..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نجمة في القلب ...قصة قصيرة

بديع الآلوسي

هذه ليست المرة الأولى التي يسمعونها تردد بثقة : ( أنا لا أبحث عن معنى الحياة ، لكني اعرف إنها صراع ..... )

*******************

في صالة الضيوف كانت ممددة ً ، تحف بها ثلة من النساء ، بعد ان أخذت حمامها الإجباري الأخير ، تطهرت من حيرة التناقض الذي أثقل مخيلتها وأنهكها .

قالت الأم : الآن ، تغفو ملأ جفونها .

جهزنها كما يتوجب ، لحظتها كانت الحناء والقطن والقماش الأبيض والعطر الفرنسي حاضرا ً .

حين حدقن بقنينة الأوكسجين ، بصندوق الأدوية ، هاجت ذاكرتهن ، أجبرن على ذرف دموع بحرقة ، فداحة الموقف جعلت الأم تلطم وجهها كأنها قد فقدت صوابها .

لم تعد تبالي السيدة المحتشمة باحتدام الموقف ، الذي يلهب مخيلة النساء ، اللواتي في تلك اللحظة صار صراخهن يغطي آيات الذكر الكريمات ، صرن يتوسلن ويتضرعن :

ـ آه حقا ً ، أنت ِ عفيفة .. ، اعذرينا إذا ما أسأنا لك يوما ً .

في هذه الصالة علمت صغارها ، كيف نحب الباري ، ولماذا أكرم الناس عند الله اتقاهم .

كان البيت ممتلئ حد الاختناق ، برجال ونساء بمختلف الأعمار ، مكدرين بحزن لا يوصف .

منذ أثنتى عشرة ساعة ‘ هجرت السيدة المحتشمة قارورة الأوكسجين ، وا ستسلمت إلى صوت الشبح الذي عالج الموقف مادا ً لها يده ، هامسا ً :

ـ أتبعيني ، إلا تريدين أن أساعدك كي تتحرري من .....

في هذه المناسبات الكالحة تجف الكلمات وتزداد الحيرة ، في المقبرة وقبل صلاة الغائب بقليل أندهش الجميع حين قال ذلك الرجل الغريب : كانت تقية ، عرفت حدود الله ,,, حقا ً، لم أكن أتصور هذا من رب عادل .

*****************

حين تم إحضار قنينة الأوكسجين قبل أسابيع ، بغتة ً ، خيم الصمت .

عندها تنفست السيدة المحتشمة الصعداء ، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة غامضة . انتقلت الحاوية من يد إلى أخرى ، همهم الجميع بأحاديث شتى ، اتفقوا في نهاية المطاف على ذلك الرأي الشاحب المسكون بالقلق ...

ـ أجل ، من الأفضل أن نلتزم بإعطاء الجرعات عند الضرورة فقط .

تبادل أطفالها الأربعة النظرات الوجلة ، ساورهم خيط رفيع من الأمل :

ـ ستتحسن الحالة ، أليس كذلك ؟ .

أستبدت بالسيدة المحتشمة رغبة في الحديث لكنها إكتفت بسؤال صغير : أتعتقدون إنها مجدية ؟

في هذه اللحظة ، انتاب أمها المتجهمة السريرة ألم عقد لسانها ، فكرت في خلدها : ـ أنت القادر .. أنت رب المُلك ، ماذا سيكون حكمك ، يا سيدي ويا مولاي ، الرأفة بعيالها ....

في ذلك المساء غلبتها أشجان الذكريات التي أفاضت عينيها بالدمع ، لم تستطع تنظيم حواسها على نحو واضح ، أفكار مزعجة تكاد تصرعها ، عادت ،عنوة ً الى تلك المناجاة الخائفة : ربي .. احتاج إلى مساعدتك .

أحست إنها في قعر عالم موصد الأبواب ،انه عالمها الذي آلت إليه ، جلست تنظر الى التلفاز بعينين فقدتا الدعة والطمأنينة ، اختلط في ذهنها صوت الماضي والحاضر والمستقبل أيضا ً ، تأملاتها دخلت مرحلة العطب والاحتباس .

في الأيام الأخيرة ... تعاظم الاضطراب ، أرادت ان لا تقف مكتوفة الأيدي

... لكن الشبح أفسد كل أحلامها الطيبة ، بود اخبرها : لقد جئت اليوم لأحدثك عن الجنة التي لم .... .

لم تعرف ، أتفرح ، ام تنوح على أطفالها . لا أحد يعرف ، لماذا تطيل النظر الى تلك الصورة ، من يدري ، ربما أحالتها إلى يوم زفافها ، حينئذ ، كانت غير مبالية او متخيلة ما يخفي لها الله من ليال ٍ شداد .

سمعت وقع خطا أمها ، انتبهت الى ذاتها . يا له من يوم .. كانتا تتقاطعان النظرات بمحبة ، لقد طردتا الهم ، تغيرت ملامحهن حين عرجن على محنة أيوب الذي لم يفقد الرضا .

لم تتبادل بعدها ، سوى كلمات قليلة مع أمها التي تقوم بواجب الزيارة ككل مساء .

كانتا ترصدان التحولات من زاويتين مختلفتين ، لم يتبادر إلى ذهن الأم ما سيجري ، وإن هذا اللقاء ألحميمي ، سيبقى تتذكره دون سواه طيلة حياتها . خُيل لها للحظات ، إن ملامح ابنتها تشرق وكأنها تخرج من الضباب ، وأن ثمة مسرات ستصلح الموقف من التدهور .

رفعت يدها إلى السماء وشكرت الرب بامتنان ، ثم نهضت ، وقبلت جبين أبنتها ،مرددة ً ثلاث مرات : محروسة بسورة سليمان .

وارتدت عباءتها وانصرفت ، محملة بآخر جملة .

ـ أذهبي وبشري أبي ، أني بحال أفضل .

حدث هذا دون أن تحدس الأم إن وجه الحياة سيكفهر ويدخل الجميع في ذلك النفق ، وتبدأ جولة أخرى بصرخات ، وتابوت ، وشبح يتنمر بالمؤامرات .

********************

الجميع منشغلون بتوطيد إقدامهم بأمل وثقة في أحشاء الحياة ، متجنبين ملامسة ذلك السؤال المحرج الجارح : ( مَن ، كيف ، سيتدبر الأطفال آثار المحنة بعجرفتها ) ؟.

ما كان يستأثر باهتمام الأم قبل أسابيع سوى طرد الوحشة عن عيون أبنتها ، التي تزداد ذبولا ً يوم بعد أخر .

قالت في خلدها : ماذا ينبغي أن افعل ؟ ما النصيحة التي تجعلها تتحمل الحياة بخيرها وشرها ؟ .

إستيقضت دموع العبرات لديها ، قامت واحتضنت السيدة المحتشمة ، عسى أن تخفف عنها ذلك الشر الخبيث الذي يقتل الرغبات .

قالت أخيرا ً: ماذا يدور في بالك ؟

هذا التساؤل البسيط ، المعقد ، المفاجئ ، أوحى لها بسطوة الخطر الذي يداهمها من كل صوب وحدب .

أغمضت عينيها بقوة ، كي لا ترى الشبح الذي يجذبها من شعرها حتى بلاط الحمام .

بألم وإحراج قالت : عفوا ، يا أمي ، أني بحاجة إلى الراحة .

نظرت إلى وجه أمها الذي حاصرته كآبة مصحوبة بلسعة خوف . كان الأمر صعبا ً على الأم وهي تلاحظ علامات نوبة الاختناق تلوح على وجه أبنتها ، والتي لفها دوار خفيف مصحوب بمرارة تجهل مصدرها ، دوار لا يغفر لكنه أمرٌ واقعي. رددت السيدة المحتشمة كلمة الأوكسجين ثلاث مرات ، قبل أن تبدو غائبة وهي تحدق بالصورة .....

**********************

قبل عام ، لم تتوقع السيدة المحتشمة أبداً ، إنها ستفقد شجاعتها ، بالرغم من مخاوفها ، لكنها كانت تحاول مسايرة مرضها الذي كان يعاملها بقسوة مفرطة .

كل شيء كأن يبدو اقل عطاء ً وبسلام هش ، كما أن ليس ثمة من أمل أو أدعية قديمه تطرد عنها الخوف ، أو تساعدها على تجاوز محنة الكآبة الغامضة التي تهددها ،

تجمعت غيوم الخواطر لتنكمش وتتمخض عن سؤال معاتب يكرر نفسه :

ـ ماذا فعلت من إثم كي أسُلم إلى براثن قدر مجهول ؟.

كانت تطرد هذا التساؤل ، فيتلاشى ومن ثم يلوح من جديد في روحها المتعبة . حاولت ، وحاولت ، عدم الاعتراض على حكم الله وقضائه .

في عزلتها ليلا ً .. كانت تفكر بزوجها ، لو كان حيا ً، لتدبر الأمر وخفف عن كاهلها هذه الحوارات العقيمة ، والتي تنغرس كالأشواك في قلبها .

وقبل أن تغمض عينيها رأته يبتسم لها ويسأل : إلى أين تريدين أن تنهزمي يا .....

بالنسبة لها ، الأشهر الثلاثة الأخيرة ،بالرغم أسئلتها لكنها تعلمت أن تنظرالى الحياة من زاوية أخرى ، كانوا يستفسرون منها عن سبب شرودها ، لم يعلموا أنها أدارت وجهها عن تفاصيل المسرات ، ولم تعد تصغي او تبدي أي نصح او لوم ، وان كل ظلال الدنيا لا تخصها لا من قريب او بعيد ، شعور بالحرج يكابدها مع تزايد الموقف سوءا ً،

أتمت مناجاة الرب ، ولم تطلب منه سوى أن لا يتركها لمخالب الشبح.

الجميع يتخيلون حجم الكارثة التي تتعاظم شيئا ً فشيئا ً، لكنهم لم يظنوا إن المفاجأة ستباغتهم على عجل ، وسترشقهم بوابل من الإرباك .

********************

في الأسابيع الثلاثة الأخيرة لم يتركوها أبدا ً لوحدها، وهي تحدق بالصورة التي تعلقت بها ، كانت عيناها تجحظ نائية ً إلى عوالم أخرى ، كانت تدرك في قرارة نفسها إن عليها أن تستعد للرحيل .

سَلَم ً الجميع بقضاء الله العصي عن التفسير ، اجل ، هم أيضا ً غرقوا في الوحول التي تكرر نفسها على شكل إفرازات مفجعة ، مقرفة .

انتهى الأمر أخيرا بالسيدة المحتشمة ، أن تقتنع بأن قارورة الأوكسجين ، تطرد النحس لبعض الوقت عن روحها ، رافق كل ذلك اختفاء مظاهر الغيض عن وجهها، وحلت بدل الدهشة اليقظة .

كادت لا تصدق إنها تزوجت وأنجبت وسترحل قبل الأربعين من عمرها .

في ذلك المساء الذي تخلفت فيه الأم عن زيارتها ، لا أحد يخمن ما يدور في خلدها بالضبط ، ربما إن الشبح قد غلبها ، كانت لحظاتواقع ٍ جلل لم يعرفوا كيف تَحَمَل َقلبها الوديع ذلك المنعطف العظيم .

ارتبكت على نحو مؤقت أمام عينيها خمره الأيمان بفراغ الظلمات ، لكن صوتا ً أتاها من بعيد ، ينفض عنها غبار الشقاء : الله يحبك يا مجنونه .

******************

استسلم الجميع إلى تلك المعانات التي تركت آثارها في المكان و المخيلة ، كانت ردود الفعل تسير بعسر ، الشعور بالعجز لم يرأف بهم ، تساءلوا متحسرين : ماذا دهانا ، يتوجب فعل إي شيء ...؟

قبل سنتين ، كان ثمة بصيص أمل منهك يساور السيدة المحتشمة ، لذلك كانت تحاول ان تتجنب تعكير مزاجها بذلك المشهد الذي يطاردها كاللعنة .( في ذلك الصيف ، أعترضهم رجال ملثمون وقطعوا عليهم طريق الرحلة ، وقبل أن يولوا هاربين ، تركوا زوجها مجندلا ً بدمه في ذلك الطريق الصحراوي ، حينها أحست إن هذا الأمر المروع ، كسر ظهرها ، لكنها لم تع ِ إن الشبح سيطاردها بعد عشر سنوات .

حين رأوا الحزن يزداد وطأة ً على أختهم ، عادوا بوجوههم الكالحة لتفحص ما تملكهم من دهشة ، تجاذبوا أطراف الحديث ، تفشت الحيرة في نفوسهم وتطلعوا الى السماء ، قال احدهم : إنها قامت بواجبها على أكمل وجه ... هل تعرف السماء ما عليها فعله .

في أزمنة الحصار الصعبة ، وبينما الحياة تسير برتابتها ، لم تتزعزع ، واجهت بمفردها سوط الأيام العجاف ، وكانت تردد :

ـ رحمة الرحيم واسعة . المهم الصحة والستر .

ابتسمت لها الأم مؤكدة ً :لا تخشي شيئا ً..الواحد الأحد لا يتخلى عن ..... .

******************

كانت تحاول السيدة المحتشمة أن تثبت للحياة إنها أم شجاعة ..لكن الفحص الطبي قض مضجعها وأحدث كوة ً في روحها وقلب المعادلة .

قال الطبيب : نعم بالتأكيد ،يجب إستأصال الورم ، على وجه السرعة .

بالرغم من تحاشيها الحديث عن آثار الماضي ، لكن الجميع احتفظوا بالصدمة ، التي استحوذت على تجاعيد حسها المرهف .

لم تعد تستوعب السيدة المحتشمة ، المسكونة بموهبة الإصغاء ، والوقار والرقة ، انهيال الأحداث عليها ، رغم تملكها بتلك الدهشة ، لكنها حين كانت تلتقي بأمها ، كانت تكظم وبقوة إحساسات التعسف التي تنتابها ، و شاطرت أمها الاعتقاد ، بصوت رزين : .

ـ إن ثمة بشرا ً يعانون ظلما ً أكثر حيفا ً .

ـ هذا صحيح ، نصلي جميعا ً ، كي تستعيدي عافيتك .

ـ المهم .. إني سعيدة برؤيتك .

قالت بنبرة آمرة : لا تشغلي بالك ، فإن الهم قَتال صاحبه .

ابتسمت كعادتها : سآتي يوم غد بعد صلاة المغرب. ،

لكن بعد ذلك ، صار الحال غير الحال ً ، وجفلت ، حين أمسك بيدها الشبح وضغطها ، انثالت دموعها، عندئذ ، أصابها وهن الدوار ، صار من المتعذر ان تفي بوعدها . إكتفت بأخذ قيلولة طويلة ، أحتضنها أطفالها الأربعة وأجهشوا متسائلين :

ـ لا تبكي يا ماما .. أليس الله رحيم كما يقول الجميع .

في اليوم التالي ، تشجعت وابتسمت حين التقت بأخيها الذي تنتظره ، عندها كانت فرحة وهي تتطلع بوجهه الذي تغير بعد فراق دام عشرين عاما ُ ، لتسأله بلهجة تلقائية :

ـ لماذا لم تأت ِ بطفلك لنراه ؟.

ـ في المرة القادمة .. أعدك بذلك .

ـ هل حقا ً س ........؟ .

********************

استمرهبوب عواصف الغبار ، كان الشبح بخفة يقترب منها ويبتعد، أهاج ذاكرتها ، جاهدت للتملص منه ، في النهاية ، وعندما انفلتت من شباكه توجهت الى أختها ، متيقنة من تلك الحقيقة البديهية ، قالت بهمس :

ـ إمنحيني بعض الوقت لأقول لك ماذا يعني الموت .

بعد الانتهاء من صلاتها ، هزت خلوتها قشعريرة باردة ، تمعنت في ما ينتابها ، شعرت إنها تجتر غرائز كئيبة تعزم على خنقها ،

داهمها الظمأ الشديد ،هي الآن بأمس الحاجة الى ذلك الهواء الخصب ، أشارت بيدها إلى قارورة الأوكسجين .

قالوا بوجل :هل أنت بخير .

بصوت واهن : نعم ، نعم ، يريد الله امتحاني .

كانت حاوية الأوكسجين ، في كل مرة تُصلح ولو على نحو مؤقت ارتباك الموقف ، هذا هو حال السيدة المحتشمة ، كانت حاضرة ً غائبة ، لا أحد يعرف ، هل هي تبالي بملاطفات الآخرين ،الذين لم يبخلوا بعواطفهم ، لإعادة الهدوء إلى روحها المنهكة .

في ذلك المساء ، الذي تخلفت فيه الأم عن زيارتها ، تحولت إلى طفلة بريئة ومطيعة متجلدة َ بالصبر ، تعرف الآن أكثر من ما مضى ، إنها بلا خيارات سوى تتبع خطوات الشبح، الذي سرها بالرحيل . لم تترك في أذهانهم سوى سؤالها الغامض: لماذا يارحيم ... ؟ .

لم يعد لها الآن وقتا ً كافيا ً او عزيمة للتمحيص بما يخفيه الغيب ، وكيف ستؤول الأمور ، عاودت النظر الى الصورة وقالت : هل من أمل ؟.

قالوا : ماذا ؟ .

انتظرت طويلا ً قبل أن ترد عليهم : أني أحبكم كثيرا ً .

بدا عليها الاعياء بعد الظهر ، وألقى بظلاله على مخيلتهم ، إنذهلوا ،تطلعت اليهم بنظرتها المرتبكة ، المرتجفة ، جملتها الأخيرة ، أستقبلها الجميع كنذير شؤم .

قالت بنبرة متضايقة :

ـ لا ترفعوا كمامة الأوكسجين .

مرت الدقائق بطيئة ًعلى نحو لا يصدق ، لم يعرفوا ما يفعلون ،استدعي الطبيب ، عسى ان يسهم بإعادة الأمور إلى عهدها السابق ، لكنه اكتفى بالقول وبحياد :

ـ عليكم نقلها إلى العناية المركزة حالا ً . 

***********************

ما يجري للجميع كئيب ، مرير، لم يستطيعوا الفكاك منه او تجاوزه ،كانت السيدة المحتشمة منذهلة لكنها تخلت عن النظر إلى السماء ، أرادوا أن تبقى بينهم ، لكنها كانت تبتعد وتبتعد، هكذا فقد الحلم الضروري نكهته الطيبة ، وكبحت مشاعر الحاضرين عنوة ً ، ذلك لأن الشبح أجهضهم بالحيرة الفظة وبإصرار.

وسط هذا الفيض من الإرباك ، تدبروا الأمر على عجل .

جرجرت السيدة المحتشمة خطواتها المتعثرة ، كان وجهها شاحبا ً جميلا ً كما عرفوه .

وكان لجسدها حضور غريب هذه المرة داخل السيارة ، مضت دون أن تنظر الى حديقتها المهملة ، بلا أن تعانق أطفالها او تواسيهم بأي كلمة ، خُيل لها إن الشبح يستقل السيارة ، هذا الهاجس أدهشها بالجزع المخيف .

قالوا : نعم ، نعم ، حتما ً ستعود .

الجميع دخلت مشاعرهم من تعاسة الى أخرى تساءلوا :

ـ يا إلاهي ، من يُجرؤ أن يبلغ الأم .

عند المساء ،صدفة ً عرفت الأم بالنبأ ، تحنط وجهها ، وتجعد ، هكذا انفجرت تولول ، وتصرخ معلنة ًعن رابطتها المذهلة مع أبنتها .

مرددة ً : خذوني معكم ، إنها تنتظرني يا سفلة ...

نعم ، كانوا حمقى ، قتلهم الحياء ، لم يسمح ُ للأم ان تطلق صرخة الوداع المدوية والضرورية .

طال اجتماعهم حتى أواخر الليل ، قالوا : لا شيء ممكن ، كل شيء ممكن .

في منتصف الليل ، تركت السيدة المحتشمة أحلامها ،مشاعرها الممتلئة في صالة الأشفاء ، لم يعد لها حاجة لتدفقات الهواء الصناعي بعد أن دعاها الشبح لرقصة خاصة جدا ً.

تكتموا على الخبر ،، لم تعرف النساء شيئا ًحتى أنبلج صباح جديد .

عادوا بالجسد المسجى ووضعوه أمام الصورة ، كان البدن خفيفا ً بعد أن نفض عن كاهله غبار الكوابيس والمكائد ، وعنف الوحشة والاضراب .

سبع ليال ِ ، وروح السيدة المحتشمة لم تبرح البيت ،ظلت تطوف من غرفة الى أخرى ، روح مبتسمة تردد الفكرة بإيقاعات مختلفة : ( كابوس يشبه الحلم، حلم يشبه الكابوس ،كابوس وحلم يمتصان من البلاهة معنى متشابها ً...

*******************

 

في ذلك المساء ، رأى الجميع في كبد السماء نجمة ناصعة غريبة .قلت بعد ان استبدت بي الدهشة :

ـ ياللهول ..من ذا الذي يصدق ، إن هذه النجمة المتألقة ، ليست سوى أختنا التي دخلت ملكوت السماء ، رغم انها تسكن شغاف القلب !.

آب / 2011

بديع الآلوسي


التعليقات




5000