..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أثر الوراثة و البيئة في بناء الشخصية في السنة النبوية والفكر التربوي المعاصر

أ د. محمد سعد عبد اللطيف


:" تخيروا لنطفكم، فإن العرق دساس"
يشمل هذا المبحث مطلبين:

الأول: أثر الوراثة في بناء الشخصية في الفكر التربوي المعاصر.
والثاني: أثر الوراثة في بناء الشخصية في السنة النبوية.

المطلب الأول: أثر الوراثة في بناء الشخصية في الفكر التربوي المعاصر:
يناقش هذا المطلب أثر الوراثة في بناء الشخصية من الجوانب الجسمية، والعقلية، والنفسية، والسلوكية من منظور الدراسات النفسية.
الفرع الأول: أثر الوراثة في البناء الجسدي للشخصية:
أشار علماء الوراثة إلى أن هناك خصائص وسمات جسدية تنتقل عن طريق الوراثة مثل لون العينين، والشعر، وشكل الأنف، حيث دلت الأبحاث العلمية على أن الأولاد يرثون الطول، والقصر، والضخامة، والنحالة، ولون الشعر، ولون العين، واتساعها، أو ضيقها، والصلع عند الرجال، وتفلطح القدمين، وقصر الأصابع، وغيرها من الصفات.
كما أثبتت الدراسات أن الوراثة مسؤولة عن بعض الأمراض الجسمية السائدة، أو الأمراض الجسمية المتنحية، والأمراض المرتبطة بكروموسوم الجنس، مثل مرض ضمور العضلات المعروف باسم "دودشات"، وهذا المرض يصيب الأطفال دون سن الخامسة، ويؤدي إلى ضمور العضلات، وموت المريض في العشرينات من العمر بسبب فشل التنفس، وضمور عضلات الرئة، وهو ناتج عن أب طبيعي، وأم حاملة لجين المرض، كما ثبت أن مرض الكساح له علاقة مباشرة بالجينات الوراثية(20).
الفرع الثاني: أثر الوراثة في البناء العقلي للشخصية: 
ثبت لدى علماء الوراثة أن الوراثة هي العامل الرئيس المحدد للسمات الجسمية من قبل الجنس، والطول، والوزن، ولون البشرة، كما ثبت أن عدداً من أوجه الشذوذ الجسمي، أو الطبي متصلة اتصالاً مباشراً في الجينا ت، إلا أنه عند الحديث عن وراثة الصفات، أو الخصائص العقلية مثل الذكاء، فإن الخلاف يثور، وندلل على الخلاف بالدراسات الخاصة لمعرفة أثر الوراثة في تحديد الذكاء، ومن أهم هذه الدراسات، الدراسة التي أجراها هرندون (Herndon) سنة 1954م، وأثبت فيها أثر الوراثة في تحديد مستوى الذكاء، والذي يمتد من (50%-75%) وهذه النتيجة تؤكد إلى حد كبير نتائج البحث الذي قام به بيركز (Berkes)، حيث بينت أن أثر الوراثة في تحديد نسبة الذكاء يصل إلى (75%)(21) ، ودراسات العالم الأمريكي آثر جنسن (Jensen) الذي يعتقد أن حوالي (80%) من الاختلافات بين الناس في الذكاء يمكن تفسيرها بالفروق الوراثية المباشرة بين هؤلاء الناس(22).
واستدل من يدعو إلى أثر البيئة في الذكاء، وأنها تلعب دوراً مهماً في إعاقة نمو الذكاء، والقدرات العقلية، بحالة عزل الطفل عن المجتمع الإنساني، كما في حالة الأطفال الذئاب(23) ، أو حالة الجماعات المنعزلة التي تعيش في القرى النائية، وأكدت أبحاث جيزل ولورد التي أجرياها على أطفال ما قبل المدرسة الابتدائية في البيئات الاجتماعية، والاقتصادية العليا أن هؤلاء يتكلمون أسرع من أطفال البيئات الاجتماعية، والاقتصادية الدنيا، وهكذا يثبت أثر البيئة في القدرات العقلية(24) ، وظهر في الآونة الأخيرة رأي لبعض العلماء والذي يعد الذكاء قدرة كامنة تتحدد أصلاً نتيجة التكوين الوراثي للفرد، وأن للظروف البيئية تأثيرها في الذكاء ونموه، فالبيئة تتيح لهذه القدرة فرصة النمو والعمل، ومن الممكن للبيئة أن تعمل على تحسين الذكاء، وتطويره ويدل على ذلك الدراسة التي قام بها "كيفر" على (16) شاباً في إحدى مؤسسات ضعاف العقول، والتي تتراوح أعمارهم بين (15-18 سنة) عند بدء التجربة، وكان متوسط ذكائهم (66.3%) حسب اختبار بنيه، ومن ثم أعطي هؤلاء دروساً خاصة تهدف إلى إثارة نشاطهم العقلي، وفي نهاية التجربة كان متوسط ذكاء هذه المجموعة (76.4%) بزيادة قدرها (10.1% درجة)(25).
إن المتأمل في العرض السابق للدراسات، والأبحاث يلحظ أن فريقاً من الباحثين أثبت أثر الوراثة في البناء العقلي، وفريقاً ثانياً أثبت أثر البيئة، وثالثاً قرر أن الذكاء قدرة كامنة موروثة، وللبيئة تأثير بالغ فيها، وهذا هو الرأي الأصوب؛ لأن الباحثين لا يستطيعان إلغاء أثر البيئة، كما لا يستطيعان إلغاء أثر الوراثة، فالتفاعل الدائم بين ما هو موروث، وما ف ي البيئة هو الذي يحدد البناء العقلي للشخصية، وهذا ما توصل إليه علماء النفس من أن "عوامل الوراثة وعوامل البيئة معاً تتسبب في التباين الذي يلاحظ عادة بين درجات الذكاء عند الناس... فعوامل الوراثة تزودنا بمجموعة من الخصائص والمهارات التي تؤثر في سرعة تعاملنا مع بعض المهمات العقلية ولكن البيئة التي نعيش فيها تلعب دوراً جوهرياً كذلك"(26).
الفرع الثالث: أثر الوراثة في البناء النفسي، والسلوكي للشخصية:
يستدل بأثر الوراثة في بناء الشخصية من الجانب النفسي، والسلوكي في علم النفس بالدراسات التي أجريت على المنحرفين نفسياً، حيث قدمت أدلة على وجود معطيات وراثية عندهم، ومن هذه الأدلة وجود خلل بيولوجي فسيولوجي عند بعض المنحرفين نفسياً، حيث يتم توريث هذا الخلل من الآباء إلى الأبناء، بالإضافة إلى زيادة معدلات الاتفاق في الانحرافات النفسية عند التوائم المتماثلين أكثر من التوائم غير المتماثلين، وأخيراً فإن انتشار الانحرافات النفسية في اسر المنحرفين نفسياً أكثر من الأسر التي لا يوجد فيها انحراف، فإحدى الدراسات تشير إلى "أن (10%) من أبناء الأسر والذين يعانون من مرض الفصام كان أحد الوالدين يعا ني من مرض الفصام، وترتفع هذه النسبة إلى (50%) من الأبناء إذا كان الوالدان فصاميين، ووجد أن معدلات الاتفاق بالإصابة بمرض الفصام عند التوائم المتشابهة تتراوح بين (6-86%)، بمتوسط قدره (50%)، وبين صفر و(19%) بمتوسط قدره (12%) عند التوائم غير المتشابهة"(27).
ولكن هذا ليس محل اتفاق بين علماء الوراثة، فالدراسات تشير إلى دور الوراثة في الانحرافات النفسية والسلوكية، وهذا لا يمنع تأثير البيئة، وهذا يتفق مع نظرة علماء الاجتماع، فالمعطيات الوراثية لا تفعل فعلها، ولا تؤدي إلى انحرافات نفسية، وسلوكية إلا إذا تفاعلت مع ظروف بيئية سيئة، فالمعطيات الوراثية سبب، ولكنه غير كافٍ، وكذلك الظروف البيئية سبب أيضاً، ولكنه غير كافٍ، فتتفاعل المعطيات الوراثية مع الظروف البيئية، فتحدث الانحرافات النفسية، والسلوكية، فالإنسان لا يرث انحرافاً نفسياً، وإنما يرث استعدادات تجعله مهيئاًً للاضطراب النفسي، أو العقلي، ثم تأتي الظروف البيئية لتساعد في ظهور الانحرافات، وهذا ما أشار إليه علماء النفس من أن "الفرد لا يرث الاضطراب السلوكي أو المرض النفسي كما تورث الملامح الجسمية ولكنه يرث الاستعداد التكويني من والد يه وأجداده ويظهر الاضطراب في حال وجود أو توفر العوامل المعززة له وهذا يحدث في حالة الفصام حيث يرث الفرد الاستعداد عبر مورثات متنحية وفي حالة المرح والاكتئاب حيث يرث الفرد الاستعداد عبر مورثات سائدة ذات تأثير كبير(28).
المطلب الثاني: أثر الوراثة في بناء الشخصية في السنة النبوية
يناقش هذا المطلب أثر الوراثة في بناء الشخصية من الجوانب الجسمية، والعقلية، والنفسية، والسلوكية من منظور التربية الإسلامية.
الفرع الأول: أثر الوراثة في البناء الجسمي للشخصية
ورد في السنة النبوية المطهرة العديد من الأحاديث التي تدل على أن الشخصية، أو البناء الجسمي للشخص يتأثر بصفات الآباء، والأجداد، فمن ذلك ما يرويه أبو هريرة أن رجلاً أتى إلى النبي :" يا رسول الله ولد لي غلام أسود فقال: "هل لك من إبل؟ قال نعم، قال فما ألوانها؟" قال: حُمر، قال: هل فيها من أورق؟(29) " قال: نعم" قال: "فأنى ذلك؟" قال: لعله نزعة عرق، قال:" فلعل هذا نزعة عرق"(30).
فالحديث الشريف يؤكد أن السمات الجسدية مثل اللون تنتقل بالوراثة من الأجداد إلى الأحفاد، حتى وإن لم تظهر في الوالدين، فالحديث الشريف يؤكد الأثر الوراثي للأجداد، والأسلاف - مهما بعدوا - في الإنسان، فالرسول ضرب مثالاً واقعياً للأعرابي الناكر للون ابنه الذي لا يشبهه، وهذا ما أكدته الأبحاث العلمية من أن تأثيرات الوراثة في الخصائص الموروثة تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد وإن نزلوا.
وورد في حديث آخر تأكيد لانتقال الصفات الجسدية من الآباء إلى الأبناء، فعن العباس سهل عن أبيه، قال: "لما تلاعنا قال رسول الله اقبضها إليك حتى تلد، فإن تلده مثل وحره، فهو لأبيه عويمر الذي انتفى منه، وإن تلده أسود اللسان والشعر، فهو لابن السحماء الرجل الذي يرمى به، قال عويمر: فلما ولدته أتيت به فاستقبلني مثل الفروة السوداء، ثم أخذت بلحييه، فاستقبلني لسانه مثل التمرة، فقلت صدق الله ورسوله"(31). فالحديث الشريف يؤكد انتقال الصفات الجسدية من الآباء إلى الأبناء، فالمرأة ولدت غلاماً بصفات مشابهة للرجل الذي اتهمت به.
وثمة أحاديث تشير إلى أن الولد يتأثر بشكل الأم، وقد يشبه أعمامه، أو أخواله، ويدل على ذلك ما روته أم سلمة - رضي الله عنها - حيث قالت: "جاءت أم سليم إلى النبي فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت، فقال رسول ال له : نعم إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟ فقال:" تربت يداك، فبم يشبهها ولدها؟"(32).
وموطن الاستدلال في الحديث كلمة "فبم يشبهها ولدها" وهي كلمة عامة، أي أن الولد يشبه أمه في السمات الجسدية الظاهرة من طول، وقصر، وشكل، وقد يفهم من هذه العبارة الصفات المزاجية، والخصائص العقلية، والنفسية(33).
وقوله فيما ترويه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها - أن امرأة قالت لرسول الله :"هل تغتسل المرأة إذا احتلمت، وأبصرت الماء؟ فقال: نعم، فقالت لها عائشة: تربت يداك وألت، قالت فقال رسول الله : دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه الولد أعمامه(34).
قال ابن حجر:" إن المراد بالعلو هنا السبق لأن كل من سبق فقد علا شأنه، فهو علو معنوي، والمراد بالعلو الذي يكون سبب الشبه بحسب الكثرة، بحيث يصير الآخر مغموراً فيه، فبذلك يحصل الشبه"(35). والعلم الحديث يؤكد أن المرأة تفرز بويضات كلها تحمل إشارة الأنوثة (X) ويفرز الرجل خلايا منوية يحمل بعضها إشارة الأنوثة (X)، وبعضها الآخر إشارة الذكورة (Y)، فإذا اخترقت الخلايا المنوية من (X) بويضة الأنثى كان الجنين بنتاً وإذا اخترقت الخلايا المنوية من نوع (Y) بويضة الأنثى كان الجنين ذكراً(36).
وقد لا تظهر الصفات الجسدية إلا للخبراء، ومن ذلك قصة مجزر المدلجي، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "دخل عليّ رسول الله ذات يوم مسروراً، تبرق أسارير وجهه، فقال:" الم تري أن مجزر المدلجي نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، فقال: هذه الأقدام بعضها من بعض"(37).
فالحديث الشريف يدل على تأثير الوراثة في صفات جسدية غير واضحة للناس، فكما يذكر أن هناك اختلافاً في اللون بين أسامة، وزيد - رضي الله عنهما -، ولكن القائف(38) مجزر المدلجي عرف العلاقة بينهما من خلال النظر إلى القدمين.
نخلص من النصوص النبوية السابقة إلى أن التربية الإسلامية أشارت بوضوح إلى تأثير الوراثة في البناء الجسدي للشخصية، وقد تكون الصفات الجسدية واضحة، وبيّنة، وقد تعرف من خلال الخبراء، إلا أن الخلاصة هي تأثير الوراثة في البناء الجسدي للإنسان.
الفرع الثاني: أثر الوراثة في البناء العقلي والنفسي والسلوكي للشخصية 
قبل عرض النصوص التي قد يستدل بها على تأثير الوراثة في ال جوانب العقلية والنفسية، والسلوكية للشخصية، لابد من توضيح مفهوم الفطرة التي لها علاقة مباشرة في فهم دور الوراثة في بناء الشخصية من الجوانب العقلية، والنفسية، والسلوكية.
مفهوم الفطرة الإنسانية:
اختلف العلماء في معنى الفطرة ولكنهم جميعاً يؤكدون أنها أمر فيه صلاح الإنسانية، وخيرها(39) ، ويدل على هذا أن القرآن الكريم نسب الفطرة إلى الله تعالى، وهذا يعني أنها أمر محمود، وفي القرآن الكريم تأتي نسبة الشيء المحمود إلى الله تعالى، وإن كان خالقاً، ورباً لكل شيء سبحانه وتعالى، ومن تعريفات الفطرة: "أنها النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، والفطرة التي تخص الإنسان هي ما خلقه عليه جسداً، وعقلاً، فمشي الإنسان فطرة جسدية، ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها، والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية..."(40) ، وقيل: هي الميل المركوز في أصل الخِلقة لتفضيل الإسلام، والأخذ به، وليس منها مجرد ولادة الطفل على خلقه خالية، لا إيمان بها ولا كفر، ولا معرفة، ولا إنكار كالصفحة البيضاء"(41) ، وقيل: "بصيرة ثابتة في جوهرها يولد المرء مزوداً بها لتنزع به نحو الخير في صورته الكلية المجملة (توحيد الله) وتمثل في جوانبها الروحية، والعقلية، والنفسية نظاماً متكامل الحلقات"(42) ، وبناءً عليه يرى الباحثان أن للفطرة مفهومين، مفهوماً خاصاً، وهو التوحيد، ومفهوماً عاماً وهو الخصائص والصفات التي خلق الله الناس عليها وتشمل الدوافع الفطرية، والاستعدادات العقلية، والنفسية، والأخلاقية المزود بها، وظهور التساؤلات عن الكون، والحياة، والإنسان، واتفاق عقول الناس، والارتياح لما يعد معروفاً، والنفور مما يعد منكراً.
أما النصوص التي يستدل بها على تأثير الوراثة في الجوانب العقلية، والنفسية، والسلوكية، فيمكن تقسيمها إلى مجموعتين: الأولى: نصوص تدل على تأثير الوراثة في بناء الشخصية بشكل عام، ولا تدل على الجوانب العقلية، والنفسية، والسلوكية بشكل خاص، والأخرى: نصوص يفهم منها تأثير الوراثة، وفي حقيقتها لا تدل على تأثير الوراثة، وإنما تدل على تأثير البيئة، وفيما يلي عرض للمجموعتين.
المجموعة الأولى: النصوص التي تدل على تأثير الوراثة في بناء الشخصية بشكل عام دون تخصيص أي جانب:
1. حديث أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: "جاءت أم سليم إلى النبي فقالت: يا رسول إن ا لله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله : نعم، إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة: يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ فقال:" تربت يداك فبم يشبهها ولدها"(43). وموطن الاستدلال في الحديث الشريف "فبم يشبهها ولدها"، وهي كلمة عامة تدل على أن الولد قد يشبه أمه في السمات الجسدية، والمزاجية، والخصائص العقلية، والنفسية.
2. حديث عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - في حادثة المرأة التي سألت عن الاحتلام يقول: "دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه الولد أعمامه"(44) ، وموطن الاستدلال في الحديث الشريف كلمة "الشبه" الذي قد يكون للأعمام، أو الأخوال.
3. قوله : "تخيروا لنطفكم، فإن النساء يلدن أشباه أخواتهن أو إخوانهن"(45).
4. قوله :" تخيروا لنطفكم، فإن العرق دساس"(46). وكلمة العرق تعني "جيناً" في علم الوراثة(47).
5. قوله :" تخيروا لنطفكم، فانكحوا الأكفاء، وانكحوا إليهم"(48).
فهذا حديث عام يحث فيه النبي على اختيار الزوجة الصالحة الكفء، ذات الصفات الحميدة، والصحة الجيدة، لأن تلك الصفات التي تتح لى بها الزوجة تنتقل إلى الأبناء، فالزوجة الكفء تكسب الأبناء الصفات الحميدة، والصحة الجيدة، فصحة الزوجات، وكفاءتهن لها أثر واضح في صفات الأولاد وكفاءتهم(49).
6. ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لبني السائب وقد اعتادوا الزواج بقريباتهم: "مالي أراكم يا بني السائب قد ضويتم (ضعفتم، وهزلتم)، غربوا النكاح لا تضووا"(50).
فالأثر لا يدل على تأثير الوراثة في الجوانب العقلية، والنفسية، والسلوكية خاصة، وإنما يدل على الحرص على نجابة الولد، وضمان سلامته من الأمراض، والعاهات الوراثية، ففي التغريب تزداد الأجسام صلابة، وقوة، وتماسكاً، في حين أن الزواج من القريبات، ولأسباب وراثية يجعل النسل ضعيفاً من حيث الجسم، والذكاء، وقد يورث الأولاد صفات خلقية ذميمة، وعادات اجتماعية مستهجنة(51). 
يقول علماء الوراثة: "إن التزواج بين الأقارب من الدرجة الأولى ينقل الأخطاء في المورثات أو الضعف، أو الأمراض، أو العاهات إلى الأجيال بنسبة خمسين بالمئة، والزواج من الأقارب من الدرجة الثانية بنسبة اثنى عشر بالمئة، ومن الدرجة الثالثة بنسبة ستة بالمئة"(52).
وقد أثبت العلم الحديث أن زواج الأقارب ينتج ذري ة لدى أفرادها استعداد كبير للأمراض والتشوه بعيوب خلقية .... وأن درجة التناسل تقل حتى قد تصل إلى العقم، في حين أن زواج الأباعد ينتج ذرية تفوق أياً من الأبوين على السواء، كما ثبت أن زواج الأقارب يظهر العديد من الأمراض مثل الصم والبكم والتهاب الشبكية، والصرع والقزمية وضيق عظام المخ، وحساسية الجهاز التنفسي، والشعر الهش وضعف الذاكرة واضمحلال عضلات الأطراف(53).
المجموعة الثانية: النصوص التي قد يفهم منها تأثير الوراثة، وفي حقيقتها لا تدل على ذلك:
1 - إثبات تأثير الوراثة في الصفات المذكورة العقلية، والنفسية، والسلوكية، وفي حقيقتها لا تدل على أثر الوراثة في الصفات، فقد كان من أبناء آدم الكافر، وكذلك من أبناء نوح ، ولو كانت تعني الوراثة لكان جميع الخلق موحدين، لأن الذرية تعود إلى آدم، فالآية تدل على بيان من اصطفاهم الله من عباده واختارهم لحمل رسالته، فهذه الذرية بعضها من بعض، وليس من الضروري أن تكون ذرية النسب، وقد ذكر آدم، ونوحاً فردين، وآل إبراهيم وآل عمران أسرتين؛ إشارة إلى أن آدم بشخصه، ونوحاً بشخصه هما اللذان وقع عليهما الاختيار، والاصطفاء، أما إبراهيم، وعمران فكان الاصطفاء لهما، ولذريتهما على قاعدة وراثة النبوة والبركة في البيت، فليست وراثة دم، وإنما وراثة عقيدة(54). يقول الطبري: "يعني بذلك جل ثناؤه أن الله اجتبى آدم ونوحاً واختارهما لدينهما وآل إبراهيم وآل عمران لدينهم الذي كانوا عليه لأنهم كانوا أهل الإسلام ... إنما عنى بآل إبراهيم وآل عمران المؤمنين وقد دلنا على أن آل الرجل أتباعه وقومه ومن هو على دينه ... وإنما جعل بعضهم من بعض في الموالاة في الدين والمؤازرة على الإسلام....."(55).
2 - 
خلاصة دور الوراثة في بناء الشخصية من الجوانب العقلية والنفسية والسلوكية في السنة النبوية:
أولاً: الإسلام يقرر أن الإنسان مفطور على جملة من الأمور التي هي استعدادات يولد الإنسان مزوداً بها دون أن يكتسبها من البيئة، وتعد قوى تبعث النشاط في الكائن الحي، وتبدي السلوك، وتوجه نحو هدف، أو أهداف معينة، فالأمور الفطرية تتعلق بجميع جوانب الشخصية العقلية، والنفسية، والسلوكية، والاجتماعية، وهذا يعني أن الإنسان يرث أسس هذه الجوانب، فتكون في أصلها محايدة، فتجليها العوامل البيئية المختلفة، فما من صفة من الصفات الخلقية، والنفسية، والعقلية إلا وعند الإنسان است عداد لأن تكون صفته إيجابية، أو سلبية، فالوراثة لا تحسم مسارها، وإنما الذي يحسم مسارها هو البيئة مع أن الاستعداد الوراثي موجود، فما يلاحظ من تشابه بين أعضاء بعض الأسر في صفاتهم النفسية، والخلقية، والعقلية يقابله اختلاف يشاهد في أسر أخرى، فالتشابه يمكن رده إلى التربية أي إلى عوامل البيئة.
ومما يدل على فطرية السلوك الأخلاقي في الإنسان قول النبي للأشج عبد القيس: "إن فيك لخلقين يحبهما الله ورسوله: الحلم والاناة، فقال الصحابي لرسول الله يا رسول الله: أخلقين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟، فقال رسول الله : بل جبلك الله عليهما"، فقال الصحابي: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله"(60).
فالحديث الشريف يدل على أن لبعض الأفراد استعداداً كامناً في فطرتهم يتمايز به بعضهم عن البعض تبعاً لنوع الاستعداد الخاص ببعض الصفات الفطرية، وتبعاً لمدى قوة الاستعداد في الشخص(61) ، وقد بينت الأحاديث الشريفة التفاوت الفطري في الطبائع الخلقية فقال الرسول : "إن بني آدم خلقوا من طبقات شتى، ألا وإن منهم البطيء الغضب سريع الفيء. .. ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيء، وشرهم سريع الغضب بطيء ا لفيء"(62). وقوله "الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ...."(63). فالحديث الشريف أشار إلى أن التكوين الفطري يرافق الإنسان، ويصاحبه في كل أحواله، فالناس بينهم فروق كبيرة، فكما توجد فروق في المعادن، توجد فروق بين الناس، وكل شخص يختلف عن الآخر بمقدار ما فيه من استعدادات، وخصائص كامنة، والبيئة هي التي تؤثر في هذه الاستعدادات.
ثانياً: الإسلام يقرر عدم خضوع السلوك الإنساني العقلي، والنفسي، والأخلاقي عموماً للوراثة، فالسلوك هو ثمرة، ونتيجة الفهم الواعي، والعقل الراجح، مع التأكيد على ما ورد سابقاً من أن الإنسان مزود باستعدادات كامنة فيه، كما قرر من القرآن الكريم انعدام أثر الوراثة المطلق في السلوك، 
خلاصة المبحث:
1 - اتفق العلماء على أن الإنسان يرث من والديه صفات جسدية كالطول، والقصر، والصلع، وشكل الأنف، وغيرها من الصفات الجسمية.
2 - ثبت أن الوراثة تلعب دوراً مهماً في تحديد الصفات العقلية، والانحرافات النفسية، والسلوكية، ولكن لا يمكن القول إن الوراثة فقط هي التي تحدد الصفات العقلية، والانحرافات النفسية، والسلوكية، فللبيئة أيضاً دور مهم في هذه ا لصفات.
3 - السنة النبوية المطهرة أشارت إشارات واضحة إلى توارث الصفات الجسدية بين الآباء والأبناء والأحفاد مهما امتدوا.
4 - النصوص الشرعية أشارت إلى أمور تخلق مع الإنسان بفطرته، وهذه الأمور مرتبطة بالبناء العقلي، والنفسي، والسلوكي للشخصية، فالأخلاق فطرية، ويتفاوت الناس في الطبائع الفطرية الخلقية، حيث تلعب الوراثة دوراً مهماً في البناء الأخلاقي السلوكي.
5 - النصوص الشرعية التي يستدل بها على توارث الصفات العقلية، والخلقية ذات دلالة ظنية يفهم منها توارث الصفات العقلية، والخلقية، وغيرها من الصفات التي لها علاقة ببناء الشخصية.
6 - النصوص الشرعية تقرر عدم خضوع السلوك والأخلاقيات عموماً للوراثة.
المبحث الثالث: أثر البيئة في بناء الشخصية 
في السنة النبوية والفكر التربوي المعاصر
يشمل هذا المبحث مطلبين:
الأول: أثر البيئة في بناء الشخصية في الفكر التربوي المعاصر.
الآخر: أثر البيئة في بناء الشخصية في السنة النبوية.
المطلب الأول: أثر البيئة في بناء الشخصية في الفكر التربوي المعاصر:
أصحاب هذا التوجه يعارضون الرأي القائل بأن الشخصية تحدد بالوراثة، ووجهة نظرهم تذهب إلى أن الإنسان هو نتاج البيئة، فكل مجتمع يطبع نفسه على شخصية أفراده، فغالبية من يعيشون في المجتمع تتجسد في شخصياتهم ما يكون سائداً في المجتمع من دوافع، وقيم، وأساليب تفكير، فالآسيوي، والأمريكي، والأوروبي يميل إلى أن تكون معتقداته، ونظم سلوكه تشابه نظرائه في المجتمع(64).
ولقد تعددت الدراسات التي تبحث في العوامل المؤثرة في جوانب الشخصية المختلفة، وقد أشارت الدراسات إلى أن لعمر الأم دوراً مباشراً في التأثير في شخصية الطفل، كما أن تغذية الأم الحامل، والحالة الصحية لها، وتعاطي العقاقير، والتعرض للإشعاعات، والتلوث من العوامل المؤثرة في بيئة الرحم، والتي تؤثر سلباً في شخصية الطفل، ويلعب المستوى الاقتصادي للأسرة، ووضع الطفل في الأسرة - ترتيب الطفل - دوراً مهماً في التأثير في شخص الطفل(65) ، والعوامل البيئية التي تؤثر في الشخصية كثيرة جداً تتضح من خلال الآتي:
الفرع الأول: أثر البيئة في البناء الجسمي للشخصية:
تتعدد العناصر البيئية التي تؤثر في البناء الجسمي للشخصية، ومن هذه العناصر التي يمكن أن تدخل في مفهوم البيئة "الغذاء" الذي يتلقاه الإنسان في حياته، فالشخص الذ ي يغذى تغذية سليمة، وصحيحة، ومتنوعة يتمتع بجسد قوي مقاوم للأمراض، أما سوء التغذية فله آثار مدمرة على الجانب الجسدي للإنسان، فقد أثبتت الدراسات العلمية أن نقص الغذاء يؤدي إلى عدم نمو العظام في الجسم بطريقة سوية، ويضعف مقاومة الجسم للأمراض المختلفة، فمعدل الوزن، والطول لدى التلاميذ الذين يعانون من سوء التغذية كان دون المعدل الطبيعي. أما إذا كان سوء التغذية في مرحلة الحمل، فهذا يؤدي إلى نقص وزن المولود، ونقص الوزن يعد مؤثراً في عدم اكتمال نمو الجنين، مما يؤثر في صحته البدنية، والعقلية، وضعف مقاومته للأمراض، وقد يترتب على هذا النقص التخلف العقلي، والعجز عن اكتساب المعارف، ومن العناصر البيئية المؤثرة في الجانب الجسمي للشخص "الأمراض" التي قد يكون تأثيرها مضاعفاً أو ينتج عنها أحياناً عاهات دائمة، كالعمى، والصمم، أو اضطراب الشخصية، والتي تؤثر بمجموعها في شخصية الإنسان، أما إذا أصيبت الأم الحامل بمرض؛ فإن الأمراض تؤثر في عملية التمثيل الغذائي(66) ، والتركيب الكيميائي للأم الذي يؤثر في نمو الجنين، وقد وجد أن الفيروس الخاص بالحصبة الألمانية إذا أصاب الحامل فإنه يؤدي إلى العديد من التشو هات الخلقية في الجنين، كصغر الدماغ، والتخلف العقلي، وتخلف النمو عموماً، كصغر العينين، وعيوب خلقية في تكوين القلب، والصمم، وتضخم الطحال، والكبد، وعيوب خلقية في العظام(67).
وتؤدي عناصر بيئية أخرى دوراً مهماً في البناء الجسمي للإنسان، فالحرارة، والبرودة، والرطوبة، وانعدام التهوية، والتضاريس، وتعاطي المخدرات كلها عوامل تؤثر في البناء الجسدي.
الفرع الثاني: أثر البيئة في البناء العقلي للشخصية:
يثبت علماء النفس أثر البيئة في الجانب العقلي، والجسدي بنظرة سريعة إلى الأطفال المتوحشين الذين عثر عليهم الصيادون في الغابات، فقد ظهر أنهم تأثروا بالبيئة البدائية التي عاشوا فيها، وظهرت لديهم قدرات تتلاءم مع تلك البيئة كالقوة البدنية، وحدة النظر، وسرعة الجري على أربع، وفي المقابل نجد الأطفال العاديين الذين نشؤوا في المجتمع الإنساني العادي يملكون صفات، وقدرات تختلف عن سابقتها، كالمشي، والقدرة اللغوية، والتفكير(68).
كما أن للغذاء دوراً في البناء الجسدي، فقد دلت الدراسات على أن نقص الغذاء يؤدي إلى عدم قدرة الطلبة على التركيز، والانتباه، وتدني مستوى الذكاء، والقدرة على التفكير والابتك ار(69) ، وكذلك تفعل الأمراض، فإذا أصيبت الأم الحامل بمرض، وانتقل هذا المرض إلى الطفل، فقد يولد متخلفاً عقلياً. ولمعرفة أثر البيئة في القدرات العقلية، فقد أجريت دراسة أثر التدريب في القدرة على التذكر على مجموعتين من الأطفال متساويتين في العمر الزمني، والسنة الدراسية، والنضج، والتحصيل، وأعطيت المجموعتان اختباراً لتذكر الأرقام، إلا أن المجموعة الأولى أخذت تدريبات خاصة قبل الامتحان، في حين أن المجموعة الثانية لم تتدرب، فظهر أن مجموعة التدريب أظهرت تقدماً على المجموعة الثانية بفضل هذا التدريب(70).
الفرع الثالث: أثر البيئة في البناء النفسي، والسلوكي للشخصية:
قام العديد من العلماء بدراسات تبين أو تؤيد إسهام البيئة في الانحرافات النفسية والسلوكية وفي ضوء هذه الدراسات وجد أن(71):
1 - الخبرات المؤلمة في البيئة التي تعرض لها الأطفال، وهم صغار أثرت في سلوكهم، مما جعلهم منحرفين، وهذا بفعل العوامل البيئية، فقد وجد أن المراهقين المهيئين للقلق تعرضوا للحرمان أكثر من أقرانهم، ووجد أن عدم انسجام الوالدين في حياتهما يؤثر في الأطفال من الناحية النفسية، والسلوكية.
2 - الأفراد الذين ي عيشون في أسر منحرفة يميلون إلى الانحراف أكثر من غيرهم.
3 - انتشار الانحرافات النفسية، والسلوكية تتأثر بعوامل اجتماعية، واقتصادية، فقد تبين أن الانحرافات ترتفع في فترات الركود الاقتصادي، وتقل في فترات الازدهار، وترتفع عند الملحدين، والعاطلين عن العمل، وغير المتزوجين، وتنخفض عند المتدينين، والمتزوجين، والناجحين في أعمالهم.
المطلب الثاني: أثر البيئة في بناء الشخصية في السنة النبوية
يناقش هذا المطلب دور البيئة في بناء الشخصية في التربية الإسلامية، وهذا يتطلب الحديث عن بعض عناصر البيئة، أو البيئات المباشرة، ودورها في الجوانب الجسمية، والعقلية، والنفسية، والسلوكية.
الفرع الأول: أثر البيئة في البناء الجسدي للشخصية:
من العناصر البيئية المؤثرة في البناء الجسدي للإنسان الغذاء، وهو مادة تعمل على بناء الشخصية بجانبيها العقلي، والجسمي، وبدون الغذاء يتوقف البناء الجسدي، والعقلي للإنسان، ولا يستطيع القيام بأموره الدنيوية، أو الأخروية، لذا نلحظ أن اهتمام الإسلام بغذاء الإنسان لم يسبق إليه أي تشريع آخر، ومن مظاهر اهتمام الإسلام بغذاء الإنسان دعوة الأم إلى إرضاع ولدها الرضاع ال طبيعي، والرضاع الطبيعي هو الغذاء الأمثل للنمو الجسمي للطفل، لتركيبته المتطورة التي تكسب الطفل النمو الجسمي السليم، والمناعة ضد الأمراض، ومن المظاهر كذلك إباحة أنواع مختلفة من الطعام، والشراب، وتحريم أنواع أخرى؛ حمايةً للبناء الجسدي للإنسان، وفقدان التنوع الغذائي يعرض جسم الإنسان إلى أمراض خطيرة. فنقص البروتين يؤدي إلى بطء النمو، والضعف العام، وتساقط الشعر، وتضخم الكبد مصحوباً بالإسهال الشديد الذي يؤدي إلى فقر الدم، وتظهر فيما بعد أعراض الانهيار الشديد في بنية الجسم، ونقص الفيتامينات، أو انعدام توافرها في الغذاء، يؤدي إلى اختلال في عمليات استقلاب الغذاء داخل الجسم(72) ، أما حرمة بعض أنواع الطعام، والشراب فلضررها البالغ في النمو البناء الجسدي فلحم الخنزير يسبب للإنسان العديد من الأمراض التي تؤثر في البناء الجسمي السليم للإنسان، والخمور كذلك تؤثر في البناء الجسمي للإنسان، فتحدث مشكلات منها، انخفاض درجة حرارة الجسم، وانخفاض نسبة السكر الذي قد يسبب العمى المفاجئ للإنسان، وقد يصاحب شرب الخمر سوء تغذية، وعدة أمراض تؤثر في البناء الجسمي للإنسان.
وثمة عناصر بيئية أخرى كثيرة جداً و جه الإسلام إلى التعامل معها بحكمة لتأثيرها البالغ في البناء الجسمي، ومنها الأمراض، والنظافة، والبيئة الطبيعية، والجغرافية من هواء، وحرارة، ورطوبة، وتضاريس، وكل هذه العناصر تقوم بدور مهم في بناء الشخصية، ويكتفي الباحثان هنا بالمثال السابق المتعلق بالغذاء.
الفرع الثاني: أثر البيئة في البناء العقلي للشخصية: 
يتضح دور البيئة في البناء العقلي للشخصية، من خلال بيان موقف التربية الإسلامية من مهام العقل، وطلب العلم، وهذا الموقف هو الذي يحدد طبيعة البيئة التعليمية التي من مهامها البناء العقلي للإنسان.
لقد أشاد الإسلام بالعلم والعلماء ودعا إلى طلب العلم، فهو دين يقوم على احترام العقل ويقول : "طلب العلم فريضة على كل مسلم ..." (73) ، كما أن الإسلام دعا إلى البحث والنظر والتأمل والمعرفة والتجريب
إن المتأمل في كتاب الله وسنة نبيه يلحظ اهتماماً واضحاً بالبناء العقلي للإنسان، فقد بيّنا الخطوط العريضة التي يجب الالتزام بها من أجل أن يكون البناء العقلي للإنسان سليماً، فنلحظ دعوة القرآن الكريم إلى استخدام أساليب متعددة في التعليم، كأسلوب القصة، والتكرار، وضرب الأمثال، والسؤال، والجواب، وبيان أن الانتباه عامل مهم في التعلم، واكتساب المعرفة، وضرورة توزيع التعلم على فترات؛ لأهميته في اكتساب العلوم، ويخلص الباحثان إلى أن البناء العقلي للإنسان في التربية الإسلامية يقوم على تحرير العقل من القيود، والخرافات، والعمل على طلب الدليل والبرهان. ودعوة العقل إلى الابتعاد عن الظن في استنتاج الحقائق بالإضافة إلى الحث على طلب العلم، والتزود من العلوم المختلفة التي تزكي العقل، وترفع مستواه، وهذا ما يجب أن يتوافر في البيئات التعليمية، كما كانت البيئة التعليمية في عهد النبي من تنوع في أساليب، وطرائق التعلم، وإثارة للعمليات العقلية العليا، والبعد عن الخرافات، والظنون في استنتاج الحقائق، فلابد من الإشارة إلى أن البيئة التعليمية لا يقصد بها البيئة المدرسية، أو الجامعية فقط، وإنما تشمل كذلك البيئة الاجتماعية الأسرية للإنسان، فالأسرة تلعب دوراً مهماً في البناء العقلي للإنسان، ومن هنا نفهم أهمية أن تبنى الأسرة على أسس سليمة وصحيحة.
الفرع الثالث: أثر البيئة في البناء النفسي والسلوكي للشخصية:
أشارت النصوص إلى تأثير البيئة في البناء النفسي، والسلوكي للإنسان، ومن هذه ال بيئات التي تؤثر البيئة الجغرافية، والاجتماعية قاعدة كلية عن طبيعة الأعراب الذين يسكنون بيئة جغرافية تختلف عن أهل الحضر، فالتعبير بهذا العموم يعطي وصفاً ثابتاً متعلقاً بالبداوة، فنشأتهم أن يكونوا أشد كفراً، ونفاقاً وبعداً عن المعرفة، وانتشار القيم المادية بينهم(74) ، وهذه الأوصاف مؤشرات تدل على البناء النفسي والسلوكي للإنسان، وقد وردت مجموعة من الأحاديث النبوية التي تبين تأثير البيئة الجغرافية، والاجتماعية في البناء النفسي، والسلوكي. فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:" من سكن البادية جفا"(75) ، كما ورد عن النبي أن أعرابياً أهدى إلى النبي هدية، فرد عليه النبي أضعافاً حتى رضي، وقال: " لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي، أو ثقفي، أو أنصاري"(76) ، فهؤلاء الذين يسكنون المدن ألطف أخلاقاً من الأعراب؛ لما في طباع الأعراب من الجفاء؛ وذلك بسبب البيئة التي يعيشون فيها.
وقد أشار القرآن الكريم، والسنة المطهرة إلى تأثير البيئات الاجتماعية في البناء النفسي، والسلوكي، ومن هذه البيئات بيئة الرفاق أو بيئة جماعة الأقران، حيث حذر القرآن الكريم من بيئة رفاق السوء، فالرفيق السيئ الخلق يؤثر تأ ثيراً سيئاً فيمن يخالطونه، وكثيراً ما ينحرف الشباب بتأثير رفاق السوء، فعن أبي موسى الأشعري أن الرسول قال:" إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد فيه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد فيه ريحاً خبيثة"(77) ، ويقول مبيناً أن الإنسان يتأثر بصديقه بكل شيء:" الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"(78). 
والبيئة الأسرية لها أكبر الأثر في توجيه الطفل نحو الدين، فيقول الرسول :" ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويشركانه قال رجل يا رسول الله: أرأيت لو مات قبل ذلك؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين"(79). وقد حث الإسلام على أن تكون أسس الاختيار في بناء الأسرة سليمة صحيحة من أجل أن نربي الأبناء التربية الإيمانية التي هي مبعث الفضائل، والركيزة الأساسية لدخول الطفل، والإنسان إلى حظيرة الإيمان، وبدون هذه التربية لا ينهض بمسؤولية، ولا يتصف بأمانة، ولا يعرف غاية، ولا يعمل لمثل أعلى، فتصبح حياته دون هدف كمثل البهائم، يشبع الغرائز، وينطلق وراء الشهوات، والملذ ات(80) ، وصلاح البيئة الأسرية له أثر كبير في نفس الطفل، فينشأ الطفل سليم النفس، كما ينشأ على الطاعة، والانقياد لله تعالى فالدين يحفظ للأسرة الأمن النفسي من خلال التزام أفراد الأسرة بالحقوق، والواجبات، والبعد عن الانفعالات الضارة، والقيام بالعبادات التي تؤثر في البناء الجسمي، والعقلي، والنفسي، والأخلاقي للإنسان، وهي التي تجعل الإنسان دائم التفكير، وعلى وعي دائم بكل ما يصدر عنه من سلوكيات، فسلوكيات الإنسان إن لم توزن بميزان تصبح وبالاً عليه، فالوضوء مثلاً يسهم في الاستقرار النفسي للإنسان؛ لأن الماء يسهم في تخفيف مشاعر القلق، والتوتر التي يتعرض لها الإنسان، الأمر الذي جعل بعض علماء النفس ينصحون بعلاج الأطفال المصابين بالقلق عن طريق استخدام الماء، وهذا ما يعرف بالعلاج بالماء(81).
كما أن الصلاة تخفف التوترات العصبية عند الإنسان، وتبعث في نفسه الشعور بالصفاء الروحي، والاطمئنان القلبي، والأمن النفسي، وتحدث الاسترخاء، والهدوء، والصوم كذلك فيه تربية للنفس، وتهذيب لها، وعلاج لكثير من أمراضها فهو يقوي الإرادة عند الإنسان.
خلاصة المبحث:
1 - ثمة دور للبيئة في تحديد الصفات الجسمي ة للفرد، فتناول الأم لبعض العقاقير يجعلها تلد طفلاً فيه تشوهات خلقية، وعدم تنوع الغذاء يضعف البناء الجسدي للإنسان.
2 - ثمة دور للبيئة في تحديد الصفات، والقدرات، فالتدريب والتعليم لهما أثر بالغ في زيادة، أو ارتفاع نسبة الذكاء، حيث دلت على ذلك الدراسات، وتؤدي البيئة دوراً مهماً في تهيئة عوامل الانحرافات النفسية، والسلوكية.
3 - السنة النبوية اهتمت اهتماماً واضحاً بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان، كما دعا إلى اجتناب البيئات الفاسدة، والعمل على إصلاحها قدر المستطاع، لما لها من تأثير بالغ الأهمية في شخصية الإنسان.
4 - القرآن الكريم يقرر عدم خضوع السلوك لعوامل البيئة مطلقاً، ويدل على هذا حال امرأة فرعون التي هي نموذج في التجرد لله تعالى من كل المؤثرات البيئية، وبهذا يعلي الإسلام من قيمة الفهم والعقل.
5 - النصوص تشير إشارات واضحة إلى تأثير البيئات الأسرية، والجغرافية، والاجتماعية، والتعليمية في البناء الجسمي، والسلوكي، والعقلي، والنفسي للإنسان.
الخاتمة
الفرع الأول: نتائج الدراسة 
أولاً: تتفق الدراسات النفسية مع التربية الإسلامية في أن البناء الجسدي للشخصية ال إنسانية يتحدد بشكل أكبر بفعل عوامل الوراثة، كما يمكن للعوامل البيئية أن تؤثر في البناء الجسدي للإنسان.
ثانياً: الدراسات النفسية الأولى أخذت منحىً متطرفاً لإثبات تأثير الوراثة، أو البيئة في البناء العقلي، والنفسي، والسلوكي للإنسان، والدراسات الحديثة أخذت منحىً وسطياً لإثبات تفاعل الوراثة مع البيئة، لتشكيل الشخصية الإنسانية، النصوص الشرعية دلت على أن الإنسان يولد مزوداً بالسمات، والخصائص التي لها دور في بناء الشخصية الإنسانية، وهذه السمات تظهر، أو تختفي من خلال التنشئة الاجتماعية، وهذا ما دلت عليه الدراسات النفسية الحديثة مع الإشارة إلى أن النصوص الشرعية التي يستدل بها على توارث الصفات العقلية، والنفسية، والخلقية هي نصوص عامة.
ثالثاً: الإسلام يقرر عدم خضوع السلوك الإنساني عموماً لعوامل الوراثة والبيئة، وبهذا يعلي الإسلام من قيمة العقل والفهم.
رابعاً: الإسلام يقرر أن الفرد يولد على الفطرة، أي يولد، ويتمتع باستعدادات بيولوجية وراثية كامنة لا تظهر إلا إذا توافرت الظروف البيئية المناسبة، فالتفاعل بين المعطيات الوراثية، والمؤثرات البيئية يؤثر في تشكيل الشخصية.
خامساً: أ ولى الإسلام البيئة التي يعيش فيها الإنسان اهتماماً بالغاً؛ لتأثيرها الواضح في بنائه الجسمي، والعقلي، والخلقي، والنفسي

 

أ د. محمد سعد عبد اللطيف


التعليقات

الاسم: Ahmed Alaa
التاريخ: 10/03/2018 12:07:47
لشكركم علي هذا المقال الرائع . ولكن لدي استفسار
هل هذا المقال يغطي اثر الوراثة والبيئة في التعلم ام هو موضوع اخر؟

الاسم: فاروق عبد الكريم
التاريخ: 19/10/2017 01:32:06
والله مما يحزن، ويحبط فقدان الثقة بحملة الشهادات العليا، عندما يقومون بالسرقة العلمية ويدعونها أنها لهم، فشرع الإسلام أن من سبق إلى شيء فهو أحق به.
نعم كما وضح الأخ علي عزب أن هذا البحث، منشور على مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية سنة 2009 المجلد 6 العدد 1. للفاضلين أ.د عماد الشريفين، وأ.د أحلام مطالقة.

الاسم: منال خلف
التاريخ: 24/03/2017 22:12:12
جزاك الله خير يادكتور موضوع مفيد وهادف
أثر الوراثة و البيئة في بناء الشخصية في السنة النبوية والفكر التربوي المعاصر

الاسم: hadiasd
التاريخ: 31/10/2016 05:48:29
Very good

الاسم: محمد صالح جالو
التاريخ: 23/07/2015 18:56:44
بحث قيم ودقيق جدا. استفدنا منه كثيرا وندعو الله لكم التوفيق والسداد. شكرا

الاسم: صبرون
التاريخ: 25/06/2015 11:43:56
نورتنا بهذا ال بحث الله ينور عليك

الاسم: علي عزب
التاريخ: 11/11/2014 20:48:41
أثر الوراثة والبيئة في بناء الشخصية الإنسانية
في السنة النبوية والفكر التربوي المعاصر - دراسة مقارنة


د. عماد عبدالله محمد الشريفين
د. أحلام محمود علي مطالقة
كلية الشريعة، جامعة اليرموك
عمان - الأردن

تاريخ الاستلام : 06/01/2008 تاريخ القبول : 17/07/2008

الاسم: علي عزب
التاريخ: 11/11/2014 20:46:16
البحث الأصلي
أثر الوراثة والبيئة في بناء الشخصية الإنسانية
في السنة النبوية والفكر التربوي المعاصر - دراسة مقارنة


د. عماد عبدالله محمد الشريفين
د. أحلام محمود علي مطالقة
كلية الشريعة، جامعة اليرموك
عمان - الأردن

تاريخ الاستلام : 06/01/2008 تاريخ القبول : 17/07/2008

الاسم: محمد
التاريخ: 05/07/2014 00:20:45
سلام عليكم ممكن المصادر كاملة تذكر كماتذك في البحوث االعلمية

الاسم: omofidae
التاريخ: 10/12/2013 06:40:15
السلام علكيم جزاكم الله بخير على هدا الموضوع حتى انا في طور انجاز بحث في التربية واخترت الوراثة والبيئة كمؤثران اساسيان على تربية الطفل كنت اود ان اقتبس من موضوعك ايضا المراجع فلم اجدها




شكرا




5000