هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الصيام بين التقليد والتحديث..

فاتن نور

كثرما يُعزز الحديث عن فوائد الصيام بمنقولات عن دراسات وبحوث طبية عالمية، وكثرما يكون النقل عن فهم غير صحيح لسياقاتها أو عن مترجمات غير دقيقة أو مجهولة الأصول. وفي أحيان ينقل عنها على طريقة "لا تقربوا الصلاة".

الصيام مفردة شائعة الاستعمال في المجال الطبي عالميا، ولكن ليس بمفهومها المعروف إسلاميا. وغالبا ما تظهر في سياق الحميات الغذائية المطروقة اعلاميا وطبيا في العالم الغربي. وأنظمة الحمية الغذائية أيا كان نوعها، ليست صياما بالمعنى الدارج بل امساكا مؤقتا أو دائميا عن بعض الأطعمة والمشروبات أو التقليل منها كـ جزء من علاج وحسب نوع المرض، أو حسب الحالة المراد التعامل معها كـ ترشيق البدن أو طرد سموم الأكسدة وما إليه.

وبينما تستند أنظمة الحمية على قواعد علمية لتوفير تغذية متكاملة وتحقيق الفائدة المرجوة فلا تتداعى الى إيذاء أو ضرر؛ لا يستند عليها الصيام بصفته نظاما خاصا لحمية غذائية. فالتعرض للجفاف عند الصيام ضار في جميع الأحوال ولا ينصح به أي طبيب تحت أي ظرف أو سبب.

ولأن الإنسان اعتاد مضطرا منذ القدم على تناول ثلاث وجبات يوميا، متباعدة بما يكفي لاعداد الوجبة التالية بوسائله البدائية، فأن التوجه العلمي الى تناول خمس وجبات - خفيفة نسبيا - كل يوم، يساعد على انتظام نسبة السكر في الدم، وهذا يحقق صحة بدنية أفضل مما تحققه الوجبات الثلاث الثقيلة التي ترفع نسبة السكر بشكل مفاجئ بعد انخفاضه بطول الوقت بين الوجبات. وحمية الصيام أسوأ في هذه الجزئية.

وغالبا ما يُنصح بشرب كميات كبيرة من الماء لا تقل عن ثمان أقداح يوميا، وهذا غير دقيق أيضا وقد يرهق الكليتين. فعقل الإنسان ينبه عن حاجة الجسم للماء عبر الشعور بالعطش، وعن حاجته للطعام عبر الشعور بالجوع وهلم جرا. ولابد من تلبية نداء هذه المنبهات بالسرعة الممكنة وحتى الشعور بالرضى والاكتفاء. وبالمنظور الديني تعد منبهات كـ هذه من ابداع الخالق لتمكين خلقه من التعرف على ما تحتاجه ابدانهم دون جهد أو عناء وفي المواقيت المناسبة.

أن امتناع الإنسان عن تلبية منبهات احتياجاته البدنية وبأمر من الله الذي أبدعها فيه، لابد أن تقف وراءه مبررات قوية وغايات مجدية، سيما وأن أحكامه وشرائعه لا تنصب - في كل الأحوال - إلاّ على خير الإنسان وسلامته النفسية والعقلية والبدنية لتحقيق مصالح عظيمة له وللمجتمع، وكل ما يُستنبط عن النص القرآني اجتهاداً أو يفسر؛ يجب أن يحقق هذا الغرض وإلاّ تعاد قراءته. والصيام على الطريقة التقليدية المتبعة يحتمل تداخلات صحية تلحق الإنسان المعافى بالأذى؛ كـ التعرض للجفاف واضطراب معدل دقات القلب، وانخفاض نسبة السكر في الدم مما يسبب الشعور بالاعياء والغثيان والتوتر والكسل، فتنخفض طاقة الانتاج في المجتمع.

والفوائد الروحية المطروقة عن الصيام كـ تضييق مجاري الشيطان لتقليل المعاصي، تحسس جوع الفقراء، وكبح ما تهوى النفس وتشتهيه لتعضيد خصال الطاعة والتقوى؛ لا تخرج عن كونها مقولات جميلة واعدة، لكنها غير متحققة منذ الرسالة المحمدية الى يومنا الحاضر الذي يعج بالفقراء والمعاصي وصراع الشهوات. وافتراض تحققها في شهر من العام والتعويل على فوائده، يبدو تكثيفا مُنهِكا لتحقيق ما لم يتحقق بفوائد الإيمان وهو أصل الهوية الدينية ومنبتها. وهذا محبط للغاية ويجعلنا نسأل: كيف نأمل بتفوق فوائد الفرع على فوائد الشجرة، أو كيف نعول على نضارته اذا طالها الجفاف؟ (والفرع كناية هنا عن فريضة الصيام، والشجرة عن الإيمان).

ما نحاول بحثه في هذا المقام، ليس الصيام كـ فريضة مثبتة في النص القرآني، بل نظام حميته وامكانية تحديثها بما لا يتعارض مع العلم والنص القرآني، ولا يتداعى الى إضرار بصحة الإنسان وتقويض لانتاج المجتمع من أجل حصادات نظرية.

 

ونبدأ بسورة البقرة ومما تخبر به الآيتين 183 و 184. (وسنكتفي بذكر رقم الآيات دون درجها فبمقدور القارئ مراجعتها بيسر إن لم يكن حافظا لها أو مطلعا عليها.)

وما يهمنا في الآيتين هو مفردة "الصيام"، ودلالتها اللغوية مثبتة في القواميس بمعنى الامساك عن شيء. فالامساك عن الكلام أو الحركة أو المأكل أو المشرب أو روتين معين لفترة ما قد تطول أو تقصر، يعد صياما في لسان العرب وعرفهم. ويُقرن سبب نزول الآية 183 بما كان عليه صيام الرسول؛ ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عاشوراء. لهذا تخبر الآية 184 تباعا عن الصيام "أياما معدودات"، وبما يفيد يسر الصيام وقلة أيامه أسوة بصيام الرسول ومن كُتِب عليهم الصيام قبل الإسلام.

فيما تخبر الأية 185، عن عدد "الأيام المعدودات" الواجب صيامها، فتمدها الى شهر.

وثمة عسر في هذا التحول من أيام معدودات الى شهر كامل، يحرف الآية عن مبدأ "اليسر والقلة" الذي أفادت به سابقتها تضمينا. وانطلاقا من انسجام النص القرآني مع نفسه وخلوه من المتناقضات أولا، ولأن تعبير "اياما معدودات" لا يصلح كناية عن شهر كامل ولا يتسق طوله مع مبدأ "اليسر والقلة" ثانيا؛ فأن مراجعة مفردة "صيام" بدلالتها الشرعية يصبح أمراً مجديا لفهم أفضل أو محاولة، وبما لا يتعارض مع النص، ولا يغفل العلم الذي لا يسند حمية رمضان بشكلها التقليدي على غير ما يشاع، ويتسق مع ما يقره من مستجدات في مجال الصحة البدنية والنفسية عبر حركة تطوره الدؤوب. وهذا يفتح الطريق لتحديث نظام الحمية الرمضانية مع التغيرات الكونية وتأثيراتها المناخية، ومتغيرات الحياة بما تسقطه على الإنسان وطبيعة روتينه اليومي.

والصيام بدلالته الشرعية المعتمدة تطبيقا، يفيد الامساك بنية عن المفطرات من طلوع الفجر الى غروب الشمس. والدلالة الشرعية دلالة وضعية، مستخلصة عن اجتهاد علماء الدين ومفسري نصوصه ومروياته المنقولة عن الأنبياء والصالحين. وغالبا ما يأخذ أهل الحاضر بما اجتهد فيه السلف من أمور الدين وما أدرجوه بصيغة الدلالة الشرعية؛ كـ حقيقة ثابتة تغلق باب الاجتهاد أو تحيله الى خط أحمر.

 

ننتقل من سورة البقرة الى سورة النساء- آية 92. ما يهمنا في هذه الآية ليس مضمونها العام، بل ظهور الصيام كـ عقوبة بديلة أو قصاص لمن يقتل مؤمنا عن طريق الخطأ إذا عجز عن الكفارة، وهذ الظهور الصادم يتكرر في الآيتين 89 و95 من سورة المائدة، والآية الرابعة من سورة المجادلة. ويتكرر في الأحاديث والمرويات التي بدورها كرست الصيام لمقاضاة أصحاب الذنوب والمعاصي. وهذه الطفرة النوعية من صيام الفريضة وأحد أركان الإسلام الخمسة الى الصيام العقوبة والقصاص، تعكس ما في الصيام من مشاق على النفس والبدن يذوق وبالها القتلة والمذنبون. ( التعبير: يذوق وبالها، وارد في الآية 95 آنفة الذكر).

 

ثمة شعور بعدم الارتياح أزاء هذا التماس والتقلب بين الفريضة والعقاب في تعاطي متون النص القرآني مع الصيام. وما لم نلمس متغيرا محسوسا على مستوى التطبيق بين الصيام الفريضة والصيام الآخر، ستبدو فريضة الصيام عقوبة لا بديل عنها للقصاص من بريء، أمام صيام القصاص من مذنب.

وهذا المتغير لربما مخبوء في النص ولم يطله أهل الفقه والتفسير، أو غفلوا عنه مثلما غفلوا عن مكنوناته العلمية ثم انتبهوا بعد أن طالها الغرب؛ فقد يكمن في اختلاف نظام الحمية الغذائية في الشهر الكريم عن حمية العقوبة بصيغة الصيام التقليدي، وعبر تحديث المعنى الشرعي للصيام الفريضة.

 

وإذا كان النص القرآني صالحا - بالمنظور الإسلامي- لكل زمان ومكان، فصلاحيته تتأتى من الاجتهاد المتحرك في قراءته مع متغيرات الزمن وبما يلبي حاجات الفرد والمجتمع المتغيرة تباعا. و بتجميد النص بتفاسير عصور خلت، يصبح تصور صلاحيته على مر الزمن وتغير العصور، ضربا من ضروب الخيال المثيولوجي.

 

فاتن نور