..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


السلطان العثماني عبد الحميد الثاني علم من أعلام المسلمين !

مهدي شاكر العبيدي

اختلاط الكذب بالصدق في الكثير من الشواهد

والأخبار المحيطة بالوقائع الماضِية والحوادث الغابرة

السلطان العثماني عبد الحميد الثاني

علم من أعلام المسلمين !

عبد الحميد الثاني السلطان

قد يُرَاع القارئ الذي امتلأ ذهنه في سنيِّه الماضِيات وأثناء قطعه المراحل الدراسيَّة المتنوِّعة ، بمعلومات ومعارف شتى عن تخلف الحياة وتردِّيها في البلدان العربية زمن ارتباطها وتبعيَّتها للسلطة العثمانية ، على ما كرَّسته المناهج الدراسيَّة المقرَّرة وألزمَتْ به الأساتذة والمربِّينَ من تقديم صورة كالحة وقاتمة لعهودها ، من ناحية شيوع الإهمال والفساد والارتشاء في الأجهزة الحكوميَّة ، وتفشِّي الاستبداد والفساد والجور والاستهانة بحرمات الأهالي ، يتكفـَّل باستهدافهم بها جميعا ً مَن هم في أعلى الدرجات والمستويات من التصدُّر والتحكم ومَن يليهم ويتدنى بعض الشيء عنهم في المكانة والمقام ، ويُبَاح له أنْ يتقاسم مع النفر الأوَّل مهمَّاته في تعيين الأرزاق والحظوظ ! ، وإلزام أيِّ فردٍ بالامتثال لِما يرسمونه من مصير وعقبى ، ويرتؤونه من نصيبٍ ونهاية ؛ قلتُ : يُرَاع ساعة إذ حتما ً حين يطالعه عنوان هذا الكتاب : ( السلطان عبد الحميد الثاني / آخر السلاطين العثمانيينَ الكِبار ) ، مندرجا ً في سلسلة : ( أعلام المسلمينَ ) التي دأبَتْ مؤسَّسة دار القلم بدمشق على الاستيثاق من نزاهة الشخصيات وطهر نفوسها وسلامة دخائلها ونقاء سرائرها وضمائرها ، ومن ثمَّ التأكد من تجرُّدها وعفتها وحسن تعاملها مع الآخرين في الحياة الجارية عموما ً ، لتعهد لأحد الكـُتـَّاب باستقصاء ما خفي من شتائت حياتها ، ولمِّ ما اكتنفها مِن وقائع وتجارب ، وما عرض لها من حوادث وخطوب ، وما أسدته لمجتمعها من عَوَارِف وخدمات في حالةٍ من استيلاء روح الإخلاص والحَمِيَّة والتناهي في البذل والإيثار ، وتمكن هذه الشِيَات والخصائص منها بلا تنظر وارتقابٍ لمثوبةٍ أو جزاء ، فينبري هذا الكاتب المُؤثـَر بالاختيار للتأليف في قصَّة حياة العَلم المخصوص بالإجلال والإعظام ، ومواجهته للصعوبات والعَوارض ، ومُغالبته للمشقات والمتاعب ، متقرِّيا ً في ذلك أطواره وأحواله النفسيَّة ، ومصوِّرا ً أيضا ً أحايين فرحه وحزنه ، إقدامه وتراجعه ، انتصاره وانخذاله ، وسائر ما يمرُّ به ويتتالى عليه من انكسار وتخطٍ ؛ وبين يديَّ الآن الطبعة الثانية منه الصادرة في العام 1996م ، ضمن التسلسل ( 30 ) من هذه السلسلة العتيدة .

السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الكبار 

 لمْ يفتِ الدكتور محمد حرب ــ وهو كاتب من المدينة المنوَّرة ــ مؤلف هذا الكتاب الصادم لبعض أصحاب العقول والنفسيَّات المستمسكة بالنظرة الواحدة دون أنْ تتسمَّح لتصابح الاجتهادات والتخريجات والاستنتاجات الجديدة والمتوصَّل إليها من وراء تمحيص الوقائع الماضية وربطها بظروفها وأحوال ناسها ، فيتخففوا من انغلاقهم ورأيهم الثابت ، إنْ لم يكن ذلك بصورة كليَّة ، فعلى الأقل عليهم أنْ يقرُّوا لمَن يخالفونهم في رأيهم ، بحقـِّهم في تسويغ ما يشاؤونه وينافحونَ عنه من نظر ونزوع ، وفي ذلك مصداقٌ للتسمُّح وسعة الأفق وتحلل من آفات الانغلاق والتعصُّب ، وترويض للوجدان الإنساني أنْ يشوم دلائل الفضيلة والخير في ذات الكِيان البشري الذي يتوزَّع الأفراد الآخرونَ جماعاتٍ وتفاريق مختلفة بصدد تقويمه والقطع له باستيفائه الكمالات أو الخسائس ؛ قلتُ : لمْ يفته أنْ يلحق بمؤلـَّفه ملحقا ً محتويا ً شذراتٍ قوامها آراء نابضة بالثقة والصدق وإيمان أصحابها وتيقنهم بواقعيَّتها ، وكلها محض شهادات على عصمة الخليفة عبد الحميد الثاني من كلِّ شَين وعيبٍ ومَعَرَّةٍ ، وتنزُّهه عن الإضرار بمصالح المسلمينَ والإجحاف بحقهم ، ورفضه إرخاص ذمَّته بقبوله الرشوة لقاء استسهاله التخلي عن الديار المقدَّسة ومنحها للصهاينة ، بلْ اتخذ منهم موقفا ً حازما ً رادعا ً أملاه عليه تديُّنه وورعه واستقامته ، وهذه الشهادات المتوثقة تعزى لأقطابٍ وأعيان من ساسةٍ ومفكرينَ ومؤرِّخينَ من الشرق والغرب ، وبضمنهم بعض مَن نكثوا عهدهم له بالولاء ، وانتفضوا عليه ، وأطاحوا بحكمه ، وأجلبوا على البلاد والعباد الكوارثَ والمآسي ، فوقعوا فريسة الندم بعدما عايشوا تطوُّر الأحوال في سنين تاليةٍ وتسبُّبها في زيادة تكالب الدول الغربية على تناهبها واقتسارها .

 

       وكنتُ قد كتبتُ قبل سنين مقالة بعنوان : ( حول انضمام بعض الأدباء الرواد إلى المحافل الماسونية ) ، نشرتها صفحة النافذة الفكرية لجريدة العراق المحتجبة اليوم ، استهللتها بالقول : إنـَّا لا نبغي ردَّ الاعتبار لشخصيَّة السلطان عبد الحميد الثاني لوقوفه بوجوه الصهاينة وتخييبه أطماعهم في الأراضي الفلسطينية التي كانت أوانَ ذاك جزءا ً من الممتلكات التابعة لنفوذه ، مندفعا ً في موقفه الحدِّي هذا بوحي تمسُّكه بدينه ، ومستبقا ً لِمَا ينجم عن مشروعهم المُبيَّت فيما لو استجاب لطِلبَتِهم وحقق لهم مبتغاهم ، من خطورةٍ وزعزعةٍ للاستقرار في المنطقة ، واستلاب الصفو والراحة من حياة سكانها العرب الأصلاء المزاولينَ فيها أشغالهم وأعمالهم منذ آلاف السنين ، بقدر ما نتوخـَّى الإعراب عن استغرابنا من إشادة رهطٍ من أعيان الأدب وأقطاب الثقافة العربيَّة ، أمثال : عباس محمود العقاد ، ومصطفى صادق الرافعي ، ومنصور فهمي ، ومحمد حسين هيكل ، وجبر ضومط ، وأحمد حسن الزيَّات ؛ ببعض ممثلي بدعة الماسونية في عالمنا العربي ، ويأتي في طليعتهم : يعقوب صرُّوف ، صاحب مجلة ( المقتطف ) الشهيرة ، والمتبنية فكرة ( التطور ) ، والداعية للتقدم الإنساني في مختلف المجالات والميادين ، عينَ الوقت الذي يقف ذووها موقفا ً منحازا ً لصالح الخديوي توفيق ، في اقتصاصه من القائمينَ بالثورة العرابية المحبطة بتدخـُّل الإنجليز وتماديهم في قمعها وإخمادها وملاحقة الثائرينَ دون هوادةٍ ، فضلا ً عن اعتناقهم التفكير الماسوني ، الذي يحفُّ بحقيقته الغموض ، ولا يستبينُ المرء غاياته ومبادئه إزاء ما يحتوشها من لبس وتعميةٍ ، ولا يجدي تمويههم وانتحالهم لشعار الأخوَّة والوفاق بين البشر على اختلاف أعراقهم ومناشئهم وأديانهم ولغاتهم ، في حمل الأفراد على القطع بإنسانيَّتهم وخلوص نيَّاتهم وطهارة ذممهم ؛ وبعد علمنا أنْ كانَ لأولئك الماسونيينَ الغلاة فاعليَّتهم في التمهيد لتقويض دولة الخلافة ، فقد تغلغلوا في المراكز والدوائر وتسنموا أرفع الرتب والمناصب في أجهزتها ، واستحوذوا بمرور الأيام على قيادات الجيش ، وصاروا هـم المتصرِّفينَ والمتحكمينَ في تسييرهِ وتوجيهه ، وسط إغضاء المثقفينَ والوعاة وعمايتهم وسدورهم في الغفلة من كلِّ الأجناس والمِلل الملتئمة لتشكيل كِيَان السلطنة المتهاوية لهذا السبب .

 

       وإنصافا ً : إنَّ مبادرة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لردِّ دعاة هذا المشروع الصهيوني في غاية الإخفاق والفشل ، بلْ اليأس من إنجاح محاولاتهم في حمله واستـدراجه لإمكان مشايعتهم وإسعاف طلبهم ، هي المأثرة التي تـُحتسَب للرجل ، وتكلل هامه بطوق الفخار ، خاصة بعد أنْ خبرنا حقيقة أو معادن الساسة التالينَ بعده بسنوات ، ولمْ نلمسْ من توعُّداتهم بالغاصب الواغل سوى الكلام الفضفاض وغير المؤدِّي إلى حل أو نتيجة تنهي هذا الصِراع المحتدم بيننا وبين عدوِّنا الصهيوني ، الذي نتوسَّل لمواجهته بالمؤتمرات التي تلقى فيها الخطب التهريجية والعنترية ، وإمعان حُكـَّامنا في اضطهاد المطالبينَ بأقلِّ حقوقهم ، والبطش بالمنافحينَ عن أدنى مستحقاتهم في الحريَّة الشخصية ، وتفننهم فوق ذلك في فبركة الاتهامات والدعاوى لتدنيسهم وتشويههم .

 

لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ـ د. علي الوردي ــ صورة الغلاف

 

       وما عدا هذه المأثرة ، تبقى الأمور الأخرى ممَّا يتعلق بمواجهة السلطان للمشكلات والصِعَاب التي وقفتْ عائقا ً أمامَه لإدارة مرافق الحكم بشكل مُرض ٍ لجميع الأطراف الباسطِ ظله على وجودها وحياتها ، رهن التنازع واللدد بين معاشر الدارسينَ وأرباب النظر والاجتهاد ؛ فلا يحسن أنْ نغدو إمَّعَاتٍ ونسلـِّم للأستاذ الدكتور محمد حرب ، بكلِّ ما خلص له من رأي وانتهى إليه من حكم بصدد المُحْرجَات والأزمات العصيبة والظروف الصعبة التي ساق القدر الظالم الخليفة العثماني لممارسة سطوته واقتضائه الناس أنْ يذعنوا لإمرته وينزلوا على رغبته ، وهو يتجهَّز لملاقاة أخصامه الكثيرينَ من ساسة الدول والحكومات الطامعة في ما تمتلكه رباعه الشاسعة في أوربا وأفريقيا وآسيا من ثروات وكنوز ، هذا إذا استثنينا من حساباتنا أهميَّتها الموقعيَّة بين دول العالم وإشرافها على الطريق الآيل إلى بلاد الهند درَّة التاج البريطاني ، مهما سوَّغتْ لنا عقيدتنا الإسلاميَّة وحملتنا على التعامي عن مستجدَّات عصرنا المتوائم هو في تطوِّره وتجديده وما تصدع به هذه العقيدة من تحذير الفرد المسلم أصلا ً من مغبَّة الخنوع والاستكانة والتراجع عن المطالبة بالحقوق المغصوبة والكرامات المهدورة والحريَّات المُستبَاحة ؛ فها هو الدكتور علي الوردي يملي في الجزء الثالث من كتابه ( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ) : (( إنَّ الشخصيَّة البشريَّة بوجهٍ عام ليسَتْ كما يتصوَّرها العاطفيونَ من الناس ، فهي لا يمكن أنْ تكونَ ذات جانبٍ واحدٍ ــ كلها محاسن أو كلها مساوئ ــ إنَّ الشخصيَّة في الواقع مزيج عجيب قد تختلط فيها لمعات العبقرية بوساوس الجنون ، وقد تصطرع فيها دوافع الخير والشرِّ معا ً ، وهذا هو ما كانتْ عليه شخصيَّة عبد الحميد فعلا ً )) ، وبعد أنْ يفيض في بساطته وتواضعه ومراقبته لكيفيَّة تسيير الأمور في مملكته واستئناسه بمشورة أصغر موظفيه وأجلـِّهم ، يستطرد الدكتور الوردي قائلا ً : (( ولكنَّ هذا الرجل على الرغم من مزاياه التي لا تنكر كانَ مصابا ً ببعض العُقد النفسية الطاحنة التي أقضَّتْ مضجعه ، وجعلته لا يعرف الطمأنينة والراحة النفسية طيلة المدَّة التي كان حاكما ً مطلقا ً فيها ، فقد جعل له جيشا ً كبيرا ً من الجواسيس حتى قِيلَ أنَّ عددهم في العاصمة وحدها بلغ العشرين ألفا ً ؛ وكان لا يأمَن من أحدٍ حتى من جواسيسه ، ممَّا دفعه إلى أنْ يجعل بعضهم رقيبا ً على بعض ، أو كما وصفه هو نفسه ذات مرَّة : [ جاسوس على جاسوس على جاسوس ! ] ، وكان من أشدِّ ما يخشاه أمران : الاغتيال والحركة الدستورية ، وكانَ جواسيسه يتغلغلونَ بين الناس في القصور والمقاهي والملاهِي والأسواق ليبحثوا عـن مَـن يتآمَر لقتل السلطان ، أو يدعو إلى الدستور ، والويلُ لمَن كانَ يؤتى به متهما ً بإحدى هاتين ِ التهمتين ِ أو كليهما )) .

 

       فما كانَ أدباء ذلك العهد من الشعراء والناثرينَ متغرِّضينَ أو مندفعينَ بعامل التغرير والتأليب في هجوهم وتنديدهم بأساليب الحكم التي ينتهجها الحاكم وزبانيته الممتثلونَ بإمرته ، وغدوا طوع تصرُّفه وإرادته دواما ً لكبت الأنفاس وكبح أصوات المستنكرينَ والغاضبينَ ، باسم توطيد الأمن وبذريعة الوصول أو الإيفاء على حالةٍ من الصفو بلا مُكدِّر لحياة الملأ يمنعهم من مزاولة أشغالهم وأعمالهم ، ويصرفهم عن الانغماس في جني مرابحهم وأرزاقهم ، فما نظنُّ بشاعر العراق جميل صدقي الزهاوي الاعتمال والافتعال والتصنع في صوغه لهذه الخريدة التي قد تشذ عن سائر شعره في تدفقها واكتنازها بالعاطفة الوجدانية ، مع حمله على نفسه وشدَّته فيها ، وتكشُّفه عن خصيصة هي مهوى الشعراء في متمنـَّاهم للتجويد الشعري الرافض لأيِّ لون من النقد والمؤاخذة ، وتشخيص ما يبينُ في الحبك والصـياغة مـن تهافتٍ وركاكةٍ ، عنيْتُ بها هذا الصدق الشعوريَّ المُسَاعِف للشاعر بالسلاسة وتسلسله في تجسيد أغراضه ومعانيه مع توخـِّي سهولة الألفاظ والمفردات وقربها من الأفهام ، فما انصرافه لحشد قدر وافٍ من مستوعَر الكلمات وزجِّها في القالب الشعري بآيل به للتأثير في أنفس قرَّائه ومحفـِّز لهم كي يتجاوبوا هم وعاطفته وشعوره ، فليس الوقت وقتا ً للتشادُق والتيه بالإغراب والتبجُّح بتصفح المعاجم بقصد التفسير والمداخلة ، يقول الزهاوي عن السلطان عبد الحميد الثاني وعصره :

 

لـَقـَد عَبَثتْ بالشعْبِ أطـمَـاعُ ظـَالِـم ٍ       يُحَـمِّـلـُهُ مِـن جـَـورهِ مـَـا يُحَـمِّـلُ

فـَيَا وَيحَ قـَوم ٍ فـَوَّضُـوا أمرَ نفسِـهـِمُ      إلى مَـلِـكٍ عَـن فِعلِهِ لـَيـسَ يُـسْـألُ

إلى ذِي اختِيَار ٍ فِي الحُكومَةِ مُطلـَق      إذا شَـاءَ لمْ يفعَـلْ وَإنْ شَـاءَ يَفعَـلُ

وَذِي سُلطـَةٍ لا يَرتـَضِي رَأيَ غـَيرهِ      إذا قـَال قـَولا ً فـَـهُـــــوَ لا يَتـَبَـدَّلُ

أ يَأمُـرُ ظِـلُّ اللهِ فِـي أرضـِـــهِ بـِمـَـا      نـَهـَى اللهُ عَـنـهُ والكِـتـَابُ المُنـَزَّلُ

فـَيُفـقِـرَ ذا الــمَــــال وَيَـنـفِـي مُـبَـرَّأ ً      وَيَسجُـنُ مَظلـُومَا ً وَيَسبي وَيقتـُلُ

تـَمَـهَّـلْ قـَلِـيلا ً لا تـَغـْـظ أمـَّـــــة إذا      تـَأجـَّـجَ فِـيهَـا الغَـيـْظ لا تـَتـَمَـهَّـلُ

وَأيدِيكَ إنْ طـَالـَتْ فـَلا تـَغـتـَررْ بـِهَا      فـَإنَّ يـَـدَ الأيـَّـام مِنـهُـنَّ أطــــوَلُ

إلـَـيْــكَ فـَـــإنَّ الظـُّلـمَ مـُـرْدٍ فـَريـقـَهُ      وإنَّ طريقَ الظلم للخُسر مُوصِلُ

وَكـَمْ تـَعِـدِ الأقـــــــــــوَامَ إنـَّـك بَاذِلٌ      حُـقـُوقـَا ً لهُم مَغصُوبَة ثمَّ تـَبخَـلُ

تـَقـُولُ إذا عَـمَّ الفـَــسَــــــــادُ فـَإنـَّنِي      بـِإصْـلاحِـهِ فِـي فـُرصَةٍ مُتـَكـَفـِّلُ

أ بَعـدَ خـَــرَابِ المُـلـكِ وَا ذلَّ أهـلِـهِ      تـُهَـيِّئُ إصــــلاحَـا ً لـُهُ أو تـُؤَمِّـلُ

 

................

 

       ولا تقلْ لي إنَّ بواعِث هذا الشعر المنطلق في تبكيتِ الظلمة وتقريعهم ، يمكن عزوها لا ستغراقه في الخيال والتصور ، وإنـَّها غير مستوحاة ومستلهمة من واقع الحال الذي لا بُدَّ من أنَّ الشاعر قد عاش فيه وخبره واكتوى بلذعه ومرارته ، وتفرَّج على مشاهدَ من معاناة الناس واستسلامهم لبطشه وعنته بعد يأسهم من صلاحه وقلة حيلتهم وضعف وسائلهم في مقاومته واستدبار شِرَّته ، فهداهم تفكيرهم لابتداع وانتحال أكثر من مسوِّغ لاستمرار حياتهم في ظله ومغالبة فرَقِهم وخوفهم من أنْ يشتط في النكاية والتنكيل بهم جرَّاء شمولهم بالتلفيقات المزوَّرة والوشايات الكاذبة التي يصطنعها أزلامه المبثوثونَ في كلِّ مكان ، ويتفننونَ في تزويقها من آن ٍ لآن .

 

       أخشى أنْ يكون الأستاذ الدكتور محمد حرب لا يقرُّ حتميَّة تأثر الشعوب بعضها ببعض في الأفكار والمشاعر والأعراف والتقاليد والمواضعات الثقافية السائدة بينها ، علما ً أنـَّنا لا ننكر تعرُّض الدولة العثمانية ـ في عهدها الأخير ، وبعد أنْ سرى فيها الضعف والانحلال ــ لتضرِّي عداء الدول الغربية لها ، بحيث مال ساستها لوجوب تعفيتها والتطويح بكيانها وإلغاء اسم الخلافة بالمرَّة من الوجود ، فطفق يشخِّص الأطراف والجهات المعادية التي عملتْ ما بوسعها لتهيئة الأذهان لاستقبال التغيير القادم الذي لا مندوحة عنه ، بوصفه أمرا ً حتميا ً لا يتنافى هو وطبيعة الأشياء ، فيلفيها تلتقي عند أصحاب المذاهب الفكرية الوافدة ، وهم : القوميونَ والماسونيونَ والعلمانيونَ ودعاة الإنسانية الأوربية والعقلانيونَ .

 

       وتفضي قراءة هذا الفصل المُكرَّس للتفصيل في المراحل التي قطعها نشاط كلٍّ من أولاء في التمهيد لتهديم المملكة وزعزعتها ، لتغيير آراء القارئ وانطباعاته المُستقاة والمستمدَّة من قراءاته القديمة لكتب ودوريات سابقة ، أخصُّها كتاب الأستاذ قدري قلعجي ، عن مدحت باشا ، وتفصيله في مناوأته للسلطان عبد الحميد ، والذي صدر في نهاية أربعينيات القرن الماضي ضمن سلسلة أعلام الحرية ، وصدرَتْ مؤخـَّرا ً طبعته الثانية بدمشق ، بإشراف الكاتب السوري محمد كامل الخطيب ، ممَّا يوحِي بالانسجام والتلاؤم بين فحاويه ومحتوياته المنصبَّة على تمجيد الحريَّة وإعلاء شأن أبطالها المكافحينَ وبين فكر هذا الكاتب ، وأنْ لا اعتراض على ما جاء فيه من وقائع تاريخية واحتراس من إسهابه في تصوير الظلم والإجحاف والغبن الذي لحق بمدحَت باشا ، جرَّاء مطالبته بإعلان الدستور وارتكان ذوي الشأن إلى إرادة الأمَّة ؛ وإذا بهذا القارئ نفسه يُفاجَأ ويُباغتْ وبالتالي يُصعَق ويستغرقه الذهول ، حين يصير إلى علمه أنَّ مدحَت باشا هذا الذي عرفه من قبل مُصلحا ً وساعيا ً لخير الناس ، يُرَاد منه اليوم أنْ يقرَّ بكونه ابنا ً لحاخام ٍ يهودي من المجر ، على ما ورد في سفر لمؤرِّخ فرنسي ، ونقله عنه الدكتور محمد حرب ، وما علينا بعدُ بإشهار ماسونيَّته ، وارتباطاته بالإنجليز والسفارة الفرنسية واحتمائه بالأخيرة ، متنصِّلا ً من الوقوف أمام المحاكم لمساءلته والاقتصاص منه وتجريمه في قضيَّة مقتل السلطان عبد العزيز ، بعد إلمامنا بتلك المعلومة الغريبة كونه يهوديَّ الأصل ! .

 

       ويذكرني تعديد تلك الواجهات التي تكنُّ العداوة للخليفة المسلم بطرفة شاعَتْ في العراق قبل عقود ، فحينَ حلَّ ببغداد الصاغ صلاح سالم ، موفدَا ً من المجلس الوطني لقيادة ثورة 23 / يوليو / 1952م ، لإجراء مباحثات ومشاورات مع المسؤولينَ العراقيينَ في قضية الدفاع عن الشرق الأوسط والوقوف بوجه الخطر السوفيتي المزعوم ، وذلك قبل أنْ يتبلور فكر العساكر المصريينَ حديثي العهد بالعمل السياسي ، وينحازوا بعض الشيء لجانب السوفيت ، الذين يخشى الغربيونَ تغلغلهم في ربوعنا ، وطالما خوَّفونا بهم ومنهم ، قلتُ : إنَّ الصاغ المحترم عقد مؤتمرا ً صحفيا ً بعد انفضاض محادثات ( سرسنك ) المشهورة عام 1954م ، كما يعرف الجميع ، واستفسر منه أحد الصحافيينَ عمَّا إذا واجهَتْ ثورة يوليو معارضة لسياستها ، فردَّ عليه أنَّه أمرٌ طبيعي أنْ تمنى الثورة بأصنافٍ متعدِّدةٍ من المجافينَ لخططها الإصلاحيَّة ، يتمثلونَ في الشيوعيينَ والإخوان المسلمين والسعديينَ والوفديينَ وفلول الحزب الوطني ومصر الفتاة ، وتؤازر بعض هذه الفئات السفارات والمخابرات الأجنبية ! ، ممَّا نشرته جريدة ( الأهالي ) أو ( صوت الأهالي ) في حينه ، منهية جمل هذا التصريح بعلامة التعجُّب ، والتي هي من علامات الترقيم ، كما يصطلح عليها المنشِئونَ والجانحون لتحلية الكلام .

 

       ويرى المؤلف أنَّ الشعور القومي الذي دبَّ في صفوف المسلمينَ وهم القسم الأكبر من رعايا الدولة العثمانية مع تعدُّد صنوفهم وأجناسهم ، كان مرتبطا ً بالإسلام ارتباطا ً وثيقا ً ، ويُعَبَّر عنه بـ ( الملية ) ، وأنَّ تمسُّك النصارى ارتبط ببلاد الشام بحركة التنصير العالمية ، أو بمعنى أوضح : إنَّ نصارى سوريا حملوا لواء القومية بمفهومها العلمَاني ، ونشروا فكرتها عن طريق جمعيَّاتهم وعملهم في الصحافة ، وأوقفوا كلَّ هذه المجهودات وسخـَّروها لبذر الخلاف والتفرقة بين رعايا البلاد العثمانية ، كخطوة أوليَّة مؤدِّية لإضعافها وإسقاطها بالتالي .

 

بطرس البستاني

 

       وفي هذا نقول : إنَّ من الدعاة القوميينَ ببلاد الشام الباحث بطرس البستاني ، الذي كان حريصا ً في كلِّ نشاطاته على عامل التثقيف وبثِّ الحياة القومية والأدب القومي في سوريا ، دون أنْ يجرِّده من أفضاله في إنعاش اللغة العربية والطلب من أدبائها أنْ يجانبوا في تعبيراتهم التزويقات والزخارف البديعيَّة ، ويرسلوا نفوسهم على سجيَّتها بلا اعتمال وتكلف عند استخدامهم المفردات اللغوية لتجسيد خلجاتهم ومعانيهم .

 

نصوص مختارة من الأدب العربي الحديث


       غير أنَّ القارئ لهذا المورد من الكلام الدائر حوله في كتاب الدكتور محمد حرب عن الخليفة عبد الحميد الثاني ، يتحسَّس جيِّدا ً بجفاء المؤلف له ، وتهوينه شأنه ومنزلته ، إنْ لم ينظر حِياله بقلة الاحترام ، وعندي الآنَ مُصنـَّف فريدٌ مهمٌ عنوانه : ( نصوص مختارة من الأدب العربي الحديث ) . للباحث السوري ــ الراحل إلى عالم البقاء الحقيقي مَحُوطا ً برحمة الله ومستحقا ً لها ــ الدكتور عبد الكريم الأشتر ، يتوفر فيه على دراسة آثار عبد الرحمن الجبرتي وناصيف اليازجي ورفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني ، على اعتبار أنـَّهم ممثلون لطلائع النهضة الحديثة في الدنيا العربية ، فيتدارَس بيئاتهم التي نشأوا فيها ، ويستقصي طبيعة أحوالها السياسية والاجتماعية والفكرية ، ويواكبهم في نشاطاتهم الثقافية الموفية بمحو الجمود والتخلف وارتياد طريق الإصلاح وابتغاء تجديد الحياة ، ويسوق في ختام كلِّ فصل يكرِّسه لواحد من أولئك الأفذاذ نصوصا ً وشواهدَ دالة على اقتداره ونبوغه في التأليف والكتابة ، كي يتخيَّر واحدا ً من هاته النصوص الإبداعية المأثورة وينصرف لتجلية مضمونه وتفسيره وشرح أغراضه ومراميه ، حتى إذا وقف عند بطرس البستاني شهد له عبر تحليله خطابه ( آداب العرب ) ، بأنـَّه من أرباب إصلاح أوضاع المجتمعات العربية وتحسين أحوالها المعيشيَّة ، وإنهاضها من كبوتها ، وتنبيهها من السُبات العميق والغفوة المستولية عليها طوال قرون متمادية ، ورغم أنَّ قدرته العقلية أكبر من مكنته وقدرته على الانفعال والتصوير ، فما أثِر عنه من تعبيره الهادف البسيط الدقيق عن مجمل آرائه وأفكاره ، يتميَّز بالدقة وإصابة الغرض والمرمى ، بعيدا ً عن الصنعة والزخرف الكاذب ، فقد (( دافع عن اللغة العربية بوجه المتفرجنينَ من أبنائها ، ودعا إلى تسهيل مناهجها ليسهل تعلمها )) ، مهيبا ً بأدبائها أنْ يصدفوا عن حفظ غرائب الألفاظ ويتشادقوا بها على سبيل المخادعة والتمويه على حذقهم اللسان العربي ، ونصح لهم (( أنْ يعبُّوا من ينابيع الحياة الحارَّة ، ويخلطوا النفس والفكر بها )) ، ويجدِّدوا من الإبداع والخلق والابتكار ؛ فأينَ لمسدي هذا الصنيع الطائل والدالة الجسيمة أنْ يوقفهما وقفا ً ــ ولو عن طريق التمهيد ــ للتصويح بعرش عبد الحميد ؟ .

بطرس البستاني

 

       وثمَّة ببلاد الشام شاعرٌ وخبيرٌ بأسرار لغة الضاد ودقائقها ، هو : إبراهيم اليازجي ، منشِئ مجلة الضياء عام 1898م ، وهو الذي يجله الأعاريب في مختلف ديارهم وأرباضهم ، تواصلا ً هم وترنيمته المشهورة التي مطلعها :

 

تـَـنـَـبَّـهُـوا وَاسـتـَـفِـيـقـُوا أيُّـهَـا الـعَـرب       فقد طمَا الخَطبُ حَتى غاصَتِ الرُّكبُ

 

................

 

        علما ً أنَّ دارسا ً لبنانيا ً ، هو : الدكتور زكي النقاش ، زعمَ في كتابٍ صدر له عن ( اليقظة العربية ) ، منطلقا ً من دوافع دينية ومذهبية متعسِّفة ، أنَّ هذا الشعر هو من مأثور شاعر بدوي ؛ لكنَّ قالته هاته ذهبَتْ مع الريح ولم يحفلْ بها أحد أو يكترث لها ، وهذا الشاعر المشهور يرتاب المؤلف بسلامة نيَّته من اشتغاله صحافيا ً ، ويتشكك ببواعِث شكاته حتى من شيوع أهون دلائل الفساد في الدولة العثمانية المترامية .

 

       قلتُ سابقا ً في ختام مقالتنا سابقة الإشارة والتنويه ، وأقول هنا ــ مضطرا ً إلى التكرار ــ نفس القول : (( لا ليس المُتوخـَّى من المقالة ذي غرض التسفيه ذاك وما يندرج في قبيله من ردِّ الاحترام والإكبار من وجهة نظر تاريخية للسلطان عبد الحميد ، والإشادة بدوره في تعويق المرامي الصهيونية ، بقدر ما نلفتِ الأنظار إلى اختلاط الكذب بالصدق في الكثير من الشواهد والأخبار المحيطة بالوقائع الماضِية والحوادث الغابرة ، وربَّما عفا الزمن على ناس ، لم يغادروا هذه الدنيا بغير الغصَّة تشرق في حلوقهم جرَّاء تفريط الناس في تقديرهم ، وتفهُّم مواقفهم من مجريات الأحوال على وجهها الصحيح ومحجَّتها الواضحة )) .

 

       ولكن حتى الأسافل والأوغاد لا يعدمونَ استجماعهم في شخوصهم بعض دلائل المروءة وخصائص الشعور الحي ومزايا الخلق الإنساني .

 

 

********

 

 

 

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 05/07/2012 11:57:55
مهدي شاكر العبيدي


..................... ///// سلمت وقلمك الثر النير لك الرقي والابداع

تحياتي فراس حمودي الحربي ................................. سفير النوايا الحسنة

الاسم: سميربشيرمحمودالنعيمي
التاريخ: 04/07/2012 04:40:15

الاستاذ مهدي شاكر العبيدي

تحية طيبة


بعد الاحتلال الصفوي للعراق اصبحت ثقتنا ضعيفة لكثير من الكتب والمعلومات لقيامهم بتخريب ماض وتاريخ الامة العربية حتى انهم زوروا بكثير من احاديث الرسول (ص) واحاديث الائمة والتابعين واغلب السلف الصالح وعملية الكاتبة عن ماضينا يعتريها كثير من الصعوبة للبحث والتنقيب عن الحقائق

شكرا لجهدك وحياك الله

الاسم: عامر السبتي
التاريخ: 03/07/2012 20:30:59
جميل ورائع ولك اجمل التحيات




5000