..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الاديب التركي ولي الدين يكن

مهدي شاكر العبيدي

ولي الدين يكن أديب من أصول تركية أسهم في ازدهار البيان العربي ونهوض العرب مع نقائضه وتغاير مواقفه

بغداد

 

" شاعر مصر حافظ إبراهيم لا يكسب كلَّ شهر عشرة جنيهات ، وشاعر آخر ثانية حاول الانتحار ، لكنه لم يجد سلاحا ً يعجبه " .

 

هذه فلذة عباريَّة ممثلة للسخريَّة العجيبة التي تساور بعض النفوس أحيانا ً حينَ تلفِي من حولها ما يزعج الخاطر ويكدِّر الضمير من المهازل والأمور الشاذة والحائدة عن المعقوليَّة والصحَّة والاستقامة ، استبانتْ في تضاعيف شاهد على أدب المقالة المستوفية لخصائص وفق نحو وشاكلة مستثيرين ِ للبُهر والإعجاب ، ممَّا أسلفه ولي الدين يكن ، الشاعر البارع والراضي بما أوفى عليه أو شارفه من ابتكار وجدة في قوالبه ومعانيه ، وبحيث يُربي على سابقيه من شعراء غبروا قبل سنة إطلالتهِ على الحياة والتي شهدَتْ تولده في الأستانة ، أعنِي : سنة 1873م ، إذ أقبلَ على الدنيا قبله أو بعده بمدَّة قليلة جمهرة غفيرة ورعيلٌ جمٌ من شعراء العربية في مختلف بلدانها وأوطانها ، أشبه في دالته وعائديَّته على الثقافة العربية ورفدِها بجيلٍ مِن النابغينَ أشفقوا عليها أنْ تظلَّ رهنَ الجمود والركود ، بفضل ما تأتى لهم من فرص لشـحـذ مواهبهم وإذكاء قابليَّاتهم ، وتطلعهم نحـوَ كلِّ سام ٍ من الآمال والمرامِي ، وتحسسهم بضرورة مواصلة الجهود لتخليص مواطنيهم ممَّا يرسفونَ فيه من الإذلال والوهن ، أو يقاسونه من الإجحاف والمسكنة والتخلف ، فكان رعيلُ : شوقِي وحافظ والرصافي والزهاوي وبشارة الخوري ، مِن أبين ما يصحُّ الاستدلال به مثلا ً شرودا ً في اعتزام مواطني هذه الربوع خدمتها وإنعاش حياتها ، ويعقب هذا الطور بعد حين من الزمان ، أنْ تجيءَ سنة 1989م ، الزاخرة بمذخورها من الكُتاب المتولدينَ فيها ممَّن شأوا الرادة الأوائل في اهتماماتهم وضروب تحصيلهم في غير جحدٍ وتهوين شأن ما نزعوا إليه واستمسكوا به من رغاب وتطلعات ، سوى أنْ بَذوهم في المجازفة والاقتحام وافتعال ما أسميناه المعارك القلميَّة أو استحداثها على وجهٍ أصح ، للمنافحة عن صواب رأي يرتؤونه ، أو للبرهة على خطل معتقد يدين به سواد الناس على ما ينطوي عليه من منافاة للصالح العام ومجانفة للحياة السويَّة ، وبحسبنا أنْ نحتضنَ معطيات ذلك المعشر المُنجَب إبَّان السنة تلك أو قبيلها وبعدها بسنة وأكثر ، فقد اختلف الدارسونَ في تحديداتهم لأحايين مثول رموزها على مسرح الحياة ، وذلك بالضبط وعلى وجه الدِّقة ، أمثال : طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل وإبراهيم عبد القادر المازني ومحمد رضا الشبيبي وغيرهم ، والمهمُّ أنْ تينك السنتين كانتا حبليين ِ بإنجاب الأعلام وذوي الملكات العبقريَّة المولعة بإدهاش جيلها المعاصر والمواكب لحقبتها ، جرَّاء تصويحها بمألوفاتها ومواضعاتها التي تشمل جميع وجوه الحياة وممارساتها وأشكالها وعناصرها ، بدءا ً من أعرافها ونواميسها المذهبيَّة ، وانتهاءً بنظرها لموروثها من التراث العريق والثقافة الأصيلة وكيفية تعامل من حييَ فيها من جهابذة الكتاب مع هذا الركام الهائل من الإبداعات والموحيات والذي يستوحي مشارب أهـل زمنه ويتواءم هـو وسلائقهم ، وليجاوزوه ــ بعد استفادتهم منه ــ إلى التوق للتفرُّد واختصاص الواحد منهم بطريقة في التحبير والكتابة ونمطٍ من الأسلوب والبيان .

 

وفضلا ً عن شاعريَّتهِ المطبوعة والمتواضعة التي لمْ يجدْ معها في نفسه حاجة لمساماة أنداده ومعاصريه ، والإدلال عليهم برجحانه ، أو يباهيهم في تسامي عاطفاته ونصاعة ألفاظه وتراكيبه ، ورهافة إحساسه وشعوره ، فقد كان ناثرا ً مدهشا ً ومتمكنا ً من البوح بأعمق المضمونات والمعاني ، وأجل الأغراض والمقاصد وفق ذلك الأسلوب الخالي من الإعضال والتنطع ، والمجانب للسجع والتزين اللفظي ، والملتزم بما يقتضيه البيان العربي في عصر لمْ تعدِ الثقافة فيه تقتصر على أوساطٍ وهيئاتٍ بعينها ، بلْ بلغتْ مدىً من الشمول والاتساع بحيث انجذب إليها ورغب فيها الجمهور الكاثر من متطلبيها وملتمسيها ، وذا لا ينفي عنه وقوعه واضطراره لبعض الجهد والعسر ، وفي بعض المواضع والأنساق منه ، بدليل تذييله كثيرا ً من كتاباته ومقالاته بحواش ٍ يدرج فيها ما احتوته من المفردات التي يشوبها الغموض ، فينبري لتوضيح مرماها وتفسيرها ، ناسبا ً إيَّاها إلى الفصاحة العربية حتى لا يقدح أحدا ً فيصمه بتنكبه العفويَّة ، ويبخس شأنه ومنزلته من النهضة العربية في عموم وجهاتها وأشكالها ، هو المتحدِّر من عنصر مجنب وبعيد عن الأرومة العربية عنيْتُ به العنصر التركي ، غير أنـَّه تشرَّب ثقافة العرب واستوعب أدبهم ومأثورهم ، وشاطرهم في صيالهم وقراعهم للاستبداد والطغيان سواءً حينَ كان مقيما ً في البلاد التي أنجبته وفتح عينه على استشراء الفساد والجهالة والتخلف في ظل خلافة السلطان عبد الحميد ، مع إطباق الخوف والإرهاق والفزع ، وهيمنة هذه السوءات وتفشيها في حياة الناس دواما ً كدليل على استتباب النظام واستحكام جور الباغي وسطوة السلطان ، وبالتالي إخلاد الرعيَّة للهجوع والاستكانة ، واستنامتها للوداعة وارتضاء ما قسم الحظ من المصائر والنهايات ، أمْ بعد نزوحه إلى مصر واستيطانه القاهرة ، وتأثره بما ألفه في حياة أهلها المصريينَ مـن طـرز العيش ومـألوف العادات ، وما جرى عليه مثقفوها وأدباؤها من تسفيه ورفض كليٍّ للبهارج والتزويقات اللفظيَّة في نتاجهم النثري ، مورِّطينَ ذواتهم في ما لا مزيد عليه من التكلف والعناء والجهد والحمل على النفس ، ممَّا يحول بينهم وبين المطبوعيَّة والتأصيل والامتياز والتفرُّد بسماتٍ وشياتٍ ما ، وغير آبهٍ وملتفتٍ لِمَا تمتلئُ به صدورهم من تسخُّط ونقمة حيل المحتل الأجنبي البريطاني الذي استعان وانتخى به خديوي مصر توفيق لقمع ثورة عرابي باشا وإخمادها والتنكيل برموزها وتعريضهم للحبوس والنفي في الجزر النائية ، وتسخير زمر من أعيان الكـُتـَّاب بعد اشتراء ذممهم بالمغريات والعطايا ، وتكليفهم بإشاعة جو فكري من شأنه أنْ يثلبَ من قدرهم ومكانتهم ويستهونهما في عيون الملأ ، متشككا ً بكنه الغايات والأهداف الممهِّدة لإعلانها وتفجيرها ، مكرسا ً إياها في التخريب والهدم ، في حينَ إنَّ قادتها عمدُوا لانتهاج السبل والطرائق المشروعة للإعلان والجهر بمطالبهم ، والإفصاح عن غاياتهم وطمحاتهم ، وهذا الواقع الشائه المقيت من إذعان الجمهور لشراسة المحتل واحِتماء المتبوئ المركزَ الأعلى بسطوته ، وتكييف الناس حياتهم وعيشهم للتلاؤم معه على وجه مباعدٍ لهم عن الأذى ، ومجانبٍ بهم عن كلِّ اتهام لهم بالمروق وجحد آلاء المتفضلِ بتطهير البلاد من الدنس ، واستئصال شأفة المزمعينَ استباحة الحرمـات وإقلاق الأمـن فيها ، ومـا أدري كيف غـفـل الخـارج مـن النفي فـي مدينة ( سيواس ) التركية لاجترائه على التنديد بتجبر السلطان العثماني وتماديه في الإيقاع بمناوئيه وأخذ الناس ولو بالشبهات لحدٍ شاعَتْ عنه أساطير وغرائب من عدم تردُّده وخوفه من القذف بهم ورميهم في البحر ، قلتُ : كيف أحجم هذا الفاضح لكلِّ هذه الشوهات والمخزيات في أمسه الدابر واستحال داعية للتصافي مع البريطانيينَ الواغلينَ في أرض الوادي ، ويأسى لإنجاح المساعي الداعية لمغادرتهم وجلائهم من حـيـث أتوا ، عـبـر واحـدةٍ مِـن مـقـالاته المتخيّلة والتي تخيَّر لها عـنوانا ً خـادعـا ً : (( المحتلون يخرجون من مصر )) ، ومختتما ً إيَّاها بما يدعو لبقائهم أمدا ً آخر ، ومكوثهم اوصياءَ على استقرار مصر وحماة أمنها ، فلماذا : (( تريدونَ اليوم أنْ تخرجُوا من مصر ، ليصبح عاليها سافلها ، وليجريَ هذا النيل أحمرَ قانيا ً ، كلا ثمَّ كلا ! ، لأصيحَنَّ صيحة تخرق حجبَ الأزلِ ، وتنفذ إلى مَن ولجوا غايته ، ولأبعثنَّ لكم مِن تحت المقابر أجسادا ً تسدُدونكم طرق الرحيل ، أما والهرمين ِ والنيل ليدخلنَّ أهل الطيش غدا ً على العذارى في خدورهن ، وليأخذنَّ بغدائرهن ، وليقومن بعد زماعكم ، من الشرِّ أضعاف ما أتى بمقامكم من الخير ، ارجعوا إلى ثكناتكم مأجورينَ غير مأمورينَ ، إنـَّما يأنس إليكم أهل الوقار وأنصار الفضل )) .

 

فتجدنا بإزاء كاتب يتوهم اتسام رصفائه من أبناء مصر بالشرِّ والطيش والرذيلة بحيث لا يردعهم رادع عن التورُّط في الآثام والخسائس والموبقات ، فلا محيصَ من الاستنجاد بأجناد الغاشم المحتل ، والتعويلِ على حميته وغوثه في بقاء الوضع الراهن على حاله من الاكتناز بالخير والصلاح ، وإلا فبخلاف ذلك تضطرُّنا متغيراتُ الأيَّام وتقلباتها لانبعاث رمم الموتى الثاوية في أعماق المدافن والقبور كي تحول دون هذا الرحيل المشؤوم ! ، وذا في حقيقة الحال ينطوي على ارتياب وتشكيك بدخائل أبناء مصر ثانية ، ويتضمن قدحا ً وتجديفا ً بنيَّاتهم وأميالهم ، ممَّا لمْ يمسك بالأديب اللبناني الراحل رئيف خوري عن الجهر بمباينته لهذا الرأي أو الموقف على تسليمه بإخلاص ذويه لقضية الحرية وذودِهم عنها بوجه صنوف المصادرة والافتيات والتعدي ، غير أنـَّه لمْ يتحرَّج من الاستقباح وفضح فهمهم السطحي والإيماءِ لخطل رؤيتهم وإيغالهم في الضحالة والفجاجة ، وأنـَّهم يعدمونَ نصيبهم الوافر من الوعي بحقيقة الحريَّة ، فلا ينبغي لهم أنْ ينخدعوا بالمظاهر البَرَّاقة فيقيمُوا أسَّ حياتهم على ممالأة الإنجليز ، حاسبينَ أنَّ جلاءهم عن ديارنا ومفارقتهم ربوعنا سيجر عليها كارثة وبيلة ، ونحن بعد في غنية عن الترامي والتهاوي فيالتفاؤل الأحمق ، ذلك أنَّ (( الحريَّة تأبى بطبيعتها أنْ تكون عطاءً من الغير ، وكلُّ أعمال التنظيم إذا لمْ يبدعْها شعبٌ مستقلٌ بإرادته وجهده ويتصرَّف بخيراتها لنفسه ، فلا قيمة لها ولا معنى سوى أنـَّها قيدٌ ودَينٌ يرزح تحت ثقلهما الشعب )) [1].

 

لكن لعلـَّنا ملفون مسوغا ً لاصطفافه بجانب أخصام ثورة أحمد عرابي والداعينَ للاقتصاص منهم وإنزال العقاب القاسي بهم ، بمتـِّه وارتباطه بصلاتٍ بعيدةٍ بالمتربعينَ على عرش البلاد والمتحكمينَ بمصاير أبنائها والمتصرفينَ بشؤونها العامة ومقدَّراتها ، فوالده كما يعرِّفنا به ويطلعنا عليه المعنيُّ بتحقيق كتبه ونشرها الأديب المحقق جبران مسعود ، بعد أن كادت تنصرف عنها الأفهام والعقول وتختفي من المكتبات التجارية بطبعاتها الأُوَل ، خصوصا ً كتابه الموسوم بـ : ( الصحائف السود ) الذي ننقل منه هذه المعلومة ، قلتُ : إن والده حسن سري باشا ، وجدُّه هو إبراهيم باشا يكن ، هو ابن أخت محمد علي الكبير ، والأخير باني مصر ومؤسِّسُ كيانها منذ أنْ جاءها ليشغل مكان الفرنسيس المنسحبين ، وعلى الرُّغم من اجتراحه للحماقات والأفعال الغريبة التي لا تكاد تصدَّق من نحو إيقاعه بسكنة مصر من المماليك الأوائل ، حيث تعرَّضوا لأشنع ألوان التصفية والإبادة ، فقد حصل عُقيبَ هذه الكارثة الوحشيَّة ، أنْ انصرف لتوطيد كيان الدولة العصريَّة وفق مواصفات ذلك الزمن ، فباشر مشروعات الري والزراعة وأوفد البعثات إلى الجامعات الأوربيَّة ، وقرن هذه الأعمال بإنجازه للمنشآت الصناعيَّة التي سبق بها ما شرعَتْ به وانتهجته الحكومات المتعاقبة في اليابان ومضت به قدما ً ، بحيث غدَتْ منافسة في بضائعها لشقيقاتها الأوربيات ، بينما جدَّت في بلاد النيل صروف وعوارض ومعيقات دونَ العمل لتطويرها ، وتوارث أبناؤه وحفدته مركز الخديويَّة من بعده طوال السنين التالية ، واستبدلَ المتأخِّرونَ منهم تسمية السلطان ، ثمَّ الملك بالخديوي ، وكانَ آخر مَن خلص له الزمام منهم الملك فاروق ، الذي دال منه وطاح بحكمه ثوار يوليو الذين ملأوا الدنيا ضجيجا ً وصخبا ً بصدد التشنيع بالمظالم المقترفة في ظلِّ سطوة أسرة محمد علي على شؤون مصر ، بينا حفلتْ عهود حكمهم في هذا الظرف أو ذاك بالتعسُّف والانتهاك ، وكابد الوعاة من مثقفي البلاد ومستنيروها من الفرَق والخوف وهم بانتظار زائر الفجر إنْ صحَّ ما نهدَ لتوضيحه وفضحه كثير من حملة الأقلام في أوقات الانفراج وتخفيف الأوقار والآصار .

 

قلتُ : لعلَّ في هذه الآصرة مسوغا ً لونائه في مشايعة العرابيينَ ومسايرته أضدادَهم من تبابعة سمو الأمير في نزوعاتهم وأهوائهم ، وَإنْ كانتْ هذه الرؤية في قياس الأمور لا يُعتدُّ بها وغير ذات شأن في نظر الباحثينَ والدارسينَ .

 

يُدَانُ ولي الدين يكن إذا ً بخطيئتين ِ ارتكس فيهما غبَّ إيابه إلى مصر واعتزامه الإقامة فيها بصورة نهائيَّة واستئناف نشاطه الأدبي ، وخوضه المساجلات الفكريَّة أسوة بأنداده الأدباء من طريق موافاته الصحف بالمقالات والفصول المحتوية نزعات رأيه وأنظاره لما يستجدُّ من الحوادث من حوله ؛ وهما : إحجامه عن مماثلة السواد الغالب من الناس في تذمُّره من أنْ يشهدَ في صبحه والمساء أرتالٌ العادي تجوس رباع الوطن ، ممَّا يشكلُّ انتقاصا ً واخللا ً بالسيادة الوطنيَّة ، وتأتي مشاكلته أحمد شوقي في زرايته بأقطاب الثورة العرابيَّة المقموعة باستعداء الأجانب على المخلصينَ النزهاء من أبناء مصر ، في الغاية ممَّا يستوجب المؤاخذة والانتقاد ، وذا مجمل ما واكب الطور الثاني من حياته حيث حظي بالمنصب المرموق زمن الحرب العظمى ممتعا ً بحدب السلطان حسين كامل ورعايته في غير احتياج إليهما هو الراتع من الأوَّل في ظلال الرفه والرغادة ، وفتح عينيه على الوفرة في كلِّ شيءٍ ، دونَ أنْ تصدُّه عن أنْ يعيشَ مع الرعيَّة مرهقا ً لاغبا ً يتقاسم وإيَّاها اتراحها وهمومها ، ويستوفي نصيبه منها في طوره الأوَّل ، حين كان يعيش في الأستانة بعد هجرانه بلاد النيل حيث تلقى دروسه في الأدب العربي ، واختبر اقتداره وتمكنه من تحبير الفصول الضافية في الأوضاع والظواهر الاجتماعية المختلفة ، وانشأ صحيفة ( الاستقامة ) التي حمل فيها حملات قواصم على الظلم والظالمينَ ، ونادى بوجوب تمتع شعوب الدولة العثمانيَّة بحريَّاتها ، ممَّا جر إلى تأريث غضب السلطان الذي تصامم على الاستماع لهذه الدعاوة ، فمنع دخولها إلى البلاد وقضى بمحاسبة من يفشو تداوله لها مصادفة .

 

وواصلَ معارضته ومقته لاستبداد الأتراك ومضيهم في سياسة البطش والخسف والحجر على عقول المناوئينَ ، وهو لابثٌ هذه المرَّة في دولتهم غير هياب ولا وجل ، وعبثا ً ما حاول السلطان بنفسه وبصورة شخصيَّة استرضاءه من طريق العهدة له بالمراتب والمناصب بغية حمله على لجم فمه فلا يذمُّ حيفا ً نازلا ً بالأبرياء ولا يشتكي مظلمة تحلُّ بمَن لا يستحقها من الصلحاء .

 

وكانتْ عاقبة هذه المصاولة معدومة التكافؤ بين مَن يتجهز لها بالأشعار والخطب وبين مَن يعول على شُرطه ومخبريهِ السرِّيينَ في فبركة دعاوى وتلفيقات هم براءٌ منها على أيَّة حال ، فنفي إلى ( سيواس ) في حكاية يطول تفصيلها وشـرحها ، ولمْ يَستردّ حريَّته إلا غداة إعلان الدستور العثماني وتهديم عرش عبد الحميد ، في غير تجاهل الكـُتـَّاب والمؤرِّخينَ أنَّ وقائع هذا الانقلاب العثماني ما تمَّتْ إلا بتدبير الجماعات الماسونية ، وأنَّ ما انطلق فيه شعراء الوقت مِن التهليل والإشادة بالدستور والحريَّة ما هو إلا لغو من اللغو وفضول الكلام ، وكانَ الأحجى رغم ما غلب على حكم السلطان عبد الحميد من الاسترقاق والتعسُّف والإجحاف والغبن والإضرار بمصالح الجمهور ، أنْ يحفظوا له سابقته المأثورة في رفض المشروع الصهيوني للاستحواذ على الديار المقدسة .

 

وهذه هي السقطة أو الخطأ الفاضح الذي تقع فيه شعوب هذا الشرق ، فما أنْ يدبر عهدٌ ويُدَالُ من حكامه حتى يبتدر الأسياد الجدد لمحو وتناسي ما دلَّ به وقدمه من أفعال حسنة وصنائع مبرورة ، على افتراض أنَّ القصد منها إشهارُ اسمه وإنباهُ ذكره عامدا ً ، وكأنـَّهم ينظرون للصورة من جانبها المعتم الملفع بالسواد دون أنْ يسلطوا نظرهم لجانبها الآخر الذي يبين فيه البياض .

 

وتظلُّ سخريَّة ولي الدين يكن أو تصويره وضعية محاول الانتحار ومرجئه إلى وقتٍ آخر ، بعد أنْ تخلى عنه وانصرف إلى مشغلة من مشاغل الدنيا ريثما يقع في متناوله السيف البتار والسلاح القاطع ، قلتُ : تظلُّ هذه السخريَّة لقية ولفتة نفسيَّة قد لا تجري على سنان القلم رغم ما تأتى لحامله من توفز الإحساس والشعور .

 

ويمتدُّ الأجل بصاحب التآليف المعروفة بكونها حُمَمَا ً وثورة مستديمة ، كالمعلوم والمجهول والصحائف السود والتجاريب وغيرها ، فضلا ً عن ديوانه الشعري الممتلئ بالأشعار وتحريض الجماهير وحثهم على طِلاب الحريَّات والحقوق المشروعة ، قلتُ : تأخَّر أجله وتصرَّمَتْ سنوات عمره إلى منتصف شهر نيسان 1921 ، فكان شاهدا ً ثبتا ً بوجهِ المحتلينَ أيَّام ثورة 1919م ، فهل أبقى في سريرته على ولائه لهم ورضائه بسلطتهم وشام فيهم المروءة والفضل ؟ .

 

 


 


 

. مداخلة رئيف خوري مع محاضرة ميخائيل نعيمة ، في مؤتمر الأدباء العرب الثالث 1957م .

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000