..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


غواية الفيسبوك... قصة قصيرة

بديع الآلوسي

عاد حمدان المغربي إلى بيته بعد أن رأى البحر ، تسجى على الأريكة ، راصدا ً من النافذة طيورا ً تحلق عاليا ً ، ليس من حدث يعكر مزاجه ، أوقد النار في المدفئة ، أتجه إلى الحاسوب .

حين شعر أن ليس في وسعه فعل شيء آخر ، ضغط على زر التشغيل . هذا الروتين تحول مع الوقت الى إدمان لا مهرب منه ، أدرك متأخرا ً أن ثمة وقتا ً للتخلص من عدوى تهييج الذاكرة .

أهمل مشاريعه المؤجلة حينما أغرته لأول مرة بصورتها الفوتوغرافية بالأسود والأبيض ، كانت ضمن قائمة الأصدقاء الذين ينتظرون تأكيد الصداقة .

حمدان المغربي وبينما هو يتذكر كيف مرت سنين عمره الأربع والأربعين ،ألتفت وسأل عرائسه بمرارة : مَن سيعترف بكنّ إذا زارني عزرائيل ؟

نعم ، قبل عشرين سنة قد أنتسب لمنظمة إحياء التراث الشعبي ، هنالك التقى بصديقه اليهودي الذي يكرر بشغف : تعرفون جيدا ً ، إن حمدان أفضل مصمم للعرائس ولكنكم تجهلون ان شكسبير ربه . أما سيدي عباس فقد قال له يوما ً : سامحني يا ولدي ، من حقك أن تكون ملحدا ً ، لكن أعلم أن الله ليس دمية .

بعد شهر تقريبا ًسمع بائعة الحلوى ، رغم ضجيج السوق ، لم تترد وقالت له ككل صباح : أعطني وَسامتك وسأمنحك ما شئت من بسبوسة البندق .

لا يدري لماذا حين يتذكر كل ذلك ينتابه السرور ، لكن الأمر أرتبك عليه قليلا ً في أواخر المساء، هذا ما حدث بعد أن أحس بان نظراتِها مغرية بطيشها ، ظن حينها إن الصداقات الافتراضية قد تثمر عن أملا ً ذا جدوى .

وبينما هو يغرس الدبابيس ويفك أزرار دميته ، بادر ووافق على صداقتها مرددا ً : سوف لن أخسر شيئا ً .

تناول غليونه ليدخن بهدوء ، منتبها ً إن الإسراف في تعقب الأحلام المالحة يزيد من العطش ، نظر إلى لوحات (نسرين أغا ) التجريدية، وقرر هو الآخر أن ينشر على صفحة الفيسبوك صورة للدمية رقم خمسة .

سيبقى كل شيء على حاله لو إنها لم تبرق له بتلك العبارة : منذ ثلاثة اشهر وأنا أسجل إعجابي بكل ما تنشره ، اليوم أنا سعيدة الحظ بكرمك .

ردها السريع طرد عنه الضجر ، واكتفى بإرسال عبارة شكسبير التي يحبها : على المرء أن ينتظر حلول المساء ليعرف كم كان نهاره عظيماً.
في نفس اللحظة ، حدق في عيون عرائسه وسألهن :

ـ هل علقت كسمكة في صنارة ؟

وقبل أن يفعل أي شيء ، أتى مسج جديد في موعده، أشرق وجهه وهو يحدق بكلماتها منذهلا ً : ( أنت نادر يا حمدان ) ,

بدافع غريزي تعقب صفحتها معاودا ً التأمل بوجهها الممتليء ونظراتها التي تُخفي عنادا ًمتغطرسا ً .

كان قلبه يتسع و يتسع بالانشراح ، إنتظر قليلا ً ، ونهض هازا ً رأسه ، طالبا ً العون من العرائس متسائلا ً : ما الخطأ والصواب في كل ذلك؟

أبتسم غير مصدق ما ينتابه ، معتقدا ً إنه من الآن ، سيجد في الفيسبوك تعويضا ً عن كل الخسارات . صار الأمر بالنسبة له أشبه بلعبه مغرية لملأ فراغ العاطفة.

ما كان بوسعه ان يتصور أبدا ًان صورة فوتوغرافيه بلا عطر ، كافية أن تقلب مزاجه بهذه السهولة .

عبثا ً ، كل محاولاته باءت بالفشل ، حيث لم يتمكن من إقناع عرائسه بما ينتابه من مشاعر ، لها تسمية واحدة هي الإغراء .

أحس ان العرائس تقول له : نخاف عليك من الفضيحة .

التبست مشاعره ، لم يعثر على اختيار واضح يعود به نحو هدوئه اللائق ، رغم ذلك ، قرأ فصل من هاملت قبل أن يهجع لفراشه و ينام .

في صباح اليوم التالي أمضى حمدان المغربي خمسين دقيقة جالسا ً في الشرفة . ابتسم وهو يستذكر مفعول كلمة نادر. على كل حال ، بعدها اكتفى بالنظر ، والتلذذ بصورتها وبتقوس حاجبيها المرسومين بعناية . تلألأت عيناه بالدهشة حال رؤيته تلك الشامة المستقرة بعناد على الجهة اليمنى من شفتيها .

غمغم ضاحكا ً : ما حاجتك يا حمدان الى هذا الفخ ما دام عندك بقرة؟.

حاول ان يحتفظ بتوازنه ممعنا ً في خواطره .وحين أعد قهوته أردف متسائلا ً : ماذا يتوجب علي فعله ؟

بعد القيلولة مباشرة ً ، وبينما هو يتأمل رف من النوارس تذكرما قرأه ليلة أمس في برج الثور : تبادر الى إتخاذ خطوات مهمة لم تجرؤ على إتخاذها من قبل .

حينها فقط أحس إن آلاف المبررات بدأت تفعل فعلها ، وانه في الأيام القادمة سيصرح لها لماذا يحس أن الدنيا أكثر صدقا ً في عيون بائعة البسبوسة .

 

بعد مرور يومين ، استحوذت صورتها على مخيلته تماما ً ، وأزداد انبهارا ًوكأنه يذوب في الحب لأول مرة ، هذه المفاجأة جعلته يؤمن ويردد طوال ذلك اليوم عبارة شكسبير ( أكون أو لا أكون) .

بذل جهدا ًاستثنائيا ًوهو يحاول كتابة مشاعره ، وتأويل تلك اللهفة التي داهمته، وكان هذا التطهير الذاتي يعطيه إحساسا ً بالقوة والإيمان كامرأة يفاجؤها المخاض ، في نهاية المطاف ، كركر ضاحكا ً ثم أردف لعرائسه : هل تفهمون ، ماذا يعني أن نُخترق بالغرام دون سابق إنذار !

تشبث حمدان المغربي بخيط الأمل ، لكنه شعر بعد السابعة مساء ً ان قلبه يُعصر أكثر وأكثر ، حينها تحولت المتعة الى اضطراب ، رثى حاله حينما أستلم منها ذلك المسج ، الذي جعله يتناول قليلا ًمن العسل ومزجه بالحشيشة ووضعه تحت لسانه لكي لا يصاب بوعكة روحية ، وظلت عبارتها تخدش عينيه : بعيداً ..خارج سياج الفيسبوك لفترة .. اتركك بخير يا حمدان .

 

حاول في اليوم التالي التملص من نظراتها ، أنسل هاربا ً لرؤية البحر واللقاء بصديقه اليهودي المولع بحياكة السجاد ، هنالك استراح عند المدافع الصدئة ، فكر مطولا ًبما ينتظره ، مصمما ً أن لا يأبه او يكترث بنيران الفيسبوك التي يفسدها أي خلل طاريء . كان البحر مكفهرا ً . في ذلك المساء عاد قلقا ً مغمورا ً بالخزي وكأنه يسمع عرائسه تصرخ بوجه : يحسن بك ان لا تكون متطفلا ً .

عبثا ً ، لم يجد من حيلة ، هرع كالمسحور الى الفيسبوك عسى أن يجد منها اي إشارة ، هي لا تعرف ان حالته تزداد سوءا ً وإنه بحاجة ماسه إلى ذلك المخدر من الشفقة ، وهو كذلك لم يعد يعرف كيف ان بروده العاطفي تأجج ليسقط في براثن إغواء الفيسبوك .

لكن ومرة ً أخرى ، وبدلا ًمن أن يمتثل لنصائح عرائسه ، أصغى إلى مشاعره الثملة ، مفكرا ً بكل التفاصيل المغرية التي صارت تثير اهتمامه . عاد يتلصص على صفحتها ، تفاجأ بنشرها صورة ً لملاك جريح ، وقرأ عبارتها وأحس بالفرح : ( لا نبالي بشيء ، ما دمنا نؤمن بفلسفة الأمل ) .

كانت نشوته مصحوبة ً بمتعة حسية تكبر وتكبر ، مثل بالون لا يستطيع أن يتنبأ له ما إذا كان سينفجر او سيحلق صاعدا ً فوق البحر .بعد ساعتين ، أستغرب كيف تكون تلك الترهات التي اندلقت عليه ، تهدده وتحيله إلى كائن مسلوب الإرادة ، تملكه الخوف حين لم يعد قادرا ًعلى الثرثرة مع عرائسه التي لم تتفوه بأي كلمة لمواساته .

بحلول منتصف الليل وقبل ان يفقد الرضا ، وقف معززا ً مغامرته بقناعات جديدة ، رأت العرائس عينيه الضاحكتين وهو يتحدث بانشراح عن الفرص الطيبة التي بفسادها تضمحل العواطف وتتلاشى .

وبينما هو يتجه إلى الخزانة التي ملأت باللوازم الضرورية لصناعة الدمى ، قفز إلى ذهنه ذلك التساؤل : هل أنت متأكد من مشاعرك حقا ً ؟.

لم يبال ِ كثيرا ً بذلك السؤال الذي صار يشبه الرمال المتحركة ، بدأت أنامله تضطرب ، شعر لأول مرة بالفخر ، تأجج حماسه ولم يتمن َ حينها سوى أن يحالف الحظ تخيلاته ، ها هو يحاول أن يخلق من صورتها عروسا ً تمكنه من أن يتجاذب أطراف الحديث معها ، أنفرط الزمن وانطلق يبحث عن ما وراء الشكل ، بعد ثلاث ساعات شعر بالإنهاك المقرون بالسعادة ، نعم ، أنه أنجز دميتها وكما يجب ، هذا الانتصار مكنه أخيرا ًمن أن يتخيلها للمرة الأولى كملكة تحضر في ورشته دون أن يساورها الإرباك أو الريبة .

في اليوم الخامس استيقظ بعد العاشرة صباحا ً، يا له من نهار ، بدأه بتسريح شعر آخر دميه له . كما هو مألوف وما يعرفه حمدان جيدا ً ، بعد كل ولادة ينتابه إحساس بالقنوط ، وحين عاد يتأمل ما بين يديه ، أحس إنها كعروس يوم الزفاف ، فجأة ً، لم يصدق ما رأى ، لَحَظَها قد أومأت له برأسها فطار من الفرح وأحس على أثرها ببشارة خير .

رغم إنه لم يتمكن من التحقق من صحة هذه الإيماءة ، لكنها جعلته ينسى أحزانه ويتذكر أن (حياة الخوري ) إخترقت حياته عنوة ً و منذ خمسة أيام فقط ، قبل هذا التأريخ كان لا يبالي بمداهمة الافكار الغريبة التي تأتي وتضمحل وتتلاشى .

بات مقتنعا ً بضرورة التريث ولجم مشاعره ، مصمما ً التوقف عن مكاتبتها ، فهو لا يريد لها أن تعرف انه يتمرغ كطفل في وحول العاطفة ، نعم ، قرر أن يتراجع خطوة الى الوراء معتقدا ًإن ذلك سيساعده على الإمساك بزمام الموقف ، الذي لم يعد نزهة كما ظن سابقا ً .

 

وجاء اليوم السادس ، بعد ان تحرر من إغراءات اللعبة ، وبعد ان طرد كل الأفكار معتقدا ُ ان الحب يتحول الى فخ ومغالطة إذا لم تصدر تلك الاشارات السرية من كلا الطرفين . توج ذلك النهار بالذهاب الى البحر ، كان مأخوذا ً بدافع غريب هو رؤية النوارس وهي تتغازل قرب القوارب او على الصخور .

الامواج المتكسرة بتناغمها حررت ذهنه بعض الشيء . لكن وبينما هو يجمع القواقع الخضراء قال : إذا كنت نادرا ً حقا ً ، ستحضر ولا تتركني وحيدا ً كحمار سيدي عباس .

هذه الكلمات جعلته يهرع الى بيته قبل هطول المطر ، رأى ثلاثة مومسات يتجولن على طول الطريق الضيق المؤدي الى بيته .

حينها وجد بتلك المصادفة مصدرا ً للراحة المسلية ، تساءل : هل إن حياة الخوري أكثرمنهن طهرا ً ؟، أهي حقا ًتحبني ؟.

نعم، انه كان يتوقع ذلك الامر ، حدسه يؤكد له أنها ستحضر هذا المساء .

أنتظر ، بعد العشاء توجه الى الحاسوب متذكرا ً المومسات اللواتي حسدهن لأنهن لا يعرفن شيئا ً عن الفيسبوك ، حدق في صورة حياة بعد أن اغلق الباب ، مال إلى الوراء بكرسيه الدوار ، كانت حلقات التبغ الممزوج بالحشيشة تكبر وتضيق حين لاحظ مندهشا ًتلك العبارة التي أمدته بقليل من التفاؤل : ( أعترف لك يا حمدان ،إننا بحاجة لك ، آه ، والله عرائسك لا تحتاج الى برهان ، إنها البرهان ) .

تذوق طعم الكلمات بفضول ، أشرق وجهه وهو يعيد قراءة العبارة مرارا ً وتكرارا ً ، فكر أن يكتب لها عبارة : حين نحلم لا نخسر شيئا ً .

لكنه ظل شاردا ً ، بعد نصف ساعة وصلت عبارتها البالغة الأهمية : موعدنا غدا ّ تمام السادسة مساء ً .

أكتظ قلبه بالهواجس وحفرت عبارتها الأخيرة في ذهنه أثرا ً لا ينسى . في هذه الليلة كان أكثر صفاء ً وهياما ً ، وتحدث مع العروس بانشراح ، لاحظ ان روحه تفيض كلاما ً يدعو الى الاستغراب ، صار أخيرا ً يعرف ما يتوجب قوله ، نام

وقلبه يبتهج بالأمل ، إلا انه حَلمَ بأمه التي همست له : سيكون لك ما تريد.

 

كان مسرورا ًفي النهار السابع ، تطلع الى الساعة وقال : يا له من وقت طويل . قام قبل الموعد بقليل ، علق الدمى على الجدران ، اللواتي صرن يرقبن ما سيحدث وكأنهن أيضا ً قد أصبن بعدوى الفيسبوك ، داهم الجميع الاضطراب وهم يصوبون نظراتهم الى تلك العلامة الخضراء ، ها هي تعلن حضورها ، رغم تأخرها نصف ساعة ، ً لكنها لم تخيب أمله .

كان الحظ معه ، وعلى الفور بادرت بإرسال أولى الكلمات :

ـ أستميحك العذر أيها الطيب حمدان .

لم يقل لها كيف قضت نهارها ، أو ما تعاني هذه ألايام ، بعجالة رد :

ـ لا تكترثي، أود ان أسرك يا حياة بأمر هام .

ـ حدثني قبل كل شيء عن العرائس .

ـ إنها متعطشة لرؤيتك .

ـ العطش يؤدي الى الشقاء يا حمدان ههههه.

لم يكن أمامه سوى ان يباغتها ساخرا ً : ليس من الإنصاف أن نشقى .

في هذه اللحظة احس إن العرائس تخترق الصمت وتناديه بلهجة ناصحة :آه ، من ما يجري ، لا تغامر دون بوصلة .

أرتشف قليلا ً من البيرة وهو يواصل الثرثرة معها بتحفظ وريبة ، أخيرا ً تثاءب ضجرا ً حين إستلم منها عبارتها الحاذقة : الشقاء من ذواتنا يا طيب القلب .

لم يتوقع إن الفضول الذي بدأ بصورة فوتوغرافية يتحول الى رهبة بحاجة إلى مفاوضات سرية كي يبقى كل شيء على حاله ، تملكته رغبة ان يقول لها ما يجيش في صدره ، لكنه مكث يدخن بغليونه قبل أن يكتب كلمة اليتيمة : أنقذيني .

فكان ردها سريعا ً ، مستمتعة ًبإثارته : ماذا ؟ هل أنت غريق ؟ههههه .

ـ أنا سعيد باللقاء بك يا حياة ، اريد أن أقول لك مسألة هامة .

أدرك حمدان إن التمادي في الكشف عن مشاعره سيكلفه ثمنا ً باهضا ً ، فليس من الائق إجهاض للقاء ألاول ببوح ساذج يؤدي الى النفور .

وقبل أن يستلم تساؤلها ، ألتفت إلى عرائسه حائرا ً : أتعتقدون إنها ستهرب بسبب .. إني أريد كل شيء ودفعة واحدة ، حقا ً ، الأمر يحتاج الى كثير من الصبر .

لكن حياة ردت بذلك السؤال الذي إستفزه :

ـ ماذا تبغي مني يا حمدان ؟

كان الجواب على هذا التساؤل محرجا ً ، لكنه فضل الحياد مستأنفا ً الرد : آه ، إعتقدت إن قلبك يحمل جواب ما .

بين الفينة والفينة كانت كلماتها تعكس نوع من الإشراقات تخفف ما يعتريه من تردد وحرج . بعد نصف ساعة ، لم يعد حمدان يعرف هل يتعجَل ام يتمهل ،أما بالنسبة لها فلم تتخل َ عن مزاحها الذي لم يخلُ من السخرية ، لتكتب له عبارتها التي إخترقت قلبه مثل رصاصة طائشة : حان الأوان أيها الملاك ، هيا بحق الله إعترف هههههه.

تلعثم حمدان ، التفت موجها ً كلامه إلى العرائس ، بوجل وبصوت ساخر همس : ـ أتعلمون إن المبارزة قد بدأت ، وإن هاملت في خطر؟ .

هنا شرع يكتب لها عن تأثير صورتها عليه ، وكيف تعرض للإغراء ، كان يعالج الملل بوضع الحشيشة بين أسنانه كي يتمكن من مجارات صراحتها التي لم يألفها ،لكنها لم تتردد ، مضت نحو هدفها ، تهيل علية الكلمات التي أصابته بخدرالإرباك :

ـ هذا أمر خطير ، لكني بصدق لا احب سوى عرائسك ، ههههههه .

كانت عيناه جامدتين وكإنه يسمع ضحكاتها التي أفسدت ما تبقى له من حلم ، مفعول تلك العبارة بدلت سحنته ، ارتجفت شفتاه ، بيد أنه اراد أن يحافظ على توازنه ولطافة روحه ، حينها فقط تعززت قناعته ، واصل الحديث مع العرائس : ـ إذن من الممكن أن نحب المخلوقات ولا نحب الخالق .

إنتظر دقيقة ، ثم أخرى ، وحين لم يستلم منها أي شيء ، قرر كأي مراهق عنيد أن يمضي بمهمته الغامضة حتى النهاية .وواصل الكتابة بتأن ٍ : ماذا يعني ، هل قررت أن تتركيني أنتظر ؟، ام تودين قتلي بالتقسيط هههههه !

لكنها سرعان ما ارسلت تلك العبارة ، محاولة ً إصلاح الخلل : كم انت نبيل يا حمدان ، لكن هل جريمة ما فعلت ؟

إنها منحته عدة فرص كي يفهم بالضبط مشاعرها ، فجأة ً ، وكي لا تزيد في تعذيبه ، أكتفت باعادة سؤالها السابق لمجرد كسب الوقت : هل يزعجك ، أن أحب فقط عرائسك الأنيقات ههههههههه ؟

أراد أن يسترسل في مراسلتها ، لكنه شعر بالملل ، مدركا ً أنه لم تعد لديه الرغبة بالحاق بها . رغم ذلك ، بدا له إن بعض عباراتها توحي بنوع من الاهتمام .

غير إن هذا الهاجس لم يدم طويلا ً . أحس للمرة الأولى أنه كمن يقف على حافة الهاوية جزعا ً ينتظر الفرج . تأمل مطولا ًدميتها التي خلقها بجهد مضني .

أندهش وهو يرى صورتها على شاشة الحاسوب قد بدأت تفقد بريقها اللذيذ .

سألته وكأنها أحست بعدم قدرته على الكتابة : لماذا لا تجيب أيها المغربي الجميل؟

الإحباط والإحساس بالخيبة دفعت بحمدان أن يعاقب دميتها ذات العينين الواسعتين كالقار . وفي اللحظة التي قام و نتف شعرها و فقأ عيناها و مزق ثيابها ، ورماها في النار.

إستلم منها مسج تسأله :

ـ سنلتقي مرة أخرى أيها المبجل ، أليس كذلك ؟

لم يعد يبد أي إهتمام بما تكتبه ، شعر أخيرا ً إن الخيبة امتزجت بالزهو ،والكآبة بالإنتصار، والخطيئة، بالإغراء ، والغثيان بالخداع .

قرأت عيناه آخر مسج لحياة الخوري :

ـ زوجي سيرجع بعد قليل ، إني آسفه ، طابت ليلتك يا عزيزي .

أراد أن يجيبها ، بأن زوجته هي الآخرى ستعود من سفرها نهاية الأسبوع . وإنها خرقاء وسوف لا تغفر له حماقاته الصبيانية .

وقبل أن يطفأ الحاسوب تلاشى كل شيء ، على إثر محو أسمها من قائمة الأصدقاء والى الأبد .

ليحشو حمدان ، الذي أحب بائعة البسبوسة ، فمه بالحشيشة ، مصغيا ً بخجل لذلك الصوت الغريب الغامض للعرائس ، الصوت الذي أحس انه لم يكف عن ترديد : يا إلهي ّ! هل الحب الافتراضي وهم ؟ .

25 / 7 /2012

بديع الآلوسي


التعليقات

الاسم: مصطفى داود كاظم
التاريخ: 03/11/2012 19:27:42
بديع أنت ايّها الآلوسي فيما خط قلمك ..قصة رائعة




5000