..... 
.
......
مواضيع تستحق وقفة 
حسام برغل
.....
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


لقاء مع الشاعرة العراقية بشرى البستاني

النور

اجرى الحوار:طلال حسن

الشعر فن الفنون وجوهر المعرفة وقمة التحضر، وهو تكثيف للحياة برمتها ، لكن بصياغة أخرى أكثر جمالا وبهاء ..

 الإنسان العربي استرد كرامته الإنسانية حينما قال : لا

     في أواسط السبعينيات ، كنت أعمل في المكتب الصحفي لجريدة " طريق الشعب " في محافظة نينوى ، وقد أجريت للصفحة الثقافية في الجريدة وقتها العديد من اللقاءات مع أبرز الرموز الأدبية والفنية في المحافظة ، كان من بينها الفنان التشكيلي راكان دبدوب والخطاط يوسف ذنون والمصور الفوتغرافي مراد الداغستاني والقاصين محمود جنداري وأمجد توفيق والشاعر محمد النعمان ، وكذلك الشاعرة المبدعة بشرى البستاني .

ومما له دلالة قول الشاعرة بشرى ، في أحد اللقائين اللذين أجريتهما معها " خلقت لأحب الشعر ولأغنيه وأعيش معه ، من خلال هموم وفرح الإنسان " وهذا ما أكدته فعلاً في جميع دواوينها ، التي جمعتها في أعمالها الشعرية التي صدرت مؤخراً في بيروت عن " المؤسسة العربية للدراسات والنشر " .

ولدت بشرى البستاني في الموصل ـ العراق ، نالت شهادة الماجستير والدكتوراه من كلية الآداب ـ جامعة الموصل بدرجة امتياز .

لها عشرة دواوين مطبوعة هي :

1 ـ ما بعد الحزن ـ بيروت 1973  .

2 ـ الأغنية والسكين ـ بغداد 1976 .

3 ـ أنا والأسوار ـ جامعة الموصل 1978 .

4 ـ زهر الحدائق ـ بغداد 1984 .

5 ـ أقبّل كفّ العراق ـ بغداد 1988..

6-ما تركته الريح ، دمشق ، 2000 .

6 ـ البحر يصطاد الضفاف ـ بغداد 2000 .

7 ـ مكابدات الشجر ـ بغداد 2002

8 ـ مخاطبات حواء ، القاهرة ، 2010 .

9-أندلسيات لجروح العراق ، بيروت ، 2010 .

10-مواجع باء- عين ، عمان ، 2011 .

وصدر لها عن دار فضاءات في عمان ، خمسة دواوين قصائد نثر ونصوص طويلة في مجموعة واحدة بعنوان " خماسية المحنة " .

ترجم شعرها إلى الانكليزية والفرنسية والأسبانية ، وصدر عن شعرها كتاب عن دار ميلن برس الأمريكية من إعداد وترجمة د ـ وفاء زين العابدين ود ـ سناء طاهر عام 2008 .

حصلت على العديد من الأوسمة العلمية وشارات العلم والإبداع ، آخرها وسام الأستاذ المتميز الأول على الجامعات العراقية في البحث العلمي / الإنسانيات لعام 2012، كما حصلت على العديد من الشهادات التقديرية من مؤسسات عراقية وعربية وعالمية .

شاركت في العديد من المؤتمرات الأدبية والعلمية والثقافية والاجتماعية داخل العراق وخارجه ، كما شاركت في تحرير مجلات وصحف عديدة مثل مجلة الجامعة والمرأة والنبراس والحدباء وآداب الرافدين والتربية والعلم الأكاديميتين .

تعمل أستاذة للأدب والنقد في كلية الآداب ـ جامعة الموصل ، بدرجة أستاذ .

قال عنها الشاعر العراقي علي جعفر العلاق : في قصيدتها تشتبك أعراس التاريخ ومذابحه اشتباكاً حميماً وعنيفاً ، فأنت لا تجد بغداد معزولة عن غرناطة ، كما أن بابل لا تغرق في ركام الأزمنة والأمكنة البعيدة ، بل تأخذ مكانها في مذابح هذا الزمان الموغل في تحولاته .

 

 

    ـ الإبداع زائر مشاكس ، قد يفاجئنا في أية مرحلة من مراحل العمر، متى فاجأك هذا الزائر ، وكيف كان استقبالك له ؟

 

  لشدة تلاحمي بالحالة الإبداعية منذ وعيي المبكر ، والتباس مشاعري بين ما هو واقعي وحلمي في تلك المرحلة - ولحسن الحظ ما أزال - يُخيل لي أن الإبداع كان مصاحبا لي منذ طفولتي الأولى ، لكنه تجلى كتابة مع نهاية مرحلتي الابتدائية وبداية المرحلة الثانوية حين لفت انتباه مدرستي في اللغة العربية ، فراحت تهتم بما اكتب وتدفعني لقراءته. وفي البيت لقيت تشجيعا استثنائيا ، لكن الأهم أن الأمر شكل لديَّ قضية ذاتية منذ ذلك الوقت وهاجسا يتوهج داخلي بحيث صرت في وقت مبكر أعرف توجهي ، وصارت القراءة الأدبية والكتابة التي أتمرن عليها بعد انتهائي من تحضير دروسي المقررة هي منهجي اليومي الذي أنجزه لنفسي وأفرح به سرا والذي لا يشغلني عنه شيء ، حتى أنّ عزوفا كان ينتابني عن كل أمر من شأنه إبعادي عن خلوتي مع الكتب والورقة والقلم ، وكنت أطلع شقيقي الدكتور يوسف على ما أظنه جيدا ، ويوما فاجأني بجريدة فتى العراق وقد نشرت قصيدتي التي أوصلها هو لأسرة التحرير والتي لا أتذكرها اليوم ، لكني سأظلُّ أتذكر حفاوة الجريدة وأسرة تحريرها بصبية تكتب في مدينة محافظة قاسية التقاليد وعائلة شديدة التدين ، وحينها التقى الشاعران الأستاذ عبد الحليم اللاوند والأستاذ محمد شوقي البكري والدي وطلبا تدريسي العروض لتلافي بعض الوقفات الوزنية لكنه اعتذر لهما مؤكدا أني سأدرس ذلك حين أصل الجامعة . أما عن استقبالي لأية حالة إبداعية أعيشها سواء على مستوى الشعر أو النقد أو البحث العلمي بمجالاته كافة ، فإنها حالة احترام مشوب بكثير من الهيبة والإجلال والمنتجة حين اكتمالها لفرح وعذوبة لا مثيل لهما ، وقد تشكلت فكرتي عن الفرح والسعادة داخل هذا المشغل الإبداعي منطلقة من أن ولاءنا للقناعات التي نؤمن بها حتى لو كانت مرهِقة ومصحوبة بالكثير من التضحيات هو المدخل الحقيقي لكل سعادة نعيشها ، وأن الحياة دون تلك القناعات هي الضياع أو التضييع بعينه ، أو هي السكونية والاستسلام الذي لا حياة معه . 

 

  ـ الكلمات الأولى من القصيدة الأولى ، هي المدخل إلى جنة الإبداع وجحيمه ، هل تذكرين تلك الكلمات البداية ؟ وما هي إن كنت تذكرينها ؟

 

الكلمات الأولى في أي قصيدة وفي كل مراحل عمر المبدع هي المدخل إلى جنة الإبداع أو جحيمه ، تكون الحالة جنة حينما تنساب القصيدة بعد التوتر الإبداعي بلا منغصات ، أو حتى بتوقفات اعتيادية ، ثم تنتهي المرحلة الأولى من الكتابة وأنا راضية بنقوش الصفحة البيضاء ، فأترك النص وأغادره لأعاود مراجعته بعد فترة استرخاء أظنها ضرورية ، لتبدأ بعدها القراءة النقدية الأولى ، فيكون النص إما مكتملا أو يحتاج لحذف أو إضافات ، أواستبدال بعض المفردات ، فبلاغة المفردة وانسجامها مع بيئتها التشكيلية ضرورية للإسهام في تشكيل بلاغة النص . أما حين تتلكأ التجربة في التعبير عن ذاتها ولا يؤازرها الإشراق ، ويزداد التوتر دون ومض السطر الأول وانسيابه فأدرك أنه الجحيم ، وأعمل على مغادرة الكتابة فورا ، وهذه الحالة نادرا ما تنتابني ؛ لأني لا أمسك بالقلم خلال التوتر إلا بدعوة حقيقية من التجربة حين تحتاجني لأعبر عنها ، ولذلك قيل إن المبدع لا يكتب القصيدة ، بل القصيدة هي التي تكتبه ، لأن القصيدة الأصيلة لا تأتي قسرا ؛ فالولادة القيصرية تنتج نصا كثيرا ما يكون معاقا لم يستكمل نموه ونضجه وتطغى عليه الصناعة الذهنية الصرفة والافتعال مما يضعف الإبداع ، ويحرمه رواء خصبه وتوهجه ويسمهُ بالوهن والشحوب .

إن فهم المراحل التي تمر بها الحالة الإبداعية قضية مهمة لاستكمال العمل الإبداعي مادام الإبداع نشاطا عقليا متميزا وقدرة على الابتكار وإنتاج أفكار وأفعال ومعارف بصياغة تتسم بالكفاءة والقدرة على التجدد والتطور ، وهذه المراحل يمكن إيجازها بالتهيؤ والاستعداد المتمثل بالتثقف الدائم والتواصل مع القراءة ثم الاختمار الذي يمتص ما جمع من تجارب ورؤى جمالية وقيمية تتفاعل مع بعضها داخل الذاكرة والمخيلة حتى ينهض ذلك التفاعل بإشراق الفكرة بالتعبير ، ثم التحقق من دقة المنجز من خلال العمل على فحصه نقديا واستكمال جوانبه كافة بالمراجعة والتدقيق . إن هذه المراحل الأربع تتطلب من الجهد والصبر المضني ما يكفي لتصور عبء المسؤولية الثقيلة التي يجب على المبدع المسؤول أن يتحملها وأن يفيَ بها ، أما الاستهانة بها فهي التي أنتجت نصوصا لا علاقة لها بالأدب والإبداع لأنها تتسم بالعجلة والقصور والافتعال ،  في حين يستحق الشعر منا كل جهد فهو فن الفنون وجوهر المعرفة وقمة التحضر، وهو تكثيف للحياة برمتها ، لكن بصياغة أخرى أكثر جمالا وبهاء ..

 

  ـ الإبداع جمرة تدفئنا ، تحرقنا ، تضيئنا ، ربما نخاف عليها أن تخفت ، أن تنطفىء ، هل داخلك مرة مثل هذا الخوف ؟ ترى كيف تتعاملين مع هذه الجمرة المتقدة في أعماقك الشاعرة ؟

 

   كل الأضواء خارجية ، بدءا من الشمس والقمر وكل منظومات الإنارة  نزولا إلى أبسط الشموع التي يوقدها الإنسان ، إلا الإبداع فهو اشتعال داخلي يحدث بسرية تامة وفي الظلام ،وأحيانا بتوتر شديد يصل حد الأزمة ، لكنه يبقى متكتما على ذاته وعلى احتدام جدلياته حين يضيء الداخل حتى يفيض على الخارج بأنواره حالما تكتمل تجربته بالتشكل الفني ، إنه الألطاف السنية التي تأخذنا من جحيم الأرض وهي تموج بالعنف والصراعات وعذاب الإحباط  لترفعنا إلى أمن السلام الوارف ومرابع حنوّه ، حتى لقد صار من المؤكد أنّ الحاجة الإنسانية الأولى هي حاجة للأمن الداخلي والسلام  قبل الحاجة للحب ؛ لأنه التربة الخصبة السليمة التي تنمو بها الحياة ، وهل للحب أن ينمو ويزهر خارج نبض الحياة.!  نعم ، الإبداع جمرة تحرقنا بالرهافة وحساسية استقبال المؤثرات وشفافية الروح ، لكنها بالتحقق تغدو جنة النعيم والظلال التي تقينا جهامة الواقع وبؤس أحداثه ، وتخلصنا زمنيتُهُ المتجددة دوما والمتوهجة برؤاها التي تناهض ثقل المادة الجاثمة حولنا من روتين الزمن التقليدي الساكن الذي لا يقود إلا إلى الموت. فالإبداع صدى الروح التي لا تستقر ذبذباتها على حال ، ولا تعرف تموجاتها ثباتا ، بل هي كل لحظة في شأن، والإبداع يعبر عن هذه التلاوين المتقلبة المتموجة العصية ؛ إنه يشكل لنا بفاعليته عالما آخر غير هذا العالم الذي أرهقنا ، يشكله برؤيتنا ومن خلال مواقفنا ؛ مما يزيح عنا التوتر ويطفئ الأزمة ، ولذلك فزمني الشخصي منهمك بالإبداع ، متلاحم به ، لا يسمح للزمنية النمطية الخطية بالهيمنة عليه ، من هنا كان تكسّر الزمن سمة إبداعية لأنها تفسح المجال لانبثاقات الحلم والتطلع وفعل الخيال المتوثب الذي يُعدُّ من أسمى مدارج الارتقاء الذهني ،  فضلا عن أن للإبداع اليوم دراسات ونظريات خاصة بتعريفه وبطرائق تنميته وإدامة تألقه وتجنب معوقاته ، والمبدع المعرفي حريص كل الحرص على متابعتها بدراسة وتدقيق مما يجعل هذا الإحساس بعيدا عنه ، علما أني أدرك كم هو مرعبٌ وقاس أن تشعر بجفاء الإبداع ولا سيما بعد أن غدا مكونا أساسيا من أهم مكونات وجودك . لكنَّ هناك حالة عكسية يعاني منها الإبداع ذاته حينما يجفوه المبدع منصرفا عنه لأسباب اضطرارية ، فالإبداع بكل أنواعه كالحب تماما طفل شفاف مدلل يحتاج لتفرغ ومتابعة ورعاية دائمة ، وتغذية وتطوير مستمرين ولا يحب الشراكة إلا في حالة اغتنائه من الشريك ، وقد عشت هذه الحالة بداية عملي الأكاديمي الذي كان تحديا من نوع جديد ، فقبل أكثر من ربع قرن كانت الخطوط المنهجية بسكونيتها هي المهيمنة على الأكاديمية وعلى نقدها وبحوثها المعرفية عموما ، وكان علينا نحن الشباب المبدعين الذين دخلنا الجامعة أن نثبت قدرة الإبداع على اجتياح سكونية الخط المنهجي الاستاتيكي الذي توقف عند البنيوية عدا بعض الرسائل والأطاريح النادرة لطلبة كانوا واعدين ، ومن الطبيعي أن ذلك التحدي كان يتطلب جهودا استثنائية  لكي يتحقق على أكثر من صعيد ، صعيد المحاضرة العلمية التي كان عليها أن تجد طريقها الجديد الذي يجعل الإبداع جزءا من المعرفة والذي يجعل من المحاضرة عملا إبداعيا كي يثبت حضورها ، ثم على صعيد الطالب الذي اعتاد السماع والتلقي لينجح في امتحان تقليدي ، هذا الطالب كان يحتاج جهدا من نوع جديد كي يتم تحويله من الصمت الى الحوارية ومن التصديق الى الجدل  حيث تتحول المحاضرة لحدث علمي يتسم بالتواصل ، وعلى صعيد القفزة النوعية في المناهج  ولا سيما في الدراسات العليا التي يتسم العمل فيها بمرونة تتيح للأستاذ الجامعي حق اقتراح الوحدات الدراسية وحق رسم طرائق تقديم المادة ، فدخلت النظريات والمناهج الحديثة ، بدءا من الشكلانية والنقد الجديد والسيمياء ونظريات القراءة والتأويلية ومنطلقات هيدجر وجادامير وتلامذته والتفكيك وجهازه المصطلحي والتداولية ومعطيات ما بعد الحداثة التي نهضت بالنقد الثقافي والنقد النسوي ، وعلى صعيد الإشراف والموضوعات المدروسة في الرسائل والأطاريح . هذه المرحلة تطلبت جهدا وزمنا استغرق مني اثنتي عشرة سنة لم يظهر لي فيها ديوان شعري من عام 1988 يوم ظهر ديواني " أقبّلُ كفَّ العراق " الى عام 2000 حين ظهر ديوان " البحر يصطاد الضفاف " حيث نجح الشعر أخيرا باصطياد قيوده والسيطرة عليها وتكسيرها ، ونجح الجهد الأكاديمي بتخريج مجموعة جادة ومبدعة من الباحثين الذين أشرفت على أعمالهم شبابا وشابات. في تلك المرحلة انصرفت عن تدليل الشعر وإحاطته بالرعاية المستمرة والحب والحنان ، لكنه ظل وفيا يلاحقني فكنت أكتب النص وأنشره في المجلات الثقافية أو أضعه في الدرج ، حتى آن أوان العودة ، يوم انتصر البحر فجمع قصائده التي صدرت عام 2000 ثم تلاها ديوان " ما تركته الريح " بطلب من الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب في دمشق ، وبعدهما " مكابدات الشجر " عام 2002 ، وبقينا أنا والشعر على تواصل حميم حتى اليوم. أما عن كيفية تعاملي مع جمرة الإبداع ، فإن سمات حياتي الشخصية والعملية التي يعرفها الجميع تصلح أن تكون جوابا لهذا السؤال ؛ لأنها تعرب عنه بدقة وصدق ، كوني أعطيتها عمري برضىً وعرفان ، كما أعطتني الثراء والتوازن والفرح النوعي والانسجام ،  محتفية بها دوما ، أعيش نارها بعذوبة وتصوف يرقى بي عن بؤس الأغيار وينأى بي عن ظلامية الواقع  ليعيدني للحياة أكثر عطاء وشفافية وانتماء. 

 

   ـ الكثير من الشعراء الشباب يكتبون الآن الشعر العمودي ، أهو نكوص أم صحوة ؟ وكيف تنظرين إلى شعر الشباب عامة ؟

بدءا لا بد من الإشارة إلى أن الإيمان بالإبداع أصلا لقيمة النص يدفعنا للإيمان بحرية اختيار الأشكال ، وحينها لن يكون ذلك نكوصا ولا صحوة بل هو حق في حرية الاختيار وما يتحكم بالاختيار من عوامل عدة في طليعتها الذوق والرؤيا وطبيعة الثقافة وطبيعة المنظورات للفنون ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فمن الصعوبة الإلمام وحتى الاطلاع على كل ما يكتب الشباب من نصوص لكثرة هذه النصوص وتعدد وسائل نشرها ورقيا وألكترونيا ، لكن بحكم عملي الذي عشته وأعيشه مع الشباب عموما ، وقريبا من هواجسهم ومواهبهم وتطورهم العلمي والمعرفي والإبداعي وحواراتي الدائمة معهم ، فأنا أثق بطاقة المبدعين منهم ثقة عالية ولا سيما الشباب الذين يمتلكون وعيا مع قدرة على الاستجابة للمؤثرات إيجابا وسلبا ، ويتمتعون بحساسية وسعة رؤيا تؤهلهم لعطاء إبداعي ومعرفي ، لأنهم يدركون اشتراطات الإبداع ومتطلباته والمسؤولية المترتبة على إنتاجه ، كما يدركون أن التطور والتجديد والعمق المعرفي والأصالة إنما هي سمات الإبداع الحقيقي ، وأن التجريب ليس هو صيحات موضة عابرة تزول بانحسار الموجة التي شكلتها ، بل الحقيقي منه هو ذلك الذي ينهض على المعرفة الأصيلة والوعي العميق بالدور الحركي الذي يلعبه ، وحينما يستوعب الشاب المبدع هذه الأمور كلها فإني أنتظر منه منجزا يستحق القراءة ، مؤمنة أن أي شكل من أشكال النص الأدبي لن يتمكن من تقديم نفسه باقتدار إلا إذا توفرت له القيمة الفنية التي لا تنحصر بشكل دون آخر ، ولا يمكن أن تقتصر على جنس أو نوع من الأنواع ، لكن هذا الرأي لا يمكن أن يحجب أبدا رأي من يعتقد بوجوب تطور الشكل وتباين المواقف والرؤى ما دام الزمن يجري للأمام دوما ، ولا رأي من يعتقد أن النموذج الشعري الخطابي لم يعد ملائما لعصر التأمل وغموض الحياة وتمنّع التجربة الفنية التي لا يمكن أن يعبر عنها إلا نصٌّ متمنع .

  نعم ، إن تعدد الأشكال دليل غنى وثراء وخيارات جمالية ، فضلا عن أن مرونة اللغة العربية وقدرتها على اللعب والتجدد تؤهل الكاتب لتقديم تجاربه من خلال الشكل الذي يتيح له حرية اكبر في الإخلاص لإبداعه وتجربته الداخلية ، لكن مع تجنب التقليد والسكونية. لقد سبق لي أن ذكرت في حوار سابق أن جماليات الحداثة لدينا مهما بلغ شوطها لن تتمكن من إلغاء الكتابة على الشكل العمودي في وقت قريب كما فعلت الحداثة الأوربية وما بعدها بشعرهم القديم لأسباب يطول شرحها ، ولعل في طليعتها قدرة الشعر العربي القديم على التواصل مع الحاضر لعمقه وثراء مكنوناته ، وطاقته التي أعدُّها استثنائية على عبور الزمن الينا وتواصله معنا بوهج تخاطب رؤاه أرواحنا وإشكالياتنا ، فضلا عن علاقته الحميمة بالتراثين الديني والمعرفي للأمة ؛ واتصاله الوثيق بمؤسسات سياسية وثقافية رأسية مهيمنة ما زالت تحتفي به وتدعمه بكل ثقلها المادي والمعنوي ؛ مما دفع الكثير من الشباب إلى التواصل معه ومحاولة اللعب على تجديد لغته  وتحديث المجازات التي أثثته بذكاء ، مفضلين ذلك على الخوض في الصراعات التي تجرّعها كل من حاول التجريب والتجديد في فضائنا الثقافي العربي وأقرب مثال ما حدث مع قصيدة النثر التي ما زالت مثار جدل حتى بعد استقرارها واقعا ونموذجا ومصطلحا ، ولا ننسى أن ما يشجعهم على الاستمرار عوامل شتى منها ما هو ذوقي خاص يؤازره السبب العام الذي ذكرناه ، والذي تتدخل في صنع قراره مؤسسات سياسية مهمة تمتلك السلطة وتقدم لهم  جوائز ثمينة لم تحظ بها الأشكال الشعرية الأخرى ، لأن الأخيرة كانت وستظل نماذج نخبوية وليست نماذج مسارح وحشود ، ونعلم جميعا أن نماذج النخبة تعاني دوما من مشكلة ثنائية المبدع / القارئ التي عانى منها كل حديث وجديد وتجريبي عبر العصور، والتي ستظل تخاطب القارئ النوعي الذي يعتمد على الثقافة الواسعة والقراءة التأملية والقدرة التأويلية أكثر من اعتماده على الإيقاعات السمعية والصورة البصرية التي تقع في متناول الفهم دون كثير جهد وعناء .    

 

ـ كونك مبدعة وأستاذة جامعية ، ماذا أعطتك الجامعة ، وماذا أخذت منك ؟

أعطتني الأكاديمية الكثير الكثير ، وأخذت مني الكثير أيضا ، أعطتني المعرفة من ينابيعها الأصيلة ، والحوارات الجادة والشباب المتجدد ، لأن الحداثة التي نؤمن بها تظل باطلة إن لم تكن تجديدا للذات أولا ، لمعارفها وإبداعها وسلوكياتها ، ولذلك لابد للأستاذ الجاد من الحرص على أن يكون أكثر حيوية من طالبه في المحاضرة والحوار وخارجهما ليظل ممتلكا زمام التأثير ، ولكي تكون أستاذا بحق فإنَّ ذلك يتطلب منك الكثير من الجهد والمتابعة وملاحقة المعرفي الجديد والمصادر النوعية ،والسفر الدائم وأداء الواجبات الأكاديمية بانتظام بالرغم من كونها واجبات لا تنتهي في التقويم والخبرة العلمية والمناقشات والترقيات ، ولكي لا أخون قصيدتي كان عليَّ أن أتابع الإبداع بما يجعلني على تواصل معه ، مما كان يأخذ حصة الإنسانة ويحرمها الكثير من حقوقها ومتطلبات وجودها ، لكن وعي تلك الإنسانة بأهمية تصالحها مع الجانبين وتعاملها معهما بعفوية هو الذي جعل مركبنا نحن الثلاثة يسير بنوع من التوازن ، وإن كان توازنا جدليا فيه من الاسترضاءات ما فيه من خلال مصالحة دائمة وتداخل بين الأكوان الثلاثة ، الإبداعي والأكاديمي والإنساني لأن الكونين الأول والثاني مغريان ومصحوبان بقدرة عجيبة على الهيمنة ، مما جعل الإنسانة سعيدة بعطاء الحقلين دون الالتفات لما سوى ذلك من القضايا والأمور التقليدية التي كانت وما تزال وستظل متاحة للجميع عبر العصور .    

 

  ـ للمرأة خصوصيتها في كل أرجاء العالم ، فما هي خصوصية المرأة العراقية اليوم ؟

نعم للمرأة في كل أرجاء العالم خصوصيتها ، فبالرغم من كل التقدم الذي أحرزته في الدول المتقدمة غربا وشرقا ، إلا أنها ما تزال تعاني من العنف والغبن ، فنسبة النساء اللواتي يضرين في أمريكا وحدها من قبل الرجل تبلغ 66/ 84 % مما دفع عالمة متخصصة بعلم الحضارة مثل ماركريت ميد إلى القول : إن المرأة ستظل تُضرَب ظلماً وتُعنّف ما دامت لا تمتلك عضلات قوية تجابه بها عضلات الرجل ، لكن القضية باعتقادي ليست قضية عضلات قوية ، بل هي قضية غياب قيم راسخة تؤازر قرارات التحرر المجردة ، كونها قرارات تعاني من تراجع روحي فادح في عصر مادي يفتقد التوازن وينطوي على قصور العلم - وهو ينفرد بالساحة - عن توفير حاجات الإنسان الروحية والوجودية معا ، فضلا عما تعانيه المرأة في العالم  كله - مع  اختلاف النسب طبعا - من عدم المساواة في الأجور مع الرجل وفي فقدان فرص العمل وفي الوصول إلى مواقع صنع القرار ، يؤكد ذلك تدني نسبة حضور البرلمانيات في العالم إلى نسب الذكور ، ولقد تصدت لهذه الأمور لجان غربية ونظريات وتنظيمات منها النقد النسوي والنقد الثقافي والثنائيات التي عالجها التفكيك وغيرها . ونكاد لا نصدق لولا وثائق لجان الأمم المتحدة  أن المولودات من الإناث يُذبحن في مزارع الصين وبعض دول جنوب شرقي آسيا لأنهن غير مهيئات جسديا للأعمال الثقيلة .! أما المرأة العراقية فليس لها خصوصية بل خصوصيات ؛ لأنها كابدت وعانت ما لم تكابده امرأة في التاريخ المعاصر ، عانت من حصار قاتل ومريع انقض عليها وعلى أفراد عائلتها وعلى الطفولة التي ترعاها بالجوع والمرض وضيق العيش وجهامة الحياة ، عانت من حروب دامت أكثر من ثلاثين عاما اغتالت حياتها وشبابها وأمنيات مجتمعها ، وهيمنت على عمرها بأنواع شتى من الفقدانات والخسائر والنفي والتشتت والهجرة والاغترابات والقلق المدمر ، وكان عليها بغياب الرجل في الحروب أن تكون مسؤولة عن إدامة الحياة بجانبيها الخاص والعام منفردة متذرعة بمرارة صبر استمر حتى اليوم . إن المرأة العراقية وسائر نساء أقطار الوطن العربي لن تتحرر حريتها الايجابية الا من خلال تحرر مجتمعها من السلبيات القاصمة التي تحيق بها وبه ، وتحجّم بؤر الضوء في سمائه  ، وفي طليعتها الانغلاق والظلامية وتسخير الماضي السكوني لسياسة الحاضر والهيمنة عليه وتهميشه وإغلاق نوافذ رياح التقدم التي تعمل على تثوير واقعه وإطلاق كل الممكنات التي من شأنها النهوض بطاقاته العصية .

 

  - أين تقف المرأة العراقية المبدعة وما المعيقات التي تعترض سبيلها ؟

       المرأة العراقية المبدعة تعاني السلبيات مضاعفة من خلال فقدانها المتطلبات الضرورية لممارسة عملها الإبداعي ، فضلا عن كونها عانت أكثر من زميلتها حينما صارت مهددة بالقتل والتشرد ، وقتلت فعلا وذبحت ونُفيت دون ذنب اقترفته غير التعبير عما تراه ممثلا للحقيقة ، وما زالت الكثيرات من المبدعات مبعدات عن العراق ، منفيات في أراض نائية وبلدان شتى بحثا عن لحظة الأمان .أما المبدعة التي ما زالت تعيش في العراق فهي تعاني كمواطنيها الرجال من تخلف منظومات القيم التي تزداد ظلاما وجهالة يوما بعد يوم ، باسم الدين المسيس مرة وباسم قيم العشيرة أخرى ، وباسم ماطال وطنها من عار المحاصصات والمذهبيات والطائفيات المخجلة ، والمنافية للدين ولمعاني المواطنة النبيلة ولكل الفلسفات الإنسانية التي وضعت كرامة روح الإنسان نصب عينها ، بينما العالم يتطور ويتقدم بالدقائق ، ويمنح حكم البلاد للأكفأ والأرصن والأكثر علما ومعرفة وخبرة والأعمق حكمة ومرونة وقدرة على صنع الانسجامات داخل أطر الاختلاف ، فلا ضير في أن نختلف رأيا لكن كل الضير والضرر في أن نتصارع ونتصادم . إننا نعاني من العيش بازدواجية مريرة بين نظريات التقدم واشتراطات الهوية التي تؤمن بالحوارية والانفتاح وقبول الآخر والتعددية في إطار احترام الخصوصية ، تلك النظريات التي نقرأها ونؤمن بها ، وبين ما نراه ساريا في الجوانب التطبيقية ، مما يعيق عملية الإبداع شئنا أم أبينا ؛ لأن اللحظة الإبداعية لحظة بالغة الصفاء راقية الشفافية ، تحتاج إلى الظروف النفسية والمجتمعية التي توفر لها نقاء تلك اللحظة وصفاءها لتتحقق منجزا ، وتتشكل إبداعا . إن المرأة المبدعة تعاني من معيقات جمة منها ما هو ذاتي ومنها المجتمعي ، أولها عدم ثقة من حولها بقدرتها الإبداعية حتى تثبتها بجهدها ، ولو لاقت تشجيعا لاختلف الأمر ، ومن انصرافها عن مواصلة تعليمها التخصصي الذي يعزز إبداعها  لظروف سلبية عدة ، وعدم قدرة الأسرة والدولة على تحقيق طموحاتها المشروعة في  التخفيف من أعبائها المنزلية لتوفر زمنا لإبداعها ، ومن صعوبة مواجهة روتين الجماعة وأنماط الحياة التقليدية لأن الإبداع خروج على النمط وتصدٍّ للتقليد ، ومن صعوبة وضع مؤهلاتها القيادية موضع التطبيق في ظروف قاهرة لا تفهم السمات القيادية للإبداع  فهما موضوعيا بوصفها إقداما وتعرية للسلبيات وقدرة على الاقتحام نحو الأفضل ، بل تظنه مروقا على قيم الجماعة وخروجا على المألوف ، وهذا الفهم يسبب لها المتاعب وقد يُجري عليها عقوبات خاصة وعامة ؛ ولذلك فالمبدعة التي لا تتسم بقوة الإرادة والإقدام والتماسك والقدرة على التحدي ولا تمتلك حريتها النفسية الداخلية التي تؤهلها للتعبير بصدق شجاع عن دواخلها وهواجس أنوثتها وعن قضايا واقعها ، فإنها ما تلبث أن تنسحب من الساحة ليخمد الإبداع ، فضلا عن أهمية توفير حاجاتها وحاجات أسرتها الأساسية ، فالإبداع لا ينمو ويزدهر إلا بانهماكه في التأمل بالإشكاليات المصيرية للإنسان وبمعضلات حياته وجودية ومجتمعية ، لأن مهمة الثقافة والإبداع تخفيف مشاكل الإنسان داخلية وخارجية ، والعمل على توفير أقصى أنواع الانسجام في حياته . إن التأمل الذي يحتاجه الإبداع لا يتم إلا في جو من الطمأنينة ، والطمأنينة للأسف أبعد ما تكون عن حياة الانسان العراقي والمرأة العراقية مبدعة كانت أم غير مبدعة ، مع أن المبدعة العراقية لعبت دورا مهما في ظروف السلام والحرب في رأب الصدوع وفي نقد السلبيات وإشاعة قيم التحضر والتقدم ورفع كفاءة التذوق الجمالي وسمو الرؤى من خلال الشعر الذي كتبته والرواية والقصة وقصيدة النثر ، ومن خلال اللوحة التشكيلية والنحت والنقد والتأليف بمختلف جوانبه العلمية والمعرفية . يُضاف لكل ذلك ضرورة إلقاء الضوء على إبداع المرأة وما تنتج من فنون ، والاهتمام برؤاها ومنظوراتها ووسائلها التعبيرية لأن ذلك حقها الذي يجب أن يُضمن كحق الرجل تماما . وقد شهد الغرب في اوربا وأمريكا معا هبات عنيفة من أجل تحقيق هذا التكافؤ الذي كانت الثقافة والحياة عموما تفتقد إليه .

  ـ كان لك نظرتك إلى المرأة ، وخاصة في السبعينيات ، كيف تنظرين إليها الآن ، ونحن في القرن الواحد والعشرين ؟

تذكر معي أن المرأة الأمية أبجديا والمتوسطة التعليم في السبعينات كانت متلقية شبه عفوية تعيش بوعي  يؤهلها لتقبل ما تجده صدقا ، لأنها لم تكن بعدُ مثقلة بعذاب الحصار ولا مرهقة بفقدانات الحروب وتوجسات الرصد والخوف ؛ ولم تطرق ذهنها تراكمات الايدولوجيا وفوضى المحاصصات وقتل أولادها وأفراد عائلتها على الهوية بسبب أسمائهم أو طرائق عبادتهم ، ولذلك كانت ومعها رجال عائلتها تتقبل خطاب من يخاطبها بصدق وحرص ، وتميز بين أنواع الخطابات المطروحة وأهدافها ، كانت مستجيبة بشكل جيد جعلها تتقبل الانتماء لمراكز محو الأمية فتعلمت القراءة والكتابة حتى في القرى والأرياف وهذا أمر بغاية الأهمية كونه علمها سلوكا جماعيا فيه من التحضر ما كانت تفتقده مثل النظافة واللياقة والملبس الجيد وأصول الحديث وتبادل الخبرات والانتماء للجماعة ، كما اقتنعت باستبدال الحجاب التقليدي بالحشمة وفهم قيم العفاف بديلا للتعصب ،ولا سيما بعيد هبة عام 1975 ، عام المرأة الدولي  وما اجتاح العراق والعالم من تظاهرات ومهرجانات احتفلت بعطاءات المرأة وبأهمية إسهامها في التنمية وفي حراك المجتمع ، ووجدت الصبيات الصغيرات طريقهن للمدارس في التعليم الإلزامي ، فضلا عن قضية مهمة هي إتاحة سفر المرأة لكل بلدان العالم دون شرط ولي الأمر وتحديد العمر المتقدم للمسافرة ، فقد تجولتُ وزميلاتي في مدن وعواصم عشرات الدول الأوربية غربية وشرقية وفي جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا وفي كل أقطار الوطن العربي ونحن بين سن العشرين والثلاثين وما كان لذلك من أثر في توسيع رؤانا وثراء معارفنا وتماسك واستقلال شخصياتنا واطلاعنا على حضارات الأمم وسلوكيات الشعوب ، وتذكر معي أن نقابة المعلمين كانت تنظم السفرات السياحية لمختلف دول العالم بأسعار رمزية لإتاحة السفر للجميع ، لكن حال المرأة في كل العصور جزء لا يتجزأ من حركة المجتمع الكلية التي نجدها في بلداننا تتراجع يوما بعد يوم لأسباب كثيرة لا مجال لتفصيلها الآن ، وبحكم السلبيات التي تتراكم دون معالجات ، مما أدى في معظم الدول العربية وليس في العراق حسب إلى تراجع أحوال المرأة ونكوص طرائق التعامل معها وتحريم ما أحلَّ لها ، وهيمنة الفكر المناهض للتقدم والتحضر ، والعمل بطرق إرهابية أحيانا على التدخل بمظهرها وبأدق شؤونها وحقوقها الشخصية ، بحيث تعجب من الردة التي منيت بها اليوم لو تفحصت حالها في المرحلتين ، لكن ما يذكي الأمل وسط كل هذه السلبيات الحاضرة وجود الإصرار النسوي على استمرار دخول مختلف التخصصات العلمية ومواصلة الدرس الجامعي والسعي للتعليم العالي من خلال الانتماء للدراسات العليا ومثابرتهن في السعي لتطوير الذات مما يؤكد أن المسيرة لن تتوقف وإن تعثرت ، وأن المرأة الواعية لن تكف عن انتزاع حقها في حياة حرة تتيح لها صنع قرارها باستقلالية وتفهم. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن كل المؤسسات الدولية التي وعدت المرأة بالكثير لم تفِ بوعودها بدءا من لجان الأمم المتحدة وحتى العراق ومن عام 1975 عام الوعود الزاهية لعام 1985 ، حيث انتهى عقد المرأة الدولي بمؤتمر بكين وما فيه من طروحات بعيدة المدى ، عالية السقف ، علمية القضايا وحتى عبر تبني لجان دولية لعلم الجندر الذي طرح القضية بجدية أكثر وموضوعية ترقى إلى الدقة العلمية من خلال طرح مصطلح الجنوسة والاهتمام بالنوع والتركيز على أهمية " تمكين المرأة " ، أقول بالرغم من كل ذلك إلا أن أحدا من كل هذه المؤسسات واللجان والمؤتمرات الدولية والطروحات المتقدمة  لم يكن جديا في معالجة القضية الأساسية بحيث تحولت معظم التوصيات إلى شعارات ترضية رمزية تُطرح لتحقيق مكاسب يجني ثمارها المستفيدون من الحكام ورؤساء المؤسسات واللجان الدولية  في كل زمان ومكان دون اهتمام حقيقي بالقضية الرئيسة المطروحة التي ناضلت النساء من أجلها .

 

  - وماذا عن المرأة العربية في الربيع العربي الراهن ...؟  

ظلت المرة العربية تعاني من كونها هامشا في المؤسسة الأبوية الذكورية المهيمنة ، فنتائج مواسم ما سُمي بالربيع  العربي حصد ثمارها تيار الإسلام السياسي المؤدلج ، الذي رأى بقضية المرأة وهو يمسك بدفة الحكم بابا مهما للهيمنة على المجتمع من خلال تفسير الدين حسب رؤيته ومفاهيمه ، فجملة : " الإسلام كرم المرأة " لا تعني لديهم أنه أمر بتفعيل طاقتها ومنحها حقوقها الإنسانية كاملة في العمل والحياة وصنع القرار ، بل فسر المفهوم على أنه إقصاء لها عن مشروع الحياة وفضائها ، وحجرٌ لطاقتها في البيوت أداةً للإنجاب والسهر على أمجاد الأسرة التي يقودها الرجل من خلال الرجوع بما أحرزت من حقوق إلى الوراء ، وسلبها ما جاهدت طويلا للحصول عليه ، فالمرأة المصرية مثلا تتعرض اليوم لمحاولات ردة عنيفة ، إذ يعمل ممثلون في البرلمان على سلبها حقوقا مهمة ، منها السفر وحق الخلع وتحديد سن الزواج والمشاركة في كتابة الدستور والمطالبة بإلغاء المجلس القومي للمرأة مما دفع سبع عشرة منظمة نسائية معنية بحقوق المرأة الى الاتحاد في تجمع أطلق عليه " تحالف المنظمات النسوية " حتى لقد هبط التمثيل البرلماني للنساء إلى نسبة 4 / 2 %  فمن أصل 498  لا توجد إلا اثنتا عشرة سيدة في البرلمان مما يدلل على المرارة التي خرجت بها  المرأة المصرية بعد التضحيات التي قدمتها في مشروع الثورة المأمولة ، فقد أسهمت في صنع الثورة إسهاما حقيقيا منذ نواتها الأولى في ساحة التحرير وعذبت وسجنت واستشهدت وأعطت رجال أسرتها ضحايا ، لكن ما تمتلكه نساء مصر من وعي نوعي وتراكم ثقافي وتجارب في التعامل مع حقوقهن ، وخبرة في العمل ضمن المؤسسات غير الحكومية والمنظمات الحقوقية والنسوية ظل يؤهلها لصد محاولات التراجع والردة . وكذلك فعلت المرأة التونسية أمام تناقض تصريحات الغنوشي ورفضها الإجهاز على حقوقها التي نالتها بنضالها ، ومثلها تناضل المرأة اليمنية من أجل حراك أكثر فاعلية لنساء اليمن .أما المرأة في الأقطار العربية الأخرى فلم تكن قادرة على النهوض بالمجابهة مما جعلها عرضة لريح الارتداد والتراجع لأسباب عدة اهمها الصراعات الدموية القائمة في بلدانها والعنف المهيمن على الشارع والحياة كما يجري في ليبيا والعراق وغزة وسوريا مما يجعلها منهمكة بالحفاظ على حق الحياة هدفا مهما لها وللمجتمع بشرائحه كافة قبل الانهماك بالبحث عن بقية الحقوق  .

     ـ كيف تنظرين إلى واقع الحياة الثقافية في العراق بعد " 9/ 4 / 2003 " ؟

 بدءا لا بد من الإقرار أن الثقافة العراقية بحاجة إلى معالجات جذرية لحل المعضلات التي تعاني منها ، وطرح فلسفة شاملة ذات هدف موحد يرمي إلى الحفاظ على وحدة العراق أرضا وشعبا وتراثا حضاريا متواصلا مع تاريخه المعرفي العريق  من خلال بناء مؤسسات ثقافية حرة ورصينة يقودها مبدعون حقيقيون يتسمون بوعي يسعى إلى خدمة العراق وثقافته ومنجز شعبه وترصين رقي مجتمعه ، فلسفة تضع لها ستراتيجية نبيلة تخلصنا من الإرباك وعوامل القطيعة وتضع خطوطها المعرفية موضع التنفيذ جامعة مثقفي العراق ومبدعيه تحت راية واحدة تسعى إلى بناء مستقبل آمن وحر من أي تبعية كانت ، فالحياة الثقافية مصطلح مكتنز مركب - إن عددناه مصطلحا - تدخل في طياته حقول كثيرة ومهمة فهو يشمل الإبداع والإعلام وأنواع المعارف والمستويات الأكاديمية ودور الثقافة واتحاد الأدباء والفنانين والإعلاميين ووسائل النشر دورا ومؤسسات ويشمل النقد والترجمة ومراكز الثقافة والفنون ، كما يشمل مقارعة الجهل والأمية ، فكيف ننظر الى الثقافة اليوم ومعدلات القراءة في الوطن العربي حسب تقرير التنمية الثقافية الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي ( 6 )  دقائق للفرد في السنة بينما يقرأ الفرد الأوربي  ( 200 ) ساعة في السنة .! ونحن نطمح إلى رفع مستوى ذوق الناس ، ورفع كفاءة التلقي ، ومعالجة معضلة ثنائية المبدع / القارئ التي بنت سدا من الإبهام بين الإبداع ومتلقيه مما يشكل خطرا على ثقافة المجتمع برمتها ، كونه يعزل الإبداع عن بيئته ويسمه بالاغتراب ، كما يجعل الكثير من المتعلمين وحتى المثقفين يقفون عاجزين عن الاندماج في الحراك الثقافي والإبداعي لمجتمعهم ، في حين نجدنا وكل الشعوب النامية بحاجة ماسة لوعي يدفعنا إلى الإسهام في التغيير والنقد والبناء والعمل على درء عوامل السلب ، وهذه المسؤولية المهمة إنما تقع على عاتق الناقد لأنها الجزء المهم من مسؤوليته ، كونه الجسر الواصل الفاعل بين الطرفين ، وكاشف الحجب عن الإبداع ليقدمه بأرصن السبل للقراء ، وكل ذلك يحتاج لمؤسسات نقد نوعية عالية الكفاءة ، راقية الوعي ، واسعة الرؤيا ، واضحة الهدف ، منهمكة بقضية توحيد المجتمع وتنويره وتطويره ، كما يحتاج لخطط منهجية تعمل بشمولية على جعل الثقافة قضية وطنية من الدرجة الأولى ، وتحرص على تعميم التثقيف بوصفه حقا من حقوق الفرد وواجبا عليه.

 لقد وُجه لي هذا السؤال مرات ، ولعل الجواب لا ينحصر في كون الثقافة بنية فوقية تفرزها بنى تحتية فاعلة يؤسس لها الاقتصاد وصراعاته الطبقية ، لأنها في الحقيقة البنية التي ترتكز عليها كل البنى المهمة في المجتمع كونها في تياراتها الصاعدة والهابطة تعمل على تشكيل البنى الأخرى برمتها من خلال تشكيلها عقليات ورؤى الفرد والجماعة ، وهذه العقليات بما وعت من تنوير هي التي ستعمل على بناء المستويات الناهضة  بالمجتمع ،ونظرة متأنية لكل ثورة حقيقية تُرينا قادتها - مفكرين وفلاسفة - بمستويات نوعية ورقي ثقافي ووعي مجتمعي سواء في ذهنياتهم ام  في تطبيقاتهم العملية النوعية ، فمن يقود الثقافة العراقية الآن ، وما هي الإمكانيات المتوفرة لهذه الثقافة وقياداتها  ونحن نعلم أن الثقافة قوة لا تنهض إلا بدعم مادي متواصل.؟.

  إن العراق اليوم سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا يعيش انكسارات هائلة في فقدانه المتطلبات الأساسية للإنسان مقابل هدر ثرواته في مفارقة حادة فضلا عن شيوع أنواع الفساد من البطالة والرشوة والانصراف عن الاهتمام بمعالجة أسباب معاناة المواطنين ورفع مستوياتهم المعيشية والصحية والعلمية والمعرفية ، مع أن مهمة الثقافة الأصيلة هي العمل على إسعاد الإنسان وحل إشكالياته وتخفيف معاناته ، لأنه لا سعادة وسط إشكاليات الحياة الأساسية ، فكيف ستمتلك الثقافة اشتراطاتها. وكيف تتشكل ثقافة مع ضعف في المؤسسة الثقافية وفقر في إمكانياتها المادية وفي نظرياتها المتماسكة وفي توفير قيادات قادرة على المواجهة والرفض والتصدي ، إن ضعف الدعم  الذي ترصده الدولة للثقافة ، وعدم قدرة وسائل النشر على تلبية حاجة طبع النتاج الثقافي ونشره للمبدعين أمور تخل بالوضع الثقافي وبمستواه المأمول ، وتجهز على الثروة الوطنية المعرفية ، فضلا عن غياب التخصيصات للمبدعين ورعاية الموهوبين وغياب جوائز الإبداع المهمة التي تعمل على إبراز الإبداع العراقي عربيا وعالميا ، كما يغيب الاهتمام بإبداع الشباب وبيوت الشعر والمراكز الثقافية ولا نجد سلاسل وكتب دورية توزع بانتظام على مدن العراق كافة وتصل القرى والأرياف ، ولا دعم للورق والمطابع والمؤسسات المعرفية ، فكيف سيكون حال الثقافة ، ولا بد لي هنا من توجيه تحية صادقة للمبدعين العراقيين الذين أسسوا مواقع ألكترونية ثقافية مختصة ورصينة شكلت تجمعات ثقافية استقطبت أسماء عراقية وعربية ذات قيمة معرفية كموقع الناقد العراقي ومؤسسة المثقف والروائي والمتوسط أونلاين والحوار المتمدن والنور وغيرها .      

 

   ـ بعد مجموعتك الأخيرة ، التي ضمت جميع دواوينك ، هل تقفين على أعتاب مرحلة جديدة ، أم أن الآتي هو استمرار لإبداع المسيرة ؟

    كان همي الأول في السنوات الماضية هو جمع دواويني في عمل يضمها جميعا ، وجمع ما كتبت من قصائد نثر ونصوص طويلة في كتاب واحد صدر مؤخرا عن دار فضاءات بعنوان " خماسية المحنة " ضم رواية شعرية بعنوان " الحب 2003 " و"كتاب الوجد " و" كتاب العذاب " و"غرائز الكون " و" أنا والأسوار " ، وقد تحقق لي الأمران من خلال تفرغ علمي منحتني إياه الجامعة عام 2010 - 2011 ، وكان الفضل في إنجاز هذين العملين يعود لإلحاح طلبتي المبدعين وأخص منهم الشاعر الدكتور أحمد جار الله الذي ظل يلاحقني بضرورة هذه الخطوة كلما رأى انهماكي بطلبة الدراسات العليا وبمشاريعهم. أما الآن فأمامي قضية  أخرى لا تقل أهمية عن تلك ، ولذلك يُلحُّ علي بها طلبتي وزملائي وهي جمع بحوثي الأكاديمية في كتب لم أجمع منها سوى خمسة كتب والسادس في المطبعة ، وسوف أباشر بهذه العملية هذا العام بإذن الله مع تقديم مجموعة قصائد نثر للطبع بعنوان " إلبسي شالك الأخضر وتعالي " وهي من قصائدي التي تجلت فيها كل هواجس التصوف التي عشتها ، والتي يتسم تصوفها بتوجهه الخاص. أما المرحلة القادمة فهي التفات لمشروع جديد لا يمكنني الإعلان عنه إلا بعد المباشرة به .

 

   ـ في حياتنا الإبداعية نصوص نتمنى لو لم ننشرها ، ونصوص احتفينا بنشرها ، ونصوص لم ننشرها لسبب ما ، هل لمبدعتنا بشرى البستاني مثل هذه النصوص ؟ وهل يمكن أن تحدثينا عنها ؟

 نعم ، قد يكون ذلك صحيحا لحد ما ، لكن بالنسبة لنا نحن كتابها ، أما بالنسبة للدارس ، فإن كل نصوص المبدعين المنشورة لها أهميتها حين تؤشر سير تطور الكاتب ومدى اختلاف لغته من مرحلة لأخرى ، ومدى اختلاف التشكيل لديه وتباين البنى والتوجهات ، فكل نص يمثل مرحلته وعلى الدارس أن يسائله في ظل تلك المرحلة ومعطياتها ، وليس في ظل تصورات أخرى ، مع مراعاة مدى قدرة ذلك النص على الوصول للمرحلة الراهنة والعبور للمستقبل ، فليس من المنطق الفني أن تكون نصوص المبدع بمستوى واحد عبر حياته كلها ؛ودراستنا لمجمل نتاج الشعراء عبر العصور تؤكد ذلك ؛ لأن التراكم المعرفي والخبرة الفنية والجمالية والحياتية والوقائع وأثر الأحداث كلها عوامل تعمل بفاعلية على إحداث التغيرات الذوقية وتباين مستويات الإبداع ، لكني مع ذلك حذفت نصا أو نصين من مجموعتي الأولى " ما بعد الحزن " التي كُتبتْ معظم نصوصها في سن مبكر وأنا طالبة في البكالوريوس ، ولا أدري الآن لماذا حذفتها ، أما النصوص التي ما زلت أحتفي بنشرها فهي تلك التي لولا كتابتها لقُتلتُ قهرا ولصرعتني مرارة العذاب ؛ كونها أفرغت حزني ومواجدي ولوعاتي محولة إياها من وجع داخلي إلى تشكيلات لغوية أشعر بعدها بخفة الروح وانزياح التأزم وأحسُّ بالراحة من عبء ثقيل كان يجثم على صدري ويُعيقني عن مواصلة الحياة بسلام.

أما النصوص التي لم أنشرها فهي كثيرة أيضا ، ولعل ذلك يعود لعوامل وتحسبات شخصية وأحيانا عائلية تجعل حجبها عن النشر يوفر لي ما أحتاج من أمن نفسي ، مع أني كما تعلم أتمتع بشجاعة كافية وجرأة أدبية لا حياة للإبداع بدونهما ، لكنك تعرف كذلك أن للظروف القاسية التي نعيشها أحكاما تفوقنا سطوة وغالبا ما تملي علينا إجراءاتها هي ، ولي على ذلك أدلة واقعية للأسف لا مجال لذكرها ، وأشيرُ هنا إلى أن ذلك لم يحدث معي أبدا في مجال الشعر ، بل حدث أكثر من مرة في مجال البحث وموضوعات الدراسة الأدبية.      

 

  ـ الحرية ، هذه الكلمة الحلوة ، التي طالما تحدثنا عنها ، كيف تنظرين إليها في ربيع ـ شتاء العراق والوطن العربي ؟

لن اقف عند مصطلح الحرية ، لأنه مصطلح يختصر الوجود الإنساني برمته ، به تتحقق إنسانية الإنسان وتصان كرامة روحه ، به ندرك مديات الحب والحلم والجمال ، وبعيدا عنه ينضوي  الإنسان ويتشيء ليذوي ويموت في الحياة ، أما مصطلح الربيع العربي فهو مصطلح ما زال غائما يسوده الكثير من الضبابية لدى الكثير من المفكرين المهتمين بالقضية السياسية والمجتمعية اليوم ، ذلك أن المختصين بنظريات الثورة وكما درسنا منذ صبانا المبكر يؤكدون أن أي ثورة حقيقية لا يمكن لها أن تستوفي شروطها إلا من خلال تخطيط وستراتيجيات متفهمة للأسس والأسباب التي تدفع للتغيير من خلال فلسفة تعي الأبعاد الجوهرية للتغيير وتضع نصب أعينها أهمية تشكيل رؤية واضحة عن البدائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وعن ترسيم وتأثيث مستقبل البلاد من خلال دراسة معمقة للأهداف المرسومة بحيث لا يؤدي التغيير إلى إحداث فراغ وفجوات تملؤها الفوضى وتعيث بها الاضطرابات والإرباك والانفلات مما يعمل على تفعيل عوامل الفساد والتخريب والعبث بمقدرات البلاد والبشر كما جرى في أكثر من بلد عربي . لكن بالرغم من ذلك لا يمكننا نكران الهزة الضرورية التي فاجأت الدكتاتوريات العربية التي عاثت بالأرض والبشر والحرث والنسل فسادا وسلبا ونهبا وامتلكت السلطة امتلاكا وراثيا مشينا ، بحيث تتغير الدساتير من أجل التوريث ، وكأن البلدان سجلت بأسماء الحكام سندا أبديا ، وكأن النساء عقمت عقما عضالا عن إنجاب من يخلف الراحل العتيد غير محروس من صلبه . إن هبة الشوارع العربية كسرت حواجز الخوف من تنكيل الأنظمة الغاشمة وبطشها ، وأعادت للإنسان العربي اعتباره وثقته بنفسه ذاتا فاعلة بعد أن ظلَّ مشيئاً عقودا طويلة ، فقد استرد الفرد العربي كرامته الإنسانية حينما قال : لا ، وأصر على الرفض ، وسواء كان الآخر الغربي صاحب مصلحة في ذلك أم لا ، فإنه هو الآخر سيحسب لهذه الهبة الشاملة ألف حساب .

إن الشعب العربي الذي عاش مقهورا خلال أكثر من نصف قرن عادت له اليوم ثقته بقدرته ، إذ نهض ذلك الممكن المستحيل الذي غدا بتنكيل الحكام ميئوسا منه ، فصار متاحا على حين غرة.

إن أنظمة الحكم الفاسدة التي أهدرت أوطاننا وسرقت وأحرقت ثرواتنا وخربت تاريخنا كان أبشع ما اقترفته عبر مسيرتها أنها عاثت بأرواحنا ، وجعلتنا نعيش مكابدات فسادها بدل الانهماك ببناء أوطاننا وتحديثها ، وانصرافنا لحوار الحب والحرية والفرح والجمال ، وكانت المفارقة المُرة أننا خلال كل مجريات تلك الأيام السود كنا نتحدث عن الحداثة وما بعد الحداثة منذ نصف قرن.!      

 

   ـ للوطن ـ العراق حضوره الكبير في إبداعك ، والوطن ـ العراق ينحدر في هذه الظروف إلى المجهول ، ما دور القصيدة الآن ، ترثي ، تمجد ، تستنهض ، أم .. ليس ثمة أمل لكلكامش ؟

لا شك أن الدارس لشعري سينتبه لهذا الحضور الكبير للوطن وأهله ، وللناس الطيبين الذين لحق بهم جور كبير ، وللشهداء من كل الأعمار رجالا ونساء وأطفالا ، أولئك الذين حرموا حياة كان من حقهم أن يعيشوها وأن يحققوا ذواتهم وأمانيهم فيها ، لكنهم راحوا ضحايا حروب وعدوانات هي الجريمة بعينها ، وما لحق من ظلم بالإنسان العراقي لحق بالأرض وبالطبيعة والمياه والأمكنة العراقية كلها ، ونعرف جميعا أن المكان كائن له سيرته وفاعليته وتاريخه ، وأن الأدب منذ طفولته اهتم بالمكان تماهيا ووصفا وترميزا وتمجيدا ، وكانت الأطلال هي اللحظة الفلسفية التاريخية الحضارية التي ظلت متألقة في الشعر العربي حتى اليوم ، لأن المكان فعل تاريخي مخضَّب بالحدث ، فعل لا يتشكل كيانا إلا بفاعلية الإنسان به وفيه وعليه ، ولذلك فإن كل أذى لحق بأرض العراق كان وما يزال يعذبني ، لأنه وطن خالد يضم في عروقه عبير وعرق العراقي المثابر عبر أكثر من ستة آلاف عام ، ولذلك فهو مكان فاعل ومنفعل بجهد الإنسان الذي شكل شخصيته وكثف وجوده ، لقد كنت أتمزق بضراوة مع كل صاروخ سقط على دجلة ، لقد كان الأمريكان يتدربون عسكريا منذ عام 1991 حتى عام 2003 على شواطئ دجلة يرمون فيه وعلى ضفافه برشقات من صواريخهم كل يوم ليل نهار ، وأتعذب بوجع كلما سمعت أو قرأت عن نضوب دجلة والفرات في مدن الجنوب ، وعما جرى لنخيل البصرة أجمل النخيل في العالم ، ولشط العرب الذي كان أكثف الأنهار وأجملها وأثراها ، أتعذب بوجع كلما قرأت عن الآثار العراقية التاريخية التي سرقت وتُسرق من متاحف العراق ، حتى لكأنها تنتزع من خلايا جسدي. ولعل من المناظر الحربية البشعة التي لازمت ذاكرتي صورة المكتبة الوطنية ببغداد ورفوفها العامرة بأكداس الكتب متفحمة على الشاشة ، يومها أغمضت عيني وجفت الدموع . كل هذه الأوزار يتحمل جرائمها من نعرف ومن لا نعرف ، وأنا على يقين أن هناك الكثير الكثير - فضلا عن العراقيين - من العرب والأجانب الشرفاء من يتعذب لهذه الكوارث مثلنا ، ولكلٍّ منا طريقته في التعبير ، وقد كان الشعر لي وسيلة وغاية معا لتشكيل رؤية فنية تعبر عن رفضي الأليم  لكل أنواع العدوان على الإنسان وعلى وطنه وما يحب ويحترم من خصوصيات وأشياء وتراث وقيم وفنون . أما عن حال العراق اليوم ، فمن البديهي أن حزني لذلك جارح لكني بطبعي لا أميل إلى التشاؤم ، نعم أنفعل بشدة وأحزن وأمرض بانفعالي لكني أومن دوما أن الزمن الذي يُجري تحولاته كل لحظة على الكون فيطلع الفجر من أعماق الظلمة ويرمي بالشمس للمغيب والقمر للتحول ، ويجري تغيراته على الإنسان والأشياء والبحار والمحيطات ، لا بد أن يخفي في طياته ما قد يفاجئنا به من تحول ممكن يطلع من أعماق المستحيل ، هذا المستحيل الذي دفع الشباب العربي لأسباب معروفة مجهولة لانتفاضات غيرت واقعا سياسيا عربيا لا أحد كان يتصور تغييره بهذه السرعة وبشكل  جماعي . إن فلسفة الكوانتم / التحولات التي درستُها بإعجاب هي التي تمنحني الأمل وتجدده كل يوم ، ويغريني بها ما أكده فيلسوفها ماكس بلانك من أنه لا حتمية ولا مستحيل في الحياة ، بل كل شيء عرضة لاحتمال التغير والانبثاقات المفاجئة على حين غرة ، فضلا عن أملي الكبير بقدرة الإنسان العراقي على التجاوز ، وامتلاكه جينات حضارية حية ومتواصلة تجري في دمه منذ العصور الحجرية الموغلة في القدم.

إن المهمة الأساسية لقصيدة اليوم باعتقادي هي كل ما ذكرتَ وأكثر من ذلك تماما لتستطيع استنهاض مؤازرةٍ حقيقية للإنسان ، مهمتها التحريض على دحر الشر واسترداد الحب والجمال والتسامح ودحر القبح والضغينة ، واستنهاض الهمم وتمجيد فعل القيم لنصرة البراءة المهددة بشتى أنواع الظلم والقسر والنهب والفقدان ، وهذه المؤازرة هي التي تحدد مضامينها كما تحدد تقانات التعبير عن تلك المضامين ، ففي الشعر العراقي اليوم تجد رثاءً للإنسان والواقع كما تجد سخرية من الواقع ، تجد تمجيدا للقيم كما تجد تهكما بمن يدعيها ثم يطعنها سلوكا ، تجد شعرا رومانسيا كما تجد شعرا واقعيا وثوريا وحتى تجريديا وسورياليا وتجد شعرا إشكاليا كذلك ، فتناقضات واقعنا تتسع لكل الألوان والمذاهب والاتجاهات والتوجهات.

لقد شبع العالم المعاصر وإنسانه قسوة ورعبا ، وهو اليوم بحاجة لكثير من الحب والحنو ، وأعتقد أن الرجال الذين حكموه بتوجهات ذكورية تتسم بالعنف هم سبب الكوارث التي نزلت به تحدوهم المصالح والسلطة والكراسي والذرائع ، ولو أتيح لأنثى حانية حكيمة وصانعة قرار أن تحكم العالم لضمته إلى صدرها ، واحتضنت بشرَهُ وشجره وأنهاره ، ولنزعت عن سواعد شبابه الأبرياء سلاح الحروب لتعلمهم المحبة والتسامح وزراعة الحدائق ، ولقد قلت ذلك في قصيدة نثر افتتحت موقعي الالكتروني عنوانها " هذا العالم لا يتسع لحبي ".

 أما عن مقولة ليس ثمة أمل لكلكامش ، فإن المبدع الحقيقي لا يؤمن بمقولات جاهزة تكرّسُ اليأس والتقاطع مع الحياة ؛ فبدون الحلم يغادر الإنسان إنسانيته ليأكل ويتناسل وينام ، إن الأمل موجود دوما ، لكنه بحاجة لهمم عالية وإرادات خلاقة كي تنتزعه من ركامات اليأس والصدود ، وأنا الآن لا أكتب كلاما إنشائيا ، بل أعتمد في توجهي على مسيرة الإنسان عبر التاريخ وعلى قدرة المتغيرات على النهوض بالممكنات العصية العنيدة من ركام وتراكم المستحيل . إن الإنسان غير محكوم بدوافع جاهزة ، وطاقاته غير مقيدة بأنظمة تتسم بالثبات والاستقرار ، لأنه حالة بالغة التعقيد من المدركات والاستجابات التي كثيرا ما تشتغل خارج أطر الحتمية والحسم ، وغالبا ما تفاجئنا بنهوض ذلك الذي خلناه مستحيلا أو غير ممكن في أقل تقدير، وما دام الإنسان خلق ليحيا فإنه سيظل يقاوم عوامل الجدب والموت والفناء ، وهو في دفاعه عن الحياة أشد ما يكون ضراوة وإخلاصا ، وما مهمتنا اليوم فنانين ومبدعين ونخبا ومعرفيين إلا العمل بكل الصدق والمثابرة على مقاومة فناء شعبنا ووطننا بكل عوامل الإيجاب المتاحة .   

 

  ـ الأنظمة العربية الشائخة المتهرئة ، يعصف بها  الآن الربيع العربي  ، هل نأمل أن يعصف ربيع  بالشعر العربي الراهن  ، وما هي في رأيك الاتجاهات الممكنة لهذا الربيع ؟

من يتأمل الشعر العربي عموما ، والعراقي بشكل خاص ، فإنه سيجد ألوانا من النصوص تتشكل بتقانات شتى ، وبأساليب متباينة في التعبير ، وسواء صفت هذه الأساليب دلالة أم لفها الغموض  وخاتلها المعنى فإنها تبقى في النماذج الجيدة منها تستحق القراءة والتحليل ولكل نص مشغله النقدي الخاص . إن تنوع الحياة اليوم وانفجار إيقاعاتها لا يمكن أن يوجه الفن باتجاه مرسوم ولا يسير به سيرا أحاديا ما دام الشعر الحقيقي يستلم معظم إشاراته من الواقع المحرك لمخيلة المبدع ، والفاعل في ضميره السايكولوجي والشعري ، وما دام الواقع زاخرا مشتعلا بالمتغيرات ، وما دامت الأنا تتشكل وتنهض من صميم الجماعة ، فإن الشعر باعتقادي في ضوء تراسل الفنون وتداخلها والتضايف معها سيظل يتطور ، والقارئ الواعي ذو الحساسية الفنية العالية سيظل يتقبل تطوره وتنوعه وتبايناته ، ودليلنا على ذلك ما عانته قصيدة النثر من رفض الرافضين والمعاندين ، لكنها ظلت لدى المؤمنين بحضورها نموذجهم الذي دافعوا عنه واستمروا على الكتابة به وتطويره والإخلاص له . إن المهم في النص الأدبي  هو قيمته ، وبراعة اللغة الأدبية التي تؤديه ، وأسلوب الشعرية التي تقدمه والقيم الجمالية الثاوية فيه ، وحينها ستكون الأشكال هي النسج الحميم الذي يبث تلك القيم مندمجة ببعضها ، لا انفصام لها ، وما دامت اللغة العربية تتسم بالمرونة وبالقدرة على توليد المجاز باستمرار وتشكيل الصور التي تتسم بالحيوية والحركة ، فإن الشعر سيواصل مع التغييرات الجذرية فاعليته ، لكن الإبداع كما سبق أن أشرت بحاجة إلى دعم مادي ومعنوي ومؤسساتي يهتم به ويطرحه للدرس ويقدمه للقراء ويطرح الجيد منه للترجمة درءا للقطيعة القائمة بيننا وبين العالم لنواصل المسيرة باتجاهات سليمة  .       

النور


التعليقات




5000