.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة / ضفيرة نَمير

سلوى فرح

تعيش أسرة "أبو نَمير" في قرية "الغار" الجاثمة على قمة جبل وتحيط بها أشجار الصنوبر، وهي قرية وادعة مطلة على سفوح جبال الزيتون وتعبق بأزهار الليلك الفواح الذي يزيدها سحراً وتألقاً.. ومعظم أهالي تلك القرية يعيشون من محصول الزيتون وتجارته فهو عماد اقتصادهم البيتي.. لكن "أبو نُمير" الذي كان يمارس مهنة التعليم، وهو أحد المدرسين القلائل في مدرسة القرية.. كنت أراه في ذهابه وإيابه من وإلى مدرسته.. فهو رجل عريض المنكبين.. أسمر اللون وكذلك شاربه المفتول .. ويبدو ذو شخصية متسلطة.. وإمارات الظالم بادية عليه لدرجة أن طلبة القرية يخافونه.. حتى أن زوجته المسكينة "أم نَمير" عانت من عدة أمراض، السكري، والمرارة، والربو، والقهر جراء تصرفاته المستبدة وهي في ريعان شبابها..

هذه الأسرة الصغيرة فقيرة الحال كانت تعيش في غرفة يتيمة، مسقوفة بلوح توتياء، ولم تسلم من العواصف الهوائية وكانت الأمطار تتسرب من شقوقها فتحدث رطوبة في الداخل.. لكن أبو نَمير لم يكن قادراً على تغييرها لأنه موظف، ومعاشه لا يكفيه حتى منتصف الشهر.. وتقضي الأسرة النصف المتبقي على حبات الزيتون والزعتر..

وتتكون الأسرة المتواضعة من ولد اسمه "نَمير" و بنت تدعى "رهف" وهي البكر، وكانت في الصف الأول و تذهب مع والدها إلى المدرسة، وأما "نمير" فهو الابن الأصغر- وكأنه اسم على مسمى- رقيق.. عذب كما النهر النمير.. هادئ الطباع.. يختلف عن أبيه كل الاختلاف.. وروحه الشفافة تتعاطف مع أمه المعذبة التي لا تسلم من ضرب وتهديد والده..

كان جميل المنظر كالملائكة بلونه الحنطي، وشعره الطويل كستنائي اللون المتدلي كخيوط الشمس عند المغيب.. كانت والدته شديدة الحرص على الاهتمام به و بشعره تحديداً.. تحافظ عليه لجماله وتعتني بترتيبه كل يوم.. تمشطه بأناملها السحرية، وتجدل له ضفيرة جميلة يغار منها أترابه في الحارة.. كان "نمير" في بداية حياته يعيش حياة هادئة مطمئنة بوجود والدته ويمارس حياة الطفولة ويلعب مع اقرأنه في الحارة فرحاً.. كما الفراشات في فصل الربيع وهي تعانق الزهور.. فكان يغفو مطمئناً آمناً في حضن أمه الدافئ والمليء بحنان الأمومة.. لكنه في قرارة نفسه، كان يستاء من جبروت والده ويرتعد خوفا من حضوره، كان يراه كما الوحش الكاسر.. ويتمنى لو أنه لم يولد حتى لا يعيش هذه التعاسة..

مرضت الأم.. واشتد عيها المرض مما أدى إلى ملازمتها الفراش.. وعندما أدركت قرب نهايتها، قالت في وصيتها لابنها قبل لفظ أنفاسها الأخيرة: حافظ على نفسك يا ولدي.. كن قوياً.. روحي ستكون معك.. وبين طيات جديلتك.. لا تخف.. ثم بدأت تشم جديلته مودعة وهي تردد حافظ على ضفيرتك وأرعاها لأن روحي فيها ستتواصل معك يا أماه حتى لفظت أنفاسها الأخيرة الطاهرة ؟؟ وطفقت "رهف" و،"نمير" يطوقان جسدها الممد المغطى بأذرعهما و يبكيانها بحرقة ودموعهما البريئة تغمرها.. حدجتهما بنظرة غريبة مودعة في مشهد محزن.. وتركت "نَمير" ورهف" أمانة في عنق والدهم الذي سمع وصيتها..

تمر الأيام .. قام أبو"نَمير" ببناء غرفة جديدة ملاصقة للقديمة بعد استدانته مبلغاً من المال.. ولم ينتظر مرور أربعينية المرحومة حتى تزوج من فتاة ثانية أسكنها فيها.. كانت في بداية حياتها معهم طيبة المعاملة حتى أنجبت منه ذكراً فيما بعد، ثم انقلبت معاملتها رأساً على عقب ومن هنا بدأت معاناة "نمير" الإنسانية ورحلة العذاب .. صارت هذه الزوجة تميز بين الإخوة وتفضل ابنها عليهما في كل شيء، وتتعامل مع الابنة الكبرى بقسوة وكأنها خادمة.. وشعرا بفقدان حنان الأم والرحمة وبالحرمان رويداً رويداً.. كما صارت هذه الزوجة تغار من جديلة "نمير" وتحرّض والده عليه لقصها!! والطفل يتشبث بها للحفاظ على روح، ووصية أمه المرحومة الباقية له من ذكراها الخالدة..

لكن الأب كان يشتاط غضباً كلما ازداد تمسك "نمير" بضفيرته.. ينهال عليها بالضرب المبرح .. وهو يبكي ويضم جديلته بين يديه ووالده يحاول انتزاعها منه بالقوة.. والزوجة تقف متلذذة على حياة الذل التي يسقيها الأب لابنه كأنها تشاهد فيلماً سينمائياً.. كان هَمُ الوالد منصباً على قص الجديلة التي تذكره بزوجته السابقة التي كانت قد ضحت معه في حياته القاسية.. والطفل يتمرغ بتراب الأرض ويتلوى جسده الغض من جلد والده بالسياط بلا رحمة .. وشقيقته تحاول الدفاع عنه وهي تضمه بذراعيها وتدافع عنه بجسدها، و تتوسل لأبيها أن يتركه وشأنه.. حتى يتعب الأب..

تأخذه شقيقته.. تكفكف دموعه بمنديلها الزهري.. وتهدهده.. وتطبطب على ملابسه لإزالة ما علق بها من تراب.. ثم تجالسه.. تواسيه.. ثم تبدأ بتجديل خصلات شعره الجميل وترتيب الجديلة حتى تهدأ نفس أخيها.. فحبه الروحي لأمه وتعلقه بها جعله يتعلق ويتمسك بجديلته ويدافع عنها بروحه لأنه يرى فيها روح والدته التي كانت هي الحياة بالنسبة إليه فقط.

كبر الصبي الثاني وأصبح في الخامسة من عمره، لكنه شرس الطباع كما أبيه، ومدلل للغاية وأناني .. فيما "نَمير" يعاني مرارة قلة الحنان والرأفة بعد فقدان أمه.. وبالرغم من حنان شقيقته، لكنه ظل يشعر بفراغ الأم الذي لم تستطع شقيقته سده أبداً.. ومع استمرار التفرقة البينية من قبل الزوجة و سياسة الحرمان، والتجويع المتعمدة، و زيادة على ذلك تصرفات والده الفظة وضربه دونما سبب تكدّرت حياته كلها.. وسكن الألم حنايا ضلوعه الرقيقة الوديعة..

كان يرى في تلك الجديلة المتنفس الوحيد له.. يمشطها ويرتبها.. وكأنه يحاور أمه عبرها.. ويخشى عليها كثيراً من وحشية والده الذي لا يعرف الرحمة.. فكلما كان يسمع صوت والده قادما يتكور في فراشه ويجهده العرق خوفاً..

في الخامسة عشرة أنهى "نَمير" المرحلة الإعدادية بتفوق ومهارة رغم كل التحديات التي كانت تواجهه .. لكن عادات المجتمع لم ترحمه وتتركه بحاله بسبب الضفيرة.. صار يواجه مشكلة أكبر وأعمق وتعرضه للرفض المجتمعي، و يلاحظ الناس وهم يتهامسون ويتخافتون ويتغامزون عليه ويشيرون إليه بالبنان.. لدرجة أن بعضهم اتهمه بالشذوذ.. حتى وصل الحد إلى أن أكثر الأصدقاء في مدرسته قاطعوه وابتعدوا عنه.. وأصبحت ضفيرة نمير الشغل الشاغل للقرية وحكايات سهراتها اليومية..

وقع "نَمير" بين مطرقة والده وسنديان العادات البالية التي لم ترحمه رغم أنه إنسان وديع مميز روحاني يتواصل مع أمه عبر ضفيرته الغالية، والناس تتهمه كما لو كان مذنباً .. لقد دفن نمير كل ذلك الألم في قلبه الصافي.. والأسى جرح روحه الشفافة.. و تحمل ظلم البشر الناتج عن حكمهم على شكله الخارجي وتقييمهم له من خلال ضفيرته..

مع مرور الأيام اشتد حنق الوالد من تأثير المجتمع.. بعد عودته من مدرسته- في أحد الأيام -اتفق وزوجته أن يضعا بعضاً من المنوّم في كأس الشاي بين عشية وضحاها ليَجِزّا الجديلة عن بكرة أبيها ويتخلصا منها بأي شكل من الأشكال..

عندما أرخى الليل سُدوله.. استسلم "نَمير" للنوم بعد شرب كاس الشاي المذكور.. حمل نفسه متثاقلاً ولاذ إلى مهجعه.. وغرق في نومه كما الملائكة ويداه تطوقان جديلته.. كما كان يطوق والدته.. وتعلو شفتيه ابتسامة عذبة.. كأنه في حلم وردي مع والدته الراحلة..

هنا، حمل والده مقصاً وطلب من زوجته أن تساعده.. اقتربا من "نَمير".. وبينما كان الرجل شاهراً مقصه وزوجه تمسك الجديلة بحذر.. استيقظت شقيقته "رهف" على ذلك المشهد الفظيع و أصيبت بالذهول، وبدأت ترتجف مذعورة من هذا التصرف الذي قد يقضي على شقيقها "نمير" وأغشت نفسها بالغطاء تراقب من تحته- دون أن يشعرا بها- أين سيذهبان بالجديلة..

بعد الانتهاء من جزّ الجديلة شاهدت والدها وهو يضعها في كيس القمامة الخارجي!! مكثت برهة دون حراك حتى أيقنت أن والدها وزوجته غرقا في نومهما.. نهضت من فراشها.. تسللت من الشباك الخارجي إلى حيث يوجد كيس القمامة بسرعة.. أخرجت الجديلة كلمح البصر ثم عادت لاهثة ووارتها في حقيبتها المدرسية.. ولم تغف.. ظلت يقظة وهي تصلي لله وتتضرع له أن يرأف بحال أخيها عند استيقاظه وغرقت في نهر الدموع..

عندما أشرقت الشمس.. استيقظ نمير مترنحاً على غير عادته من تأثير العقار المنوّم.. لكنه لم يرَ ضفيرته بين يديه؟؟.. تحسس رأسه بيديه فاعتقد - لأول وهلة- أنه في حلم.. هرع نحو المرآة ليتأكد هل هو حلم أم حقيقة.. عندما حدق في المراّه لم يجد للجديلة أثرا!!.. شعر لأول مرة في حياته أنه يتيم برحيل والدته عنه.. أراد الصراخ.. لكنه لم يستطع النطق في اللحظات الأولى.. يريد الكلام فلم يستطع.. والدموع تترقرق في عينيه وتحكي معاناته.. توجه نحو أخته واجماً كما الأبكم.. يهذي.. يتأتئ.. يتلعثم كلامه.. يقول ولا يقول.. ألمت به الكارثة العظمى.. ثم انفجر صراخه بشكل هستيري: يا أماه.. يا أماه.. يا أماه.. وهو يهز "رهف" بجنون، ويقول: لقد ماتت أمي يا رهف.. ماتت.. ماتت..

أطلق "نَمير" صرخة مدوية أيقظت الحارة.. عندئذ أسرع والده والزوجة إليه .. وكلما كان والده يحاول كتم صراخه كان نمير يكسر ويُخّبط كل شيء يصادفه.. جن جنونه وهو يبحث عن جديلته داخل المنزل.. ويردد: أكرهك يا أبي.. أنت لست أبي.. أنت وحش!! أمي ماتت أنا يتيم.. أنا انتهيت.. ثم خرج من المنزل هائما على وجهه كما الريشة في مهب الريح ضائع الخطوات.. لحقته "رهف " مسرعة.. تتوسل إليه بأن لا يرحل.. وأعطته الكيس الذي فيه الجديلة.. وتملكته عاصفة بكائية..أمسكها بين يديه وبدأ يشمها.. ثم عانق شقيقته عناقاً طويلاً وهما يبكيان حالهما ..وكانت كلماته الأخيرة: أحبك يا "رهف" كثيرا لكني راحل لا محالة.. أصبحت عيشتي لا تطاق هنا..

أثناء خروجه.. ادلهمت السماء فجأة.. وبدأ قصف الرعود يتصاعد مع ضوء البرق في كبد السماء ثم هطلت الأمطار بغزارة .. كأن الطبيعة بأكملها كانت تشاركه البكاء والأحزان .. وحسراته, و كيف لا تبكي السماء على إنسان صافي القلب، طاهر الروح لفظه أب جاهل ومجتمع ظالم لا يرحم واعتبروه نكرة ، ولم يستطع أحد سبر غوره للتعرف على طيبته وإنسانيته وقيمه، بل حكموا عليه من خلال ضفيرة تعلق فيها وفاءً لوالدته، ويقول سيدنا المسيح: لا تدينوا لِئَلا تدانوا.

تابع "نَمير" سيره تحت انهمار المطر بخطوات حائرة لا تعرف أين السبيل.. مكسور الخاطر .. يتيم.. مقهور, لم يحمل معه شيئاً، ولا يملك في هذه الدنيا إلا ضفيرته المقصوصة يتأبطها بحرص شديد.. يستنجد بالله الذي لا ملاذ إلا إليه، وحنان ورأفة روح أمه التي كانت ترفرف حوله كحمامة تحرسه من الأذى.. سمع همس روح والدته يقول له: اذهب إلى بيت خالتك "أم تيم" في المدينة يا "نمير".. اذهب هناك يا أماه.. سأكون معك لا تخف.. لن أتركك أبداً.. شعر نمير حينئذ بشيء من الأمان مع الصوت القادم إليه.. رغم غرق ملابسه بالأمطار وكان يرتجف، واصطكت أضراسه من البرد..

مرت سيارة أجرة بجانبه.. لحظه السائق.. توقف.. سأله: لماذا تبكي، وحالتك لا تسر الناظر؟ ..

نمير: أريد الذهاب إلى خالتي في المدينة.. وأنا مقطوع.. ولا توجد معي نقود للسفر..

أشفق السائق عليه، وطلب منه أن يدخل في سيارته .. جلس على المقعد مبلل الثياب.. وشريط ذكريات القرية بأفراحها وأتراحها يداعب مخيلته.. ويشيع بنظراته حاراتها وجبالها وأشجارها وأناسها، وهو يودع آخر منعطف من معالم القرية.. شعر فجأة أن جزءاً من قلبه بقي هناك.. ودبت نار الشوق لشقيقته الباقية هناك في جسده كالنار في الهشيم..

بعد انقضاء مدة زمنية من السفر وقفت السيارة.. وصوت فراملها أيقظ "نمير".. غادر الركاب السيارة.. ثم قام السائق بإيصاله إلى بيت خالته، وهو في حالة يرثى لها من الألم الذي أخمده.. نزل من السيارة.. شكر السائق على كرمه وخلقه النبيل.. ثم قرع الجرس بأنامله المرتعشة.. فتحت خالته الباب.. ذهلت.. وقفت مشدوهة كأنها ترى شبحاً .. كان وجهه مائلاً إلى الازرقاق.. مبلل.. يرتعش ثم سقط عند الباب مغشياً عليه.. نادت أم تيم على ابنها للمساعدة في حمل "نمير" وإدخاله.. حملاه وأدخلاه في المنزل.. وضعاه قرب المدفأة وغيرا له الملابس.. وأسرعت خالته وجهزت له وجبة طعام ساخنة.. فيما بقي "تيم" الذي يساويه في السن بجواره.. استيقظ نمير من غيبوبته القصيرة.. وجد خالته وابنها بجواره ومائدة الطعام جاهزة تنتظره.. ثم قالت له خالته: تفضل يا بُني كُل أولا وسنتحدث فيما بعد.. بدأوا بتناول الحساء الساخن.. في أثناء ذلك قص "نمير" عليهما ما حدث معه..

بعد سماعهما ما حصل له.. قررت "أم تيم" أن يعيش معهما.. ووعدته بأنها ستؤمن له عملاً في نفس معمل البلاستيك الذي تعمل فيه هي وابنها بعد وفاة زوجها .. فهي امرأة تقية، وطيبه القلب كما والدته..

وهكذا أصبح كل من الشابين يدرسان معا في النهار، وفي الليل يعملان في المعمل.. ويعيشان حياة مشتركة حتى تخرجا من الثانوية العامة والتحقا بالجامعة، حيث تخصص "نمير" الفلسفة، بينما اختار "تيم" أدب..

أما رهف فقد كانت تتمتع منذ صغرها بموهبة الرسم، وبقي شقيقها على تواصل معها سراً ويساندها معنوياً ومادياً حتى تخصصت فنون تشكيلية.. وطيلة هذه الفترة ولم يمر يوم إلا ويقوم "نمير" بإخراج جديلته ويقبلها، ويشمها صباح مساء ويحفظها كتركة غالية عليه من رائحة أمه..

توالت الأيام.. و عاش نمير في كنف أسرة غمرته بحبها، وعطفها، وآمنت بروحه الرائعة.. حتى أصبح عمره خمسة وعشرين ربيعاً.. ثم بدأت حالته الصحية تسوء يوماً بعد يوم .. هزل جسده و بدأ شعره يتساقط .. خامر الشك خالته .. ألحت عليه لمرافقتها إلى الطبيب للكشف عليه والاطمئنان على صحته.. بادئ ذي بدء حاول الاعتراض لكنه لا يرفض طلباً لخالته التي يكن لها الاحترام فذهب برفقتها.. هناك أجريت له كل التحاليل والفحوصات الضرورية ثم عادا أدراجهما ..

لقد كانت لحظات انتظار النتيجة في المنزل للاطمئنان عليه عصيبة.. دق جرس الهاتف .. أم تيم ترفع سماعة هاتفها متلهفة لسماع خبر جيد..

أم تيم: من معي لطفاً..

الدكتور: مساء الخير.. معك الدكتور.. يؤسفني أن أبلغك بأن التحاليل الطبية أثبتت أن"نَمير" مصاب بمرض خبيث!!

أم تيم: وماذا هو هذا المرض يا دكتور..

الدكتور: سرطان في غدة البنكرياس..

صعقت أم تيم عندما سمعت بالخبر .. وضعت سماعة الهاتف جانباً.. وبدأت بلطم وجنتيها حزناً عليه و بشكل عفوي.. ولا تعرف ماذا تقول وكيف تتصرف..

لقد بدأت رحلة صراع "نمير" مع هذا المرض المميت.. وتغلغل في جسده فيما بعد.. ساءت حالته .. صار لا يقوى على العمل.. توقف عنه نهائيا.. ترك الجامعة .. لزم الفراش.. كان يشعر بأن نهايته دنت.. ويحمل ضفيرته ويضمها إلى صدره كأنه يتحدث مع روح والدته ويبدأ بمخاطبتها: يا أماه لماذا أنت دامعة العينين فيردد صدى روحها وكيف لا أدمع يا ولدي وأنت في عمر الزهور ترحل.. ويجيبها ربما لا أطيق الحياة بفراقك.. لقد اشتقت إليك ربما حان الوقت لرؤيتك ثانية.. لا عليك يا أماه.. صحيح أنا شاب مازلت في ريعان الشباب ، ولكني أملك من القيم والخلق والحكمة والمحبة ما لا يملكه كهلاً تسعينياً.. والحمد لله على كل شيء.. لا تدمعي يا أماه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. وتردد صدى الروح أنا معك يا نمير لن أتركك.. كانت خالته تعيش تراجع صحته يوماً بعد يوم والسهر على خدمته...

في تلك الليلة الظلماء ساءت حالة نمير للغاية وتم نقله على وجه السرعة إلى المشفى.. وطلبت أم "تيم" من نجلها أن يذهب إلى عائلة نمير ويخبرها بالأمر.. وبخاصة شقيقته التي لم يغب عن بالها لحظة واحدة.. صار "نَمير" يغيب ويصحو في حالة نزاع على فراش الموت.. قدمت "رهف" بلهفتها على أخيها لزيارته بعد سماعها الخبر.. هوت بجسدها عليه وتعانقه العناق الأخير..

رهف ترثيه باكية، وهي تصرخ: يا ويلي عليك يا أخي.. لماذا لم تخبرنا؟ ماذا حل بك؟ أحرقتني يا نمير.. أحرقتني بمرضك المفاجئ يا روحي.. ستتركني وحيدة.. فيما وقف والده الذي حضر هو الآخر كالصنم في مدخل المنزل مذهولا لرؤية ابنه بعد عشر سنوات وقد نهشته النحافة، ويبدو كالهيكل العظمي المسجى.. وقد سقط شعره الكستنائي الذي جزّه بجبروته .. لا أعتقد أنه يوجد ألماً أقوى من هذا الإيلام أن يرى الإنسان فلذة كبده ينهار مودعاً.. ربما هذه هي المرة الأولى التي شعر فيها أبو "نمير" أن ابنه إنسان.. واحتقر ذاته.. وأعترف بينه وبين نفسه أنه يستحق الإعدام على فعلته..

شعر "نَمير" بإحساسه الإنساني بما يدور في خلد والده من مشاعر قهر وألم وندم.. فتح يديه المرتعشتين ببطء كأنهما تناديان: تعال أودعك يا أبي..

عندئذ تمنى الأب أن تنشق الأرض وتبتلعه عن الوجود.. تقدم وهو مطأطئ رأسه إلى قدمي ابنه.. قبلهما وهو يردد: سامحني يا نمير.. سامحني.. وسأنقلك إلى أرقى المشافي لتعيش.. نعم ستعيش.. وسنعيد الأيام الماضية.. و ضمه إلى صدره..

للأسف، فات الأوان ...نظر نمير لوالده مودعاً.. وقال: أنا أسامحك من كل قلبي وروحي يا أبتاه.. وسامحني أنت يا أبي.. لم يكن في اليد حيلة.. وسقطت يداه على جسده.. و أسلم روحه بين ذراعي والده.. فانهار والده وسقط على الأرض مغشياً عليه من صدمة الفراق والندم.. وقامت إحدى ممرضات المشفى بإيقاظه بعد تقديم الإسعافات الأولية له فوراً..

بينما "رهف" بقيت جاثية على ركبتيها بجانب صدره تندب شقيقها.. صارخة: لا نمير.. لا يستحق الموت.. لا يستحق الموت..

رحل الملاك الطاهر الإنسان الحقيقي بهدوء.. ليعانق روح أمه.. وترك في القلوب لوعة لا تشفى.. وأثراً عميقاً.. وتم تشييع جثمانه الطاهر في موكب جنائزي مهيب يليق به مكللاً بجميع أنواع الزهور إلى مثواه الأخير ومواراته في مسقط رأسه بمقبرة القرية ..

بعد انتهاء مراسم الدفن والعودة إلى بيت العزاء تقدم "تيم" من الوالد، وقال له : توجد أمانة معي لك من "نَمير"، وهي وصية طلب مني أن أعطيك إياها بعد مماته.. وها هي تفضل في هذا الكيس الفضي.. فتحه الأب بصمت وإذا به يرى ضفيرة ابنه المقصوصة منذ عشر سنوات.. أصيب الرجل بنوبة هسترية وابتدأ بالصراخ: ارجع يا نمير.. لن أقص لك الضفيرة.. ارجع يا ولدي.. وهو يتحسسها بيديه ويضمها لصدره.. ومن شدة غضبه طلّقَ زوجته الأفعى التي كانت تدس السم في العائلة وفككتها..

وقد أصيب منذ ذلك اليوم بحالة هذيان واختلال عقله.. وهام على وجهه.. وصار يدور في الطرقات وهو يحمل ضفيرة فلذة كبده، ويقول: أنا قتلت "نمير".. ويذهب كل يوم إلى قبره يناجيه، ويردد: خذ يا نَمير هذه هي ضفيرتك سامحني يا ولدي.. لن أقصها ثانية ارجع يا نمير.... مر يوم ولم يعد الأب إلى المنزل.. فقده الجيران والأهل.. بحثوا عنه فوجوده ميتاً بجانب قبر ابنه الذي أدرك حبه له بعد فوات الأوان.. كان جثمانه منكفئاً على القبر ويتشبث بيده اليمنى بضفيرة "نَمير".. وقد بكى كل من شاهد هذا المشهد التراجيدي..

أصبحت "رهف" وحيدة بعد وفاة شقيقها ووالدها فرحلت عن المنزل وسكنت عند خالتها.. مع الوقت تزوجت من "تيم" الذي أحبها حباً جماً.. وواصلت دراسة الفنون الجميلة في مدرسة قريبة وتخرجت منها.. وقد حافظت على ضفيرة نمير، وقامت برسمها في لوحة فنية تشكيلية وفاءً لروح نمير وتخليداً له.. فكانت لوحة ناطقة بكل صدق وإحساس.. ومن أشهر اللوحات التي عُلقت في معرض القرية كانت لوحة ضفيرة نَمير.. كانت قمة العطاء وشهدت إقبالا شديداً عليها من قبل الزوار وشراء نسخها والتي نفذت بسرعة.. كانت اللوحة عبرة لمن يعتبر لأنها جسدت قسوة الإنسان وظلمه، و ذكرى لأصفى قلب وأعذب روح.. مات نَمير لكن روحه ظلت ناطقة بالحب في تلك اللوحة.. رحم الله روح نَمير المحلقة مع أمه في سماء المحبة.. وصار قبره مزاراً للجمهور ويحكي قصة إنسانية تقشعر لها الأبدان.. والحديث القدسي يقول: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا..

___________

 

 

*كندا-

24/2/2011م

 

سلوى فرح


التعليقات

الاسم: سلوى فرح
التاريخ: 12/07/2012 18:17:27
الأستاذ هيثم نافل والي..
شكراَ لعبق مرورك اللطيف وكل الإحترام لملاحظاتك,,مع فائق تقديري ..دمت بخير.

الاسم: سلوى فرح
التاريخ: 12/07/2012 16:37:06
شاعر التفرد والألق فائز الحداد..
شكراً لذائقتك التي لاأعتز وأفخر بها من شاعر مرموق يسطع في سماء النور,,مودتي دائماً.

الاسم: سلوى فرح
التاريخ: 12/07/2012 16:35:40
الأستاذ محمد حميد فارس..
أنا أتشرف بمرورك الرقيق وكلماتك الراقية مع فائق تقديري واحترامي وشكراً لمتابعتك العزيزة,,دمت بخير..

الاسم: هيثم نافل والي
التاريخ: 12/07/2012 16:31:32
قرأت القصة ولم أجدها إلا حكاية، فهي لم تتحدد بشروط وضوابط وقواعد القصة القصير، خاصةً الزمن الذي يقيد بناء القصة القصيرة ويعطيها طبيعتها المستقلة والذي يميزها عن باقي ألوان الأدب : الحكاية أو القصة الطويلة أو الرواية أو حتى الأقصوصة أو القصة القصيرة جداً.
فيها فيض من المشاعر الإنسانية والعبر والدروس التي وصفتها الكاتبة بروح عذبة، شفافة ورقيقة، وبقدرة متمكنة من أدوات وعناصر القصة( الحكاية)فهي بالتالي أعطت رسالة إلى الضمير الإنساني المتحكم والطاغي في نفوس الآخرين بحكم القرابة.
المخلص
هيثم نافل والي
ألمانيا/ ميونخ

الاسم: سلوى فرح
التاريخ: 12/07/2012 16:30:41
القدير الأخ العزيز يحيى السماوي..

أنت تشرف متصحفي المتواضع بمرورك الكريم في أي وقت كان..مع فائق تقديري واحترامي..وسعيدة بتواجدك هنا في هذا الموقع,,

نعم ماتفضلت به القصة واقعية وعايشتها عن قرب وتركت الكثير من المشاعر داخلي..وهي قصة كل ماذكرت طبعاً بالتركيز الأكثر على ظلم ورفض المجتمع لأية حالة لاتلائم عاداته وتقاليده..
أستاذي الراقي باقات الياسمين لروحك المبجلة ومشاعرك النبيلة لأجل غد الشام..دمت بخير وألق وكل الود والإحترام.

الاسم: سلوى فرح
التاريخ: 12/07/2012 16:14:43
الصحفي العزيز عبد الحافظ الصمدي...
شكرا لعطر مرورك العزيز,,كل الود.

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 12/07/2012 14:13:08
لابد أن هذه القصة واقعية .. فالتفاصيل الدقيقة تشي بأن الأديبة الأخت سلوى قد عاشت ـ أو عايشت تفاصيلها ـ فبقيت منقوشة في ذاكرتها ... إنها قصة الطبيعة الأم وابنها الإنسان ، مثلما هي قصة حنان الأمومة البشرية ، والظلم المزدوج الذي يمارسه الإنسان على أخيه الإنسان ، وعلى أمه الطبيعة .

قرأت فحزنت واستمتعت ... حزنت لما تضمنته القصة من أسىً وظلم ، واستمتعت لجمال السرد الذي أبدعت فيه الأخت سلوى .. آملا أن يكون الغد الشامي والعربي والإنساني بخير .

الاسم: فائز الحداد
التاريخ: 12/07/2012 11:06:28
رغم أني أجد في فرح شاعرة أكثر منها قاصة ولكن هذا السر المحمول على الحس الفطري في الكتابة يشي إلى ذائقة قصصية جميلة .
تحياتي لك المبدعة القديرة سلوى فرح .

الاسم: محمد حميد فارس
التاريخ: 12/07/2012 10:05:58
قصة ممتعة جداً ومشوقة، تجذب القارئ إليها..ابداع ورقي يغلف هذه القصة لا ادري باية لغة اكتب لاوصف هذه الشفافية والبراعة التي قلما تتكرر .بالفعل انت امام كاتبة جبارة لها خيال خصب زاد من تالقه تلك الثقافة الرائعة والرقي في سرد هذه قصة

الاسم: الكاتب:نصير الريماوي
التاريخ: 12/07/2012 06:10:41
قراءة نقدية لـ"ضفيرة نُمير" للكاتبة سلوى فرح
بقلم: نصير أحمد الريماوي


قصة مشوقة تبرز مدى تأثير الظلم والحرمان على المجتمعات


أثناء تصفحي للصفحة الأدبية في جريدة القدس الغراء ذات يوم لفتت انتباهي قصة "ضفيرة نَمير" للكاتبة "سلوى فرح" من خلال عنوانها المُثير والجاذب، وهي قصة رمزية مشوقة استمتعت أيما استمتاع في قراءتها مشكورة.

أرى من وجهة نظري بأن الكاتبة برعت في تركيزها على العنصر الإنساني في قصتها لدرجة أنها استطاعت النفاذ إلى قلب وعقل كل قارئ من خلال معالجتها لموضوع انتزعته من واقع الحارات الشعبية والجماهير وحياة الشعب.

ومن خلالها قدمت صورة معبرة جدا عكست واقع أبكت العيون والقلوب من تأثيرها العاطفي. إن أسلوبها القصصي الباهر الذي لجأت له الكاتبة يتضح في استخدامها للأفعال المصورة للحدث استخداما منطقيا منظما زمنيا، وهذا ما يمنح القصة أسلوبها الجملة التصويرية بحيث استطاعت بشدة حساسيتها الواضحة في نصها من ملاحظة مشاعر الناس وعواطفهم..

كما أن خبرتها وثقافتها مَكّنتها من استبطان أهواء الناس واكتشافها وما يتبعها من الهمس النفسي الذي استطاعت الكاتبة تصويره ورسم اتجاهاته..
ولا أغالي إذا قلت بأن الكاتبة استطاعت شحن جملها بقيمة عاطفية سمت بمستواها الفني، وذلك لأن العواطف والأحاسيس هي أجزاء أساسية من حياة الإنسانية يعيش بها الفرد في جميع اتجاهات سواء في معانيها الإيجابية أو السلبية وهي التي تتشكل في الحب والسعادة والحرية والحنان والعطف والوطنية والإخلاص أو في الكره والاستعباد والجفاء والهجر وما إلى ذلك من مشاعر وأحاسيس..

وقصة "ضفيرة نَمير" تروي لنا الكثير من الإحساس العميق، وكل جملة فيها تشع بالألم الكبير، وجاء تركيب جمل القصة لتكون معبرة في دلالتها بلا زخرفة أو تنميق أو ثرثرة.

وما أراه في أسلوب الكاتبة الأدبي أنه إذا استدعى الخيال والتصوير أدته ببساطة ومهارة، وإذا تطلب البيان والوضوح عبرت عن الفكرة مباشرة أحيانا..
إن كثرة اطلاع، ومعاناة الكاتب أو الكاتبة أحيانا يعملان على خلق المهارة الأدبية في صياغة جمل سرده أو سردها القصصي، وأن صياغة الجملة التصويرية وتضمينها أفعال الحواس يمنحها رقة الهمس الإنساني ويجعل قيمتها الجمالية فعالة ومؤثرة، وكذلك الجملة المعبرة عن العواطف الصادقة وهذا ما ركزت عليه الكاتبة "سلوى" في قصتها..

وتتمتع الكاتبة بأسلوب مميز في كتابتها وقولها وعملها وقدرتها على تصوير أفكارها وعواطفها بتعبير فني، وصياغة الألفاظ والعبارات الملائمة للمعاني..
وقد استطاعت بمهارتها القصصية أن تظهر مدى تأثير الظلم والحرمان على المجتمع وعلى الأسر التي تشكل لبنة المجتمع الأولى وتفكيكهما، وما نراه اليوم من ثورات اجتماعية في وطننا العربي ما هو إلا تفشي ظاهرة الظلم والحرمان، وغياب العدالة الاجتماعية، وزيادة معدلات الفقر...الخ. لدرجة أن البعض من المواطنين صار يحرق نفسه قهراً من هذه السياسات.

هذه الأمراض الاجتماعية هي محور ما ركزت عليه الكاتبة في قصتها الرمزية ربما عن الأنظمة من خلال أسرة تعيش في مكان ما، وزمن ما، وحدث ما، وبيئة محيطة، وبشخوصها المذكورة، وبرعت في حبكة القصة، وهذه تجسد عناصر القصة القصيرة.

وتضمنت القصة قيماً تربوية زرعتها الكاتبة في أذهاننا من خلال تسليطها الضوء على ضرورة المعاملة الحسنة واحترام الوالدين لأبنائهم وتربيتهم تربية سليمة صالحة، وكيف يجب أن يتعظ الإنسان من جبروته وطغيانه ويحرر نفسه من ظلم العباد قبل فوات الأوان وأن لا يقبله لغيره.

الاسم: عبدالحافظ الصمدي
التاريخ: 11/07/2012 19:24:39
قصة انسانية رائعة بروعتك الغالية علينا

الاسم: سلوى فرح
التاريخ: 11/07/2012 19:18:48
لشاعر المرهف جميل حسين الساعدي..

تشع بين ثنايا متصفحي المتواضع بومضك الرقيق وروحك السامقة ..شكرأ لنبضك الدافئ وتفاعلك الراقي مع روح النص الذي ينم عن إنسانيتك العالية ومشاعرك المرهفة..
لقد توغلت فعلاُ في أعماق روحي وعبرت عن الكثير مما أريد قوله..وممتنة جدا لجهدك في هذا التعليق اللطيف.
شاعري العزيز لك دائماً إطلالة مميزة مكللة بالنور..مع أرق المنى والاحترام والتقدير..تحياتي بعبق النرجس والزنبق والليلك.

الاسم: جميل حسين الساعدي
التاريخ: 11/07/2012 15:30:00
قدقرأت القصة بتأنٍ وكنت أتوقف بين الفينة والأخرى عند بعض السطور, وأتأمل في عمق المشاعر الأنسانية, وهي تعبّر عن نفسها بأسلوب فطري, كما جبلها الله عليه, فأتذكر تلك القصص والروايات الخالدة, التي صورت لنا الأحاسيس والمشاعر الإنسانية في احتدامها في حالات الحب والكره والحسد وما الى ذلك..
من منا لا يتذكر فيكتور هوغو, دستيوفسكي, تشارلز ديكنز وغيرهم كثيرون.أما على نطاق الدراما أو التراجيديا, فأسماء مثل شكسبير الانكليزي وكورنيه وراسين الفرنسيين , قد تركت لنا تراثا أدبيا فخما صور لنا العواطف والمشاعر الانسانية في احتدامها في مسرح الحياة, هذا الاحتدام , الذي ينتهي على الأغلب الى مأساة مروعة تحرك فينا مشاعرنا الانسانية وتستدعي فيناروح التعاطف والشفقة والرحمة.. هذا ما حدث معي وأنا أقرأ هذه القصة, التي حركت مشاعري وأحاسيسها, ودفعتها الى الذروة, وكأنني أعيش وسط الحدث, فاستشعرت حنان الأم بأروع صوره , وحب الأخت الذي يصل الى ما يشبه الملائكية بصدقه وحميميته. ثم روح الشر والكيد, التي تجسدت في الزوجة الثانية لأبي نمير ُثم القسوة الانسانية, التي تمثلت في الأب, هذه القسوة, التي انهزمت أمام مشاعر الأبوة التي استفاقت أخيرأ فيه أمام الخاتمة المأساوية التي انتهى اليها ابنه, والتي غابت عنه طويلا تحت حجاب الصلف والغرور. تصرف الأب يؤكد لنا حقيقة ان الصلف والغرور والقسوة كلّ هذه لن تستطيع أن تقتلع جذور الإحساس الإنساني في البشر,الذي أودعه فينا الباري عزّ وجلّ.
لقد تأثرت كثيرا وأنا أقرأ هذه القصة المأساوية تماما مثلما تأثرت حين قرأت ( آلام فرتر) لغوته.
عزيزتي سلوى فرح شاعرة الرقة والعذوبة, لقد أبدعت وأيّما إبداع في هذه القصة العاصفة بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية
أحييك بتحياتي المضمخة دوما بعبير الزهور التي تعشقينها
ولك مني كل الود والاحترام والتقدير




5000