هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الإغتراب في شعر يحيی السماوي

رسول بلاوي

الإغترابُ في اللغة افتِعَالٌ من الغُربَة، و الغربةُ و الغُربُ: النزوح عن الوطن ... و الإغتراب و التغرّب کذلک (ابن منظور: مادة غرب).

يقول احمد جواد مغنية في تعريف الغربة: «الغربة عن الأرض هي إبتعاد الإنسان قسراً عن وطنه الأم، فيضطره القهر أن يعيش بعيداً عنه، و يشعر بمرارة الغربة عن الأرض لأن طموحه يتعارض مع ما هو حاصل فوقها من قمع للحرية، و إغترابه عن الأرض يستمر طويلاً، و يعتبر عودته اليها للموت فقط»( 2004م: 19). و برأينا أنّ هذا التعريف ينطبق تماماً علی مفهوم "النفي" دون الغربة، لأن الإنسان قد يتّخذ الغربة متعمّدا لا مرغماً. و لو أن النتائج الحاصلة من الغربة و النفي قد تؤدي الی حالة واحدة - و هذا ما يهمّنا في هذه الدراسة - إلا أن المنفی يبقی ملازماً للقهر و الطرد من أرض الوطن. فيبدو ان مفهوم الغربة أوسع من المنفی، فهي تلک الحالة التي يعيشها الإنسان بعيدا عن أرض الوطن أيما کانت أسبابها و دوافعها.

إنّ شريحة غير قليلة من أبناء الشعب العراقي آثرت سبيل الهجرة لتجد متنفّساً في بلاد الغربة. و بطبيعة الحال فإنّ عدداً لا بأس به من هؤلاء، و معظمهم من الطبقة المثقّفة هم من الشعراء و الأدباء الذين جعلوا يبثّون شکاواهم، و ما تعتلج به صدورهم في أبيات من الشعر و دواوين صدرت لهم، تتفق جميعا في قضايا کثيرة من حيث المفهوم و المحتوی، أهمّها الإغتراب و الشعور بالحنين الی الوطن، و التغنّي بأمجاده، و رثاء جروحه العميقة (دلشاد، 2008م: 69).

يحيی السماوي واحدٌ من الشعراء العراقيين الذين عانوا من التشرّد خارج البلاد، و واحد من الشعراء الذين نجد لهم مضمون الإغتراب بکثافة في نصوصهم. والمتصفّح لدواوين السماوي الصادرة بعد غربته يلاحظ كثافة إلحاح الشاعر علی مفهوم الإغتراب في نصوصه، و من خلال رصدنا لهذا الموتيف في دواوينه و إحصاء القصائد التي تتحدّث عن الغربة کلّها أو بعض أبياتها قد نحصل علی نسبة تقارب السبعين بالمائة بالقياس الی الموتيفات / الأغراض الأخري لدی الشاعر. و الجدير بالذكر لقد سُجّلت أعلی نسبة لمفهوم الإغتراب، في دواوينه الثلاثة "هذه خيمتي .. فأين الوطن؟" و "نقوش علي جذع نخلة" و "البكاء علي كتف الوطن". فمن خلال عيّنة إحصائية قمنا بها، وصلنا إلی هذه النتيجة بأن الشاعر تطرّق إلی مفهوم الإغتراب في أربع و عشرين قصيدة من الديوان الأول الذي يضمّ بين دفتيه خمس و ثلاثين قصيدة؛ و في ستّ عشرة قصيدة من الديوان الثاني الذي يضمّ خمس و عشرين قصيدة؛ و في عشرين قصيدة من الديوان الثالث الذي يحتوي علی ثلاثين قصيدة.

الإرتحال عن الوطن يولّد إغتراباً مکانياً لا تنفتح معه إلا أبواب الوحشة و لا يصبح العالم إلا ثقب إبرة.. و الإنسان لولا ظروفه الحرجة و اضطراره و مطاردته لما فارق الأحبة و أرض الوطن من تلقاء نفسه و السماوي من هولاء الذين فُرِض الأغتراب عليهم فرضاً، يقول عن سبب إغترابه و هروبه من العراق: «فأنا لم أهرب من العراق بحثا عن رغيف عافية أو خيمة أكثر ظلالا ... لقد هربت خوفا من حبل مشنقة، كنت على مبعدة أشبار منه في ظل النظام السابق». (الطالبي، موقع المثقف، 2011 م)؛ فحين حاصره رجال الأمن ذات ليلة لم يجد أمامه الّا الهروب من وطنه مصطحباً معه الحزن و الرُعب:

و حينما حاصرني المغول ذات ليلة

عبرتُ سور الوطن المذبوح

زادي قلقي و کوثري رُعبي! (هذه خيمتي.. فأين الوطن؟: 7)

و المغول رمز لکلّ ظالم و مستبد و هنا يرمز إلی رجال حزب البعث الذين أرغموا الشاعر علی مغادرة وطنه العراق.

و في موضع آخر يؤكد الشاعر أن غربته لم تكن بحثًا عن وطن مستعار أو هوية جديدة، وإنما لكي لا يكون قاتلا أو مقتولا في وطن کثر القتل فيه:

عبرتُ الحدود

لا بحثاً عن هويّة جديدة

إنما کي لا أکون قاتلاً أو قتيلاً

فأنا لا أجيد مهنة القتل

في وطنٍ بات مسلخا (مسبحة من خرز الکلمات: 57)

السماوي يدرک في جلاء و وضوح أبعاد تجربته منفيّاً و مغترباً، داخل العراق أو خارجه، و بخاصة في الإحساس بمقدمات هذه التجربة و أسبابها علی الصعيد السياسيّ، و إستشعارا لتبعاتها و لوازمها، علی شتی الجوانب الإجتماعية و النفسية و الفنيّة، و هذا ما يعربُ عنه في مکاشفة مُبينَةٍ مباشرةٍ؛ حيث يقول: « إنني قد عشتُ الغربةَ في الوطن، حين أصبح العراق في ظلّ نظام صدام حسين غابة مشانق، بعدما کان بستان شعرٍ و خيمةَ محبةٍ، الأمر الذي جعل الهروب من الوطن أمنيّةً و مطمحاً جماهيرياً ... ، أما و قد نجحتُ في اجتياز الحدود؛ فقد بقي العراقُ الحاضر الغائب و الجنّة الموعودة، و إکتشفتُ أنه کلما زدتُ ابتعاداً عنه، إزددتُ قُرباً منه، و إتّحاداً به، شأني في ذلک شأن جميع أحرار العراق، و الذين طحنت الديکتاتورية عصافيرَ أحلامهم، و من حسن حظي أننيّ وجدتُ في الشّعر وطناً مستعاراً، نصبتُ فيه خيمتي، و نثرتُ في حقوله الشاسعة بذوري؛ فکانت قصائدي صرخات إحتجاج حيناً، و نافذة أطلّ منها علی الوطن أحياناً، و ربما اتخذتُ منها مناديلَ أُخبّئُ فيها دموع القلب و الروح...، و هذا ما خفّف من وطأة الإغتراب، و عمّق من إحساسي بکون الشّعر جسراً يربط بين ضفّة المنفی و ضفّة الوطن» (بدوي، 2010م: 67 و 68).

و من خلال قراءة هذه السطور المضيئة الکاشفة يتبيّن لنا مدی وعي شاعرنا بحقيقة مُغتربه، و طبيعة منفاه، فلقد بدأ هذا الإغتراب بداية سياسية، برفضه السلطة القمعية الإستبدادية، و مخاصمته إياها، ثم إمتدّ ليکون نأياً مکانيّاً، ثم اصّاعدَ ليکون نأياً و إغتراباً روحياً، ثم عاد و قد تسامی علی السلطة السياسيّة، و الحدود المکانية؛ فأصبح جسراً متأوّلاً من الشّعر الی حقيقة الوطن الغائب، و أقام منه في نفسه وطناً بديلاً من الرؤی و الأحلام:

عبرتُ سور القحط و الأحزان

أُفَتّش في الملاجئ عن غد الإنسان

و عن وطنٍ جميلاً کان! (عيناک لي وطن و منفی: 123)

و مهما يکن من شيء فإن أصداء تجربة الإحساس الأعمق بالنفي و الإغتراب بأوجهه الحسّيّة و المعنويّة هي النغمات السائدة علی فضاءات الرؤية الشعريّة لدی السماوي.

لقد عكس شعره حياته إنسانا ً مشردا هاربا من الديكتاتورية، لاجئا بعيدا عن وطنه المثخن بالجراح، ورمته وطنيته المخلصة على شواطئ الغربة، فلم يكتب إلآ بما يتصل بحياته ومحنة وطنه "العراق"، حتى عُدّتْ كل هذه العوامل محنته الذاتية، فكان في منفاه صورة عن وطنه المنفيّ من خريطة العالم.

لقد أحبّ السماوي وطنه العراق و عشقه مما دفع ثمناً غالياً لهذا الحب:

عَقَدَت - و لا نَدَمٌ - عليه قرانها

روحي فَمَهري - غربةٌ - و صِداقي

أخفَقتُ في عشقي فکنتُ طريدهُ

إنّ التغرّبَ منتهی الإخفاقِ (نقوش علی جذع نخلة: 166)

عقد الشاعر قرانه علی وطنه العراق غير نادمٍ فکانت الغربة مَهره. إنه دفع بنفسه الی الإغتراب في سبيل حبّه للوطن و لکنّه أخفق في هذا الحب عندما أصبح طريداً بعيداً عن محبوبته / الوطن.

و في إطار سعي الشاعر يحيی السماوی للتعبير عن مواقفه ورؤاه في الغربة تعبيراً فنيّاً موفقاً إهتدی إلی إستخدام مجموعة من وسائل التعبير الفنية الحديثة، وتوظيفها في البناء الفنی لقصائده من لغة شعرية موحية، وصور فنية مدهشة، وتناص، وإيقاعات نغمية ثرة، ومفارقات تصويرية، وإستلهام معطيات التراث وعناصره، ذلک أن القصيدة العربية الحديثة لم تعد عملاً بسيط التکوين ... بل هي نسيج محکم تشکله وتغذيه جملة من العناصر، لعل أهمّها ذاکرة الشاعر وما تجيش به من خزين معرفي ووجدانی. ففي ما يلي يحيلنا الشاعر إلی قصة زکريا (ع) التی وردت في سورة مريم :

أعرفُ أنّ تنّورک

لن يجود علی صحنی بالرغيف ...

فلا تبخلي علی جرحي

بالرماد ...

وطِّنينی واحتک ...

فقد بلغتُ من الغربةِ

عتّيا ! (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 111)

الجملة الأخيرة تناص مع القرآن الکريم: «وقد بلغت من الکبر عتّيا» (مريم /8). وظّف الشاعر نص الآية بتحوير طفيف فقد أبدل لفظة «الکبر» بلفظة «الغربة»، فالشاعر حاول أن يحوّر في النص القرآنی فأدخله في سياق جديد يتماهی ورؤيته التی يريد الإفضاء بها، وقد أعطی للآية دلالة أخری نفهمها من السياق الشعری في القصيدة، إذ أخذت القصة بعداً دلالياً جديداً مع الإحتفاظ بالشحنة المعنوية الدينية للنص الغائب في سياقه الجديد (النص الحاضر). ويبدو في الوهلة الأولی أنه مجرّد اقتباس ولکن بما أن الشاعر جعل الآية تتحدث عن نفسه متقمّصاً دور زکريا (ع) فقد أعطاها بعداً آخر بما يتناسب مع السياق.

و المشهد يصوّر لنا معاناة الشاعر في الغربة فقد أقبل يخاطب وطنه کی يفسح له مجالاً للعودة والتوطّن فيه ولايطمع السماوی برخاء العيش في العراق فهو قانع بالقليل وهو شفاء جرح الغربة بالرماد فقد أرهقته هذه الغربة وقضی ردحاً من الدهر مشرّداً بين البلاد حتی جاوز الستين من عمره ولعلّه أراد أن يلمحَ إلی هذه القضية فإنّه قد بلغ فعلاً من الکبر عتيا في الغربة و إستدعاء الشاعر لهذه الآية الکريمة بما تحمله من دلالات مأساوية، تستحضر «الکبر» في ذهن المتلقی بصورة لاشعورية.

يعيش الشاعر في استراليا غربتين؛ غربة الوطن و غربة اللسان ففي استراليا اللغة انکليزية فالشاعر غريب اللسان و استراليا ليست وطنه الحقيقي فهو غريب الدار...فطالما نجد السماوي يکرّر "الغربتين" في شعره، حتی أصبحت هذه اللازمة موتيفاً أساسياً في شعره:

حالي بدارِ الغربتينِ خُطیً

مشلولةٌ فاستفحلَ البُعدُ (البکاء علی کتف الوطن: 105)

کذلک يصف حالته في الغربة و البُعد عن الوطن / العراق:

معذورةٌ إن تقتلي متأبداً

في الغربتينِ عن العراق شقيّا (السابق: 120)

فهذه حالة الإنسان المغترب الذي يبتعد عن وطنه / حبيته مرغماً و يختار سواها من الديار:

أرفيقةَ العمرين ِ ما حالُ الفتی

في الغربتينِ لو اختار سواکِ (السابق: 140)

و أيضاً يقول:

يشکو لساني من جفاف بيانه

في الغربتين فأصحرت غاباتي (نقوش علی جذع نخلة: 70)

فکما نفَهم إن المقصود بالغربتين غربة الوطن و غربة اللسان، فلسانه أيضاً يشکو من الجفاف في البيان، حيث تتحول غاباته إلی صحاري قاحلة.

و في ظل هذه الظروف القاسية التي يمرّ بها الشاعر في غربته نجد معظم نصوصه تتّسم بصبغة التوتر و القلق و الحزن و الشعور بالموت حتی أصبح "الحزن" و "الموت" في شعره من الموتيفات التي تتّصل بمفهوم الإغتراب. و إذا ما تتبّعنا نسبة هذه المفردات في القصائد التي تتحدّث عن الاغتراب، سنلاحظ أنّ أکثر من سبعین بالمائة من هذه القصائد تطرّقت إلی مفهوم "الحزن" و "الموت".

الحزن:

السماوي هو من الشعراء الذين يتضح الحزن في أشعارهم، فهو شاعر الدمعة المنسکبة على مآسي الحياة، تعرّض لمعاناة قاسية في حياته، فقد مرّ بمحطات حزن لا يستهان بها من موت إبنه البکر، وموت أمه، وملاحقته من قبل حزب البعث، ثم غربته عن الوطن وإحتلال العراق.. إلی آخر هذه المواجهات العنيفة مع الحياة، و من ثم تأثّرت شاعريته بهذه المواجهات.

و في المنفی أخذ يتابع أخبار الوطن الجريح و يتألّم لألمه و يحزن لحزنه و کأنه ما غادر العراق لحظة؛ و من خلال شعره نلاحظ أنّه أغرق نفسه بلجة الحزن على الوطن والتماهي معه حتى إمتزجت روحه به، يقول :
عجبتِ لانَّ " بعضا" من عناء ِ

يكاد يغص ـ ياليلى ـ بماء ِ ؟

فكيف بعاشق في دار منفى

يكاد يغص حتى بالهواء ِ ؟ (عيناك لي وطن ومنفى: 15)

إکتوی يحيی السماوي بنيران الغربة و البعد عن الوطن الحبيب وجاء شعره ليعکس لنا آلامه و أوجاعه و معاناته، إنه يعاني إغتراباً شديد الوطأة علی النفس. و من شأن هذه الوطأة أن تولّد مشاعر حزينة تصل، في کثير من الأحايين، إلی حد الاختناق:

الحزنُ أوفی الاصدقاء.. فلم يَغِب

عني فکان مُلاصقي کإزاري (البکاء علی کتف الوطن: 36)

لم يغب عنه الحزن في غربته فکان ملازماً له، و هذا الحزن هو وليد الغربة و حبّه للوطن، کما نجده تتفاقم وطأته علی الشاعر حيث يقول:

انا أمةٌ في الحزن لا نفرٌ

أمّا الهوی فأنا به الفرد (السابق: 109)

کما يری نفسه في الحزن وارثاً لأبيه سيزيف فقد ورث منه الألم و العذاب:

«سيزيف» کان أبي

فأورثني عذابات التجلّدِ (هذه خيمتي.. فأين الوطن: 142)

نری الشاعر في هذا المقطع يستدعي إسطورة "سيزيف" التي ترمز إلی العذاب و الشقاء و المعاناة و يتماهی معها بصورة فنّية مثيرة للإنتباه. وهذا التأثير المثيولوجي (الأسطوري) في بث حالته الإغترابية دليل علی إحساسه الحزين الذي يخفي وراءه مرارة و جراحاً عميقة في منفاه الوجودي.

و قد كتب الشاعر قصيدته "سادنُ الوجعِ الجليل"، للتعبير عن الواقع الإغترابي المعيش والغربة عن الوطن، فالإغتراب هو أكثر المداليل التي سيطرت على أجواء القصيدة، يقول فيها:

أنا ســادنُ الوجـعِ الجليـلِ خَبَرْتُهُ

طفــلاً...وها قاربتُ يومَ ذهــابي (البکاء علی کتف الوطن: 74)

إنَّ القصيدة هي رثاء حزين للذات، رثاء فيه من المرارة والحزن والإغتراب ما يجعلها تدمع عين متلقيها وتصبي فؤاده، فكل كلمة تبث إحساس الشاعر بالوجاعة، والمرارة الداخلية، وكأنها صرخة من صرخاته الداخلية المكبوتة، لتفتح هالة في فضاء الوجود، معلنة أفول العمر وإقتراب ميعاد الرحيل.

الموت:

إنَّ هذا الشعور الإغترابي بالرحيل والإحساس بدنو الأجل هو شعور ملازم للمرء في عالمه الإغترابي، عندما يكون المرء بعيداً عن الوطن، إذْ أنَّ هاجس الموت يلازمه كظله لدرجة يحسب القارئ أنه يسكنه في كل لحظاته، وهذا الشعور مرده الخشية من الموت، وهو في بلاد الغربة دون أن يرى الأحبة، والأصدقاء، والأهل، ويكحل عينيه بثرى الوطن:

ستون.. لا أهلاً بقافلةٍ

تدني ذئابَ الحتفِ من حَمَلي! (لماذا تأخرتِ دهراً؟ : 42)

و تلبّد هذه المشاعر في مساحة الوجدان حري أن يلفت نظر الشعر إلی تفحص الحياة و جدواها، و أن يحدق في الموت - النتيجة الحتمية للمخلوقات:

حانَ ترجلي من صهوة الأحلام..

آن لي التدّثرُ بالتراب (السابق: 35)

فالشاعر يری موته بسبب الغربة:

غربي إن شئتِ موتاً للهوی

و إذا شئتِ خلوداً شرّقي (السابق: 167)

يری الإغتراب / الغرب موتاً لعشقه و بالتالي موتاً له فيحنّ الی العراق / الشرق و يجد فيه الخلود و الحياة. و يقول في مکان آخر:

الوطن استراحَ مني..

و انا استرحتُ منه..

لأنني منذ تمرّدتُ عليه متُّ! (قليلک لا کثيرهنّ: 98)

فالسماوي منذ أن غادر العراق / الوطن أحسّ بموته و ضياعه في العالم، و أراد بهذا الموت أن يواسي وطنه:

جئتک الآن أواسيک بموتي..

ألحديني صدرک الطفل

انسجي لي من مناديل المراثي کفناً.. (البکاء علی کتف الوطن: 36)

السماوي في هذا المقتبس يخاطب الوطن بإعتباره الأم التي يغامر بحياته من أجلها مواسياً لها بموته، متمنّياً لو يُدفن علی صدرها فقد يخجله الموت في الغربة:

أتعبني العشقُ و طول الليل و السکوت

يُخجِلني لو انني في غربتي أموت(عيناک لي وطن و منفی: 78)

الرؤية التي يقدمه السماوي ليست رؤية تجربة، لأن الموت لا يجرب، و إنما رؤية وعي تتکیء علی رؤيته للحزن.

و حسبنا أن نشير الی شبکة توزيع الألفاظ الدالة علی الموت في شعر السماوي.. ففضلا عن مفردة الموت هناک الفاظ تبرز قضیة الموت و قد تکررت فی المعجم الشعری للسماوی کالقبر و الکفن و النعش و التابوت و القتل و المقبرة و الجثة... و هی ألفاظ تحمل الموت فی تفاصیله الواقعیة، من غیر أن تفلسفه أو تأخذ منه موقفا فکریا أو عقائدیا.

المرأة:

في هذا السياق لا تغيب المرأة عن مسارات قصائد السماوي، لتؤكد حضورها؛ بوصفها باعثة على الأمل، والتجدد، وتغيير منظوره للحياة، لتدل على مظهر آخر من مظاهر تفاعله الوجودي؛ فالإحساس بالفحولة والحب هي من مثيرات التفاعل الوجودي؛ لمجابهة الحياة، ومعاناتها، وشقاوتها المؤلمة (شرتح، 2011م: 146).

فالمرأة تمثل له الحضن الآمن الذي يأويه في لحظات الإغتراب و اليأس، فهي المبددة لجراح الإغتراب و الأحزان:

في آخر العمر اکتشفتُ

أنّ لي طفولة ضائعة

جاء بها حبّکِ

فاستعدتُ ما أضاعهُ المنفی (قليلک.. لا کثيرهنّ: 41)

فهي السکن الروحي الذي يمنحه الأمان و الهدوء و الإستقرار بعد رحيله عن وطنه و العيش في منفاه الوجودي؛ و هي التي تبث في روحه دفق الحياة و بصيص الأمل في تحفيز الإبتکار و خلق الإبداع؛ في مثل هذه الحالة الحزينة التي يعيشها الشاعر في الغربة لا يجد أمامه إلا أن يلتجأ لحبيبته لتخفّف من وطأة الهموم و الأحزان، فيخاطبها:

أضيئي ليلَ مُغتربٍ

عقيم النجمِ و القمرِ

وُلُودَ الهمّ و الأحزان

داجٍ بائسَ الوطرِ(نقوش علی جذع نخلة: 138)

و قال أيضاً مخاطباً هذه الحبيبة:

صوتُک مزماري

دجّنَ أفعي الحزن في حديقتي (السابق: 170)

لقد تسلّی السماوي بهذه المرأة / الحبيبة في غربته فطالما تغنّی بها و إتّخذ صوتها مزماراً له، ليُخفّف من شدّة الحزن المستفحل في حديقة عمره.

الحنين:

يرتبط الحنين إرتباطا وثيقا بالغربة في الشعر، فعندما يبتعد الإنسان عن مكان ما، يشعر بحنين إليه، ويشتاق لكل ما فيه. فالغربة تقود الی «الحنين و هو الشديد من البکاء و الطرب، و قيل هو صوت الطرب کان ذلک عن حزن أو فرح. و الحنين: الشوق و توقان النفس، و المعنيان متقاربان، حنّ إليه يحنّ حنيناً فهو حانّ.. يقال حنّ قلبي إليه فهذا نزاع وإشتياق من غير صوت» (مغنية، 2004م: 16)، «يقال حنّ عليه، عطف عليه. و حنّ اليه أي نزَع اليه» (ابن منظور: مادة حنّ).

فالحنين هو الشوق و توقان النفس إلی شيء محبوب بَعُد عنها، و قد يکون الحنين إلی الحبيبة أو إلی الأهل أو إلی أيام الصبا أو إلی الوطن. و الحنين يکون بعد فراق، فالفراق يولد الحزن، و حين نکتم هذا الحزن أو نذرف الدموع، نعبر عن حزننا و ألمنا، أما الشاعر فإنه يترجم هذه الأحاسيس شعراً، و يطوعها بما يمتلکه من قدرة علی التعبير عما يجيش في نفسه، فيصوغها شعراً؛ لذا فإن من الطبيعي ألا يتکيف الشاعر مع حاضره، و هو ما يشعره بالانعزالية و الوحدة، و نتيجة لذلک تمتلئ نفسه بالکآبة و القلق(المرزوقي، 2005م: 145)؛ وهذا ما حصل للشاعر العراقي يحيی السماوي الذي فجر سنين غربته بأشعار ينضح فيها الحب والحنين.

قال الأستاذ عبد المقصود خوجه في المقدمة التي كتبها لديوان السماوي "قليلك لا كثيرهنّ" واصفاً تعلّق الشاعر بوطنه العراق و حنينه اليه: «عندما حل الأستاذ الشاعر الكبير يحيى السماوي باستراليا مواطنا له من الحقوق والواجبات ما لأي مواطن استرالي وذلك عام 1997 م، كنت على يقين بأنه لن يغير جلده أو يخلع قدميه من طين "السماوة" ليركض بهما في ساحات ومتنزهات " سيدني " بل سيظل أبدا طفل النخل في غابات " أديلايد " يحن باستمرار إلى رغيف التنور... لم يخب ظني أبدا، فقد ظل شاعرنا الكبير وفيا لحنجرته ومبادئه وقاموسه...». (2006م: 7)

يترك السماوي، بملء ارادته، الواقع الاسترالي، بكل ما يحمله من جمال وتطوّر وحضارة ورقي، لينغمس في حرارة الصحراء العراقية بكل ما تحمله من دفء، وإحتضان، وتأريخ عريق، وبكل ما يحمله إليها من حنين، يتجلّى قصائد، طالعه من قلب المأساة وكأن الشاعر ما غادر العراق قط !

و قد کنتُ الفتی المصداح لکن

تعطّل بعد تشريد لساني

أحنّ اليک برديّاً و وحَلاً

و صحراءً و غابةَ سنديانِ (هذه خيمتي.. فأين الوطن: 79و80)

من الصعوبة أن يعيش الانسان جسدياً في مكان، وفكرياً في مكان أخر. وكأنّ هذا الجسد لا يتحسّس ما حوله، ولا يستغرق في جمالية المكان، ولا يستعذب بريق الحضارة الجديدة على طريقة شعراء الاندلس. أو كأنه يعتبر أنّ الخروج من الزمن العراقي إلى أي زمن أخر، أشبه بالخيانة.. فطالما نراه يتغنّی بمدينته "السماوة":

الله! ما أحلی السماوة.. صُبحُها

صافٍ صفاءالضوء في المرآةِ

فتّانةٌ.. حتی نباحُ کلابها

خلف القری يُغوي ثُغاءَ الشاةِ (نقوش علی جذع نخلة: 78)

و أيضاً يقول فيها:

و يا سماوة قنديلي به عطشٌ

لنجمِ ليلکِ.. لو عادت ليالينا! (هذه خيمتي.. فأين الوطن: 133)

لليل دلالات سلبية، إذ يدلّ علی الظلم و الإستبداد و لکن الليل في هذا البيت يدلّ علی السعادة و الرفاهية و إجتماع الأحبة، فنری الشاعر يحنّ و يشتاق لهذه الليالي التي قضاها في أحضان طبيعة السماوة مجتمعاً بالأحباب و الأصدقاء الذين يعزّ علی الشاعر الآن أن يلتقي بهم:

أحبابَنا عزّ اللقاءُ و آذنت

شمسي قُبِيلَ شروقها بغيابِ

أحبابَنا في الدجلتين تعطّلت

أعيادُنا من بعدکم أحبابي (البکاء علی کتف الوطن: 81)

و أعلی نسبة للحنین في شعر السماوي تُوجَد في دواوينه التالية: "هذه خیمتي .. فأين الوطن؟" و "نقوش علی جذع نخلة" و "البکاء علی کتف الوطن" و "زنابق برية" و کل هذه الدواوين صدرت بعد رحیل الشاعر إلی استرالیا. و قد رصدنا موتیف "الحنین" فيها فوجدناه يرد في أکثر من خمسین بالمائة من قصائد هذه الدواوین.

رموز الاغتراب:

نقصد بمعجم الإغتراب هنا: الألفاظ التي تکرّرت في شعره و دلّت علی الإغتراب أو الشعور به. و لن نتطرق لألفاظٍ مثل: الغربة، المنفی، ... و ما أشبه، بل إلی ما يفضي إليها مثل: الطيور المهاجرة، الحمامة، البحر، السفينة، الماء، الريح،... و هي مفردات ترتبط بمفهوم الإغتراب و تتکرّر في دواوين السماوي حتی أصبحت موتيفات / رموزا تحمل دلالات جديدة يستخدمها الشاعر و يعبّر من خلالها عن رؤاه و أفکاره في الغربة. و في مايلي سنتناول کلاً علی حدة:

الطيور / الحمامة:

من أهمّ المفردات الدالة علی الشعور بالغربة؛ تلک التي تشير إلی الطيور المهاجرة، أو التي تحنّ إلی أعشاشها و من أبرز هذه الطيور هي الحمامة.

إن الشعراء إتخذوا من هذا الطائر وسيلة للتعبير عما رسخ من مکبوت نفسي مؤلم، و للتعبير عن الاستجابة الخاصة التي يبديها الإنسان الشاعر للطبيعة، فالعذاب و النوح الذي تعلنه الحمامة هو المکافئ الخارجي لإنفعال الشاعر الداخلي و لحزنه و ألمه و نوحه علی من رحل منه، و کأن ما تعلنه الحمامة ينسجم مع ما يکنه الشاعر في نفسه، و کأنها تعبر عن مکبوته و ما يحتضنه من ألم و يعتقد "حسن جبار شمسي" أن رمز الحمامة في الغزل العربي القديم لا يحوم إلا في هذا الجو و لا يدل إلا عليه و لا يوحي إلا به (2008م: 116).

و للعلاقة التي تربط الشعراء العشاق بالحمامة أصول رمزية لأنها «رمز للمأوی و رمز للود و رمز للخصوبة و الأنوثة و الوداعة، ثم هي رمز للحزن و الشوق و الصبابة و البکاء، ثم هي رمز للألفة المشهورة من تآلف الحمام» (الطيب، 1970م:3/910).

و مما يذکره الإبشيهي عن طبع الحمام قوله « و من طبعه أنه يطلب وکره و لو کان في مسافة بعيدة، و ربما صيد و غاب عن وطنه عشر سنين و هو علی ثبات عقله و قوة حفظه، حتی يجد فرصة فيطير و يعود الی وطنه...» (الابشيهي، 1952م: 2/123)

الحديث عن الحمامة و أشواقها و همومها هو حديث الشاعر عن نفسه، و عن حبه و أشواقه، فالحمامة کانت قرينة الشعراء العشاق في غربتهم و حنينهم و إشتياقهم و أحزانهم و لواعجهم، و کل هذه المعاني حدت بهم إلی مشارکتها عواطفها و أحاسيسها و التجاوب مع نوحها.

والحمام في شعر السماوي ليس ذلک الطير المعروف في الخطاب اليومي العادي، و إنّما يتحول إلی عنصر رمزي يُشکّل البناء الشعري، و يفتح عوالم الرؤية علی مساحات الوطن و الکون، کما يبتعد عن السياق ليعانق الرؤی الآتية، فهو يحمل رمز الهجرة و البعد عن دفء الوطن، لکن - کذلک - يحمل شوق العودة اليه، و هي الدلالة التي يبحث عنها الشاعر / الإنسان في وطنه:

يا من أسرتَ غدي أغِث أملي:

اياک تُرخي - أسري - صَفَدي

سَيَضيعُ لو أطلقتَ مختبلاً

طارت حمامتُهُ و لم تَعُدِ (نقوش علی جذع نخلة: 47)

و أيضاً يقول مخاطباً حبيبته:

بينک و الفرات

آصرة...

کلاکما يسيل من عينيّ

حين يطفح الوجدُ

و حين تشتکي حمامةُ الروح

من الهجير في الفلاة.. ( قليلک لا کثيرهنّ: 16)

لا بدّ للشّاعر داخل هذه الدّوامة والدّائرة الجهنّمية من راحة هي أشبه باستراحة المقاتل.. حينما يتحوّل قلبه إلى طائر يمضي - أو يسري - به إلى الوطن الحبيب.. العراق مَسْقَط الرّوح، كما جاء في قصيدته "طَيْرٌ أنا قلبي" من ديوان " قلبي على وطني " :

طَيْرٌ أنا قلبي، إذا سكن الدُّجَى

يمضي به نحو العراق جَنَاحُ (1993م: 159)

وأيضاً قوله مخاطباً الشاعر الدکتور غازي القضيبي:

أأبا سهيلٍ ما لسرب طيوري

نَضبَ الهديلُ بها و جَفَّ غديري؟

لا الأرضُ من حولي تدور فألتقي

أهلي.. و لا دار الهوی بسرورِ! (هذه خيمتي.. فأين الوطن: 188)

يبقی السماوي في غربته يحنّ و يشتاق لأحبته وأهله بالعراق، و من شدّة مضاضة هذه الغربة و وطأتها علی نفسه يجد الهديل نَضُبَ في سرب طيوره.

البحر:

يشکّل البحر مساحة مضيئة في الذاکرة العراقية و بخاصة اللاجئين الذين أجبروا علی الرحيل عبر البحر. فالبحر حافظة للحکايات التي يرويها الأجداد للأحفاد عن تفاصيل المعاناة التي مازالت بصماتها ماثلة في وجدانهم. و يوظّف الشاعر الموروث البحري لإبراز الأبعاد السياسية للقضية العراقية؛ ولا يخفى أن الخوف والخطر في سياق القصيدة البحرية مستوحٍ من الموروث البحري للاجئين في زمن النكبة.

إستخدم السماوي "البحر" رمزاً للرهبة و الخوف، و إرتياد المجهول، يقول:

نمضي معاً - إن شئتِ - نورستي..

فالبحر - رغم هدوئهِ - خَطِر(عيناک لي وطن و منفی : 54)

لقد شحن الشاعر السياق بشحنة شعورية، استطاعت أن تجعل "البحر"، في النص، ذا دلالة وظيفية تشير الی الخوف و الرهبة.

و طبقاً لهذا الکشف الدلالي، فإنّ النص يبتعد عن الأبعاد المعروفة لهذا الرمز، إذ أنّ البحر، کما يقول يونغ، «يرمز إلی اللاوعي الذي تتحشد فيه آمال الإنسان و أحلامه و رغباته عارية عذراء لم تعرف قناعاً» ( عوض، 1978 م: 103).

نجد مفردات (البحر / النهر / الزورق / الشراع / السفينة / الريح / الأمواج / الطوفان...) منتشرة في قصائد الشاعر، و هي مفردات تتصل بـ "البحر" و توحي بحياة الصراع مع الشعور بالغربة، حتی أنّنا نجد عِدَّةَ قصائد معنونة بمثل هذه المفردات.

تتفاعل هذه المفردات لتولّد لدينا شعوراً واضحاً بهمّ الشاعر الذي يعاني في داخله من صراعٍ شديد نتيجة الغربة يترجمه لنا في شعره عن طريق تصوير صراع البحّار و سفينته و أشرعتها مع البحر و الرياح..

يخاطب الشاعر نفسه في قصيدة "خلّيک في منفاک":

لا تنشر الأشرعة..

البحرُ بلا موجٍ

و لا ريحَ سوی الآهات... (البکاء علی کتف الوطن: 55)

فالشاعر يريد الرجوع الی الوطن بعد سقوط الديکتاتور العراقي صدام حسين عام 2003م و لکن - کما جاء في هذه القصيدة - خطابات الدروايش / السياسيين في العراق عن الکرامة و الحرية و العدالة کلّها ترّهات لم تحقّق شيئاً للشعب، فيفضّل البقاء في المنفی و عدم نشر الأشرعة / الرجوع إذ ليس في البحر من موج أو ريح حتی يستطيع الوصول الی أرض الوطن و في قصيدة أخری من ديوان «هذه خيمتي.. فأين الوطن؟» يقول الشاعر:

و ما الفائدة ؟

لديّ الشراعُ.. السفينة..

لکنّما البحرُ

لا ماءَ في البحر.. لا ريحَ.. (1997م: 95)

فالسماوي يبحث عن الطريقة التي يرجع فيها إلی بلاده فلديه السفينة و الزورق و الشراع و لکن الظروف السائدة في العراق لا تساعده علی العودة فلا يوجد ماء و لا ريح في هذا البحر الذي يريد إرتياده نحو الوطن.

الماء هنا يرمز الی الخير و الإخصاب و النمو الإيجابي؛ حيث فيه مادة الحياة وفيه سرا خفيا قادرا على قهر الجدب وبعث الخصب والرزق. إن الماء عند هذا الشاعر بما هو أصل الحياة يذکّرنا بما وردَ في طيّات النّص القرآني الکريم «و جعلنا من الماء کلّ شيء حيّ» الأنبياء / 30 ؛ و قد يکون الماء حاملاً لمعنی الثورة علی کلّ ظالم سياسيّ أو جور إجتماعيّ.

أما الريح فإنها ترمز إلی القوّة المخصبة المولّدة، فإنها تلقح السحاب، و بذلک يفسّر قوله تعالی:«و أرسلنا الرياح لواقح» الحجر / 22. و قد ترمز الريح لغضب الشعب و ثورته و إنفعالاته، و لما کان السماوي شاعر مقاومة و شاعرا ثوریا، فقد إستعمل رموزا تتماشی مع مقاومته و ثورته فإستخدم رمز الریح دلالةً علی القوة و رمزا للمقاومة و الثورة و إشارة الی الإخصاب، و رمز التحدي:

فمتی ينتفض النخلُ الفراتي

متی تکنس ريحُ القهرِ عار الأزمنة؟ (السابق: 75)

و لدلالة الریح علی الدمار جذور دینیة، ففی القرآن الکریم استخدمت للعذاب و فی سیاق الشدة فی قوله تعالی:«و أما عاد فأهلکوا بریح صرصر عاتیة»، الحاقة / 6.

المصادر و المراجع:

- الإبشيهي، ابو الفتح (1952م): المستطرف من کل فن مستظرف، القاهرة، دار أحياء التراث العربي، ج2.

ابن منظور المصري، أبي الفضل جمال الدین (1410 هـ): لسان العرب، بیروت، دار صادر، الطبعه الاولی.

- بدوي، محمد جاهين (2010م):العشق والإغتراب في شعر يحيی السماوي، دمشق، دار الينابيع، ط 1.

- دلشاد، جعفر و آخرون (2008م): «الغربة في الشعر العراقي / الشاعر العراقي المهاجر نموذجاً»، طهران، جامعة تربيت مدرس، مجلة العلوم الإنسانية الدولية، العدد 15 (4)،صص 63-75.

- السماوي، يحيی (1993م): قلبي علی وطني، جدة، الناشر عبدالمقصود خوجة.

------------(1415هـ): عيناک لي وطن و منفی، ط1، جدة، منشورات دار الظاهري.

------------ (1997م): هذه خيمتي.. فأين الوطن؟ ط1، ملبورن، استراليا، مطبوعات R.M.Gregory

------------ (2003م): الأفق نافذتي،إديلايد، استراليا، EUREKA

-----------(2005م):نقوش علی جذع نخلة، استراليا، منشورات مجلة کلمات - سيدني.

------------ (2006م): قليلک.. لا کثيرهنّ، جدة، منتدى الإثنينية.

-------------(2008م): البکاء علی کتف الوطن، ط1، دمشق، التکوين للتأليف و الترجمة و النشر.

------------ (2008م): مسبحة من خرز الکلمات، ط1، دمشق، التکوين للتأليف و الترجمة و النشر.

------------- (2010م): شاهدة قبر من رخام الکلمات، دمشق، دار الينابيع، ط2.

------------ (2010م): لماذا تأخرت دهراً، دمشق، دار الينابيع.

- شرتح، عصام (2011م): آفاق الشعریة / دراسة فی شعر یحیی السماوی، دمشق، دار الینابیع.

- شمسي، حسن جبار محمد(2008م): ملامح الرمز في الغزل العربي القديم، لندن، دار السياب، ط 1.

- الطيب، عبدالله (1970م): المرشد الی فهم اشعار العرب و صناعتها، ج3، بيروت، دار الفکر، ط1.

- عرايدي، نعيم (1991م): البناء المجسم - دراسة في طبيعة الشعر عند محمود درويش، عكا، موسسة الأسوار، ط1 .

- عوض، ريتا (1978م): أسطورة الموت و الإنبعاث في الشعر العربي الحديث، بيروت، المؤوسسة العربية للطباعة و النشر.

المرزوقي، عبدالله فرج (2005م): الشعر الحديث في قطر/تطوره و اتجاهاته الفنية، قطر، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و التراث، إدارة الثقافة و الفنون، قسم الدراسات و البحوث، ط 1.

مغنية، احمد جواد (2004م): الغربة في شعر محمود درويش، بيروت، الفارابي، ط1.

الشبکة العنکبوتية:

- الطالبي، علي مولود (2011م): «يحيى السماوي .. وقنديله الشعري »، مقابلة مع الشاعر، صحيفة المثقف الکترونية، العدد: 1740، الرابط التالي:

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=47756:2011-04-27-03-15-19&catid=37:2009-05-21-01-46-26&Itemid=57

 

رسول بلاوي


التعليقات

الاسم: najwa el mansori
التاريخ: 2015-04-14 09:39:40
لام ار اجمل من هدا ااتعريف

الاسم: حسن خلف
التاريخ: 2012-12-24 20:55:36
سلام علیک یا دکتور ابلیت بلاء حسناً. ارجو لک التوفیق

الاسم: رسول بلاوی
التاريخ: 2012-11-25 12:02:40
الفاضل "علي الزاغيني" المحترم
شکرا لإطراءک الجميل و تفاعلک مع هذه الدراسة

الاسم: علي الزاغيني
التاريخ: 2012-11-25 09:40:29
شكرا لكم استاذ رسول
دراسة رائعة بحق شاعرنا الكبير يحيى السماوي
تحياتي

الاسم: رسول بلاوی
التاريخ: 2012-11-25 05:10:55
أخيّتي الفاضلة بلقيس المبدعة
شکراً لتفقدکِ و شکرا لمرورک الألق علی هذه الدراسة المتواضعة
تحياتي لک
رسول

الاسم: بلقيس الملحم
التاريخ: 2012-11-24 19:46:56
افتقدناك دكتور رسول!!
عودا أحمد بمقالة أروع
حفظ الله والدي ورعاه




5000