هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


2 - دعبل بين هذا وذاك ...!! يجب أن نتعوّد على أحترام الرأي الآخر دعبل نموذجاٍ

كريم مرزة الأسدي

المنافسة والمعارضة والصراع والحسد طبائع جبلت عليها الكائنات الحية وفي مقدمتهم الإنسان منذ البدء, ولو بنسب مختلفة حسب الثقافة التربية والبيئة والحالة الأقتصادية والمنزلة الأجتماعية , ونحن نتوخى الحق والعدل بين تراث العباقرة والمفكرين والشعراء الخالدين الأموات لكي نستفيد ونفيد جيلنا الحاضر أو الأجيال القادمة , أما رأينا بالمعاصرين قد يأخذ منحى المجاملات والمصلحية والتأثيرات الموضوعية والذاتية , إلا من أفرزه العصر , وما عاد له اهتمام كبير بما قيل ويقال عنه !, لذلك بحثنا عن العديد من الشعراء الكبار البارزين المعاصرين والقدماء , ولا يمنعنا هذا من تشجيع الشباب المتطلع للخلود في سبيل رقي االوطن والأمة والإنسانية ' ونحن في كل الأحوال نبدي وجهة نظرنا , ولا نزعم أنها الأصح , فكما يقول الإمام الشافعي : رأيي صواب يحتمل الخطأ،ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب .

يقول دعبل:

أما آنَ أنْ يعتبُ المعتبُ ؟ *** ويرضى المسيء ولا يعتبُ !

وغولُ اللجـــاجةِ غرارة ٌ***** تجدّ ُ وتحســبها تلعبُ !

أبعدَ الصفاءِ ومحض ِالإخاءِ*** يقيمُ الجفـاءُُ بنا يحطبُ(33)

وقـد كــان مشربنا صافياُ *** زماناً فقد كدر المشــربُ

وكنا نزعنــــا إلى مشربٍ ***قبيح ٍ , فضاقَ بنا المذهبُ

ومن ذا المواتي لهُ دهرهُ؟**ومن ذا الذي عاش لا يُنكبُ؟

فعودكُ من خدع ٍ ً مورقٌ*** وواديكَ من علل ٍ مُخصبُ

فإنْ كنتَ تحسبني جاهلاً*** فأنتَ الأحـــقُ بما تحسـبُ !(34)

أين الخلل أنْ يكون الشاعر رسامَ كاريكاتير ساخراً في عصر لا يعرف فيه هذا الفن , و يخط نقده بالصور الناطقة , أو هجاءً مقذعاً لشخصيات عامة بيدها كلّ الحل والربط , ويقف إلى جنب الفقراء والمستضعفين والكادحين؟ ولماذا بقينا نقدس السلطان وأعوانه حتى النخاع؟ وماذا سيحل ّ في الدنيا لو سمحنا لألسنة وأقلام المعارضة أن تبدي رأيها , والسلطات أن تسمع وتتفهم وتصلح الخلل , وتسد الثغرات الطبقية والعنصرية و الطائفية لولا الجشع والطمع , والخوف من زوال نعم دنيا لا تدوم لأحدٍ؟! ولماذا لم يعوّدنا الأجداد - رحمهم الله - على هذا النهج بدلا من اللجوء إلى السيف والمنجنيق ؟! حتى وصلنا إلى الرشاش والمدفع والطائرة , والسيف مرة أخرىللبشاعة وإلا :

إن لم تمت بالسيف مت بغيره *** تعددت الأسباب والموت واحدُ

وما علينا أن يمدح الشاعر من يشاء أو يهجو من يشاء من الرموز العامة , من حيث هو لا من حيث أنت وأنا ؟! أليس من حقنا أن نسلط الضوء على شعراء الموقف الحاسم ,ونقدمهم للعرب والإنسانية , ونفتخر ونقول هكذا كنا يا عالم ؟!

هذا الدعبل الذي قابل الرشيد بأبهته وعينه واليا وركلها بقدمه اليمنى , وألقى قصيدته التائية الشهيرة والتي يتناقلها أبناء العامة قبل الشيعة في حضرة الإمام الرضا (ع) , وروى عن الإمام مالك بن أنس (بعضهم يدحض الخبر نقمة عليه) , وقابل المأمون , والمأمون يحفظ شعره ويستشهد به لجودته , وعيّن والياً لأسوان وركل الولاية بقدمه اليسرى , ويقابل المعتصم المهيب ويهجوه بقسوة , ويقبل يده أبو العباس المبرد الذي يعد كتابه (الكامل) من أروع ما خلفه لنا الأدب العربي , وينقل عن شخصيته ما يدهش القارئ , وينقل الرواية ابن المعتز العباسي في (طبقاته) , ويرثيه البحتري الشاعر المتنفذ جداً في قصور الخلافة العباسية ,ويعتبر وزير إعلام المتوكل , ويضعه على قدم المساواة مع أستاذه أبي تمام , ومديحه في ديوانه أكثر من هجائه , ولم يمس شاعرا مهما بلغ مستواه الأدبي - سأذكرالخبر- واحترم أستاذه صريع الغواني (مسلم بن الوليد ) , ولم يختلفا حتى عين الأخير في منصب رسمي ,فخشى من دعبل المعارض , والخشية على وظيفته , كما يروي أبو تمام , هذا الشاعر الصلب المهيب لم يرميه بالسوء بداية بعد وفاته سوى الأصفهاني (ت 356 هـ /967 م) في (أعانيه ) تملقاً لأصحاب السلطة قائلاً : شاعر متقدم مطبوع هجاء خبيث اللسان , لم يسلم عليه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا من أولادهم ولا ذو نباهة أحسن إليه أو لم يحسن , ولا أفلت منه كبير أحد , وكان من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي صلوات الله عليه , ولم يزل مرهوب اللسان خائفاً من هجائه للخلفاء , فهو دهره كله هارب متوارٍ ٍ(35). , وتلاقف المؤرخون والكتاب قديما وحديثا - من غير الشيعة طبعاً , فالطبيعة البشرية العادية منحازة - قوله كالذهبي في (ميزانه و (تاريخه الكبير ) وابن خلكان في (وفياته) ,والخطيب البغدادي في (تاريخه) و الحموي في (معجمه) , وابن الجوزي في (منتظمه) , واليافعي في (مرآة جنانه), وتافتوجي في (أبجد علومه)... , معظمهم نقلة للأخبار دون تفكير أو تعليل أو رؤية مغايرة لذلك عكفت عن كتابة ما نقلوه , فذلكة أقوالهم : شاعر جيد مفلق سليط اللسان رافضي هجاء للخلفاء , ولما يصلوا للتائية يشيدون بها , ويرفعوها للسماء دون ذكر الموقف والرأي الأخر وحرية الفكر وجهاده ووقوفه مع الفقراء , من هنا جاءت التهمة للعرب بأنهم نقلة أخبار وعلوم! , نستثني الآمدي في (موازنته بين الطائيين) كان معتدلاً في في عرضه , ولفت الأنتباه إلى فقرة مهمة من كتاب دعبل المفقود ( طبقات الشعراء) , وقال عنه " يهجو الملوك والخلفاء , ولا يكاد يعرض لشاعر إ لا ضرورة , وقد حذر في أول كتابه الذي ألفه في الشعر من التعرض للشاعر , ولو كان من أدون الناس صنعة في الشعر ..." , ربما أراد دعبل أن يحيد الشعراء ضده , لأن الخلفاء والقادة أردوا أن ينشغل بهجاء الشعراء مثله أو دونه ليصغروا شأنه ويستريحوا من لسانه السليط الشهير , واستطاعوا أن يغروا أبا سعد المخزومي ضده , , ولكن الدعبل لم يرتدع , وأبو العلاء المعري سار على منوالهم وقال :

لو أنصف الدهر هجا نفسه *** كأنه الرومي أو دعبلُ

وهنالك فرق شائع بين هجاء ابن الرومي البائس في حياته حيث هجا معاصريه ,لانهم شهّّّروا به أنه (عنين) , وهجا الأحدب , وابن يوسف , ويتوسل بالقاسم بن عبيد وزيز المعتضد الله ليبقى في مجلسه: قائلاً في همزيته المطولة :

سمني الخسف كلـّه أقبل الخسـ*** ـف شكراً ولا تسمن الجفاءا

و كما تعلم الخسف يعني الذل ,ويتوسل بالوزير صاعد بن مخلد ليقرأ قصيدته الدالية الخالدة التي قدم لها بقصيدة رائية متوسلاً بقراءة الدالية التي تعد من روائع الشعر الإنساني :

أول ما أسأل من حاجةٍ***أن تقرأ الشعرَ إلى أخره !!

وذكرت في الحلقة السابقة أبيات ابن الرومي التي مطلعها:

لا أقذع السلطان في أيامهِ***خوفاً لسطوته ومر عقـــــابهِ

في حين دعبل كانت شخصيته قوية, يقابل الخلفاء والوزراء والقادة , ويخشون من لسانه ومهابته , يقول للمأمون :

إني من القوم الذين سيوفهمْ*** قتلتْ أخاك وشرفتكَ بمقعدِ

لأن طاهر بن الحسين الخزاعي قائد جيوش المأمون , وهو الذي دكّ بغداد وقطع رأس الأمين سنة (198 هـ) , وسلم الخلافة للمأمؤن , وخاطب المعتصم المهيب :

وإني لأعلي كلبهم عنك رفعة ً*** لأنك ذو ذنب وليس له ذنبُ

مع احترامي الشديد وحبي العميق لعبقرية ابن الرومي الخالد كشاعر فذ من عباقرة العرب , ولكن في حياته المعاصرة لدعبل لم يكن كشخصية الأخير وموقفه و جرأته.

أين دعبل من الطائفية وهو يهجو أهل قم , وكانوا من الأشاعرة الموالين الخلص لأهل البيت في عصره دون معظم أهل فارس الآخرين :

تلاشى أهل قم ٍواضمحلوا ***تحلّ المخزيات بحيث حلوا

وكانوا شيدوا في الفقر مجداَ **فلما جاءت الأموالُ ملـّوا

واضح من الشعر أنه يقف مع الفقراء لبمعدمين , ويحارب الثراء غير المشروع , أين المشكلة ؟وهجا أهل قم أقسى من هذا الهجاء بقوله :

ظلـّتْ بقمَّ مطيتي يعتادها *** همّانَ: غربتها وبُعدُ المدلج ِ

ما بينَ علج ٍقدْ تغرّبَ فانتمى**أو بينَ آخرَ معرب ٍ مُستعلج ِ

وهجا المعتصم والأتراك معه لكونه مسلماً عربياً :

لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهمْ *** وصيفٌ وأشناسٌ وقد عظم الكربُ

وهمكَ تـــركيٌّ عليهِ مهانــــــــة ***** فأنت لهُ أمٌ , وأنتَ لــــــــهُ أبُ

وصيف وأشناس غلامان للمعتصم , أصبحا من قادة المعتصم , وهجا قريبه المطلب بن عبد الله الخزاعي , والي مصر والموصل في عهدي الأمين والمأمون , لأنه يأخذ الرشوة والعطايا جبراً من الناس :

وما المال جاءك من مغنم ٍ *** ولا من ذكاءٍ و لا كسبهْ

ولو رزق الناسُ عن حيلةٍ *** لما نلت كفـّاً من التـُّربهْ

الناس مجبورون لمراجعته لقضاء حوائجهم , ويفرض ما يشاء عليهم ,, ولأنه قريبهُ , ولا يستمع لنصائحه , تراه يخاطبه:

فإن أشف منكَ تكن سبّة ً ***وإنْ أعفُ عنك فمـــــا تعقل

تـُعلق ُ مصرٌ بكَ المخزياتُ**وتبصق ُفي وجهكِ الموصلُ

إذا سبّه , سب نفسه لأنه ابن عمه , وإذا عفا عنه لا يصلح نفسه , فكتب قصيدة أصابه بالصميم حتى عزله المأمون , ودقق على الموصل إذ كان واليها !

كل ما ذكره الأصفهاني وغيره لا يعني شيئاً , نعم هجا وسخر من الخلفاء وأولادهم ووزرائهم وذي النباهة من أعوان السلطة , وركل الولاية مرتين , ولا يعتبر ذلك إحساناً - كما يقول الأصفهاني بدليل قوله من الشيعة المشهورين بالميل للإمام علي (ع) , وذلك قبل تبلور المذاهب الإسلامية , إذ كان المسلمون شقين , القسم الأكبر معارضون للسلطة , بما فيهم الأئمة الأربعة , فالإمام أبو حنيفة (ت 150 هـ / 768م) , كما يقول اليعقوبي في (تاريخه) , والأصفهاني نفسه في (مقاتله) والدكتورة الليثي في (جهادها) أفتى لصالح ثورة زيد بن علي بن الإمام الحسين (121 هـ) (36) , بل تذكر الدكتورة الليثي :" روى الأصفهاني كثيراأ من الرويات حول تأييد أبي حنيفة لمحمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم خلال ثورتهما على الدولة العباسية في عهد المنصور ..." (37) , ويذكرالأصفهاني نفسه في (مقاتله) ما يلي : " كان أبو حنيفة يجهر في أمر ابراهيم جهراً شديداً, ويفتي الناس بالخروج معه" (38) ويزيد الأستاذ أحمد أمين في (ضحاه) , ويروي الخطيب البغدادي في (تاريخه) : أن أبا حنيفة أبى إصراراً تسلم القضاء في عهد المنصور (39) , والإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ 795م) , تعرض في كهولته لمحنة كبرى فقد اضطهده الخليفة المنصور , ثم ضربه والي المدينة سبعين سوطاً (40) , وقد أفتى لصالح النفس الزكية في المدينة المنورة , إذ يذكر في (مقاتله) : " إنّ مالك بن أنس استفتى في الخروج مع محمد بن عبد الله وقيل له :إنّ في أعناقنا بيعة لأبي جعفر .

فقال : إنما بايعتم مكرهين , وليس على مكرهٍ يمين , فأسرع الناس إلى محمد بن عبد الله "(41)إذن لماذا الأصفهاني كان قاسيا ًمع دعبل ورماه بالخبث وعدم الأعتراف بالأحسان , وهو صاحب قلم ولسان , في حين قد أفتيا الإمامان أبو حنيفة ومالك بحمل السلاح والسيف , وبذل المال للوقوف مع العلويين , وخلعا المنصور من خلافته , والإمام الشافعي (ت 204 هـ / 819م ) معروف بولائه للعلويين وشاهده شعره وفقهه , والإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ / 855 م) معروف بمحنة خلق القرآن ويقول اليعقوبي " وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن ...فامتنع أن يقول إنّ القرآن مخلوق , فضرب عدة سياط"(42), ولعلك تعلم عن تشدد المأمون -معه , والتعصب ضده .

ناهيك عن أنّ العلويين وأشياعهم ومواليهم والثورات الشعبية التي حدثت خلال حياة دعبل المئوية ومغاصرته لها , هؤلاء أئمة المذاهب الإسلامية الأربعة المشهورة ومواقفهم من الخلفاء والسلطات , ودغبل عاصرهم , ولم تكن المذاهب قد تبلورت , وما الأئمة الأربعة سوى فقهاء كبار في عصرهم , والمجتمع كان ينقسم إلى علويين وعباسيين .

إذن لماذا المؤرخون وكتاب الأدب والمفكرون المنحازون من العرب قديماً وحديثاً وجهوا سهامهم على الشعراء والمعارضين دون التمعن والتفهم واحترام الرأي الآخر , وجروا عامة العرب إلى التعصب الأعمى القاتل للأرواح والحضارة والتقدم , أليس من حق دعبل أن يصرخ لإنعدام مناصريه أيام الشدة :

ما أكثرَ الناسَ ! لا بل ما أقلهمُ *** اللهُ يعلمُ أني لمْ أقلْ فندا

إني لأفتحُ عيني حينَ أفتحها **على كثيرٍ ولكنْ لا أرى أحدا (43)

ٍولعل مظفر النواب قد أخذا هذا المعنى من دعبلأ أو توارد خواطر , وعلى ما يبدو لي قد تأثر به في معارضته للحكام مع الفارق بين فكري الشاعرين وعصريهما وشخصيتهما :

وأضيءُ الشمعَ وحدي

وأوافيهمْ على بعدٍ

وما عدنا رفاقْ

لمْ يعدْ يذكرني

منذ اختلفنا أحدٌ

غير الطريقْ

صار يكفي (44)

هذا هو الإغتراب النفسي الذي يعاني منه الشعراء حيث الشرخ العميق بين ما يسعون إليه في سبيل تقدم المجتمع , ورفع الوعي الجمعي - حسب رؤيتهم - , وبين معاصريهم الغارقين في محيط أتراحهم وأفراحهم , والدنيا تدور !

ودعبل لم يهرب في عصر المنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين زالمأمون بالرغم من هجائه المرير للأخير ولوزرائه وقادته وولاته ,لأنه كان حليماً محنكاً , فرفض أن يمسه أحد بسوء بغير حجة , بالرغم من إلحاح وتحريض أبي سعد المخزومي الشاعر وابن شكلة (عم المأمون ) على قتله , نعم هرب فقط في عصر المعتصم عندما هدر دمه , وكان عمرالدعبل سبعين عاماً , ورجع في بداية عهد الواثق (227 هـ / 842م ) خفية , وسلم لحاجبه نتفة أبيات , وقال له هذه أبيات مدح في حق الخليفة الجديد , وخرج وتوارى عن الأنظار , وإذا بها تهكم بالمعتصم الماضي وسخر من الواثق الأتي :

الحمدُ للهٍ لا صبرٌ ولا جلدُ***ولا عزاءٌ إذا أهلُ البلا رقدوا

خليفة ٌماتَ لم يحزنْ له أحدٌ***وآخرٌ قامَ لمْ يفرحْ بهٍ أحدُ

فمرَّ هذا ومرَّ الشؤمُ يتبعهُ **وقامَ هذا فقامَ الويلُ والنكدُ(45)

واستقر في عصر المتوكل حتى مقتل الشاعر (246 هـ / 860 م) , ولم يهجُ المتوكل إلا ببيت واحد , يقول صاحب الأغاني : رماه فيه بالأبنة أي بالناقصة القاضية , وعلى ما يبدو أن المتوكل كان ربيب الأتراك , قال فيه :

ولستُ بقائل ٍ قذعاً ولكنْ *** لأمر ٍ ما تعبّدكَ العبيدُ (46).

ولا جرم أن الأصفهاني لا يستطيع إخفاء قصيدة نعدُّ من أروع فصائد الرثاء والمديح في حقّ آل البيت , عمّت الآفاق , وشغلت جميع المسلمين , وتعتبر من أشهر القصلئد في الأدب العربي , وهي القصيدة الموقف بالنسبة إليه , تغسل كل ما قيل حوله من خبث اللسان , وفحش القول , وخساسة الطبع , لأن الخبيث خبيث في كلّ أحواله , لا يمكن له من وضع أروع قصائد المديح والرثاء والعرفان بالجميل , والخسيس لا يمكن له أن يقارع أعظم قادة عصره وأجرأهم على هذه المعمورة كلّها , هذه تتناقض والطبائع البشرية , لا أعرف كيف الأصفهاني ومن تلاه قد جمعوا بين النقيضين دون تحليل عقلاني , وتفهم إنساني سوى العصبية المقيتة , أو إرضاء العقل الجمعي للآخرين ؟ وإليك قول الأصفهاني في ( أغانيه) بالتائية : " من أحسن الشعر , وفاخر المدايح المقولة في أهل البيت عليهم السلام , قصد بها علي بن موسى الرضا عليه السلام بخرسان " (47), والحموي مثله في (معجم آدابه) : " قصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر , وأسنى المدايح .." (48), وقال الحصري القيرواني في (زهر الآداب) : " كان دعبل مدّاحاّ لأهل البيت عليهم السلام .. وله التائية المشهورة" (49) , أما أبو سالم بن طلحة الشافعي يقول في (مطالب المسئول) " نأنظر ألى هذه المنقبة , وما أغلاها , وما أشرفها .." (50) .

هذه مجموعة من الأقوال على سبيل المثال لا الحصر , من غير الشيعة , لأن الشيعة لا يحتج بأقوالهم , إذ يحسبون دعبلاًً منهم , وأنا الذي أريد أنْ أثبته : كان لدعبل موقف يجب أن يحترم ويمجد كماضل ومجاهد كبير مرً بتاريخنا العربي , من حيث هو لا من حيث أنا وأنت , وللأسف الشديد وقع في هذه الإشكالية أكبر عباقرة العرب المعاصرين وكتابهم - العقاد مثلاً -وسارعلى نهجه الفاخوري دون تفكير أو تحليل , والإنسان إنسان له تفكيره . له تحليله , وله استنتاجه . ويجب أن لا يركن للإنسان الآخر مهما بلغ من عبقرية وذروة ذكاء , فالتفكير مفتوح أمام الجميع , وإلا قد يؤدي بنا إلى التعصب والإنشقاق , وعدم احترام الرأي الآخر , لذلك بقينا في مصاف آخر الأمم , والحفيفة كل تاريخنا العربي مؤسس على تقديس السلاطين والتعصب ومسايرة العقل الجمعي !! العقاد العظيم يقول عن السيد دعبل : " ولد ليذم ويبغض و يصل إلى المدح والحب من طريق الذم والبغضاء , وهو في تكوينه كله قصيدة هجاء حية , لقى الناس أبدأ بالتجهم والعبث والشذوذ " (51)

بادئ ذي بدء العقاد يعرف حق المعرفة أن البغض والذم والحب والمدح هذه صفات مكتسبة وليست لها علاقة بالولادة والوراثة , ثم كيف يصل للمدح والحب عن طريق الذم و البغضاء , وهو من القلائل جداً جداً قابل أعظم خليفة إسلامي في التاريخ شهرة ( هارون الرشيد) , وأجرى عليه راتباً , ومن أندر الناس عين في قصر الخلافة حتى عين والياًعلى سمنجان في عهد الرشيد نفسة (174هـ /790م) , وقابل المأمون مراراً , والمأمون يتمثل بشعره ويحفظه , وتعين والياً على إسوان المصرية (مدينة العقاد) , وقابل المعنصم المهيب وعرض عليه الأخير منحة ليشتري موقفه , ثم كيف يقبل يديه ( المبرد ) العظيم ويروي عن شخصيته ما يدهش برواية ابن المعتز العباس خفيد المعتصم ؟ - سنروي الروايات بإسانيدها الموثوقة في الحلقة القادمة - , وكيف البحتري بضخامته شاعر المتوكل ونديمه الشخصي وشاعر الخلفاء من بعده يرثيه ويرثي معه أستاذه أبا تمام ؟! , ثم إن دعبلا مديحه أكثر من هجائه , كيف تفوت هذه الأمور على أستاذنا العقاد الكبير ؟ , في حين ألـّف أروع كتاب عن ابن الرومي هجاء الكسبة والمساكين , وجعلهما المعري علئ قدم المساواة في الهجاء , ولكن شتان بين الهجائين والشخصيتين , ولا أقول الشعرين, فالعقاد أجاد وأحسن كثيراً في مؤلفه عن ابن الرومي الخالد , ولابد من لإشارة أن الشاعر والأديب المصري الأستاذ عبد العظيم قناوي (1900م - 1972م) , وهو معاصر للعقاد ( أسوان 1889م - 1964م) تماماً كتب مقالة في مجلة (الرسالة) سنة (1946م) تحت عنوان (دعبل الشاعر الشجاع الوفي ) (52) , أكرر المقولة لثبيت المفهوم : يجب احترام موقف الأخرين واجتهاداتهم وانتمائتهم الدينية والسياسية , فالناس أجناس !والباحث الأستاذ هادي العلوي في كتابه (الهجاء في الأدب العربي ) يذكر "نجد لظاهرة دعبل في أيامنا تكراراً يمثله مظفر النواب " (53) , - وذكرت ذلك في حياة المرحوم العلوي في كتابي للعبقرية أسرارها ... - وأرى أنّ المشابهة لا تخلو من بعض الصحة , وليس الصحيح بأكمله , لأن دعبلاً عاصر خلفاء الدنيا معظمها لهم , في حين مظفر عاش في ردول طوائف , يمكن له أن يجد ملجأً أمناً في قطر عربي أو أجنبي , ودعبل يحمل خشبته ويرتحل , ومظفر هجا جيع الملوك والرؤوساء , ولم يميز فيخف الحقد , وكل يقول (يا ستة سويت الستين ) , ثم أن دعبلاً مدح الوجه الأخر للزعامة , وهنا يكمن الموقف , وهذا أشدّ إيلاماً للخلفاء , لا سيما الصراع محتدم بين العلويين والعباسيين , وإليك بعض أبيات التا~ية الدعبلية التي تبلغ (121) بيتاً :

تجاوبنَ بالأرنانِ ِوالزفراتِ *** نوائحُ عجمُ اللفظِ والنطقــاتِ

يخبرنَ بالأنفاس ِعن سرِّأنفسٍ**أسارى هوىماض ٍوآخر آتِ

ليالي يعدينَ الوصالَ على القِلى**ويعدي تدانينا على الغرباتِ

وإذ هنَّ يلحظنَ العيونَ سوافِراً*ويسترنَ بالأيدي على الوجناتِ

ألم ترَ للأيّام ما جرّ جورها*على الناس من نقصٍ وطول شتاتِ

ومن دول المستهترينَ ومن غدا * بهم طالبا للنور في الظلماتِ

رزايا أرتنا خضرة َ الأفق ِ حمرة ً**وردّتْ أجاجا طعمَ كلِّ فراتِ

***************************************

مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ *** ومنزلُ وحي ٍ مقفرُ العرصاتِ

لآل رسول اللهِ بالخيفِِ من منى**وبالركن والتعريف والجمراتِ

وأين الأولى شطتْ بهم غربةُ النوى*أفانين في الأقطار مفترقاتِ؟

وما الناسُ إلا غاصبٌ ومكذب ٌ *** ومضطغن ٌ ذو إحنةٍ وتـراتِ

أرى فيئهمَ في غيرهمْ متقسّـــماً *** وأيديهمْ من فيئهمْ صفراتِ

عسى الله أنْ يأوي لذا الخلق ِ إنه ***إلى كل قوم ًدائـم اللحظاتِ

فان قلتٌ عرفا أنكروه بمنكر ٍ** وغطوا على التحقيق بالشبهاتِ

سأقصرُ نفسي جاهداً عن جدالهم *** كفاني ما ألقى من العبراتِ

أحاول نقل الشمس عن مستقرها ***وإسماع أحجار من الصلداتِ

فمن عارفٍ لم ينتفع ومعاندٍ *** يميلُ مع الأهــواء ولشــــهواتِ

كأنـّك بالأضلاع قد ضاق رحبها ** * لما حملت من شدة الزفراتِ (54)

لم يقرأ الشاعر مطلع النسيب بحضرة الإمام الرضا (ع) استحياءً منه , وإجلالاً له, ولكن أريد منك أن تركز على الأبيات التي تبتدأ ( ألم ترَ للأيام ...) و ( ومن دول المستهترين ...) و (رزايا أرتنا...) و ( وما الناس ...) و (أين الأولى ...) و ( أرى فيئهم ...) و (عسى الله...) و (فإنْ قلت عرفاً...) و (سأقصر نفسي جاهداّ...) و (أحاول نقل الشمس ...) و (فمن عارف لم ينتفع...) و (كأنك بالأضلاع...) , هذه أبيات معدودة من ملحمته التائية ,عندما تتأمل إلى ما أشرنا تجد الثورة على الجور ودول المستهترين , والرزايا المفجعة التي تقلب ماء الفرات إلى بحر أجاج , وعكس لحالة بعض أفراد مجتمعه المتنفذين من الغاصبين و الكذابين والحاقدين , وكلّ من يتوخى الإصلاح تجده مشتتاً في الآفاق , ويتألم للعدالة المسلوبة ( أرى فيئهم ...) ,ثم يلجأ إلى اللة علام الغيوب بأحوال الناس مستغيثاً به , ويشمر عن ذراعه معتدماً على عزيمته الجبارة لنقل الشمس من مستقرها , لمّا ضاق صدره من شدة الزفرات , قلب مكلوم , وقكر مهموم , هذه جبلة الثائرين والمصلحين , رجاءً لا تقل لي مرة تانية : كان عصره ذهبياً الشاعر والمصلح يتطلع للأسمى والأفضل ومستقبل الأجيال , وأنت أعرف بعصرنا الحاضر , نعم هذه قصيدة لثائر مجاهد صاحب موقف صلب مستميت حتى الشهادة في سبيل ما يؤمن به هو ومريديه , ليس بكلام من لا يفقه ما يريد , متى نتعلم على احترام الرأي الآخر , ونقاتل في سبيل الدفاع عنه ودراستة , والإستفادة من صحيحه وصوابه لخدمة المجتمع الحالي والآتي ؟!

كأني به يعاتب من أساء إليه بعد وفاته , إذ كان في حياته مهوب الجانب , شديد البأس ,قوي العزيمة , واسع الحيلة سليط اللصان ,لولا أنْ حركوا عليه الساعر أبو سعد المخزومي لينال منه هجاءً, وشتان بين الرجلين ,إليك ن عتابه المرير المشفق , والحكم عند حاكم الحكام !! :

ستنشبُ نفسكً أنشوطة ٌ ********وأعززْ عليَّ بما تنشبُ

وتحملها في اتباع الهوى*******على آلةٍ ظهرها أحدبُ

فأبصرْ لنفسكَ كيفَ النزو**لُ في الأرض عن ظهرما تركبُ

ولوكنتُ أملكُ عنكَ الدفا *****عَ , دفعتُ , ولكنني أغلبُ (55)

فالرجل ترك الأمر لمن شوّه سمعته , وهضم حقه , ولم ينصفه لرب العباد , ولا ريب هو عاجز عن رد مشيئة الله وعدالته , والله أعلم بخفايا النفوس , نقف عند هذا الحد لعدم الإطالة والضجر , لندرسه كشاعر معارض فريد , وهدفنا أن يحترم الإنسان العربي الرأي الآخر , ولا ينجرف وراء اللعنات والسباب , والمثقف المتنور عليه أنْ يحكم عقله في الأمور , وينظر إلى القول لا إلى القائل , شكراً لصبركم وسعة صدركم .

 

كريم مرزة الأسدي


التعليقات

الاسم: كريم مرزة الاسدي
التاريخ: 2012-11-04 13:26:51
الأخ الأستاذأحمد محسن المعمودي المحترم
السلام عليكم مع أطيب الأمنيات
أشكرك جدا على مروراكريم وتعابيرك الرائعة أرجو أن أكون عند حسن الظن تقبا احتراماتي

الاسم: كريم مرزة الاسدي
التاريخ: 2012-11-03 17:40:58
شاعرناالرائع وأديبنا اللامع جميل حسين الساعدي المحترم
السلام عليكم مع أطيب الأمنيات
أشكرك سيدي الكريم على مرورك الكيم , أنا عرف الحقيقة مرة ,وكتبت هذا الكتاب الذي تصرفت به كتيرا لسعة حجمز ,ولالرغم من أنه شاعر عربي أصيل , وابن الومي العبقري الخالد تلميذه الروحي في هجاء المساكن , ولأن دعبلا شاعر جريء حتى التخمة , نلاى كتاب العرب قديماً وحديثا يجاملون ويسايرون العقل الجمعي للإشتهار الرخيص , ولو ينحرفوا بهم عن جادة الصواب , فوصلت الأمة بمثقفيها المزعومين ألى هذا هذا المصير المؤلم , شكلاا عزيز تقبل احتراماتي ومودتي ,

الاسم: أحمد محسن العمودي
التاريخ: 2012-11-03 16:04:42
أ. كريم الأسدي..
في هذه الدراسة -ومختلف ما تسطره هنا من دراسات- روعة الإلمام والتدقيق والتبسط في العرض بإمتاع حقيقي.
عن نفسي.. علقت لي قنديلا في أول خيمة دعبل لأعيد قراءته واكتشافه.. بل وإعادة اكتشاف العديد من صفحات تاريخنابشئ من الإنصاف.

تحياتي

الاسم: جميل حسين الساعدي
التاريخ: 2012-11-03 15:12:50
الشاعر العلم والباحث الألمعي كريم مرزة الأسدي
لقد أفضت في بحثك القيّم عن الشاعر دعبل الخزاعي ورسمت لنا صورة حقيقية عنه وعن حياته الحافلة بالأحداث الجسام. لقدكان نموذجا فريدا في عصره لم يراوغ ولم يهادن الحكام.. كان مثلا حيّا لحرية الرأي المقموعة في زمانه.
بحث لا يستغنى عنه لدارسي سيرةحياة الشاعردعبل

مع كل التقدير والإحترام




5000