..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
إحسان جواد كاظم
.
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


انبعاث الإنسان عبر الموسيقى بتحرير الحركة

صالح محمود

تنبثق الموسيقى من رحم العدم لحنا ،إيقاعا وصوتا نافذة إلى كياناتنا، سارية إلى أعماقنا، مجتاحة أرواحنا متحللة فينا، فنهتزلها متحررين، أو كما يقول إبراهيم محمود (الموسيقى عتبات المقدس والمدنس)"هذه الموسيقى التي نحن بصددها هي التي تحرك كل عضو في الجسد البشري، وكل خلية أو نسيج،  لذلك فان رؤية هؤلاء الذين يعتبرون بدائيين أشباه عراة، إنما هي سيرة ارتحال بعريهم صوب اللا محدود ،وفسح المجال لأجسادهم في أن تتحرر من أعبائها المادية، وهي تثب في المكان  أو تمارس ارتجفات اطرافية أو دوران حول محورها، انحناءات أوساطية بنوع من الجماع اللامرئي الطليق، بغية الارتقاء إلى الأعلى  و الدخول في غيبوبة الروح، و بلوغ مقام خالقها ".

يعتقد نيتشه (ميلادالتراجيديا)أن الحياة بلا موسيقى غلطة، أي حياة تنتفي فيها مقومات الحياة، ما به الحياة تصير حياة، فتصبح لاحياة بمعزل عن الحركة،عن الفعل تستحيل جمودا، شللا،عتمة، ظلمة.

هل يحق لنا أن نتساءل مثلما تساءل هو جولا يختنتريت(الموسيقى والحضارة)" ما الذي تعنيه هذه الموسيقى أو الشذرة  في سمفونية الطبيعة الهائلة،و ما الذي تعنيه في مجال الحضارة الرحيب". تمتد الموسيقى و تنتشر في كل شيء فلها و كما يقول ابراهيم محمود "صدى في كل شيء" و هذا ما يؤكده العلم و العلماء من خلال ما قاله فري بيتو(ابداع الفنان نظرة شمولية للكون) " لاشك ان الكون كله حفلة راقصة صاخبة حيث الالكترونات التي تتوج الذرات و الجزيئات الكيميائية تسير بفوضى بين الاشياء الجامدة ظاهريا كالأحجار، و كما رمزه- شيفا- نحن مغمورون في رقصة كونية رسمية حيث يرتفع النغم بنسبة حجم النجوم، فالأرض تدور حول محورها، و تركض حول الشمس، و المجموعة الشمسية تدور حول مركز المجرة،و تندفع المجرة في اتجاه المجموعات المحلية، و تركض هذه المجموعات نحو أذرع مجمع العذراء، و هذه المجموع بكاملها تسافر نحو تراكتور/ الجاذب".

فضلآ على كمون الموسيقى في عالم الطبيعة الفيزيائي المحسوس الملموس" عالم الظلال الزائل" حسب عبارة بول ديفز الفيزيائي البريطاني(الله والعقل والكون) في سياق حديثه عن مملكة أفلاطون المكونة من الأشكال التامة وما فكرة قوانين الفزياء المتسامية سوى النظير الحديث لها حسب رأيه ،" تنسكن و تنغمر" و العبارتان لابراهيم محمود - بها حياته، و نحن و- الحال هذه نتساءل لماذا يستثنى الإنسان باني الحضارة ، ككائن يسعى للخلاص من الانفعال الى الفعل، للخلاص من هيمنة الطبيعة- من بين بقية كل الكائنات من أدق الجزيئات إلى أعظم المجرات باعثة صخب في اتجاه واحد و حركات روتينية ميكانيكية رتيبة ذات بعد واحد لا يتغير على الدوام قابلة للتنبؤ عبر القيس من خلال قوانين الفيزياء، على عكس الموسيقى التي هي "توافق و تعارض و توسط من الأصوات ممايتيح لهذه الأخيرة امكانية التقدم والتحول من بعضها الى بعضها الآخر " كما يقول هيجل حسب ما أورده إبراهيم محمود(الموسيقى عتبات المقدس والمدنس)، فالأنسجام وليد التناقض كما يرى فري بيتو، ويضيف ابراهيم محمود "هيجل يفصح عن الموسيقى بوصفها موسيقى تجربة الروح الحية التي تتجاوز حدود الجسد،وفي الآن عينه فهو يتحدث عن هرمونيتها التي تقيم علاقاتها مع مدد زمنية واهتزازات تضع المرء في الأطار الملحمي للصوت بحيث يعيش طبقاته المتداخلة في وقت واحد"، ومن خلال هذا الضجيج و هذه الحركات ذات المسار الواحد بمعزل عن كل تناقض بدءا من أدق الجزئيات إلى اكبر المجرات،ألا يمثل صخبها و ضجيجها و حركاتها تلك رسما لدوامة الفناء الرهيبة التي تمتص كل شيء و تذيبه في اللاشيء بعد أن كان شيء ككائنات منفعلة سجينة فاقدة للوعي كاختيار و اتخاذ قرار حسب هنري برغسون(الطاقة الروحية)- مكونة بذلك عالم بول ديفز - عالم الظلال و الزوال على نقيض الإنسان الذي هو أكثر عرضة لتحلل الموسيقى فيه كإيقاع ونغم ،فيستجيب لها و كما يقول إبراهيم محمود "و الذين يتجاوبون معها كانوا يعيشون حركية روح الكائن الحي فيها، و قد غدت طليقة. و كل منهم كان يسعى إلى تقمصها أو التماهي معها، أو يتلاشى الجميع روحيا في صوتها المنغم أو تكون هي جامعة أرواح لهم، وهي تحلق بأرواحهم عاليا". بل من لا يستجيب لندائها يوصم بفساد المزاج الذي ليس له علاج.هل ثمة  رابطة عميقة وثيقة بين الإنسان و الموسيقى؟

هذا ما ذهب اليه E.M CIRON  حين يقول "ما الذي تخاطبه الموسيقى فينا من الصعب معرفة ذلك ما هو مؤكد أنها تلمس جانب عميق لا يصل إليه الجنون نفسه" (ترجمة الكاتب) من خلال كتاب Alain Tirzi  (Kant  et la musique)"   يفترض من خلال ما قاله سيرون وجود كيانين متقابلين مستقلين كل على حدة و هما الموسيقى و الإنسان الكائن الساعي للخلاص من الانفعال إلى الفعل و الموسيقى تبدو ككائن ملموس محسوس بصدد مخاطبة هذا الإنسان بل هي تخاطب جانب مخصوص حاضر فيه غائب عنه سحيق عميق بل الجنون نفسه باعتباره الوسيلة الأكثر قدرة على الغوص في أعماق الإنسان حسب سيرون عاجز عن الوصول إليه، بيد أن الموسيقى تمكنت من مخاطبة هذا الكيان القائم لما لها من قدرة على اختراق كل الحواجز و المعيقات و النفاذ إلى ما نجهله رغم انتمائه لنا كجزء من ماهيتنا باعتباره غير محسوس و غير ملموس، و خطاب الموسيقى هذا بالضرورة مخالف للغة المعتادة المتعارف عليها كلغة محدودة بالحروف و الكلمات و مقننة بقواعد- سيكون خطاب الموسيقى خارج الطبيعة و قوانينها متحررا من كل القيود ،أي أن هذا الخطاب سيكون بمعزل عن كل الأطر.لماذا؟ بكل بساطة لان هذه اللغة لغة خطاب الموسيقى على نقيض لغة الإنسان الكائن الذي مازال يرزح تحت وطأة هيمنة الطبيعة أي جزء من مكونات عالم الظلال و الزوال. فالموسيقى على عكس مكونات دوامة الفناء التي تمتص كل شي ليسود الصمت و الفراغ. لاتسير في مسار واحد روتيني رتيب، بل هي تمثل التعارض ،التناقض، فإذا كانت الموسيقى تمثل المتناقض من الأصوات أي تسير في كل مسار و في كل اتجاه و هذا ما يجعلها بمنأى عن القيود التي تفرضها الطبيعة على الكائنات المؤطرة العاجزة متحررة منها، فهل الجنون يحمل بين طياته هذا التناقض حتى نبرر له مكانته التي حظي بهالدى سيرون؟ يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطا لان الجنون كما هو معروف و هذا لا يستحق إلى استدلالات فيكفي أن نلاحظ ذلك على المجانين، سنرى انه يمثل التمرد علي المجتمع ،رفض قوانينه و التناقض في السلوك. فما هو جوهر هذا التناقض؟ هل ينبع من الذات ام هو دخيل عليها ؟أي هل هو سمة كامنة في الذات و تمكن الجنون من تحريرها أم هي حالة عارضة خارجة عنها؟ يذهب بيار جانيه عالم النفس الفرنسي الذي يقول عنه فرويد في كتابه الهذيان والأحلام في الفن"والحق  أن أول من حاول إرجاع الأمراض العصبية وبخاصة الظاهرات الهستيرية إلى قوة أفكار لاشعورية كان بيار جانيه،تلميذ شاركو الكبير،وجوزيف بروير من فيينا،بالتعاون مع المؤلف" في تعريفه للجنون أو الفصام إلي اعتباره عملية تصدع الشخصية الأصلية في الإنسان و تحللها و انقسامها إلي شخصيات غريبة عنه متعددة و متناقضة فيما بينها .و هنا يغيّب الإنسان الواعي و يقصى كقدرة علي الاختيار و اتخاذ القرار حسب تعريف بروغسون للوعي و ما تصدر عنه من سلوكات لا تمثله بل تمثل شخصيات أخرى تتواجد في ذاته قسرا،و رغما عنه في غياب الشخصية الأصلية. فما هو أصل هذه الشخصيات التي تجعل الفصامي أو المجنون منطويا علي ذاته غريبا عن نفسه و عن الناس زاهدا في الحياة سابحا في عالم خيالي يخلو من كل واقعية بل ما الذي يجعل الأسوياء لا يتعاملون مع الفصامي أو المجنون يهابونه و يتحاشونه و يتعاملون معه بحذر إن اضطروا إلي مثل هذا التعامل؟ لا نحتاج لطول تفكير للإجابة على هذا السؤال فببساطة و في ظل حالته تلك و في غياب شخصيته الأصلية يصبح الفصامي تحت تاثيرشخصيات متناقضة و متصارعة و عدوانية ،فما سبب هذه العدوانية ؟

يفسر فرويد أعراض الفصام على أنها نكوص للأنماط البدائية في التفكير و السلوك إذا كان الجنون هو صراع الإنسان مع الغرائز،إذا كان إغتراب عن الذات وكما يقول فرويد في كتابه الهذيان والأحلام في الفن"ولقد كانت الحالات الموصوفة بالهستيرية والوسواسية دافعه الأول إلى إزاحة الستائر عن قمع شطر من الحياة الغريزية وعن كبت التصورات التي بها تتمثل الغريزةالمكبوتة،وإلى التوكيدعلى أن هذا القمع وهذا الكبت هما من المحددات الفردية للإضطرابات النفسية،ثم مالبث أن شمل بعلم الأمراض هذا أشكالا شتى من الهذيان".فإذا كانت"حضارتنا قائمة بصفة بالغة العمومية،على قمع الدوافع الغريزية،فقد تنازل كل فرد عن جزء من ملكيته،من سلطانه المستقل،من نوازع شخصيته العدوانية وميولها الثأرية"كما يضيف فرويد في كتابه الحياة الجنسية .فإن الجنون إذا كان كما يراه بيار جانيه إغتراب عن الذات المدركة السوية طالما أن المجنون وقع فريسة كاستجابة لتلك الدوافع الغريزية،بعد أن طمس كقدرة على مقاومة تلك الدوافع- فبات مدفوعا الى العدوانية.وما هذه الإستجابة إلا نكوصا لمراحل بدائية ،يقول فرويد في (الطوطم والحرام ) متحدثا عن العصابيين "إغراءاتهم وحفزاتهم و دوافعهم تنطوي على جانب لا يستهان به من الواقع التاريخي،فهؤلاء الأشخاص ما عرفوا في طفولتهم سوى حفزات ودوافع غريزية شريرة،وبقدر ما كانت تسمح لهم طاقاتهم الطفلية، ترجموا غير مرة هذه الحفزات والدوافع الغريزية إلى أفعال".الفصام إذا حسب فرويد عودة إلي البدائية رجوعا إلي مراحل سابقة يرتد فيها الإنسان إلي فترات يفقد من خلالها إنسانيته ككائن يسعى للخلاص من الانفعال إلى الفعل ,هي عودة إذا إلى الحيوانية بما فيها من عدوانية . و نحن نعي ذلك من خلال تعاملنا مع الفصامي بعزله في عنابر في مستشفيات محصنة بأسوار عالية و أبواب حديدية و حراسة مشددة واستخدام أدوية و عقاقير هي في الأصل مخدرات حادة كالمورفين و الكوكايين و نزع المسؤولية المدنية عنه ، نحن على دراية تامة اذا بان الفصامي ننتظر في ردود أفعاله ما هو غير محمود العواقب أي ردود أفعال يمكن أن تصدر عن الحيوان المتوحش الغير مروض . هذا يعني أن الفصامي ارتد إلى الحيوانية المتوحشة المغلولة المشلولة بما لها من عمى و صمم بمعزل عن الوعي تسير في مسار مؤطر يتحكم فيها و يلغي إرادتها من خلال العدوان أو التوحش، و هذا ما يؤكده فرويد في كتابه "أفكار لأزمنة الحرب و الموت" إذ يقول " لم يكن لدى الإنسان البدائي أي تردد في إحداث هذا الموت فقد كان في الحقيقة كائنا بالغ العنف اشد قسوة و أكثر ايذاءا من الحيوانات الأخرى كان يجب أن يقتل و قد كان يقتل بطبيعة الحال ولا حاجة بنا لأن ننسب إليه تلك الغريزة التي يقال أنها تكبح جماح الحيوانات الأخرى عن قتل و افتراس الحيوانات من نوعها و من هنا فان تاريخ الإنسانية البدائية مفعم بالجريمة". 

 إذا كان المجنون قد ارتد إلى الأنماط البدائية في التفكير و السلوك، و إذا كانت البدائية إنما هي مرحلة من تاريخ الإنسان مفعمة بالجريمة، فان المجنون يكون مجرما بالضرورة و العكس صحيحا،لان كليهما يشذان عن مفهوم الإنسان ككائن يسعى للخروج عن الطبيعة كمسار مؤطر يخلو من الفعل،اي صراع الطبيعة بعناصرها المتوحشة وجه الفناء المقنع، يسود الانفعال، فيستحيل الإنسان عنصرا من عناصر الطبيعة بزوال الوعي كاختيار و اتخاذ قرار، عبر التحطيم، التهديم و القتل .

فإذا، الإنسان و عبر رغبته التي لا تني في تحقيق إنسانيته و التي لم تتحقق بعد في الأنسلاخ عن عالم الظلال و الزوال، عالم الظلام ،عالم فناء على الدوام، عبر الميكانيكية في دوامة الفناء، كصوت واحد و حركة واحدة، و الكائنات ليست سوى مكونات لهذا العالم،عمياء، صماء، تسعى عن غير وعى إلى الضمور و التقلص من خلال الذاتية عبر الانطواء-على عكس المجنون الذي انخرط في هذا العالم لأنه فقد خاصيته كانسان، فاستحال كائنا أشد ضراوة و قسوة و عدوانية من الحيوان فكرا و سلوكا حسب فرويد. و استحالة التواصل مع الآخر في ظل الخوف و الريبة و جنون الاضطهاد لأكبر دليل علي ذلك. و هنا يصبح الجنون عملية تغريب الإنسان عن إنسانيته، فإذا كان الجنون صوت التوحش الوجه المقنع للفناء، طالما انه شل المصاب و كبله، أقصى إنسانيته و ألغاها،فيتحول الإنسان كبقية الكائنات البدائية المتوحشة التي لا تسبح في دوامة الفناء فحسب بل تكون دوامة الفناء، طالما أن الفناء قائم بها و لها، فان الموسيقي بعث للإنسان من بين طيات  الظلام بتحرير الحركة. و إذا كان المجنون يعتزل الناس و ينطوي على ذاته فيتحول إلى غريب عن نفسه و عن الناس، فان الموسيقى تفتح للإنسان باب الامتزاج بالآخرين و التوحد بهم، فهو لا يسعى إلي التماهي مع الموسيقى بل يسعى أيضا إلى الانفصال عن الأطر بتحريرالحركة. وإذا كان الجنون يلقى الإنسان في جحيم الحزن و السواد فان الموسيقى تفتح له عالم الألوان والأنغام، تبعث فيه الشعور بالخلاص عبر التصاعد و الانتشار، أليس الرقص ليس سوى عملية تحررمن عالم الجمود و الخضوع، و تحلل منه عبر تحرير الحركة، و الحركة في كل اتجاه، و الرقص البدائي الذي يخلو من تدخلات الإنسان لتنظيمه و  بالتالي تقييده بحركات مدروسة محددة مسبقا مرتبطة أساسا بحياة الإنسان و مشاعره و رغباته التي لا تنفصل عنه ككائن لا يزال كبقية الكائنات المحتواة في عالم الظلال و الزوال المشلولة، و بعدم تحرره من الذاتيه كبقية الكائنات المفعمة بالذاتية نتيجة العمى والصمم، و هذا ما يحدد اطارها الزماني و المكاني، فالذاتية هي عملية اندفاع نحو الباطن عن غير وعي عبر الضمور و التقلص، وهي نتيجة انعدام القدرة على الحركة و الاستسلام للمصير المحتوم، الفناء، فاذا كانت الرقصات المنظمة الخاضعة للقوانين و الضوابط تخلو من كل تعبير عن روح الموسيقي، و اذا اخذنا بعين الاعتبار ما يقوله موريس بورا(الغناء والشعر عند الشعوب البدائية)" حيثما توجد الموسيقي لا يكون الرقص بعيدا"، و يقول أيضا(نفس الأثر) " و حيث يوجد الرقص،يوجد الايقاع الموسيقي ".واذا علمنا ان الموسيقي تنغرس في الكون فتصبح كامنة في كل وسط كما يقول ابراهيم محمود، تصبح نبضا للكون، لها صدى في كل شيء، متحررة من الاطر بمعزل عن المسار الواحد الذي يدفع الكائنات المشلولة العاجزة الي الفناء- كمتناقضات من الاصوات باعتبار الاندفاع في كل اتجاه و بطريقة متناقضة، و اذا كان الرقص المصاحب الدائم للموسيقي و الذي لا يوجد بدون ايقاع موسيقي كما يرى بورا، يكون الرقص البدائي هو المعبر الحقيقي عن روح الموسيقى كتناقض، اذ هو ليس معبرا عن حرية الحركة فحسب بل الحركة في كل اتجاه أي حركة الجسد في كل الاتجاهات و بطريقة متناقضة عبر التصاعد و الانتشارو كما يقول ابراهيم محمود" فسح المجال لأجسادهم في أن تتحرر من الاعباء المادية". " بغية الارتقاء الي الاعلى و الدخول في غيبوبة الروح، و بلوغ مقام خالقها". و اذا كانت الحركة صدى الفعل ، و باعتبار ان الحركة في جميع الاتجهات هى خروج عن القوانين بمعزل عن كل الضوابط التي بها تتحدد المسارات مسبقا، تصبح هذه الحركة في  كل الأتجاهات تجسيم التحرر عبر الوعي بضرورة هذا التحرر كانسلاخ عن عالم الفناء، عالم الظلال و الزوال، فالرقص البدائي و باعتباره يعبر عن روح الموسيقي التي تمثل اللانهائي الغير قابل للقياس باعتبار ان الروح و حركتها غير محدودة و مضبوطة- يصبح غير قابل للتنبؤ-كحركة.

أليس الرقص البدائي متاح لكل الناس على غرار الموسيقي التي تكمن في كل وسط، طالماأن الرقص المنظم وفق قوانين و ضوابط محددة مسبقا لا يؤديه الا من تعلمه في شكل حركات و وضعيات محددة، فيصبح بذلك رقصا انفعالي. على عكس الرقص البدائي الذي لا يمت باية صلة للانفعالية التي ترتبط  برقصات  الحيوانات نتيجة اشباع الغرائز- لانه يرتبط بالموسيقي أساسا. و اذا كانت الموسيقى لا تاريخ لها كما يقول ابراهيم محمود فان الرقص البدائي لا تاريخ له، لانه الحركة التي تلي الايقاع صدى الايقاع، الانبثاق، الانفتاح، التصاعد الانتشار هي رسم كل الاتجاهات عبر التصاعد و الانتشار في شكل متناقض. فالرقص البدائي تجسيم لقوة و عظمة الإيقاع، تجسيد فعل الايقاع كقدرة على تحرير الحركة وتجسيم الخلق، على عكس الرقص المقنن الذي يرتبط بالصورة الإيحائية و التي ترتبط بالانسان ككائن لا يزال رغم سعية للتحول من الانفعال الى الفعل سجين كبقية الكائنات المغلولة المشلولة، فايحاءات الرقص المنظم، ايحاءات ذاتية مزيفة، ترتبط بالغريزة الحيوانية البدائية و اشباعها عبر اللذة. فاذا كانت رقصات الحيوان نتيجة اشباع الغرائز فان الرقصات المقننة القابلة للتنبؤ و التي ترتبط باللذة هي الغاء لجوهرالموسيقى كتجذر في الزمان الممتد من جهاته كافة كما يقول ابراهيم محمود بل اشارة للانسان ككائن تحكمه الغرائز. بمعزل عن حرية الحركة.

اذا كان الرقص البدائي غير قابل للتنبؤ باعتباره يرتبط بالموسيقى التي لا تستجيب للقياس كقوانين و معادلات فهو يتجاوز بذلك تحديده كرقص يرتبط بالإنسان لانه و حين نقول الرقص البدائي لا نعني الإنسان في مرحلة التوحش والعدوان شانه شان بقية الكائنات الصماء العمياء التي تسير في منهاج مؤطر مستقيم و مسطر مدفوعة بالفناء عاجزة عن تحرير الحركة بل الرقص البدائي نعني به ذلك الرقص الذي ظهر بظهور الموسيقي كتجذر في الزمان من جهاته كافة أي الموسيقى كراهن ماض و مستقبل أي بمعزل عن الحدود و القيود أي الرقص كصدى لفعل الإيقاع الموسيقى.

فإذا كان الرقص البدائي شأنه شأن الموسيقى التي لا تستجيب للقياس كقوانين ومعادلات قادرة علي تحديدها و تاطيرها علي عكس الرقصات المضبوطة في شكل حركات ميكانيكية معينة مثلما هو الشأن لبقية الكائنات كالأجرام التي يمكن قيس حركتها بل و التنبؤ باتجاه هذه الحركة لأن الرقص البدائي الذي يرتبط بالموسيقي التي تنتشر في كل اتجاه و كما يقول إبراهيم محمود "تمتلك إمكانات هائلة في مناشدة تحرير إمكانات الإنسان " "و إنها تستغرق الجسد أكثر من أي فن آخر تستغرقه و تحيله الي مدى آخر ووضع آخر من خلال الانتشار في المكان ،الشعور بالذات عندما الصوت ينتشر عبر الجهات كافة "،"فيرتقي الجسد هنا إلى مستوى كوني"،فالرقص هو اذا عملية تحرير لهذه الأمكانات من خلال الموسيقى، يتمكن الإنسان من الإفلات من القيود و الحدود و ينتابه الإحساس بالتصاعد و الانتشار و النفاذ إلى عالم الموسيقي المتحلل من جميع القيود و الحدود ،عالم يستحيل فيه الإنسان الي روح مضمحلة في الكون باسره ,فالموسيقي هنا لاتستغرق الجسد لأنه مؤطر في اشكال تعيقه عن الحركة أي انه محدود في المكان مثلما هو محدود في الزمان باعتبار خضوعه للضمور والتقلص و بالتالي الفناء و الانتفاء عبر الانحلال و الاضمحلال علي عكس الموسيقي التي هي تجذر في الزمان من جهاته كافة يعني كمونها في الهنا والهناك ، حضورها في الأنا و الهو ،امتدادها في الراهن ،الماضي و المستقبل ،رسم متناقض لجميع الاتجاهات، و باعتبار خاصيتها التناقض و كمونها في كل وسط ،تتمكن الموسيقي من النفاذ في الإنسان فينبعث ككائن يرسم كل المسارات عبر الجسد من خلال الشعور بالتصاعد و الانتشار منسلخا  عالم الظلال و الزوال عبر الرقص البدائي فيكون بذلك كالروح التي لا تفتأ تتفتح و تنتشر راسمة بذلك جميع المسارات و الاتجاهات. اذا، الموسيقي لا تستغرق الجسد بل تخاطب و كما يقول سيرون ذلك الجانب السحيق الخفي الذي يجهله الانسان لفقدانه لقدرة الموسيقى على النفاذ إلى ماهية الشيء و مرونتها، فهي بالضرورة تستخدم لغة تختلف عن لغة الانسان المقننة المضبوطة المحدودة كمعاني و دلالات لانها ترتبط بالاساس بواضعها الذي هو بدوره لم  يتحرر عن عالم الظلال والزوال عالم الاجساد و الاشكال ،الأحجام و الألوان واللغة هنا لا يمكن أن تتجاوزه أو تتجاوز أطره فكم من لغة إنسانية اندثرت و لايزال الإنسان يجتهد في البحث عن لغة كونية أزلية على عكس لغة الموسيقى التي هي لغة كونية لان الرقص البدائي متاح لكل الناس ، ينبعث بواسطته الأنسان الذي هو في علاقة عضوية بالموسيقى، أي انسلاخ الإنسان عن عالم الأجساد و الأشكال عبر تحرير الحركة، بل لايسمى رقصا أصلا لاعتبار الرقص في مفهومه العام مجموعة محدودة و معدودة من الحركات لا لأنه يرتبط بالموسيقي كانغراس في الكون و تجذر في الزمان من جميع جهاته فحسب بل كصدى لفعل الايقاع الموسيقي انبثاق ،تفتح ،تدفق، تصاعد،انتشار،يستمد أصالته من الموسيقى كفعل. صار خاصية الإنسان الكائن الوحيد -الذي استجاب لمناشدة الموسيقى أو لندائها و دعوتها .

فكيف اكتسب الإنسان هذه الخاصية التي ينبعث بواسطتها من بين طيات السواد الكثيف المتراكم على الدوام عالم الصمت و الفراغ بتحرير الحركة وهو الكائن الذي لم ينسلخ بعد عن هذا العالم ؟ كيف استجاب لدعوة الموسيقى ؟ ما الذي تخاطبه فيه الموسيقى حتى يستجيب لندائها؟ عن هذه التساؤلات يجيبنا الفرابي(كتاب الموسيقى الكبير) قائلا "استحدثتها (أي استحدث الإنسان الموسيقى) كتحقيقا و ايفاء لفطرته " و هنا إذا قلنا أن الموسيقى انغراس في الكون كامنة في كل وسط، تجذر في الزمان من جميع جهاته تكون بمنأى عن استحداثها أي خلقها لأنها لا بداية لها باعتبار ان لا تاريخ لها,و لا نهاية لها كتجدر في الزمان من جهاته كافة. بل استجاب الإنسان لندائها عبر فطرته و الفطرة لا تعني تلك الغرائز الحيوانية التي ترتبط بالإنسان ككائن مؤطر في أطر ينتمي إلى عالم الظلال و الزوال . بل الفطرة التي تستجيب لنداء الموسيقى.فإذا كانت الغرائز ترتبط باللذة و الإشباع الجسدية الآنية, فإن الفطرة تمكن الإنسان من تحرير الحركة عبر الرقص البدائي و إذا كانت الغرائز في خدمة الفناء إذا حررت- من خلال الجنون مثلا -عبر التوحش بإلغاء إنسانية الإنسان فالجنون عودة إلى البدائية و استسلام و خضوع لأطر الفناء و ليس خروجا عن انساق الطبيعة و تمرد على مسارها الوحيد. فإن فطرة الإنسان نفي الفناء عبر الرقص البدائي كصدى لفعل الإيقاع الموسيقي كانبعاث ،كخلق.

إلا أن السؤال الذي يبقى عالقا هو ما الذي يجعل الإنسان كمستبطن لخاصية الاستجابة لمناشدة الموسيقى و لدعوتها عبر الرقص البدائي.يستجيب لهذه الدعوة و هذا النداء؟ ثم إلى ماذا تدعوه الموسيقى؟ أي ما هو جوهر هذه الدعوة؟ وقبل ذلك ماهو جوهر هذه الخاصية ،أي ما هي حقيقة فطرة الإنسان التي من خلالها يستجيب الإنسان لدعوة الموسيقى. أي إلى تحرير الحركة. الانبعاث من بين طيات عالم الظلال و الزوال مثلما يؤكد هرمن هيسه الروائي الألماني(1877-1991) على لسان ابراهيم محمود الذي يقول"فالموسيقى تلهم الأنسان في مجموعه،في كليته،وفي هذه الحالة تغدو الموسيقى المخلص الوحيد لأنسان هيسه لبعثه من جديد"؟.

 

صالح محمود


التعليقات




5000