.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءات نقدية في رواية (ذبابة من بلد الكتروني) لنهار حسب الله

نهار حسب الله

 

 

قراءات نقدية في رواية "ذبابة من بلد الكتروني" لنهار حسب الله:


تفضل بقراءتها:

•1.     فيصل عبد الحسن ـ المغرب

•2.     علوان السلمان ـ بغداد

•3.     علي الحمداني ـ بابل

•4.     اسماعيل ابراهيم عبد ـ بغداد  

•5.     يحيى الحميداوي ـ بغداد

•6.     سالم بخشي ـ بغداد

•7.     احمد البياتي ـ بغداد

 

قراءة في رواية ذبابة من بلد الكتروني لنهار حسب الله 
سرد مناهض للحرب


فيصل عبد الحسن ـ المغرب

 

ما ان تقرأ رواية نهار حسب الله ذبابة من بلد ألكتروني حتى تتغير الكثير من قناعاتك حول حجم الكارثة التي واجهتها عائلات عراقية كانت تحلم بأن تعيش حياة الستر، والقناعة بما قسم لها الله من مصائر وأرزاق، لكنها وجدت أوضاعها بعد الأحتلال، وسقوط النظام السابق في 9 نيسان 2003 تسوء وتصير حياتها أكثر صعوبة، فبعد ذلك اليوم كشف غطاء القدر عن المجتمع العراقي، فعرف الناس، كمية الخراب الذي تسببت فيها الحروب وحجم الفوضى، التي صارت إليها مؤسسات الدولة بعد نهبها، ومقدار الفقر الذي خلفته سنوات الحصار عليهم.
صفحات من الألم ترويها لنا ذبابة أمريكية للأبحاث أنتقلت مع الجنود من أحد المعسكرات الامريكية لتحط معهم في بغداد في يوم 9 نيسان يوم إسقاط التمثال في ساحة الفردوس، ولتنتقل بعد ذلك بين الأماكن كعين كاميرا عاقلة تنقل لنا صور الخراب، والدمار وما دار على عائلة عراقية هي عائلة نجلاء أم علي الذي يقتل أبنهم في الحرب وتفقد جثته، وكما هو معتاد في العائلات العراقية يصبح الموت أمرا أقل أهمية من مسألة العثور على الجثة، وتصير الجثة هي المآل الذي لا ترتاح العائلة إلا بالحصول عليها ودفنها، لتتنفس بأرتياح وتستقبل حياتها من جديد، ولا أدري هل نسلم بهذه الظاهرة العراقية الغريبة أم نعتبرها نشازا أمام تقديس الحياة، وأعتبارها الأهم بكثير من الحصول على جثة المرحوم لقبرها.

عين الكاميرا

يستخدم الروائي حسب الله ذبابته القادمة من عالم الرفاه، والتكنلوجيا المتطورة كعين الكاميرا لينقل لنا أشجان عائلة نجلاء وزوجها الشيخ الثمانيني، وأبنهم المهندس يوسف العاطل عن العمل، والذي يذهب إلى مدينة الطب أثناء فوضى الأحتلال ليبحث عن جثة أخيه علي فيجدها متفسخة من خلال صورة في حاسوب المستشفى، وسط ألاف الجثث، ويرى هناك صورا مرعبة تقشعر لها الأبدان، وكلها تروي حكاية مأساة الحرب وضياع الإنسان البسيط في أتونها، وعذاباتها، ونجد أمل أبنته الصغيرة، ذات الوجه البريء تعاني من سرطان الدم، وهي ضريبة أخرى دفعها العراقي خلال سنوات الحصار، بسبب سوء التغذية والأعتدة المستخدمة في الحروب السابقة.

وفي هذا الخضم المتلاطم من المآسي نجد سارة وهي وردة متفتحة في العشرين من عمرها، تمتلىء أنوثة ومشاعر رهيفة، لكنها تصاب بمرض الكآبة لفقدها أخيها علي فقد كان صديقا مخلصا لها وأخا حانيا، فهي لا تستطيع أن تنساه أو تصدق أنه قتل، وأنها لن تراه بعد اليوم حيا، ونجد أيضا صورة مشرقة للمرآة العراقية متمثلة بفردوس التي يكنيها الناس بأم محمد، لكنها كانت عاقرا ومشلولة، ومحمد هذا لم يكن سوى مجرد حلم لم يتحقق لها، وهي تنتقل من مكان إلى آخر بواسطة كرسي متحرك، لكنها كانت متفائلة وتعمل المعجنات والحلويات لأطفال المحلة، وتحاول أن تبدد حزن جيرانها، ولا ندري كيف يمكن لواحدة مبتلاة كهذه المرأة أن تخفف أحزان غيرها ؟ هي مفارقة الحياة التي يضعنا الكاتب أزاءها.
الخوف من المجهول

أن ذبابة حسب الله تصور أحزان الآخرين من الجنود الأمريكيين أيضا، الذين كانوا يحلمون بحرب نظيفة تزيل حاكما دكتاتوريا، وتحل محله حكما ديمقراطيا، لتنسحب إلى بلادها وينسى الجنود ما حدث، لكنهم يصطدمون بواقع مر شديد الكابوسية من خلال تزايد قمع الجنود للمواطنين العراقيين، وتصاعد العنف في كل مكان من بغداد، وضياع القانون، ونهب مؤسسات الدولة، فلا تجد المجندة الشقراء سوى البكاء لضياع أيامها بعيدا عن وطنها، وعن خسارتها لأفراحها مع أصدقائها في بلدها، من اجل بلد ساخن ووسخ، وخطير كالعراق، كما تراه، ونجد الحزن مضاعفا لدى المجند فريدمان الذي تنتابه الهواجس من هذا البلد الغريب، الذي وجد نفسه فيه مقاتلا لجنود مجهولين يظهرون فجأة، ويختفون فجأة مخلفين الموت بين اصدقائه المجندين، عالم مرعب، وحر لا يطاق، وأجهزة كثيرة يحملها، وجميعها لا تحميه من القلق والخوف من المجهول، فيقرر وقف كل ذلك العذاب برصاصة واحدة من بندقيته ينهي بها حياته.
تقنيات الرواية

أن رواية ذبابة من بلد ألكتروني، هي رواية قصيرة أو ما تعارف عليه نقديا بالقصة الطويلة Novelette) وفي فصول كثيرة منها يقترب النص من شكل المسرحية، وروحها بالرغم من تسيد السرد عليها، فالدايلوجات فيها، التي تقال بلسان الذبابة، هي حوارات تنقلها لنا الذبابة عبر حكيها السارد، أما المنللوجات الداخلية، فلم تستعمل في الرواية إلا نادرا، كما انها مكتوبة بأسلوب بسيط خال من أي تعقيد، كما يحدث عادة في الحياة الحقيقية، فلا افكار عظيمة، ولا تفلسف، ولا وصف أدبي صعب، مما جعلها صالحة للقراءة للفتيان والكبار، ورسالتها رسالة مفعمة بالإنسانية، التي تدين الحرب بكل الدعاوى التي تأتي بها، فلا مبرر حسب الكاتب لأي حرب مهما كانت مطلوبة وتبدو محقة، فهي ستكون سببا لكوارث بشعة سيدفع ثمنها الناس البسطاء، الذين يعيشون على الكفاف يوما بيوم، انها روت عن هؤلاء الناس وعاشت مأسيهم، ودافعت عن حقهم في الحياة الحرة الكريمة بعيدا عن شبح الفقر، والخوف من القتل والفقدان والمرض، ودفع ثمن طموحات حكام لم يخلفوا وراءهم سوى الذكريات المريرة، والأحوال السيئة لهؤلاء الناس البسطاء، وتسببوا لهم بكوارث الحرب والأحتلال لبلدهم، كما أنها رواية أدانت الناس المستسلمين لأقدارهم ويكتفون عادة عند حدوث المأسي بالبكاء أو يضربون كفاً بكف، ولم نجد في مقطع من مقاطع الرواية، ما يعبر عن رؤية سياسية محددة لأبطالها تعبر عن رفضهم، أو ما يضمرونه لمواجهة ألقوات المحتلة لبلادهم، او تصورهم لشكل حياتهم في ظروف واقعهم الجديدة، فهم صامتون عن كل هذا، وكأنما يخافون من رقيب يسجل عليهم كل كلمة أو كل فكرة تطرأ على بالهم، والكاتب نقل لنا شكلا من أشكال التغييب الفكري تتسبب به عادة عقود كثيرة من القهر السياسي، والأعتياد على الصمت، والأكتفاء بالقليل الذي يبقي الإنسان بين الحياة والموت، وتحمل ما ترمي به الأقدار عليه، وهي كوارث من صنع صمته، وقبوله بما يجدر به رفضه، والوقوف في وجهه لتغييره، ولمنع وقوع المصائب.
صدر عن دار الينابيع » دمشق سوريا » ط1 عام 2012

 

نهار.. والذبابة التي تبحث عن الحرية

علوان السلمان    

 

الروايةnovel فن قائم بذاته ..مستمد طاقته الداخلية من مفاصل الوجود الحياتي الممتد عبر المسافات المانحة بحركتها التجديد والتجدد عبر صراع المتناقضات  الحدثية  من خلال تلاحم الفكري ..التاريخي ..السايكولوجي..

 و(ذبابة من بلد الكتروني)  الصادرة عن دار الينابيع/2012..والتي نسجت خيوط عوالمها انامل القاص نهار حسب الله المشحونة بمعاناة الواقع..اذ يقدم فيها السارد الوجود بتشظياته عبر ستة عشر مشهدا رقميا تجمعها وحدة عضوية (وحدة الحدث)..وهي تندرج تحت فن الرواية القصيرة او رواية السيرة..كونها تسرد سيرة ذبابة باحثة عن الحرية..بنثرية فنية حققت التوازن الواعي بين الايجاز والاطالة..باعتماد التكثيف والتركيز مع اقتصاد في اللغة..

(لم تكن الذبابة محتلة ولا محررة هي الاخرى..وانما استقلت الطائرة عن طريق السهو او المصادفة.. كانت تحس بالضجر من عالمها التكنولوجي في الولايات المتحدة الامريكية..بوصفها مخلوقا للتجارب والاختراعات الطبية والحيوية الحديثة..تعيش حياة مدللة في مختبر للابحاث تحت عناية تامة توفر لها متطلباتها كلها الا حريتها في الطيران والتحليق حيثما تشاء..) /ص11..

فالرواية تتحدث عن اشكالية الوجود والبحث عن الحرية التي هي (وعي الضرورة..)..والحيرة المقلقة التي تحيطه عبر لوحات فنية تبعث عوالمها وايحاءاتها من خلال الفاظها وجملها البعيدة عن التقعر وهي تؤرخ لاحتلال خلط واقعا وجعله متصارعا يتدثر المحرقة المحتشدة بالخوف والباعثة لظلمة دامسة فرشت روحها على مستقبل مجهول..

(امتدت ظلمة الخوف حتى صار جليس ليالينا الطويلة كان يقلقنا ضياع المستقبل والندم على الماضي..وسرعان ما فقدت الحياة صوتها الجميل ..وتناثرت ابيات الشعر مع دوي الانفجارات القاسية..وبدت بغداد صامتة وكانها مقابر بشوارعها الحزينة..)/ص10..

فالكاتب يلتقط تفاصيل الحياة وما سببه الاحتلال بحس مرهف وعقل متأمل لواقع مظلم مرير..فاستطاع ان يقول(ما لايمكن ان يقوله سوى الرواية..)على حد تعبير الروائي التشيكي ميلان كونديرا..اذ التحدث عن عالم التكنولوجيا المرعب الذي توظفه ثقافة لها نسيجها المتوحش نتيجة النرجسية الذاتية التي تنمو داخلها والمتمثلة بالبلد الالكتروني عبر العنوان الذي هو (ثريا النص)..الذي يشكل معمارية هندسية..استدلالية مقترنة بجملة اسمية مركبة من مكونين اولهما:حشري مؤنسن(ذبابة)..وثانيهما مكاني متحرك(البلد الالتروني)..كونه مفتاح تأويلي لسبر اغوار النص..من خلال انسنته وتسخير كل التقانات الفنية من اجله لخلق فضاء النص ووصف اجزاءه واختلاف زوايا رؤاه.. بلغة شفيفة اعتمدت اليومي وهي تنوي اعادة تشكيل العالم وتفسيره ورسم مجرى الحرية التي تبحث عنها الموجودات ومنها الذبابة الرمز ..كخيار جمالي وتقنية تنطلق من الواقع وتتجاوزه لتحقيق غاية تؤدي وظيفة فكرية..كونه يتيح التأمل فيما وراء النص..والتي شكلت مساحة ابداعية تشتغل على اداة متفردة وتسميات متعددة ومتفرعة(التكثيف ـ السرد ـ التركيز ـ الصورة ..)..

(بعد احتجازها في المختبر ولمدة طويلة ادركت ان هذا السجن يفقدها الاحساس  بعالمها الخارجي..لا بل صارت تحلم برؤية عالم طبيعي مثل ذاك العالم الذي كانت تعيشه قبل زجها في سجن التجارب والابحاث البشرية..قررت الخلاص والهروب لتعاود مسار حياتها الطبيعية..)ص11..

فالكاتب يعتمد تجربة حياتية بوحدة عضوية ومهارة سردية مكنته من ادوات السرد والوصف والحوار..اضافة الى استثمار الايماء والترميز..فتجاوزت التجنيس فكانت صالحة ان تكون قصة طويلة اخذت من المشهدية السيمية منهجا شكليا عبر وحدة عضوية احتضنت مشاهدها التي شكل كل مشهد منها هامشا يوميا يتحقق على لسان السارد الذي يدون الاحداث باسلوب صحفي كونها تقترن بالحرب..وما انتجته من دمار للوجود والاشياء..لذا كان مركز ثقل نقل المحكيات والمواقف والمشاهد من خلالها..باعتماد لغة الحياة كونها تتكيء على ذاكرتها المركبة من مشاهدها المرتكزة على نواتها الدلالية (الذبابة)والتي من خلالها يستطيع الكاتب ان ينسج عمله السردي الذي ينتمي الى واقع انساني فيكشف عن همومه بمحدودية ادواته الفنية..فالمكان يسيطر على المستوى الموضوعي والتشكيلي..وهذا يعني انه يحفز الذاكرة فيربط بين الذات والموضوع عبر لغة طاقتها التعبيرية تتمثل في تحقيق المستوى الصوري الواقعي..فالكاتب يوظف المكان ككيان يحتوي على مجمل التفاعل بين الانسان ومجتمعه ..لذا فهو يحمل جزء من افكار ووعي ساكنيه..كونه الجغرافية الخلاقة التي تشكل جزء من الحدث المرتبط بزمكانية محددة..مع سيطرة مسحة الحزن الذي هو (حزن فكري نشأ عن تفكير في الحياة والموت من جهة وتأملي في احوال الانسان من جهة اخرى على حد تعبير عبداللطيف شرارة..

لقد اعتمد الكاتب سردا مغرقا بالواقعية المنظورة فنقل بعدسته التي اختصرتها(الذبابة)المؤنسنة والباحثة عن الحرية.. بعد ان جاءت على متن (الاباتشي) لتشكل بؤرة السرد الراصدة للاحداث التي تحدث بعد ان (تحين ساعة الصفر..ساعة الحصاد بالنسبة للشيطان..)..وبدأ الدمار فكانت شاهدا  على هذا..بوساطة الحوار المنولوجي الصادر عن الذبابة..لذا فالسرد يبوح على لسانها بشكل مواز لبوح الراوي السارد وهما مشغولان بهواجسهم اليومية وثقل الزمكانية..هذا يعني ان الرواية رواية لسيرة ونص  يوثق الزمكانية..كونها تقوم على اقتناص اللحظة الحدثية الواقعية وبلورتها من اجل تشكيل كينونة تحيلها  من الواقعية الى الجمالية في اطار بنية السرد..

(حل الغسق عجولا وكشف القمر عن ضوئه الشبحي الباهت..وسرعان ما فرض الليل سيطرته على سماء بغداد وارغم سكانها على التزام الصمت الذي لم يكن غريبا على اهل المدينة منذ بداية الحرب..وعلى الرغم من سكونه المخيف هذا عجز عن كتم طنين الذبابة الذي بدأ كعويل يشرخ القلب..)  /ص52....

فالصورة السردية هنا ذات طبيعة ايحائية محملة بالدلالات والمشاعر والمرموزات..كونها بنية ارتكازية(تقدم تركيبة عقلية وعاطفية في لحظة من الزمن..)على حد تعبير ازرا باوند..

فالرواية تشكل رواية سيرة تنهض على احداث ووقائع في حياة مؤلفها معتمدة على الفنية والتخييل..لذا فهي تذكير بوقائع وشخوص منصبة عوالمها في عالم سردي حدده جولدمان بانه(رحلة بطل اشكالي يبحث عن قيم اصلية في عالم متفسخ..).. انها تقترن بازمة الذات وتصاعد الصراعات الداخلية...

(بينما هي منشغلة بتنظيف الصورة بقطعة من القماش الابيض المعطر..انفجرت دموعها فجأة وكأنها بركان هائج لترسم جداول خارقة على وجنتيها وتحول وجهها الى تمثال اثري نحت في زمن غابر..)ص17..

فالكاتب يركز على السرد الاسترجاعي بتفعيل الذاكرة وشحنها بشحنات الاستذكار الفاعلة في حيزها الوجودي..اضافة الى ان شخصيات الرواية قريبة من الهزيمة..لذا فهي تلجأ الى الوهم علها تسترجع بعض بقيتها او عالمها الفردوسي المفقود  ..

(سيعود..آثار الحرب ما زالت مسيطرة على مفاصل الحياة..والبحث ما يزال عابثا مشتتا..لكن تأكد انه حي يرزق وسيعود الى احضانك قريبا..قال يوسف كلماته الاخيرة وسار للداخل بخطى باردة يائسة تاركا نار الازمة تأكل قلب ابيه التواق لرؤية ولده الاكبر..)ص24..

لقد اعتمد السرد الروائي الاسلوب التعاقبي الخطي مع تركيز على فترة زمنية بظروفها التي تقع خارج نطاق الذات.. فكان البطل ضمير الغائب والراوي العليم خارج فضاء السرد كونه يروي لسيرة في  جوهرها ( تتمركز حول التجارب التي تشكل الشخصية وتبلورها..وعرض عوالم متشظية يجمعها جدليا الواقع من جهة والخيال من جهة اخرى عبر سرد يسقط حالة الكاتب النفسية على المكان كي يحقق هدفه الوظيفي ..فيقدم سردا يشكل مرآة العصر ويمثل زمن كاتبه..

 

البلد الالكتروني رواية لحياكة الألم


علي الحمداني

البلد الكتروني وهذا تشخيص لاينكر

فقد اعتاد ابناء هذا البلد الذي تعنيه وجاءت منه ذبابتك التواقة للاطلاع على ان تعني الاشياء والحقائق وكل ما يحتويه الكون مجرد ارقام ومعادلات الكترونية يجب ان تؤدي نتائجها الى مزيد من الارقام الموجبة في ارصدة بنوكهم ووهمهم الكبير في ان يكونوا اسياد العالم...وهم خاضعون لغسيل الدماغ الدائم الذي تمارسه على عقولهم ماكنة الاعلام الضخمة وانظمة الاستخبارات ومؤسسات المال وحياكة الام الشعوب الاخرى التي لم تتمكن من تفكيكها كل صرخات المظلومين الذين كانوا ولايزالون ضحايا تلك القوة الالكترونية الكبرى..
الذبابة.. انها ليست ذبابة؛ ان العنوان الحقيقي لروايتك هو تعال ايها الامريكي وانظر ماذا فعلت امريكا في بغداد ..واستعارتك للذبابة منحتك الحرية في جلب عقل الامريكي العادي واحضار دهشته معه وعفويته واستغرابه ليطلع بنفسه على المآسي التي سببتها حربهم في العراق ومن منظار عينه الخاصة من دون تدخل ماكنة الاعلام المظللة التي تريه الجرائم والانتصارات والعدوان والبطولات والقتل دفاع عن امن امريكا...لقد جعلت العقل الامريكي الغافل يفطن الى بشاعة الصورة التي رسمتها الحرب في بغداد ومن الجانب الانساني فقط من دون ان تقع انت في فخ السياسة والاسباب وتداعيات الغالب والمغلوب...
وهكذا خرجت ذبابتك الامريكي المحايد بصورة للحقيقة اثارت اشمئزازه واصطدامه بواقع الجرائم المرتكبة في بغداد باسم الحرية المضحكة التي سخرت منها في بداية روايتك وسخرنا معك لانها حرية يصنعها الاحتلال... 
وفوجئت تلك الذبابة الامريكي المحايد بالصورة الحقيقية لقوات بلده والجرائم التي ترتكبها وحالة اليأس والقنوط التي تدفعهم للاجرام اكثر وليس نشر الحرية كما يبدون في معسكرات تدريباتهم وصورة الاعلام عنهم...
شد انتباهي اختيارك الدقيق للاسماء في العوائل العراقية الذين شكلوا مساحة اساسية من ارض الرواية...
ابوعلي.... اختيار موفق لجيل تعب لاجل اهداف ضاعت في اتون حرب لم يحسب لها مسبقا أي حساب فتحول الى تمثال شمع يذوب على نار الاحزان...
نجلاء.... امرأة عاشت الزمن البرئ الجميل لتدفع ثمن سعادتها الخالية بفقدان ولدها وعدة مآسٍ اخرى تعيشها العائلة والبلد.
يوسف.. ذلك الشاب المطالب بان يكون عماد العائلة في كل شئ وسد احتياجاتها وتبني احزانها ومواساة ابويه واخته على الرغم من احزان البلد واحزانه الخاصة به مرض ابنته 
سارة.... الشباب الذي احترق سريعا في العراق بنار الفقدان وضياع الامال الكبيرة والعيش على هامش الذكريات مع احبة رحلوا ولن يعودوا.
امل.... الامل الذي اينع في بغداد تحت ظل حياة آمنة وارفة سرعان ما احترق باللوكيميا اتون الحرب الذي احرق كل الامال 
ام محمد... الحياة التي اصابتها الحرب بالشلل واصبحت عاجزة عن الحركة الحرة وصارت تتبنى الالام بدل الامال..
روايتك حبلى بالطرح الطازج مليئة بالعواطف الجيّاشة الصادقه... لايمكن للقارئ ان يبدأها من دون ان ينهيها...
اتمنى لك التطور في ابداعاتك التي تترك انطباعا طيبا في النفس وان كنت اتمنى ان اتذوق المزيد من فنية النثر فيما تكتب وان لايكون السرد مسترسلا على حساب جمالية الجملة حيث لاحظت ان حلاوة الموضوع قد منحتك فرصا كثيرة لسكب هذه الحلاوة في انطلاقات واسعة للخيال واستعارة خصوبة اللغة العربية التي كانت ستمنحك الكثير الكثير..

  

ذبابة التحرر والأرشفة الروائية *

اسماعيل ابراهيم عبد

بين العالم المتقدم ( الولايات المتحدة الامريكية) والعالم الذي نجى توا من الدمار (العراق) مسافة حضارية لا يمكن قياسها بزمن او إحصاء إنما تقاس بسرعة طائرة وذكاء ذبابة.. هكذا يريد الروائي ان يقول في مأثورته (ذبابة من بلد الكتروني)!

هذه النتيجة عجولة ومبسطة وليست عادلة , فليس فيها ما ينوه عن الصياغة الفنية والتركيب الفلسفي الذي يحكم العمل والإشتغال عند نهار حسب الله بروايته هذه.. كأن الإفتتاح هذا توجه لرسم مخيلة ستنسج أحداثها بطريقة أخلاقية , لكنه حين يصل الى (إنها الساعة الثالثة من فجر يوم العشرين من آذار 2003).. سيميل الى التوغل في لحمة الرواية حتى يحس بأنه دخل في فعل روائي منتظم يقع بين عمل المثيولوجيا وفن الروي المخاتل بلغة الأنسنة الحيوانية (الروي بذاكرة وعيون ذبابة).

والأكثر من هذا غرابة هو كون الذبابة هاربة من مختبرات عسكرية الكترونية امريكية الى بلد يعيش على فطرة أشيائه كأنه لا وجود لأية تغيرات بيئية متحضرة..

في متابعة خطوط الأحداث يترسم أمامنا خطا متصاعدا يؤشر مستويات تطور الأحداث مع تطور الشخوص والوقائع بشكل متضامن..

ويمكن ان نفصل- لأجل التوضيح - هذا التضامن الى عناصر كاشفة لمخبوء التضافر اللغوي والدلالي في مأثورة الرواية كحاجة قرائية أساسية..

المروية أولا : 

يمسك الروائي بخيوط نسيج لموضوعة حدد بنياتها أولا , ثم قيّم مصاعب صياغتها , ثم حدد غاياتها بوجود مظلة سوداء تحجب الرؤية الى المستقبل , وأن زوال هذه الظللية يعني وضع عربة التقدم على السكة الصائبة..

ترى ماذا في هذه المروية ؟

إنها مروية لراوِ عليم مضلل , عين ذبابة , وهو راو متعاطف مع فطرية الأشياء في حركتها وعلائقها..

إتخذت هذه العلائق الخطوات الآتية :

1-      الإضطهاد في المختبرات الالكترونية.. وهي الحالة المبررة الأُولى للهروب من أماكن وجودها القسري.

2-      الفهومات المختلفة للحرية.. التي على أساسها يبين الفرق في وجهات النظر بين القوى الغازية والقوى المغزوّة..

3-      المأساة المشتركة لطبقات المجتمع الفقيرة الفطرية.. تلك التي وقع عليها الحيف التأريخي قديما وحديثا.

4-      إنتقاء شرائح إجتماعية متجاورة لإيصال المقدار اللاقياسي للألم العراقي..

5-      التوصل الى خلائص معينة منها:

* الدول لا تتعامل إلّا وفق مصالحها.

* لا عدالة مطلقة ولا ظلم مطلق ولا تعاون تام ولا تقاطع تام , في التعامل الدولي الجديد..

* لا وجود للحرية في المجتمعات التي لم تحصل على قوتها وإستقرارها بشكل

إكتفاء ذاتي..

الفواعل السلبيون

شخوص الرواية سلبيون , لا ثورة لديهم على المستوى الذاتي , ولا على المستوى الأخلاقي , ولا على المستوى السياسي.. هم عوام فقراء , مبعثرو العلائق , فطريو الطوية.. إنهم مقادون لأقدارهم بمثل ما تقاد الذبابة , نحو أقدار (وجود ) فطرية تقترب من غباء مصطنع وهو ما يجعل الشفرة الأُولى الكبيرة, تضليل الروي , بواسطة خداع القرّاء بغباء الذبابة (بطلة الرواية) وراويتها , وقائلة مرويتها والتي تكمل سلسلة الشخوص السلبيين.

إن هؤلاء الشخوص (الفواعل) قد وضحوا مسألتين :

* أن السلبية تتوازى مع الإستلاب وعدم القدرة على الدفاع , لا عن الذات ولا عن المجموع ولا حتى عن العقائد..

* ان الإنكسار السريع وغير المتوقع لجميع البنى السياسية والإجتماعية والإقتصادية ولّد صدمة القبول بالآخر, بسلبيلته كلها , وكذلك القبول بالبدائل اللاوطنية المنفذة لمشروعات المحتل.

إما الملامح البشرية فقد تمثلت بالآتي /

عائلة الشهيد علي المكوّنة من علي (الغائب الحاضر) , ويوسف الاخ ثم الأُخت ثم الزوجة والطفلة والأبوين.

ثمة ما ليس بعائلة لكن تسمى عائلة مجازا هي أُمُ محمد التي هي مثال خاص من النماذج التي شاع وجودها بعد عام 1980وحتى الآن , حيث تعيش الأرامل والعازبات في بيوت مستقلة مشكلة ظاهرة إجتماعية خطيرة في نتائجها , لها سبب واحد فقط هو الحروب المتتالية التي يفجّرها السياسيون ويطال حيفها الفقراء والمعوزون.

شخوص الرواية (العوائل والذبابة) هم فواعل الرواية ولكنهم ليسوا صانعي أحداثها إلّا من الطرف المعكوس , أي الذي وقع عليه (قدر) المروية حيث يتلقى ضربات مصائر بشرية قاسية بصبر وجهد وإصرار على مواصلة الحياة بأي شكل..

الرواة المزدوجون

في هذا المجال خلط كبير يتحمل إفتراضين :

الإفتراض الإيجابي / يتمثل في تنويع قوى الروي بين الإنساني والحيواني , ضمن مجسة الأنسنة.

الإفتراض السلبي / يتمثل في إلقاء تبعات الحوار وجدل الروي على ذمة ذبابة (!)

وهو ما يخرج الروي عن قدرته على الإقناع..

 أحسب أن لذلك تبريراً فلسفياً يتعلق بالترميز وبالرغبة في الإتيان بنوع مختلف من الروي كما أن الإشتغال الفني على أبطال مسحوقين جدا جدا سيلائمهم هذا الصُغار البشري التقزيمي المقصود. مع ذلك فيمكن تطوير هذه الآلية بالتفاعل المتماسك بين المتخيل والمادي بتنويعات مكثفة للسرد أفعالا وصورا  وإعتماد توازيا مناسبا للتوفيق بين المستوى العمقي والسطحي..

بهذا الخصوص أقترح للأعمال القادمة ما يأتي:

1-      أنسنة الروي بطريقة مقاربة نفسية ( أنسا- حيوانية ) تأخذ صيغة تعمل بمتوسط بين الرقة والخشونة أو التذاكي والتبلد , أو إستنطاق الجماد بلغة البشر وبعلائق وجدانية لعناصر الأرض.

2-      جعل هموم الأفراد والعوائل متضمنة لمنعكسات المآسي على مكونات البيئة كالأشجار والشوارع والطقوس.

3-      جعل مساحة الروي منفتحة على إحتمالات حلول سرد تبادلي مثل حالات تبادل الروي بين البشر والأرض فيروي البشر عن أوجاع الطبيعة وتحكي الطبيعة عن مصائر البشر.

4-      إستخدام الحيوانات الأكثر قربا وحميمية من البشر لأجل التعبير والتنميط الروائي سواء بدور البطولة أوالروي.

5-      استبعاد التقنيات التقليدية من النسج الروائي وتقليل التقيد بالتراث قدر الإمكان والإشارة إليه بالترميز الشبيه بالأسطرة.

6-      تحميل الجمل والموضوعات قدراً غزيراً من المعلومات والأحداث والأفعال من خلال تكثيف اللغة الصورية للرؤى القصصية.

التقانات الإبلاغية

بالتصاعد من بدء الإفتتاح حتى آخر فقرة من الرواية - ذبابة من بلد الكتروني - لنهار حسب الله تتأكد لنا الملاحظات الآتية :

1- ان البلاغات السردية تسير بإتجاه خطي.

2- ان اللغة مصاغة بجمل توزيعية لاتهتم كثيراً بالإنفتاح الدلالي.

3- ان التخيل والخبرة الحياتية وضعت الرواية عند عتبة الجذب القرائي لأكثر من مستوى ولأكثر من نمط تأويلي.

4- التفاصيل الدقيقة للحالات النفسية عوضت عن الوصف المظهري والجسداني.

5- عدم الإعتماد على محازات اللغة من استعارت وإختزال ومفارقة عميقة فوّت على الروائي فرص تداول أكبر..

ختام              

هذا العمل تجربة ثرية وخلاصة لهموم كبيرة سيترتب عليه تفوق لاحق في مجالي القص والروي كما أنه جهد طيب ووفاء آسر لقيم فنية وإنسانية ووطنية تعزز

حيوية الشباب العمري والروائي.

* ذبابة من بلد الكتروني - رواية - للكاتب نهار حسب الله - صادرة عن دار الينابيع - سوريا - 2012

 

الاسئلة المتعددة والنهايات المفتوحة

قراءة في رواية نهار حسب الله (ذبابة من بلد الكتروني)


يحيى الحميداوي

إشارات مقتضبة من لحظات واقعية ومتخيلة ارتكزت عليها الرواية لتصوير واقع مأساوي من خلال رصد الذبابة الباحثة عن الحرية لتلك الفواصل والإحداث, الهروب من اجل الحرية إلى وطن صدرّت إليه الحرية مشوهة ومصابة بالشلل لتكون هذه الحرية وبالاً ومأساة في أجزاء هذا الوطن,ثمن الحرية ثمن باهض ولابد لها من تضحيات فتلك الذبابة تبحث عن حريتها المفقودة وكان الثمن أنها فقدت الطمأنينة التي كانت تتمتع بها في مختبرها من اجل إن تتمتع بانطلاق أجنحتها راقصة مع الهواء والاستمتاع بالمسافات والإبعاد التي تتحرك بها كما هو حال الشعب الباحث عن الحرية فما كان بالمتربصين واللصوص إلا أن حولوا هذه الحرية إلى جحيم وموت بطيء .
الصورة التي استطاعت الذبابة إن تستجمع ألوانها من خلال عائلة أبو علي التي هي عبارة عن صورة مصغرة لوطن بماساته وهمومه وبما فيه من عذابات وجراح نازفة فكل شخصية في هذا البيت تمثل مجتمعاً بكل مافيه من الإمراض والفقدان والترقب والحاجة للعمل ومشاكل لايكاد يخلو منها بيت في هذا الوطن .
الايحاءات التي أخذت إبعاداً كبيرة ينسجها القارئ في مخيلته كيفما شاء من خلال صورة أم محمد الجارة الطيبة وعلاقتها الحميمة بعائلة أم علي والترابط العميق بين العائلتين ومحبة أم محمد العقيمة لأطفال المحلة وعنايتهم بها واهتمامها بالجميع تصوير جميل للصلات والعلاقات التي تجمع أطياف الوطن بصورة جميلة خالية من الزيف والتعقيد
(حانت ساعة الصفر ,ساعة الحصاد بالنسبة للشيطان )1
إشارة للحظة البدء بالدمار والخلاص كلاهما صورتين لواقع كأن ثمن الخلاص من الموت الجاثم لن يكون إلا بالدمار الذي يعيث في وطن الأماني كل الشرور والنزيف ,التركيز على الفارق الذي يمكن إن يلاحظ بين البلدين من ناحية مادية من حيث التقدم والتكنولوجيا والتسليح (والصواريخ التي مزقت سماء بغداد )2
هذا هو الهدوء المزيف الذي يستطيع إن يستشعره القارئ من خلال قراءة ماوراء السطور فبغداد لم تكن سماءها تنعم بالهدوء والاستقرار إلا ما كان من هدوء مقنع وصمت إجباري وهدوء حذر .
الرواية وإشاراتها التي تلتقطها الذبابة المهاجرة (صباح جديد يحمل في طياته خرابا وجراحا وأفراحا وجمله أحاسيس متناقضة من شخص لأخر)3.

لقطات مميزة كمشاعر الناس في تلك اللحظات باختلاف ميولهم ومنافعهم وأمزجتهم من ناقم لراقص لمترقب بخوف وحذر ليس للكاتب سوى انه ينقل بعدسته التي اختصرتها الذبابة بنقل مايجري حوله من إحداث من دون إن يتلاعب بتفاصيل الحدث ويحمل اللقطة أكثر من طاقتها في تصوير اللحظة. لم تكن تلك الذبابة إلا آلة إعلامية صادقة لنقل الواقع فهي ما جاءت محتلة ولامحررة وإنما جاءت تبحث عن الحرية ساقتها الأقدار إن تكون في طائرة الاباتشي التي تمطر سماء بغداد بحمم الجحيم .
من خلال الإهداء وقراءة الرواية بتمعن نلاحظ مدى تأثير الفقد على الكاتب والغمامة الحزينة التي ارتدت تفاصيل الرواية كأنها إحزان ومأساة الذات التي يرزح الكاتب تحت وطأتها في داخلة المشتعل بألم الفراق ليمتزج من واقع مأساوي يعيشه الوطن ليكون صورة معبرة عن مأساة حقيقية جرت فصولها ومازالت ....الخيال الذي استخدمه الكاتب كان من خلال الذبابة التي صورت وقائع حقيقية لما يجري ويحدث في وطن تحيطه المأساة من كل جانب ,حينما تخوض في الرواية تشعر بأنك لست غريباً عنها وعن إحداثها ولست كما الذبابة متفاجئاً لمايجري من حولك فكلنا عاش المأساة واكتوى بتلك النار وكلنا ترقب الموت والكثير كما أم محمد وحيدة وحزينة تبتهل وتمد اكفها بالدعاء للنجاة والطمأنينة. تفاصيل الرواية تفاصيل سهلة وبسيطة بعيدة عن التعقيد المصطنع المزيف صيغت بأسلوب وإمكانية رصد عالية ودقيقة أسلوب جميل في إدارة تفاصيل الحديث واللحظات الإنسانية التي تختزنها الروح العراقية من خلال الخطاب بين سارة الابنة مع صورة أخيها الراحل الصديق والحبيب معاتبة ومتسائلة وحديث إلام مع الصورة وتعبير عن الذكريات التي تتجلى في لحظة الاشتياق (لقد جهزت لك الحمام الساخن واعددت لك طبقك المفضل من البطاطا والبيض الذي تحبه....)4.
صوت أبو علي هذه الحوارية الجميلة التي تفتح مغارز الجرح والألم ...النهايات الممتدة للحظات التي يعيشها الشخوص في الرواية تعطي بعداً خلاقاً كي يكون فيه القارئ شريكاً فعالاً في قراءة الرواية وتحفيز مخيلته في صناعة النهايات باختلاف الأمزجة والرؤى وهذا مايحسب للكاتب من إمكانية في شد القارئ وسحبه إلى منطقة الحدث والتفاعل.
حركة الإحداث في الرواية حركة طبيعية غير مسيرة ومزدحمة حتى إن التنقلات الصورية التي تسردها الذبابة في تنقلها من مكان إلى أخر مع ثبات الزمان كحالة واحدة في لحظة معينة مع اختلاف الأمكنة وهي تدور في زوايا البيت لتطلع على التفاصيل تخفت من طنينها وحركة أجنحتها إشفاقا على (أمل)الطفلة المصابة باللوكيميا
خيوط متشعبة وممتدة في أماكن متعددة من المستشفى وتصوير الموتى والجرحى ومدى المأساة إلى الطب العدلي وكأن زاوية الحياة اختصرت في أماكن معينة في زمن ثابت هو لحظة الموت والبحث عن علي ....وقلق يوسف الأخ والصديق ,التغير كحالة انقلابية على الوضع ليس هو الحدث الذي تدور حوله الرواية وإنما يعد مادة واضاءة يمكن إن تدور حولها اللحظات الإنسانية وما بعد التغيير والنتيجة الحاصلة منها والإحداث التي تفرزها تلك اللحظة وحالة الفرح التي امتزجت بشيء من المرارة للفقدان والضياع في دوامة الموت المباح للجميع بلا رادع أو رقيب ,استطاع الكاتب من خلال الأسلوب (الحوار الداخلي للذبابة )وأمنياتها بالحرية من وضع إشارات وعلامات استفهام متعددة تجعل من القارئ شخصاً من شخوص الرواية يسأل نفسه أسئلة متعددة حسب ميوله ومزاجيته ..والسؤال المشترك للرواية إلى متى يكون مصير الإنسان العراقي سلسلة لامتناهية من النزف والوجع والضياع والترقب المخيف والإحداث التي تزلزل حياته على الرغم من انه لم يكن يبغي سوى الحرية التي يتمتع بها الكثيرون , وعلى الرغم من أن الكاتب يضع النهاية التي يتصورها القارئ قراراً إلا انها في سياق تصويرها ماهي ألا تساؤل عن مدى المجازفة التي تحققت من خلالها حرية مجهولة المعالم قد تكون خلقت بهذا التشويه لتكون بوابة لعذابات لامتناهية وغير محدودة .....نهار حسب الله في روايته (ذبابة من بلد الكتروني )يضع أسئلة متعددة ونهايات مفتوحة الغاية منها أشراك القارئ كما تحدثنا أنفا لكي يكون هناك تفاعل خلاق ....أسلوب سردي جميل ولحظات ابداعية غاية في الروعة والجمال ...

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1و2و3و4) مقاطع من رواية (ذبابة من بلد الكتروني) لنهار حسب الله ـ دمشق 2012.

 

 

رحلة استكشافية مثيرة على جناح ذبابة من بلد الكتروني

 

سالم بخشي/ التآخي 28/5/2012

في الفصل الاول من روايته الاولى: (ذبابة من بلد الكتروني) التي يبتدئها بساعة الصفر لقصف بغداد من قبل القوات الامريكية الغازية ، يدخل الكاتب الشاب نهار حسب الله وباسلوب نادر ورشيق (ذبابة) في ضخم الحدث ويتخذ منها مساراً سردياً لطرح فكرته الرئيسة وعرض مشاهد روايته بصورة تغريك على المتابعة وتدخلك دون ان تشعر الى اجوائها المفعمة.

وبالرغم من ان الذبابة قدمت من امريكا الا ان الكتاب لم يغفل ان يعلن عن حيادها في بداية الفصل الثاني قائلا: (لم تكن الذبابة محتلة ولا محررة هي الاخرى).

وبالرغم من ذلك نجد هذه الذبابة في منتصف الرواية وعند غوصها في الاحداث لاتستطيع ان تمنع نفسها من التأثر الاحتجاج لما جرى في ايام الاحتلال الاولى من مآس وكوارث.. الذبابة التي رماها قدرها اللعين وهي تحاول ان تهرب وتسترد حريتها المسلوبة من علب المختبرات الامريكية لتجد نفسها ودون سابق تخطيط في قمرة طائرة (أباتشي) متجهة لقصف بغداد .تحط الذبابة يوم 9-4-2003 في بغداد وتقصف رأس تمثال الطاغية في ساحة الفردوس في اشارة رمزية رائعة لسقوط الطاغية ومسؤوليته التاريخية في استقدام الاحتلال نتيجة سياساته الرعناء.ثم نتابع سير الرواية مع القدر المجهول الذي تقودنا اليه اجنحة الذبابة التائهة لتدخل بيت (ام علي) وتعيش اياماً حزينة لهذه العائلة العراقية القلقة على  مصير احد اولادها (علي) الغائب في خضم الحرب على العراق ، ولم تكن هذه المصيبة الوحيدة التي تؤزم العائلة بل هناك شريط من المآسي يلف كل واحد منهم.

واتخذ الروائي من هذه العائلة نافذة القاء الضوء على ماجرى على الشعب العراقي في تلك الفترة المظلمة من خلال رحلة الذبابة مع (يوسف) شقيق الضحية وهو يبحث عن شقيقه (علي) في ردهات مستشفى مدينة الطب ويرافقه حتى ثلاجات الطب العدلي المليئة بالقتلى المشوهين والغارقين في دمائهم والتي صارت ولائم لأسراب طفيلية من الذباب العراقي المنهمك في لعق هذه الدماء وسط استغراب واستنكار ذبابتنا الامريكية التي لم تعهد مثل هذه المشاهد الدموية وقد كانت متنعمة بسجنها في مختبرات التجارب في امريكا.

لم تعد الذبابة تستطيع المراقبة بحياد بل صارت تتفاعل مع مواجع عائلة (ام علي) واصابها الندم على قرارها في الهروب على لسان السارد (كثيراً ما كانت تقارن بين العالمين المختلفين اللذين زجت فيهما من دون رغبتها ... سواء في مركز الابحاث في امريكا ام في بيت (ام علي).هربت الذبابة من الجو المأساوي لهذه العائلة محاولة العودة من حيث اتت لكن الامر لم يكن في مقدورها  .. تاهت في سماء العراق وبعد رحلة مضنية استهدت الى معسكر امريكي وحطت عند الام مجندة امريكية تكتب رسالة الى والدها بمناسبة عيد ميلاده وتعيش المشاعر الموجعة والاحداث المؤلمة التي تسرد بعض تفاصيلها لبعض رجال الاحتلال وما ارتكبوه من فضائح.لم تنس الذبابة ان تتفقد عائلة ام علي للمرة الاخيرة لمعرفة المصير المأساوي الذي الت اليه هذه الاسرة قبل ان تستقر في معسكر امريكي تمني نفسها بالعودة من خلاله الى امريكا دون جدوى مستسلمة للقدر عاجزة على لسان الروائي:

(وصلت الى قناعة وهي استحالة عودتها الى عالمها الهادىء الجميل في مركز الابحاث).وكأنه ينقل باستعارة رائعة مأساة المصير المجهول للجندي الامريكي الطفيلي الذي علق في حربه على العراق.وكنا نتمنى لو طالت رحلة  الذبابة الهاربة اكثر من المدة التي سمح لها الكاتب في الطيران كونها  رحلة استكشافية غير عادية لكنه آثر ان تنتهي سريعاً ... الرحلة المثيرة الساحرة والتي عبر عنها الكاتب (بالفنتازية) والتي طارت به نحو افق الابداع الرحب.

 

الاشارات المقتضبة في رواية ذبابة من بلد الكتروني


أحمد البياتي

عملية الخلق الفني للأجناس الادبية المختلفة تعتبر عملية شديدة التعقيد على قدر بساطتها التي قد يحسها المتلقي ، كونها نتاج تفاعلات داخلية في نفس الكاتب بين المعطيات الأساسية للواقع المعاش مع جميع القيم الفنية والفكرية .

إن المعيار الأساس لعملية الإبداع تكمن في انتاج الأشكال الفنية الجميلة ، فالقص الجيد والفاعل يكمن في النقلة النوعية للأساليب والآليات التي تنتهج في البناء الحي من خلال ابتكار الشخصيات لتوليد صورة فيها التفصيل والتلميح بايجاز لاغرابة أو ملل فيها وجعل الأفكار والرؤى السديدة مسالة مثيرة للإهتمام باعتبار ان الشخصية هي المفتاح الرئيس لفهم النص..

اطلعت عن كثب على رواية "ذبابة من بلد الكتروني" للكاتب نهار حسب الله الصادرة عن دار الينابيع سورية - دمشق، وجدت ان هذه التجربة ملكت عليه حسه وحملته على البوح الحقيقي فأعطانا نتاجا جيدا من حيث التنظيم واتصال الاجزاء الفرعية ، همومه المشركة مع ابناء وطنه أججت صدره ولذلك سعى لتمهيد الولوج للعوالم الجديدة من خلال الاحداث والمواقف التي عصفت بالعراق نتيجة للاحتلال في عام 2003 ، فلجأ الى استخدام المزج واوجد المعادلات الموضوعية وفسرها من خلال التشابك بين المضمون والاطار الفني للرواية حيث أوجد الارتباط الواضح والوثيق بين المعنى والصوت الصوري ، فلقد ارتكز الكاتب في روايته على الاشارات المقتضبة لتجسيد اللحظات للواقع المؤلم باسلوب التصوير الرصدي للأحداث وفواصلها ، فالذبابة التي فقدت الطمأنينة تبحث عن حريتها المفقودة والكاتب هنا اعطانا صورة واضحة وجلية لما يضمره الحاقدون المتربصون بالعراق شراً ليجعلوا حياتهم جحيما ويبغون إماتتهم الموت البطيء ، كما ان تركيز الكاتب على هذه الفترة الزمنية إنما هي زمن الكاتب الشخصي الذي استخدم فيه ضمير الغائب في عمله السردي والذي مزج الواقع بالخيال من خلال العوالم المتشظية والمربكة للأحداث التي مرت على العراق وخصوصا فترة الاحتلال الامريكي.

إن ابداع الكاتب لا يتأتى الا من خلال تجربته التي عاشها في واقعه فيعمد الى إضفاء بعض السمات الذاتية عليها كي يعبر عنها فنياً ، ووجدت ايضا ان الكاتب أحدث تفاعلا جدليا بين المتلقي وعالم الرواية من جهة وبين المتلقي والواقع الاجتماعي من ناحية ثانية ، ولذلك حقق التوازن بين الايجاز والاطالة من خلال التكثيف في عملية السرد.

إنه يتحدث عن اشكالية الوجود والبحث عن الحرية والحيرة التي تحيط الانسان فأعطانا ايحاءآت عبر اللفظ والجملة السهلة مؤرخا حقبة زمنية للصراع المحتشد في تفاصيل الحياة اليومية وما تسبب من خراب ودمار واضرار وخسائر نتيجة لهذا الاحتلال المقيت ، لذا فانه أستمد طاقة الرواية الداخلية من مفصل الوجود الحياتي مقتصرا المسافة في الحركة ومحاولا ايضا في الوقت ذاته التجديد في الاحداث المتناقضة والمتصارعة معبرا عن شحنة من المعاناة فأعتمد في سرده على الوحدة العضوية لشخوص روايته والذبابة الباحثة عن الحرية مما أهله أن يبلور اللحظة التي تتسارع فيها الاحداث محيلا اياها الى بنية سردية موشحة بالحوار المونولوجي عبر رمز الذبابة ، وفي هذه الرواية أراد (نهار) ان يؤشر انتقالة من حيث رصده للازمات والتناقضات ليكشف لنا عن الحرية المنشودة والحقائق التي ارتسمت على ارض الواقع مبتعدا عن الطرق التقليدية والكلاسيكية برسم المسارات الواضحة والسليمة التي تسهم بشكل فاعل في تغيير المجتمع لحياة افضل ، كما انه جسد بوضوح وتقنية عالية لحظة الهجوم على بغداد وما خلفه هذا الاعتداء من حالة خراب ودمار من خلال صوره التي ركز فيها على شرح تعاقب الاحداث.
الرواية احداثها ليست غريبة علينا كمتلقين لأننا عشنا حقيقة لحظاتها في حين انها غريبة على الذبابة كونها تفاجأت لما تجسد امامها من صور الدمار ، المواضيع التي تناولها أتسمت بالوضوح والنسج المحكم حيث انه اعتمد اسلوب المحاكاة لما هو كائن وواقعي ، كما انه سعى لتحقيق المشابهة بين الواقع في جانبه المرئي عبر حاسة البصر والتصور الذي ترسخ في ذهنه ومخياته وهو يتجول في ميادين الواقع ممتلك الجرأة في الطرح وهذا مامكنه من تحقيق التناسب والتلاؤم في المدلول الرؤيوي للإيحاءات ببعد فني وصدق التعبير، تمكن الكاتب في هذه الرواية من تشكيل فضاءات متعددة ورسم مسارات واوجد حلولا للخروج من هذا المأزق المأساوي متسلحا بامتلاكه ادوات الوعي الكتابي وهو يخوض كغيره من ابناء جلدته في هذه الازمات التي احاطت بالعراق وشعبه فتمكن من ان ينتج نصا فيه رفضا تجسيديا للواقع المرير الجديد نتيجة الاحتلال ، كما انه فتح منافذ متعددة في إيجاد اليات للسيطرة على التشظيات التي أوجدها الاحتلال من خلال مسكه مشرطه باستئصال الأورام الخبيثة التي علقت بالجسد العراقي ، ببراعة تمكن ان يشركنا نحن القراء بمعاناته ولوعته التي هي لوعتنا ومعاناتنا وهذا دليل آخرعلى امتلاكه لأدوات الوعي الكتابي الناضج وهناك إضاءة أخرى للكاتب وهي عملية سرده الاسترجاعي ( الفلاش باك ) للأحداث التي خيمت واصبحت ازمة حقيقية ومعاناة لكل العراقيين حين صور لنا ببراعة ما فرض على العراق من دمار وخوف وقلق لم يألفه أي عراقي من قبل ، فالصمت الرهيب والمريب والقصف التدميري المستمر هو الذي جعل الناس يعيشون في حالة توجس وترقب ، ولذلك كانت صوره السردية تتسم بطبيعة ايحائية معتمدة الدلالة واضفى عليها الفنية التصويرية فتمكن من ان يرسم عالما متخيلا للأحداث والصراعات والوضع العام الذي تجسد على ارض الواقع ، فلقد وظف المكان لتحفيز الذاكرة وصور لنا بيت ام علي على أنه البيت المصغر للعراق الكبير الذي تجتمع فيه كل الاطياف والقوميات إضافة الى ان الكاتب استخدم عبر سرده على اليومي لغة التشكيل ليضع امامنا طريق الخلاص ، ان حركة الرواية تقودنا الى اماكن متعددة حاول السارد فيها ان يبين آثار الدمار والخراب نتيجة للاحتلال الامريكي والذي وضع البلاد في المجهول المعتم نتيجة للتأثيرات التي ترسبت على ارض الواقع واصبح الانسان العراقي في ذلك الوقت يعيش في دوامة المتاهة والسؤال الذي يراوده متى الخلاص ؟

في هذه الرواية الكاتب نهار حسب الله عَبَر ووصل وصور واحالنا نحن القراء الى الدلالات المفتوحة وتمكن من نقلنا الى فضاءآت أكثر إتساعا وافاضة.

نهار حسب الله


التعليقات




5000