..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


في صحبة ابن مالك

بديع الآلوسي

لم يكن أمام ( رسول بن رغدان ) سوى مواصلة السير الحثيث ولثلاث ساعات مع نوقه وجماله ، عابرا ً ومخترقا ً تلك الكثبان الرملية ، حينها تذكر كلام زوجته التي قالت له : أتمنى أن يحالفك الحظ .

على أية حال ، فانه قد وصل إلى واحة (إن شاء الله ) أخيرا ً ، جلس تحت الشجيرات ناظرا ً إلى القوافل التي تمر وتختفي ، منتظرا ًأي تاجر يستطيع أن يتفاوض معه ليبيعه بعضا ً من حلاله .

على مقربة منه كانت تلك البركة ، التي يلهو بقربها الأطفال وهم ينعمون بشمس نيسان البهيجة . عندما أزفت ساعة أو أكثر ردد في سره : الله أوصى بالصبر ، في هذا اليوم الربيعي سيأتي الرزق حتما ً .

و بينما هو يراقب اقتراب الفتيات والأطفال نحوه ، بانت له ملامحهم الجميلة والبائسة ، حينها راق مزاجه بعض الشيء ، وشاء حظه أن تأتي امرأة حسناء غجرية الوجه ، ليحدثها عن أسعار الإبل في مدينة (غدامس).

لكنها ضحكت وقالت :

ـ عليك آن تترك ألإبل وتتاجر بالنساء .

وبعد الظهر بقليل جاء تاجر غريب ، يرتدي جلبابا ً أبيض مثل أحد أمراء الصحراء ، أتى محملا ً بهواجس ملعونة ، وقبل أن يلقي التحية قال للمرأة الحسناء :

ـ يا حلوتي أنك توقظين حتى الرماد .

لم يعتد ابن رغدان هذا النوع من التمادي لكنه تجرأ وقال :

ـ طاب صباحك ، من أنت أيها السيد ؟

ـ أنا ( شريف بن مالك ) ، سمعت بقدومك إلى الواحة .

ارتبكت الحسناء وخجلت من التاجر الذي يراقبها بعناية لكنها سألته :

ـ وما الذي حفزك للمجيء ، هل بحث عن النوق أم النساء ؟

ضحك ابن مالك وقال وهو ينظر بلذة إلى عينيها :

ـ أنا تاجر وشيخ عشيرة ، أبحث عن الاثنين معا ً .

وانتابته رعشة ، وتغيير محياه وهو ينظر إلى الجمال .

هنا عبر ابن رغدان عن فرحه فأراد أن يمزح معه :

ـ والله ، إني بانتظارك ... و أبتسم وأردف بصوت ساخر

ـ لكني أعذرك ، بالرغم من إنك أضعت ثلاث ساعات من عمري .

لم يرد التاجر فذهنه كان مشغولا ً بتلك المرأة التي قررت الانصراف وهي تردد :

ـ مقسوم لكما أن تلتقيا .

قرر ابن مالك الجلوس ، مفكرا ً بالاستحواذ على الجمال ، فهو متيقن من أن الأمر سيكون مختلفا ً لو أستمع بصدر رحب إلى جليسه ، لذلك قال مبتسما ً:

ـ هل حقا ً انك أضعت ثلاث ساعات ؟ ... وقبل أن يجيبه ، قذف بسؤال ترك أثرا ً في نفس ابن رغدان واعتلت الحمرة وجهه :

ـ كيف أضعت الوقت ؟، وأنت قد كنت بحضرة الملكة (حورعين )

حينها ضحك ابن رغدان مستدركا ً :

ـ الصحراء علمتنا أن لا ننظر إلى الشمس والقمر إنما ننتبه إلى النجوم .

ـ النجوم !

ـ نعم أيها الطيب ، ما قيمة ساعات ثلاث أمام حركة نجم مثل قلب العقرب .

فكر ابن مالك بما سيقدم عليه ، وصار قلبه يدق ما أن سمع كلمة عقرب، لكنه فضل أن يكون أكثر وضوحا ً حيث قال :

ـ والله ، كان يجب أن أتي هذا الصباح ، لكن فرسي كبت وانكسر كاحلها .

سارع ابن رغدان إلى النهوض وهو يقول :

ـ فأل سيء .

قال التاجر بصوت واثق وهو يتأمل صاحب الجمال الذي بدأ الإرباك يرتسم على ملامح وجهه :

ـ هل تعلم أن الصحراء في كل صباح تقول لأطفالنا إن الحياة جميلة .

صار أبن رغدان يعبث بالرمال بعصاه ، راسما ً دوائر ونجوما ً ، وبعد صمت قال :

ـ ستكون جميلة بحق ، حين نحسم صفقة الجمال .

ـ سأشتريها . وقال في خلده : أتمنى أن لا تغلبك الحيرة غدا ً . وأردف قائلا ً :

ـ أتمنى أن تبيعني الضامرات بسعر أقل .

ـ ما أود بيعه جَملين وناقة واحدة فقط .

يبدو إن ابن مالك جاء إلى هنا لأمور عدة منها تلك الصفقة التي لا يعرف لحد الآن إذا ما سيجرؤ على إبرامها ، لذلك أحب ان يثرثر مع ابن رغدان بتفاصيل شتى ، عسى أن يسهم ذلك في تحقيق مآربه ، ويحظى في نهاية المطاف بمبتغاه بسهولة ، لذلك قال له :

ـ ما سنتحدث به أهم من الصفقة ، وصداقة الرجال عندي أهم من التجارة .

قال ابن رغدان وكأنه وقع في الحرج :

ـ صدقت يا أخي، الحياة ليست تجارة فقط .

في هذه الأثناء ، جاء غلامان ، دفعهما الفضول لمراقبة ما يحدث عن قرب .

لكن ابن مالك غضب وتجهم وجهه ، وسحب العصا التي دسها ابن رغدان تحت ركبتيه ، ونهض صارخا ً بالغريبين :

ـ هيا انصرفا ، لا تزعجانا ... .

هرب الفضوليان ، وتركا الجليسين لشأنهما ، حينها أحس ابن مالك بالراحة ، وصار يعرف كيف يتدبر أمره مخفيا ما يضمر ، وسأل :

ـ كنا نتحدث في ماذا ؟

ـ لا يهم عن أي شيء كنا نتحدث ، أرجو المعذرة فوقت الصلاة قد حان ، سنصلي وبعدها سنأكل قليلا ً من الخبز والتمر والزبد .

صليا معا ً ، وأكلا معا ً ، وفي أثناء ذلك بدا على ابن مالك قلق ملحوظ ، لكن السؤال الذي لم يبرح ذهن ابن رغدان : هل سيشتري الناقة الضامرة أيضا ً أم لا ؟

بعدها جمعا سوية ً قليلا ً من العيدان لغلي الشاي ، ، حيث هدأت الريح وراق الطقس مع ركون الشمس إلى مغيبها .

احتفظ بالصمت ابن رغدان وهو يرتشف الشاي ، متمنيا أن يبادره جليسه الذي كان مشغولا ًبما هو أهم وأخطر ، ولأنه لم يبادر ويحدثه عن جِماله ، قال :

ـ حسنا ً ، قلت لي إنك لم تأت لعقد الصفقة حسب .

ـ في واحة إن شاء الله توجد النوق والنساء ... ضحك ثم نهض وكأنه تذكر أمرا ً ملحا ً وربما لتبديد قلقه أو لكسب الوقت لا غير ، وقال بصوت مؤدب :

ـ هل لك أن تنتظرني نصف ساعة لا أكثر ، يجب ان أنهي صفقة أكثر أهمية .

لم يعرف ابن رغدان بماذا يجيب ، هز رأسه كمن تلقى صفعة وأجاب :

ـ، كيف لي أن أتوثق من عودتك يا أخ العرب.ا

ودون أي تفكير ، رد التاجر :

ـ والله سأعود ، مع ذلك أترك عندك سيفي كي تطمئن .

ما إن غاب التاجر حتى أنتهز ابن رغدان ألفرصة فأعطى جماله العلف والماء .

مرَ نصف الساعة ولم يأتِ التاجر، لكنه ظل يفكر بآخر جملة قالها له :

ـ سيعش قلبي أحلى نصف ساعة .

وظهر ابن مالك فجأة ً وهو منشرح الأسارير ، وقبل أن يترجل من فرسه هتف :

ـ كانت أحلى نصف ساعة حتى كدت أنسى العهد ... كان صوته واثقا ًورجوليا ً، وما أن مست قدماه الأرض حتى قال ثانية ً :

ـ سأكسب أجمل صفقة . لكنه قال في سره .. أعدك أني سأنفذ حلمي مهما كلف الأمر

حينها وصل صاحب الجمال إلى قناعة بإن التاجر ليس مفلسا ً ، وتفاءل خيرا ً، وأعاد له السيف ، وقال بفرح :

ـ إذن ما قالته الصحراء للأطفال صحيح .

ـ كل ما يقال يخفي جانباً من الحقيقة ... ثم أردف بروح فكهة :

ـ حتى لو كان خطئا ً.

بعد دقائق قال في خلده : مسكين ، غدا ً سيكون الحال في غاية السوء حين تكون وحيدا ً .

حدق في إبله التي بركت ، وأناخت للراحة وتساءل في حيرة :

ـ ما تقصد ! أتعتقد أن بيع النوق يحتمل الخطأ ؟

رمى التاجر خفيه وبدء يفرك رجليه متجاهلا ً السؤال ، لأنه كان يفكر بما سينتاب ابن رغدان إذا تمت الفرصة واكتملت .

كانا مستمتعان بالحديث معا ً ، حينها شعر ابن رغدان بالغبطة ، وصار يكن لجليسه بعض المودة . أما ابن مالك فقد حزم أمره ، لأمر هام لذلك قال :

ـ أني قررت أن أمكث وأنام ها هنا ، لأن طريقي طويل ، وسيكون بوسعنا غدا ً أن نتفحص الجمال ونتفاوض .

أنزعج ابن رغدان لأول وهلة ، وخشي فيما إذا رفض ، أن يخسر الصفقة ، لذلك استسلم للمقترح ، وما أن لمح القمر أحدب وأبيض ، حتى نهض وقال لأبن مالك :

ـ ما دمنا سنبات الليلة هنا ، فعلينا بجمع الحطب لنطرد به البعوض ووحشة الليل . وبينما هما يحتطبان

لم يفهم ابن رغدان ما قصده بن مالك حين قال :

ــ (نورسين ) تبلغك السلام وتؤكد لك أن القناعة مفتاح السعادة .

في تلك الأثناء رفع رأسه ، وسأله صاحبه بفضول :

ـ ومن هي نورسين ، هل تعرفني ؟

ـ بدأت قصتي مع نورسين بعد موت زوجتي ... صمت وابتسم وتابع :

ــ لا تعرفك .. لكني كلمتها عنك ... ثم مضى في أفكاره التي ستخيب ظن ابن رغدان حتما ً .

ــ ومند متى ماتت زوجتك ؟

ــ ماتت منذ ثلاثة أسابيع ، وبعد أن طفت كل الواحات ، أخيرا جاء الفرج .

بدأ ابن رغدان يتلمس بعض ما يدور في ذهن جليسه ، قال في خلده : إذن واحة ما شاءلله رزقته بامرأة ... أستدرك للحظة وتساءل مع نفسه : لكن أليس الأجدر به أن يتريث قليلاً ؟

وهما يرقبان ضوء القمر الباهر دون أن يتفوها بأي كلمة ، بدأت السنة النار تتراقص بينهما ، فسارع ابن رغدان ، محاولا ً كسر فجوة الصمت :

ـ هل لك أبناء ؟ كان ابن مالك منشغل البال يفكر بتفاصيل تقلقه ، لكنه بعد لحظات ، أجاب :

ـ نعم ، واحد فقط ، وعمره أثنا عشر عاما ً . .. وأنت ؟

ــ صبي واحد أيضا .

وما أن هيج صاحب الجمال النار في الموقد ، حتى تذكر أبنه الوحيد ، وشعر بالوجع عليه ، لأنه بالرغم من عنايته لم يستطع إنقاذه من تلك الورطة ، أطلق عدة حسرات وقال :

ـ بالله عليك ، كيف تتعامل مع ولدك إذا حاد عن جادة الصواب ؟

ـ ليس أمامنا سوى أن نحاول ..... وصمت لثوان وكأنه بدأ يشفق على جليسه وهو يرصده بنظرات المواسات ، ثم أردف :

ـ كل شيء في الصحراء قاس حتى الأطفال .

ـ ما يزعجني إن أولاد هذا الزمان عيونهم على الحرام .

ـ على الحرام ! .. شعر بالاضطراب وتمنى أن ينبلج الصبح ويفلح بمهمته ، وأحسن بألم في حنجرته ، لكنه قال :

ـ يا ترى كم هو عمر أبنك ؟

ما أدركه بن رغدان ، إن نصائحه ما عادت تجدي نفعاً ، لذا اكتفى منذ شهور بالدعاء له عسى أن يحيد عن قراره .

وحين سمع بالتاجر، يكرر السؤال عليه ، قال :

ـ خمسة عشر عاما ً ونصف . ويريد الرحيل عنا .

ـ الأمر ليس سهلا ً ، كن صارما ً معه .... صمت وهو يفكر بثمن الجمال في مدينة غدامس ، ثم تابع

ـ لكن إلى أين يريد الرحيل ؟

ـ يريد أن يترك أمه ويذهب إلى مدينة يقال عنها( عين القطيف)

ـ عليه أن يعرف إننا نولد ونموت في الصحراء .

في هذه الليلة أحس ابن رغدان أن الهموم التي كانت تثقل كاهله ، خفت وطأتها ، لذلك لم يتردد في أن يقول لأبن مالك وبثقة :

ـ أنه طائش ، لكني أحبه ، والله أحبه . ...صمت وهو يلف العباءة على خصره ، ليكمل متسائلا ً بصوت كسير :

ـ والله أني لفي حيرة من أمري ، هل اتركه يجرب ؟

شعر بن مالك انه كسب ثقة صاحب الجمال ، ظل ينظر إلى وجهه الذي كان يتلون مع تراقص النار، وما أن رآه يُخرج من جعبته كيس التبغ ، حتى فاجأه بقوله :

ـ لا أدري ، لكنني اعتقد أن اختياره رغم خطورته يحمل حلما ً ما .

كان الاثنان على قناعة بأن أطفال الصحراء مثل الصبار لا يتنفسون إلا الهواء الجاف . راقب صاحب الجمال النار وشعر بالوجل لذلك قال :

ـ لكني أخاف أن يعظه الجوع ويقتل ... صمت ثم أكمل :

ـ ان يذهب فهذا من حقه ، أما أن لا يعود ، فهنا تكمن تعاستي .

ـ هل هو عنيد ؟ .. في هذه اللحظة شحب وجهه وهو يفكر : حمدا ً لله ان جهودي سوف لن تذهب سدى

ـ انه يخيفنا بعناده ، نقول له دائما ً ، إن الذي يتغرب كمن يرمي نفسه في الجحيم ، لكنه كان يصرخ ، اتركوني ، جهنم أرحم من هذه الصحراء .

ـ إذن دعه ، وتمنى له السلامة ... لكنه بعد دقائق ردد مع نفسه .. دعني وحلمي واتمنى ان لا تقول ان نيتي ستؤدي بي الى الجحيم

هنا رفع صاحب الجمال رأسه وكأنه تذكر سؤالا ً يؤرقه :

ـ هل سمعت بمدينة عين القطيف ؟ .

ـ أبدا ً.

بدا لابن مالك إن هموما ً مشتركة تجمعهما ، لذلك كان مبتهجا ً ، يضحك مرة ً ويصمت طويلا ًويعاود الثرثرة ، تريث قليلا ً قبل أن يقول :

ـ عندما كنت في عمر أبنك ، هربت إلى عدة مدن قريبة ، ونصحني أبي وهددني بحجب الميراث عني ، لكني لم أنصاع ولم أرتدع .

تأمل ابن رغدان وجه جليسه وقبل أن يتفوه :

ـ حسنا ً ، ولكن ما ذنب أمه ، إنها ستموت بفقده .

ـ كلا ، إنها ستحزن ، وستبقى تنتظر عودته .

وقبل أن تخمد النار ، نهض ابن مالك وغذاها بالحطب ، وجلس القرفصاء قربها ، بعدها تمدد ابن رغدان وأستسلم بعض الوقت وهو يرقب نجوم الله اللامعات .

فجأة ًهمس التاجر بكلمات لم يفهم معناها ابن رغدان .

ـ ماذا ؟ فعلت ماذا ؟ .

نعم ، ابن مالك وبالرغم من قرفه فقد قرر عدم إضاعة الفرصة ، لذلك كان يردد في سره : ربي يسر ولا تعسر ، وتجاوز كل ذلك وقال بمكر :

ـ حين غبت قبل قليل التقيت بنورسين . وهي تريد رؤيتك قبل أن نحسم أمر الصفقة .

كان ابن رغدان قد بدأ يقترب هو الآخر من النار ، وبدأ يهمس :

ـ أتحبها ؟

ـ ستراها غدا ً ، إنها تدخل القلب من دون استئذان .

بدا له، وكأن ابن مالك يريد أن يقول له أمرا ً خطيرا ً، لكنه بادر وسأله :

ـ أجميلة هي ؟

ضحك ابن مالك رغم ما يعانيه من مكابدة ليرد :

ـ إنها قمري . ... حينها ضحك ابن مالك في سره وكأنه افلح بأغراء ذهن صاحبه بما هو مدهش ويريح الذاكرة

ـ كلمني عن الهوى ، فمنذ زمن لم تسمع روحي غير هسيس الصحراء .

ود مصارحة جليسه ، لكنه خشي أن يصفه بالمراهق ، فرك كلتا يديه وهو يطلق تلك الجملة التي وخزت ابن رغدان .

ـ مشكلة .

ولم يجرؤ أن يبوح بأكثر من هذا .

ـ لماذا ؟

صمت طويلا ً وكأنه لا يريد الفضيحة ، لكن قلبه أنفجر وقال :

ـ إنها بعمر أبني الصغير، لكني أحببتها وانتهى الأمر

لا يعرف ابن رغدان لماذا أثير قلبه بالحزن وهو يسترق السمع لجليسه الذي أردف بعد نوبة من السعال :

ـ وما الجمال التي سأشتريها منك إلا مهر لها ، هل فهمت ورطتي الآن .

ـ نعم فهمت ، ولكن ....

وصمت ابن رغدان وهو يقضم كسرة من الخبز بعد أن عرضها للنار . وكأنه صار يفهم عن قرب معاناة ابن مالك ، الذي قال كمن عثر على ضالته او كمن يتهرب من شعور بشع :

ـ إني أحبها بقدر عشق الصحراء للمطر .

ـ ألهذه الدرجة ؟

هنا باح ابن مالك بمشاعره بوصفه عاشقا ً او مغامرا ً، دفن نفسه في الرذيلة وبلا خجل ، بالرغم من أن ملامحه تجاوزت الخمسين بكثير .

ـ يا لها من صبية غريبة ، كل ما أرويه لك الآن ، ستراه بأم عينك غدا ً .

كان يتحدثان بهمس ، مخافة أن يتلصص عليهما أحد ، ًفي هذا الليل الذي خيم بسكونه المخيف . نعم ، ابن مالك قد خطط وغدا ً تبدأ معركته

بعد أن ارتاح احدهما للأخر ، شعرا إنهما يعيشان بملء حواسهما ، وهما يتذكران لحظات الوجد التي تخللت مرحلة صباهما ، حينها قال ابن مالك الذي كان ينتظر صباح الغد بفارغ الصبر ، وتمتم كمن سينعم بكل شيء :

ـ الحياة في الصحراء تافهة دون الحب ومن دون وجه نضير .

عندئذ انتابت ابن رغدان مشاعر متناقضة ، أحس حينها أن هذه الأمسية تحولت إلى ذكرى لا تنسى ، وتوقع في لحظة ما أن الحياة تواطأت ضد صاحبه ، الذي أحب بملء جوارحه ، حيث انه وبالرغم من كل تعاساته كان فخورا ً بتجربته . ولكي يعرف منه المزيد ، نظر إلى ابن مالك وسأله :

ـ وما رأي أبنك ، وأخوتك ، وعشيرتك ؟ .

ـ أنهم جميعا ً حمقى .

عندها شعر بالملل والاشمئزاز وتمنى أن لا يتخاذل قبل شروق الشمس .

ـ يعني لم يباركوا ....

وهنا غطى جبينه وعينيه بكفه وقال بكآبة :

ـ لا . لا ، إن الغيرة قتلت مشاعرهم جميعا ً.

نظر صاحب الجمال إلى وجه ابن مالك الذي تكدر بالحزن ، لكنه في تلك اللحظة سأله :

ـ وما موقف نورسين من أبنك ؟

ـ مأساتي ، إنها ما أن رأته حتى قطبت حاجبيها وقالت لي : أنا لا أصلح كأم لأبنك .

وفي الهزيع الأخير من الليل تشبثا بالأمل ، وبما أن إزعاجات الحياة لا تنتهي ، لذلك تمددا وتدثر كل منهما بعباءته ، كانا ملتصقين بجوار النار ، تلك النار التي سمعت ما بقلبيهما من هموم ، بذل ابن رغدان جهدا ً لكي يهجع وينام ، لكنه وخز بذلك السؤال :

ـ المعذرة ، ماذا ستفعل بولدك ؟

أجابه ابن مالك وكأنه تذكر كابوسا ً :

ـ إنه ولد عاق ، سأرميه إلى الكلاب إذا لم يوافق .

ثمة شيء يخفيه ابن مالك ، إذ أمسك عن الحديث فجأة ً ، ربما لأنه لا يود أن يكشف لجليسه حكمته التي تؤكد : من لم يركب الأهوال لم ينل المطالب .

بعد برهة رفع رأسه قليلا ًوقال :

ـ لا تصدع رأسي مرة أخرى بالله عليك .

هذا الجواب أرق كثيرا ًصاحب الجمال ، وقرر أن لا يبيعه أي شيء ، خوف أن يكون ذلك سببا ً في تدمير حياة ولد صاحبه ، استغفر وحوقل واستجاب إلى كلام الله وخشي عقابه ، فقال في سره : إذا هو تخلى عن أبنه ، فالله لا يتخلى عني .

وقبل ان يغلبه النعاس ذهب وتوضأ وصلى ، قضى أكثر من ساعة وهو يفكر ، حينها تذكر كلام زوجته : المطر من الله والفرص الطيبة منه أيضا ً .

ولم يستطع النوم بسبب الشخير المزعج لابن مالك ، لكنه تعوذ من الشيطان مئات المرات ، ونام أخيرا .

كان الليل ثقيلا ً عليهما لأنهما أهاجا ذاكرتيهما بتفاصيل مثيرة وحالكة.

وما أن تكشف الصبح تماما حتى استيقظ بن رغدان ، وقد بدا متعبا ً منهكا ُ، وحال إن رفع عينيه وأراد النظر الى جماله ، حتى فهم كل شيء ، حينها أطلق صرخة مدوية :

ـ لا ، لا ، أيها الوغد ، لا ، لا ، أيها النذل .

ثم أنفجر يصرخ ، ويركض بكل الاتجاهات كالمجنون ، لكن الصحراء التي قالت للأطفال الحياة جميلة لم تجبه سوى بقطرتين من المطر .

25 / 10 / 2012

بديع الآلوسي


التعليقات




5000