تـَضَـاريـم ِ الفـُؤادِ أعَـاتِـبُ

وَأنـَا ابـنـُكِ المِـغـوَارُ مـَـسْـقـَط دِجـلـَةٍ       ذا القلبُ والسَّعـَفُ الإهَابُ الشَّاحِبُ

بـِالرُّغـم ِ مِـن أنَّ الـغـَريَّ بـِأضـلـُعِـي       لـَـهـَـبٌ وَلـِي حَـتـَّى رُبَـاهُ حَـبَـائِـبُ

وَتـَـوقـَّـدَ الـرَمـْـلُ الشَّـرُوبُ ، سَـرَابُـهُ       رئـتِـي وَأورَدَنِـي الفـُرَاتُ الساكِـبُ

فـَيَـرَاعَـتِـي سَـيـفٌ بـَـريـقُ صـَـلِـيـلِـهِ       شِعري وَخفقُ القلبِ غِـمـدٌ ضَاربُ

أنـَا ذلك الـشــحـــرُورُ دِجـلـَة أيـكـَتِـي       وَلـَئِـن تـَوَهـَّـمَ بي حَـزيـنٌ نـَاحـِـبُ

أطري حفيفَ غصُونَ عزِّكِ أخضرا ً       حـتـَّى يُـمَـزِّقـُنِـي ارتِعَاشٌ قـَاصِـبُ

وَالـنـَـارُ تـُخـضِـعُ خـَافِـقِـي وَتـَمَـجـُّـهُ       إذ لـَمْ يَـعُـدْ فِـيـهِ اخـضِـرارٌ صَايبُ

أتـَفـَيَّـأ الـبَـسَـمَـاتِ حَـيـثُ مـَـدَامِـعـِـي       فِـي غـَابِ لِـحـيَـتِـيَ البَهـِيم سَوَاكبُ

فـَغـَسَلـْتُ فِـي مَـندِيل صُبـحِـكِ أدمُعِي       نـَسَجَـتهُ مِن هَمْس الحَرير كوَاعِبُ

لا تـَعـتِـبـِي إمــَّـــا زَفــَـــرْتُ تـَألـُّـمـا ً       مـِن نـَار أحـلامِـي ، فـَما أنا عَاتبُ

أو إنْ زَرَعْـتُ رُؤايَ في لـُجَـج السَّـنا       عـَـيـنٌ مـُـخـَضَّـبَـة وَوَجـهٌ قـَاطـِـبُ

أ فـَتـُوقِـدُ الـدَربَ الشـمـُوع ؟ ، وَفرقدٌ       أكـلـَتـْهُ مِـن جُـوع الظـلام مَـخـَالبُ

وَعـَزيـْفُ ثـَورَتِـك الـوَضِيـئة تزدهي       حَـيـثُ ازدَهَـتْ بدَمِي اللفوح نوَائِبُ

أوَّاه يـَـا أعـشـَــــى لـَـو أنـَّـكَ عـَـائـِـدٌ       مـَـا طـَاوَعَـتـْكَ بـِأنْ تـَقـُولَ مشاربُ

حَـسـبـِي بـِأنْ أطـَأ النـُجُـومَ وسُـلـَّـمِي       حَـسَــدٌ وَبَـغـضٌ وَانـتِـقـَاصٌ كـَاذِبُ

وَتـَـكـَـادُ تـَـعـثـُـر أرجُـلِـي فـَأزُمـُّـهـَـا       مِـلء الـطـَريـق ِ ضَـفـَادِعٌ وَجَنادِبُ

إنْ كـُنـْتـُمُ مِـن صُـنـع ِ لـَيـل ٍ دامـِـس ٍ       فـَأنـَا مـِـن الفـَجـر الـنـَـدِيِّ تـَلاهُـبُ

أوَ كـُنـْتُ فِـي ثـَوبِ الـدُّجـَى مُتـَدَثـِّرا ً       جَـهَـلـَتْ ضُـحَـاي أبَـاعِـدٌ وَأقـَـارِبُ

وَرَسَـبْـتُ إذ طـَفـَحَ الـحُـبَـابُ فـَإنـَّـمـَا       بـِثـُـمـَالـَةٍ ثـَمـِـلا ً يَـعـُـودُ الـشـَّـارِبُ

 

................

 

       وليسَ ذا من قبيل الغرور الأجوف ، أو الادعاء الكاذب ، ولا التنفج القبيح ، فالشاعر على جانب كبير من الاعتداد وفرط الهمِّ ومعايشة التجارب ، رغم أنـَّا ما سمعنا مثل هاته الشكاة الدامية من قبل على لسان الرصافي والزهاوي وأضرابهما إلا بعد أنْ جاوزوا طور الشـباب ، ودخلوا في الكهولة ، وأنفقوا العمر في الكفاح الرهيب ، وبلوا جراحاته ، وامتحِنوا بالجحود والنكران .

 

       فهذا المقطع الشعري غير ماتٍ إلى الزَيف بصلة ، أو أنـَّه دليل براعة في رصف الألفاظ واستيحاء خواطر النفوس الكبيرة وتوق ٍ للمحاكاة والتقليد والاحتذاء ، والجري على منوال مَن أشبع الشاعرُ دواوينهم من الشعراء الكِبار دراسة وتدقيقا ً وتمحيصا ً ، لا فللحُصَيري بعضُ سيماء الشيوخ مـن إرسـال اللحية وشـرب الشيشة ــ ( الأركيلة ) ــ وإنْ أحوجته زكانتهم وترصُّنهم أحيانا ً ، وما نريد أنْ نبخسه حقـَّه ونطول مكانه البيِّن بين شعرائنا الملهمينَ ، وإنْ كان لنا ثمَّة اعتراض فذا يتعلق بتورُّطه في غلطٍ نحوي فاضح ٍ ، وكان لِزَاما ً أنْ يتحاماه ويتنكب عنه ، وليس هو من اليُسر والإهوان بحيث تجوز الغفالة عنه ، إذا لا يصحُّ القول : ( زَرَعَتْ رُؤايَ عَينٌ مُخضَّبَة وَوَجهٌ قاطِبُ ) ، والسبب أهون كلفة من تبيينه ، وعلى هذا تكون قافية البيت مضطربة مهزوزة ، فإعرابها النصب وليس الرفع إذا جاز لنا قراءة البيت على الوجه الأصحِّ والأنسبِ ، ويبدو جليا ً أنَّ كلفه بالعين المخضَّبة والوجه القاطب وما توحيه هذه التعابير والأوصاف من السحر والألق والومض ، وتنمُّ عنه من حرارة الشعور واضطرام الحسِّ ، قعد به كلُّ ذلك عن العناية بطريقة الاستعمال ، بحيث يحلُّ بها في متطلبات الإعراب الصحيح ، ومن قبيل ذا ما عمد لصرف المفردة التي هي : ( أخضر ) في البيت الثامن ؛ وتلمح في البيت نفسه : ( وَتكادُ تعثرُ أرجلِي فأزمُّها ) ، ثمَّة شيءٌ من قبيل الاستعارة ، و ( الزمُّ ) مصطلح عليه للفم والشفاه ، أمَّا الأرجل فيُمسَكُ بها وتحمَل على توقي العثار ، وما أدري بعدُ بما تنطوي عليه هاته الاستعارة الهينة من سلامة الذوق وصحَّة القبول .

 

       إذن فآفة شاعرنا تنحصر في القافية على وفرة محصوله ومجتناه من مطالعة المأثور الشعري القديم ، فهذه القصيدة التي تزيد من ناحية عدد أبياتها على الثلثمائة بيت والتي نظمها خلال عشرين يوما ً من عام 1962م ، أي على شكل دفعات ، هي ألصق بالشعر الملحمي التاريخي منها إلى الشعر الوجداني الذي تبتعثه تجربة شعورية زاخرة تمتلكه وتستأثر بلبِّه وتملك عليه وجوده وتستغرقه بكليَّته فما تدعه إلا أنْ يفرغها عملا ً فنيا ً مُحتفِلا ً بموحياتها وملهماتها ، زاخرا ً بأحرِّ رعشاتها وانفعالاتها ، كأنـَّه لا يجد منصرفا ً عنها ، بلْ وكأنَّ التعبير عنها على هذا يغدو حاجة ملحة ينهدُّ للتكفل بإشباعها وتوفية أسبابها على تمام الطواعيَّة والتلقائيَّة والانغمار بفيض الشعور .

 

       وما نخال أنْ يكون الحصيري قد استغرقته تجربة معلقته عشـرينَ يومـا ً بتمامها ، بحيث صرفته عن الاهتمام بغيرها من المشاغل والشؤون ، فذا فوق الوسع والإمكان وحتى التصور ، ولا يُصدِّق حتى البُله والسذج أنَّ امرأ ً ما قطع عشرين يوما رهن الانفعال الشاعري وطوع مقاساته ؛ فالأرجح أنْ يكون قد استوحى مدينة بغداد في أمس الدابر واجتلى إسهامها بأوفر قسطٍ في صنع الحضارة البشرية ، وما كان لها من دالة في ربط الشرق بالغرب ، إذ لولا الدالة ذي لظلَّ الغرب ما يزال يغط في الجهل العميق ، ويعشعش الوهم والإيمان بالخرافة في عقول أبنائه ، وتعدَّى ذلك إلى تمثل ما تتابعَ عليها من المِحَن والأرزاء ، وما جازته من الخطوب والكوارث ، فحزَّ ذلك في نفسه وأفعمه بالألم والوجد ، وشام لبغداد منه مُرتقبا ً تعاود فيه مجدَّدا ً إسهامها في صنع الحضارة وتقديمها بلا مَن ٍ لبني الإنسان ، وبما تأتى له من رهافة الحسِّ ورقة الشعور نفذ إلى شيءٍ من المزاوجة بين تجربته في استيحاء حضارة بغداد الغابرة واستلهام دالتها المِعطاء وبين تجربته الذاتية من بَرَمِه بالحياة ، إذ هو يحيا حياة تاعسة لا تتوفر له في ظلالها مطالب العيش ، ويكِلُّ جهده عنه ، ويقصر عن الظفر بالكفاف منها أيضا ً ، وكشأن المحرومينَ دواما ً أنْ يحلقوا في الخيال بعيدا ويستغرقوا في الأطياف والأوهام ، تأتى للحُصَيري أنْ يقحم في قصيدته أو يفضي منها إلى التغني بما له من عارفة مبخوسة وقدر مُضَام ومكان سامق ينفسه عليه المبغضونَ والكاشحونَ .

       لا يتبدَّى على هذا أنَّ المعلقة نتاج النسج والصنعة ، فعناصر التجربة من انفعال صادق آخذٍ بمجامع النفس مهيمنٌ عليها ، ومن رغبةٍ دافعةٍ وتوق ملح لتجسيد موحياته ، بحيث لا يطيق كظمه أو الإلواء به ، ولا يلفي كذلك ثمَّة تعزية عنه إلا بالتخفف منه ، هاته العناصر المُتطلبة متوفرة بالنسبة له ، وإنْ أسلم نفسه لها عـلى دُفـَع ، فهو لا يعرف زيف التجربة ولا يتوسَّل لانتحالها واعتمالها بحال ، لكنَّ ما يعهد من نفسه في كثير من الأحيان فرط كلالة عن التجسيد ومَلالةٍ من الأداء ، فلا يُعنى بالصقل والتهذيب ،إنـَّما يوغل ( كذا ) في اعتماد هذه اللفظة المهجورة أو تلك بقصد التدليل عن قصدٍ أو بدونه على فرط معرفةٍ بأسرار اللغة ، وبراعة في فكِّ ألغازها وطلاسمها ، والنفاذ إلى مُعمَّياتها وأحاجيها ، وذا لا يخلو في حدِّ ذاته من دلالة شخصيَّة لا ننسب بها إلى التعالي الفج ، إنـَّما نسلك بها في قبيل التعويض عن حرمان وشقوةٍ ولذع ، يصطلي بلوافحها ويكتوي بجمراتها ويتحرَّق بلواهبها دواما ً ، ويتجلى اعتماد الغريب المُعضل ذا بوضوح من ناحية القافية التي أسلفنا أنَّ خيبته منها من قبيل الآفة أو شبهها ، قبل التعجُّل في الحكم على أنَّ لغتنا غير مسعفة في نظم الملاحم وصياغة المطوَّلات ، أو أنَّ حرف الباء بالذات ــ الذي تخيَّره قافية لمعلقته ــ لا يتأتى طوع يد الشاعر الحاذق في جميع الأوقات ، فجماع الأمر لا ينحصر في مواتاة قافيةٍ ما لمُتطلب الشاعر ومطاوعتها لإمكانه ، وعجز أخرى عن ذلك واستعصائها عليه ، وتعذر موافاتها لا بتغائه والتماسه ، فـ ( نيرونية مطران ) قصيدة طويلة النفس تنضح بحرارة الانفعال وتلقي في روع القارئ مدى ما يحفظ خليل مطران ، وينشعِب في قرارته على الطغاة الظالمينَ من الموجدة والمقت ، ومتى ما اكتملتْ عناصر التجربة الفنية واستوفتْ شرائطها الواجبة وانذهل الشاعر الحسَّاس بموحياتها وملهماتها واستغرقته من كلِّ جانب ، خلص منها إلى الصياغة المطلوبة في حالة استجماعه لوفرة المحصول اللغوي واقتداره من حسن التصرُّف في تخيُّر هاته التفعيلة واستبعاد أخرى ، ويرتدُّ من بعدُ عن مأثور فني جمِّ الاكتمال زاخر العطاء إلى حدٍ بعيدٍ .

 

       فبعضُ قوافيه في معلقته هذه مضطربة مهزوزة ، مقحمَة ومزجوجٌ بها على غير رضىً منها ولا رغبة ، ومنها ما يندرج في رعيل المُشتقِّ الدَّال على براعةٍ في التخريج والاشتقاق وإنْ ندر استعماله أو تنكب عنه آخرون وتحاموا عنه لِما يحفل به من الإعضال والإغراب ؛ فهم أشفق على هذا منه على أفهام القرَّاء ، وأميل إلى تجنيبهم ما يصدأ أسماعهم وتنبو عنه أذواقهم ، وتضلُّ فيه أفهامهم من العويص المُلفق والغريب المُهَجَّن ، وهاكم :

 

وَأنـَـا أحـَـدِّقُ ذاهـِـــلا ً تـَـجـتـَـاحـُـنِـي       مِن عَصْفِ حُسنِـكِ هَزَّة وَتـَطـَارُبُ

يَـا ضِحـكـَة الــزمـَـن ِ المُقـَيَّد أزهرتْ       برَنِين صَوتِك فِي الصخُور مَعَاثِبُ

بَـغـدَادُ يَـا قـَمرَ الشُـمُـوس ِ وَيَا ضُحَى       الإصبَـاح هَـلْ يَغشَاكِ ليلٌ شَاسِبُ ؟

فِـي كـُـلِّ يـَـوم ٍ فـِـي ظِـلالِـكِ مـُـبْـهـِجٌ       بـَـكـرٌ وَمـُـبْـدٍ لـَمْ تـَـنـَـلـْهُ رَحـَـائِـبُ

وَالأغـنِـيَـاتُ الـعَـابـِـقـَاتُ مـَــسـَـامـِــعٌ       وَنـَـقِـيُّ ذيـَّـاك الـهـَــوَاءِ طـَــوَارِبُ

أنـتَ الـسَـمـَـاء لـِـذِي الـسمـَـاء مُـدَقـِّقٌ       مِـن جُـودِ جُودِكِ فـَيضهَا المُتوَاهِبُ

وَبحَـيـثُ كـَانـَـتْ ذِي الـبَـسِيطـَةِ غـَابَة       وَالــزَاهِـيـَـاتُ مـَـسَـابـِعٌ وَمـَــذائِـبُ

أشـجَـارُهـَا رُعـبٌ وَخُـضـرُ مِـيَـاهِهـَا       صَـابٌ وَكـَالِـحَـةِ الـكـُهُـوفِ مـَأوِبُ

لِـيُـرَى شَـمِـيـمُ عـِرَارِ نـَجـدٍ مُـزهِـرا ً       زَهـوَ الـعَـشِـيَّةِ وَالـَصَـبَـاح مَشَاعِبُ

وَالـبَـرَكـَة الـحَـسـنـَاء تـَغـتـَسِلُ السَّمـَا       فِـيـهَـا وَدجـلـَة غـِـبـطـَة تـَتـَقـَاطـِـبُ

ألــوَى نـَبُـثُّ وَقـَـيـدهـَـا لـِـمـُــرُوجـِــهِ       وَبـِسِـرِّ مَـسْـمَعهـَا الدُمُوع تـُصَابـِبُ

 

................

 

       والمعلقة بعدُ مستهلة بهذا البيت :

 

غـُفـرَانـَك الأشـذى فـَمَـا أنـَا نـَاكـِبُ       إنْ لـَمْ يَـجـِدْ إطرَاءَ مَجـدِكِ وَاثِبُ

 

................

 

       يلي البيت ذا حشدٌ كثير من أبيات الشعر المُفيض في استيحاء ماضي بغداد واستلهام حضارتها الزاهرة ومجدها العافي ، ويبرع الشاعر بكلِّ ما تسنى له من قابلية على التشبيه والمجاز والتهويم في الخيال المحلق في ابتداع الصور والسمات والخصائص التي يضفيها على هاته المدينة الخالدة ويطوِّق بها هامها ، فهي كما يقول عنها : ( وطن الشموس ، ولِدَة الخلود ، جنة الأطياف ، سدرة المنتهى ، كوثر الأحلام ، كعبة الدين ، ضحكة الزمن ، وعرس الدهر ) ، ممزجا ً ذا كله بشيءٍ من التغني بطبيعتها البهيجة وحفيف أمواج دجلتها الخالدة ، مفيضا ً في الإلماح كذلك إلى متارف حُكـَّامها الأقدمينَ وما حوَّطوا نفوسهم به من المرافه والمباذخ ، إذ خلص لهم النعيم صفوا ً دون أنْ يقصِّروا في الوقت ذاته في حقِّ مطالب العلم والأدب والفنِّ وما تستدعيه من التشجيع والاحتفال والرعاية على يد الحاكمينَ :

 

هـرونُ يـلفـَحـُهـَا بَـدِيـدَ ضِـيـَـائِــهِ       فتصُبُّ فائِضَة الهبَاتِ أطـَايبُ

أبـرَادُهُ نـَسـجُ الـرَبيع ِ يـَخِـيـطـُهَـا       عَـبَـقٌ وَيغزلهَا الغمَام السَّاكِـبُ

بـِجَـبـِيـنِـهِ مـِـن خـَـالـِـدٍ وَمَـغـَـارِهِ       لـمْـحٌ وَمِن عَمرُو بنُ وُدٍ ثاقِـبُ

فـَبـِأيِّـمَـا أرض ٍ هـَطـَلـْتِ فـَإنـَّـمـَا       مَغـنـَايَ مُزدَهِرٌ وَثغرِي عَاتِبُ

 

................

 

       تعلاتٌ طالما منـَّانا بها أدباءُ تقرَّبوا من الحاكمينَ ومتوا لهم بأوثق الأسباب ، فالأدب غير محوج إلى رعاية من أحدٍ ، إنـَّما هو محوج إلى فتح المنافذ المسدودة والكوى المغلقة ، وحتى في حالة إحكام مساربها فهو يستطيع أنْ يتسلل منها ويخترق بعض فجواتها وثغراتها ويدلُّ بصوته على أيَّة حال .

       ولا أدري كيفَ سوَّغ الشاعر لنفسه تمجيد فتاء وجرأة أو شجاعة عمرو بن ودٍ العامري ؟ ، وهو مَن نعرف عن حادثة مصرعه في وقعة الأحزاب بضربة قاصمةٍ ماحقة سدَّدها إليه الإمام علي بن أبي طالب ، إذ كان الأوَّل ينازل دفاعا ً عن المفاهيم القديمة ، مفاهيم التجار والمُرَابين القرشيين ، بينا كان الإمام يناجز انتصارا ً للمفاهيم الجديدة البازغة في الإلواء بالعنجهية الجاهلية وتعفية آثارها الشائهة والانتقال بالعرب من واقعهم المزري الحافل بكلِّ ما يُؤسِي ويُكرث إلى حال من احترام إنسانية الإنسان على غرار وبوحي ما أطلعَتْ به رسالة الإسلام السمحة ؛ أ يكونُ ذا منه عن جهل بحقائق التاريخ وقلة تدارُس واجتلاءٍ لوقائعهِ ، أم عن نيَّة مقصودة في السَلك بالخليفة هارون الرشيد في عِداد أنداد عمرو بن ودٍ ، وأشباهه والتسوية بينهما على صعيد ؟ ! .

 

       وحين يفيض الشاعر في استلهام خواطره عن بطولات بغداد ومآثرها الطائلة في الكفاح الطويل ، يستهلُّ مقطوعته المخصَّصة لهذا الغرض على هذا النحو :

 

بَغدَادُ يَا بَلدَ الكِفَاح ِ شَدَا لكَ المـَأ       هُـول وابتسَمَ الطـَريقُ اللاحِبُ

وَتـَكـَسَّـرَتْ أظـفـَارُ ذِئبٍ كاسِر ٍ       لـَمَّـا نضَتْ عنهَا الجُلودَ ثعَالِبُ

 

................

 

       ولعلَّ ما جاء في البيت الثاني من معان ٍ ، دلالة على الاستكراه وتصيُّد القافية الشرود واستهوان الانقياد لها والترسُّل بوحيها ، فالثعالِبُ معهود عنها الحيلة والكيدُ والمكر ، ورادة الكفاح والنضال عن حقوق الجماعات المُصَفدة المسترقة ، أعفُّ عن اعتماد خلائق الثعالب وسلائق بنات آوى في استحصال الحقوق وانتزاعها من يد مغتصبيها ومنتهبيها ، إنـَّما هم أميل إلى إيثار الصراحة على ما يكتنفها من المرارة ووخامة العقبى ، وترجيح أسلوب المجابهة في تقريع أسماع العتاة ، ألا شاه الخيال وقبح التشبيه .

 

       وبعدُ فما دلالة المعلقة التي قد يحوج فهمها إلى ترجمان أو إلى معجم ، منبية عمَّا استنفده ناظمها من الجهد والطاقة في استحثاث خاطره وكدِّ وجدانه ، وما تمتاز به من خصائص وسمات على صعيد الجدوى وإسلاف النفع ورصيد الفضل والعارفة والدالة والجمالية أيضا ً ؛ دلالتها الأكيدة تنحصر في مباهاة الشاعر في القدرة على التطويل والإسهاب ، على حين كان بالإمكان استقطاب التجربة وتمثلها بجديَّة واستقبال مآتيها وملهماتها بما يلزم من الاحتفاء والإمساك بها بقبضته الفولاذية والعضِّ عليها بالنواجذ ، حتى لا تنفلتُ منه وتروح نهب التبديد والتشتيت على غرار ــ والقياس مع الفارق ــ سليقة الكـُتـَّاب المولعينَ بالنفش ، على حين يلزمهم التركيز والدقة والخصوصية ، فلو خلص الشاعر إلى الاستقطاب والتمثل والاستقبال ، لجاءَت هاته القصيدة عملا ً فنيا ً مكتملا ً خلوا ً من أيِّما سمة نقص أو قصور ، وما لها من الجدوى وإسلاف النفع ورصيد الفضل والاحتفال بالعارفة والدالة والجماليَّة الدافقة ، باعتبار أنَّ الشعر عمل خلقي يهتمُّ بهدي الجماعات الإنسانيَّة ، على غير قصدٍ وابتغاء وبدون إلزام واستكراه ، وعلى غير اقتفاء أسلوب التقرير والوعظ والخطابيَّة ، كذلك شطر القيم الخيِّرة البارة التي تنشد لبني ألإنسان حياة زاخرة بالخير دافقة بالجمال ، طافحة بالحبِّ والإخاء الإنساني ، فالقصيدة تكفلت إلى حدٍ بعيد بالإيفاء بهاته الحاجة المُلِحَّة ، إذا توفق الشاعر بما تسنى له من عِدَّة ثقافية ومحصول وافر من مأثورات التاريخ ، إلى استلفات نظر القارئ العربي إلى تاريخ أسلافه الأقدمينَ الحافل بالمفاخر والآلاء ، وما قصده أنْ يملأه زهوا ً ويزهيه عُجبا ً ، فما ألفيناه تيَّاها ً مستكبرا ً ، إنـَّما ألفيناه نوَّاحا ً مستبكيا ً على المجد الضائع ، وما بغيته إلا استحثاث حفدة أولئكم السَّلف الغابرينَ لاقتفاء خطاهم والسير على منوالهم والجري معهم في الغِرَار :

 

والـطـرقُ رَبـدَاءٌ يُزَمجـِرُ فـَوقهَا       رِعـبٌ وَيَرتعِدُ الهَـوَاءُ الوَاحِـبُ

وَمُعَاقِـرينَ الأنـسَ تـدفـَعُ غـرمَهُ       بـِدمـَا مَعَاقرةِ الشقـَاء ضَـرَائِـبُ

شَـاءَ القـَضَاءُ بأنْ يَـشُـلَّ سَوَامِقا ً       يَبَسٌ وَتسقِى الازدِهَارَ طحَالـِبُ

وَبأنْ تـُغـَرَّق بالـدُمـُوع ِ مَـكـَـارِمٌ       وَتتيهُ في خُضر الـبُرُودِ مَثالِبُ

مَـن كانَ يَحسبُ أنَّ ذلك يَـنـطفي       وتشبُّ من أعمى الرمادِ لواهبُ

 

................

 

       وبخصوص ما ينحصر في نطاق الصدق الفني وحرارة التعبير عن نفثات الحسِّ وخطرات الوجدان ، فالشاعر مُجَوِّد في تجسيد رعشات ذاته المُعتلجة ، إذ هو موفق غاية التوفيق في استبطان هذه الذات واستقطاب ما يصطرع في أعماقها من ضروب اليأس وصنوف الأمل ، وما يختلج بين حناياها من الأحلام والرؤى والهواجس الخفية التي لا تدركها الأبصار والعقول ، ودليلنا على هذا جماع الأبيات التي استددللنا بها في معرض التدليل على فرط اعتداد الشاعر ولجاجته في التشكي ممَّا يعاني من صنوف العقوق والنكران .

 

       والصور الشعرية هذه تتفاوت بين المقبول المُسَوَّغ لِمَا يتسم به من وضوح الألوان وجمال التنسيق ، وبين المبهَم المُعَقد المستجمع لاختلاط النور بالظلمة وامتزاجهما معا ً ، وهاكم :

 

الليلُ فِي غـَابَـاتِ نـَخـلِـكِ غـَـيـرَة       نفثتهُ مِن صَدرِ السَّمـَاءِ مَعَاطِبُ

يَسجُو فـَيَرقصُ فِي خَمَائِلِكِ الندَى       وَتـَغـَرِّدُ اللحـنَ الرَوِيَّ سَوَاربُ

وَتـَسِـيـلُ مُـثلجَـة الـريَاح فـَيَنتشِي       حَقلٌ وَتستدُنِي الزُهُورُ سَبَاسِـبُ

وَالـبَـدرُ فـِـي شـُـطـــــآنِـه مُـتـَأوِّدٌ       وَكـَأنـَّه لِـضِـيَـاءِ عَـينـِكِ قـَارِبُ

وَالـنـجـمُ زفـرَاتٌ يُـصَوِّرها على       صَـفـوَ الـدُّجَـى مِجذافِهِ المُثائِبُ

 

................

 

       فـ : ( البدر قاربٌ ، والنجم زفرات ، والدجى مجذافه المثائبُ ) ، قد تجعل القارئ يغفل عن استبطان هذه الصور الغامضة ويسهو عن اجتلائها ، إذ هي لا تستدعيه ويظلُّ مأخوذا إلى حدٍ ما بجلجلة الألفاظ وفرقعة الوزن ، بينما لا يكدُّ ذهنه ويجهد فكره في اجتلاء هذه الصور المتناسقة البديعة التي توافر الانسجام والتوافق بين جميع أجزائها :

 

وَضَـلالُ هـُولاكـو يُكـَسِّرُ زَهوَهـَا       سُخط الضَحَايَا وَالنجيعُ الشَاخـِبُ

أمس ِ عَـلى بيبَان ِ سُورِكِ هُشِّمَتْ       للفرس ِ وَالروم ِ الغُـزَاةِ مَطـَالِـبُ

يَا مَـرسَـح الـشعَـرَاءِ وَالفِكر الذِي       لـَمْ تـَبـرَح ِ الـدُّنـيَـا بـهِ تـَتـَجـَـاذبُ

وَوَقـَفـْتُ حَيثُ نظِير وَجهكِ شَافِعٌ       وَتـَرِي وَأغـنِيَتِي ضُحَاكِ الـوَاهِبُ

سَـكـرانُ مِن صَهبَاءِ بَسمَتِـكِ التِي       سَـكِـرَ الخُـلودُ بهَا وَجُنَّ الـشَّارِبُ

وَأنـَا أحـَـدِّقُ ذاهـِـلا ً تـَجـتـَاحـُنِـي       من عصف حُسنكِ هِزَّة وتطاربُ

تـَتـَلاطـَمُ الأمـوَاجُ حَـولَ سَفِـينتِي       وَيَغِيثُ أشرِعَتِي الطمُوحَة غَارِبُ

 

................

 

       تمنيْتُ أنْ يُوفى بالحُصيري على حياةٍ راضية وعيش رغيد ، بحيثُ لا تذله الحاجة ولا يعتصره تطلب الكفاف ، إذن لتعهَّد كفاياته ومواهبه بالصَّـقـل والترهيف ــ فما نحن من دعاة تعميم المسغبة لتخريج العبقريات ــ ولصار الشعر أطوع له من بنانه وأهون عليه حتى من قلع ضرس ، على غير مقولة الفرزدق في استنجاد الشيطان واستحثاث القريحة ، فزادُ شاعرنا الحصيري من المأثور اللغوي وفير نفيس يتحامى لقاءه فيه بعض أشياخنا الطاعنينَ ، وله من شرف السليقة وأصالة الإحساس ما يفتقر إليهما كثيرٌ مـن منتحلي سـمـات الشاعريَّة والـمـسلوك بهم عادة في عِدَاد النظامينَ والـوزانينَ ؛ صـدِّقوا أنَّ الحـصـيري (( يثمل بدن ٍ ولا يسكر بزبيبة )) 1 .

 

 1. العبارة بين القوسين للكاتب اللبناني عمر فاخوري في كتابه ( الباب المرصود ) .

 

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000