..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


العلامة المحقق ( سعيد الأفغاني / حامل لواء العربية وأستاذ أساتيذها )

مهدي شاكر العبيدي

حتى العام 1587م ، كانتْ منطقة ( كشمير ) تابعة لبلاد الأفغان وتؤلف جزءا ً منها ، وبعد هذا التاريخ صارَتْ مرتبطة بالحكم الهندي ، ومع ذلك بقي تلقيب الوافدينَ منها والنازحينَ إلى ما يؤثرونه من البلدان بنفس التسمية القديمة ــ التي هي ( الأفغاني ) ــ كأنْ لمْ تمتزج العناصر وتتداخل العصبيات ، وفي غضون الثلث الأخير من القرن التاسع عشر حلَّ بأرض الشام رجل أفغاني مهاجرا ً من مسقط رأسه بإحدى مدن ( كشمير ) وعمره عشرون سنة تؤهله للعمل وتكوين نفسه بأنْ يبتني له أسرة بعد انبتات آصرته بذويه هناك ، فسكنَ في حي ( العمارَة ) الذي هو من الأحياء العريقة بدمشق القديمة ، واشتغل فيها بسوق ( البزورية ) القريب من سوق ( الحميدية ) ، إذ تنتهي جادته الرئيسيَّة وتصبُّ في السوق ذاك ، وشاء الحظ السعيد أنْ يتعرَّف على أسرة شامية مُعرقة من بيت ( الأبيض ) ، فخطب ابنتهم ، فوافقوا على تزويجها منه بعدما لمسوا من عفته واستقامته ما لمسوا ، فرزق منها نجله الوحيد ( محمد سعيد ) ، وبعد سنتين ِ ثنـَّى عليه بابنةٍ درجَتْ يتيمة الأم المتوفاة نتيجة آلام الولادة ، ومفارقة أنْ يُعرَف عن هذا الرجل الورع الصالح والعابد أنـَّه ظلَّ إلى نهاية عمره لا يُحسِن التكلم بالعربية ، ويلوك لسانه بعض ألفاظها وينطقها بصعوبة رغم احتكاكه واندماجه بالمجتمع الشامي ، بينا نبغ ولده هذا في علومها وتفقه بآدابها وألمَّ بقواعد نحوها وصرفها وأصولها واشتقاقها وغدا من أبرز أساتيذها والمنبرينَ لتعليمها ، ويُعَدُّ من خيرة مؤلفي الآثار والكتب المعنيَّة بشرح هاتيك القواعد أو إجمالها وتوضيح ما غمض منها وتبسيطها ، فضلا ً عن اشتغاله بتحقيق بعض المؤلفات التراثية الموروثة عن أعلامها وجهابذتها ، وعلى يديه تتلمذتْ أجيالٌ متلاحقة من شباب سورية المنتظمينَ في المدارس الثانوية وجامعة دمشق بعد ذلك ، وتوِّج تفانيه المتناهي في خدمة لغة الضاد والإخلاص لآدابها وإشهاره فصاحتها ، أنْ انتخِب عضوا ً عاملا ً في مجمع القاهرة اللغوي عام 1990م ، خلفا ً للعضو المتوفى الدكتور حسني سبَح ، بعد أنْ كان منذ عشرين سنة عضوا ً مراسلا ً فيه وله وبطريقة الانتخاب أيضا ً .

سعيد الأفغاني

ذلك ما يَلمُّ به ويفي ببعض حقه واحد من تلاميذه الأوفياء ، هو الدكتور مازن المبارك بصفحات كتابه المُفصِّل بصدد سيرته والمُعرِّف بكتبه والمعني بتعديد عنوانات بعض مقالاته وبحوثه وأحاديثه الإذاعية ، مؤَلـِّفة عيِّنات من نتاجه النثري الطائل ممَّا وسعه تحريه وتتبُّعه والاطلاع عليه ، مشفعا ً إيَّاه بالتعقيب اليسير على كلٍّ منها بالإشارة إلى مكان نشرها ، وتبيين ِ مرادها والغاية منها ، إلى آخر ما يحيط به هذا الكتاب الأثير : ( سعيد الأفغاني / حامل لواء العربية وأستاذ أساتيذها ) ، الذي أصدرته له ونشرته مؤسَّسة دار القلم بدمشق ، بالعدد ( 19 ) من سلسلتها المعروفة : ( علماء ومفكرون معاصرون / لمحات من حياتهم وتعريف بمؤلفاتهم ) .

سعيد الأفغاني

وقد ألقى الراحل الدكتور شوقي ضيف غداة نيابته عن بقيَّة زملائه أعضاء المجمع في الترحيب بالأفغاني واستقباله ، خطبة استهلها بالقول : (( ثاني الأعلام الذينَ يستقبلهم المجمع ، هو الأستاذ الجليل سعيد الأفغاني ، المولود بدمشق سنة 1909م ، وفيها أتمَّ دراسته الابتدائية والثانوية ، ثمَّ التحق بقسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة السورية ، وتخرَّج فيه سنة 1932م ............ )) .

 

وكأنَّ إيماءة الدكتور شوقي ضيف وتنويهه بتولده في الحاضرة السورية ، لا يخلو من قصد في ابتغائه قرع مسامع المجتمعينَ أنْ لا يستغربوا من حمل العضو الجديد للقب الأفغاني ، وحسبهم أنْ يلحظوا مكان تولده ونشأته ، غير آبهينَ ومكترثينَ لهذه المفارقة ، فهو من أبناء سورية على أيَّة حال ؛ وهنا يخطر في بالي حيرة الكثيرينَ من أعلام الرأي والباحثينَ في أصول الأعراق والأجناس وكيف نشأتْ وتفرَّعَتْ أو تكوَّنتْ وتعدَّدَتْ ، فاستذكرْتُ ما فاه به معروف الرصافي وأفصح عنه من حديثٍ للسياسي المشهور كامل الجادرجي ، خصَّ به الرجل بدوره بعد سنين مجلة ( الثقافة الجديدة ) ، فنشرته بعددها الصادر ربيع عام 1954م ، مُجمِلا ً ما ورد فيه من أنَّ شعوبا ً كثيرة في أمصار متعدِّدة كابدَتْ من ويلات الحروب والفيضانات والأوبئة في غير مرحلة من تاريخها ، فتمرَّسَتْ بالهجرة والنزوح الاضطراري واستقرَّتْ وسط بيئاتٍ غير التي ألفتها في محيطها الأصلي ، وتكيَّفتْ هي وأحوال سكانها وتخلقت بأطباعهم ، ليستقطر الرصافي من حديثه المفيض ويستوحيه محصّلة تفيد ما معناه أنْ لا مدعاة للتشدُّق من بعض المُزَايدينَ بأصالة عنصرهم وخلوصه من أيَّة شائبة من اختلاطٍ ونحوه ببقيَّة العناصر والجماعات التي يحتويها هذا الأديم الوسيع ، وكاد ينصُّ بصريح العبارة أنَّ كلَّ مَن استوطن البلاد العربية وحذق لغة أهلها ومارس مألوفاتهم من شعائر ومراسم وطقوس هو العربي لا غير ، فجعل اللغة المُكوِّن الأوَّل والأساسيَّ والشرط الواجب توفره لتمييز الفرد العربي من سواه ؛ ومن هنا : فألمعيَّة سعيد الأفغاني ورجحانه على النظراء وتفوقه عليهم من ناحية إتقانه دروس العربية حتى لقد اكتسب خبرة بطرق شرحها وتلقينها أفهام مبتغيها ، لمْ تجئ هي وكلُّ هذه الميزات نتيجة رغبة ونزوع للتعويض ، شأنه في هذا التوجُّه شأن أصحاب العقول المتفتحة والملكات القوية من أبناء الشعوب الغريبة والمُجنـَّبة في الزمن الماضي من المساهمينَ في صنع المجد العربي والحضارة الإسلامية ؛ فقد فتح عينيه وتوثق اتصاله بهذا الوجود في مدينةٍ لعلـَّها من أعرق المُدن العربية وأقدمها وأحفلها بالمعاهد المُحتضنة للحرف العربي الأصيل ، فليس هو بالمُقبل الوافد عليها لتوِّه ، وإنْ عُدَّ سليل منجبه الذي لظرف ما طرَأ عليها وتلاءَمَت أوضاعه هي وأنماط معيشة سكانها ؛ فالكتب القيِّمَة الستة التي عكف على كتابتها في قواعد اللغة والنحو ، وهي : ( في أصول النحو ) ، ( حاضر اللغة العربية في الشام ) ، ( مذكرات في قواعد اللغة العربية ) ، ( الموجَز في قواعد اللغة العربية وشواهدها ) ، ( نظرات في اللغة عند ابن حزم ) ، و ( من تاريخ النحو ) ؛ لم يرم منها التشبُّه بصنائع أولئك الحصفاء الذين لقنوا مبادِئ العربية بعدما أتمُّوا درسها واستيعابها ، وراق لهم التباري ومنافسة أبناء قومها الأصلاء ، أيُّهم أفصح لسانا ً وأخبر بأصولها وأعرف بالغريب والمُعضِل والمهجور الملوي عنه من كلماتها ومفرداتها ، وبالتالي مَن مِن الاثنين ِ أبرع في التأليف وأحذق في التبسيط لِمَا يغلب عليه الغموض والتعقيد والإغلاق من أصولها وقواعدها ؟ .

سعيد الأفغاني

 

كانتْ الجامعة السورية حتى منتصف أربعينيات القرن الماضي مكوَّنة من معهدين ِ ، هما : مدرسة الآداب العليا ، ومعهد لتدريس العلوم الطبيَّة ، وكان مديرها الكاتب والشاعر المعروف شفيق جبري ، غير أنـَّها توسَّعَتْ وتزايد عدد الأقسام الدراسية التي صارَتْ تدعَى بالكليات زمن العهد الاستقلالي ، ومنها كلية الآداب بمختلف فروعها وشعبها التدريسية ، كمادة الأدب العربي وعلوم اللغة العربية ، وصنوف أخرى كالتاريخ والجغرافيا والاقتصاد ، وكلُّ ما لا يمتُّ إلى العلوم التطبيقية بصلة ، واحتذى حذوها في ذلك المعد الطبي الذي باشر افتتاحه في الأوَّل الدكتور رضا سعيد مؤسِّس الجامعة السورية وواضع نواتها في بداية الاحتلال الفرنسي للبلاد وبعد يوم ميسلون ، وكأنـَّه ما انتوى تنفيذ هذا المشروع الوطني إلا ليتحدَّى به الغاصبينَ العُتاة ، موحِيا ً به لهم أنَّ شعب سورية يشجب سياسة الغصب والاستعباد ، ويعتزم مكايدتهم بالروح العلمي المستهوي لمنجزاتِ الحضارة والرافض للوحشية والدمار ، قلتُ : ابتدرَ المعهد ذاك للانفتاح على ما أوفتْ عليه العلوم الطبية من تطورات ملموسة في وسائل التشخيص وطرق العلاج وإجراء العمليات الصعبة ، متوخية منها مع ذلك سلامة المريض والضنِّ بحياة الإنسان في وقتٍ لم تكن فيه مرشَّحة للدخول في عالم الفناء ! ، فتحوَّل إلى كليَّة مرموقة تحرص على تلقين مادة الطب باللغة القومية لوثوق أساتيذها بجدارتها وكفايتها ، وذلك لاحتواء ما ينوون ترجمته منها عن اللغات الأجنبية من مصطلحات العلم وأسماء الأدوية والأمراض ، كما كان قدامى الأطباء في التراث العربي ، أمثال : ابن سينا والرازي والكندي ، يعوِّلون على لغتهم المألوفة في تدوين معارفهم الطبية على فرض كونها تجوز طور البدوة يوم ذاك .

سعيد الأفغاني

التحق العلامة سعيد الأفغاني بكلية الآداب سنة 1948م بصفة أستاذ مساعد ، بعد مروره بمدارس كثيرة متنوِّعة بين ابتدائية وثانوية ، وشأنه شأن أترابه الداخلينَ مدرسة التجهيز الثانوية ودار المعلمين ــ ( مكتب عنبر ) ــ الوحيد بدمشق إبَّان سنوات عشرينيات القرن الماضي ، ممَّن تلقوا تحصيلهم على يدِ ثلاثة أو أربعة من أعلام اللغة بينهم : محمد سليم الجندي ، ومحمد البزم الشاعر المشهور ومحقق نسخة مجهولة لكتاب ( طوق الحمامة ) لابن حزم الأندلسي ، وتعدُّ نشرته اليوم لهذا الأثر الخالد من الذخائر المنسية والمنجزات المضَيَّعَة ، ولم يشر إلى فرادتها وأهميَّتها وينوِّه بها في تقديمه أيُّ من المحققين الكثر التالينَ لهذا الكتاب .

سعيد الأفغاني في شبابه

تخرَّج الأفغاني في المكتب المذكور سنة 1928م ، ومن دفعته المتخرِّجونَ معه يوم ذاك الشاعر أنور العطار ، والكـُتـَّاب : علي الطنطاوي ، وزكي المحاسني ، وجميل سلطان ؛ ليردفها بغشيانه مدرسة الآداب العُليا في الجامعة السورية في نفس الوقت الذي عيَّنه فيه وزير المعارف محمد كرد علي معلما ً في مدرسة ( منين ) الابتدائية ، فأمكن له جهد الإمكان الجمع والتوفيق بين مواصلة الدراسة وبين مباشرة عمله الوظيفي ، وظلَّ متنقلا ً من مدرسته تلك إلى الإلمام بمدارس غيرها ، حتى استقرَّ أخيرا ً في مدرسة التجهيز الأولى بدمشق ، فترشَّح منها أستاذا ً مساعدا ً في كلية الآداب .

 

لم يتأهَّل الأستاذ الأفغاني للاشتغال أكاديميا ً بنتيجة قطعه مراحل دراسية تؤهله لهذه المنزلة ، إنـَّما خلص له بتحصيله في مدرسة الآداب العليا في الجامعة السورية غداة تأسيسها في طورها الأوَّل زمن الاحتلال ، فقد كان من بين زملائه بقسم اللغة العربية مَن استوفى هذا الشرط المتطلب في الأستاذ الجامعي ، كأنـَّهم عادوا لتوِّهم من مصر أو بلاد الغرب ظافرينَ بهذه الورقات وحاسبينها تفخمهم وتكفل لهم حني الناس رقابهم لهم إذا مرُّوا بهم في ندي ومحفل ، فضاقوا به ذرعا ً وتطاولوا عليه بلسانهم ، وصادف أنْ أقدَمَتْ رئاسة الجامعة على إيفاده إلى جامعة الملك فؤاد الأوَّل بالقاهرة لاستحصال شهادة الدكتوراه ، فطولِب بالتهيُّؤ لامتحانه بهذا الخصوص متخطيا ً مرحلة الماجستير التي أعفِي منها بعدما أخذوا بنظر الأهميَّة والاعتبار ما أطلع عليه ممتحنيه من آثاره ومؤلفاته ، وتأديته الامتحان في اللغتين ِ الفارسية والتركية بنجاح ، فضلا ً عن الإنجليزية المترخَّص بشأنها كلغة ثالثة لا يُتشَدَّد في تأدية الطالب لها لو فرَّط فيها أو فاتته أشياء منها ، وهمَّ بإعداد رسالته : عن ( أدب الشام السياسي في عصر الأمويينَ ) ، لولا أنْ زهد فيها ــ لسببٍ لا ندريه ــ صارفا ً النظر عن متابعة تحصيله ، وقفل عائدا ً إلى الشام ومستأنفا ً اضطلاعه بمهمَّته التدريسية في جامعة دمشق ؛ لكن ذكر عديله وصديق عمره وزميل دراسته الكاتب علي الطنطاوي ــ المتوفى في مكة المكرَّمة سنة 1999م ــ في كتابه ( ذكريات ) / الجزء السادس ، ما لعله يسفر أو نجتلي منه بواعِث عزوفه عن التهالك والتهافت وراء هذه الأمنية : (( ومن طرائف أخبار الشهادات ومن ظرائفها أنـَّه ذهب إلى مصر في تلك السنة التي أقمتها فيها ــ سنة 1947م ــ اثنان من رفاقنا ، كلُّ منهما عالِم ، بلْ هو مرجع في العلم الذي انقطع إليه ، الشيخ مصطفى الزرقا الفقيه ، والأستاذ سعيد الأفغاني النحوي ، ذهبا ليأخذا شهادة رسمية يحتاجان إليها ، لأنَّ القانون لا يصنـِّف إلا مَن يحملها على طريقة الفرنسيينَ ، وتبيَّن من اللقاء الأوَّل بين الأستاذ الزرقا والأستاذ الأفغاني وبينَ مَن ذهبا إليه ليتعلمَا منه ، أنـَّه أمَام زميلين ِ لا أمام طالبين ِ ، بلْ ربَّما كانا أعلم من كثير من أقرانهما من أساتذة الجامعات )) .

مازن المبارك

ينبينا مؤلف الكتاب الدكتور مازن المبارك بأنَّ المرحوم الأفغاني مَثّل جامعة دمشق في الاحتفال المُقام ببغداد أواخر عام 1962م ، تخليدا ً لذكرى الفيلسوف العربي أبي يعقوب الكندي ، ونضيف أنَّ الاحتفال المذكور اقترن به احتفاءٌ بذكرى تأسيس بغداد وتمجيد حضارتها في أزهر عهودها ، وصحبه في وفادته عليها الأستاذ عِز الدين التنوخي المعروف عندنا في العراق باسم (عز الدين أبو علم ) ، فقد عهده الجيل العراقي القديم طليعة المربِّين السوريينَ ممَّن عملوا في البلد إبَّان السنين الماضية ، وجيئته للعراق هذه المرَّة كانتْ بدعوةٍ من تلميذه ــ راعي المناسبة ــ عبد الكريم قاسم ، إذ أطنبَتْ مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وقتها بما يكفي من إنباه الصلة وإشهار الوفاء بينهما ، والظاهر أنَّ الرجل انفرد لوحده لانعقاد هذا المهرجان المحتشد بحضور جمهرةٍ المستشرقين من بلدان أوربا ممَّن ألقوا خطبهم بفصحى العربية فاسترعَتْ نظر المستمعينَ والمشاهدينَ وسحرَتْ ألبابهم وخلبَتْ عقولهم ، فضلا ً عن دعوته المفكرين والأدباء البارزين في البلاد العربية ، مستهونا ً عين الوقت مؤسَّستين ِ أدبيتين ِ ، هما : اتحاد الأدباء وجمعية الكـُتـَّاب والمؤلفينَ ، ففيهما من جهابذة العقول وأهل الرأي ما كان بالإمكان الاستفادة منه في الاستدلال على ازدهار الثقافة في العراق ، لا سِيَّما أن من بينهم أمثال مهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر ونوري جعفر وعبد الرزاق محي الدين وداود سلوم وعبد العزيز الدوري وعبد الجبار المطلبي ، وسائر من تشرَّبَتْ أفهامهم وتغذتْ بزادٍ وفير من المعارف التاريخيَّة واللغوية والفلسفية والحقائق المتصلة بتاريخ المدارس النحوية وذلك بحكم تخصصهم المتنوع وبحوثهم ودراساتهم الموصولة بهذه الأبواب والمناحي كافة ــ مع أنـَّني أتحفظ على مواقف ومداخلات لبعضهم في الشأن المحلي والعربي ، رحمهم الله جميعا ً ــ ومع ذلك أقام اتحاد الأدباء حفله المصغر بالمناسبة وشرع بعض منتسبيه بإعداد كتبهم حول فلسفة الكندي ، وحالتْ الظروف والأوضاع التي طرأتْ بعد مدَّة دون طباعتها إلا بعد سنين ، علما ً أنَّ فارس المهرجان الشاخص المُبَرَّز هو الشاعر حافظ جميل الذي أنشدَ ذات مساء قصيدة بحضور عبد الكريم قاسم في امتداح أمجاد بغداد التاريخية دون ختمها بدور من أبيات يثني فيه على مؤسِّس الجمهورية ويشيد بمواقفه وأفضاله على غير عادة النظّامين ِ الذين ما أنْ ينهوا إلقاءَهم وترنـُّمهم بمسمع ٍ من رجال العسكر المنتشينَ بما خصوهم به من مباركة وتطييب خاطر ، حتى يسرعوا ويتعجَّلوا في خطواتهم إلى حيث يشغل القائد فسحة من المكان فيصلوه ويقفوا قبالته وجها ً لوجه مصافحينَ ومتكلفينَ الابتسامات والضحكات .

مازن المبارك

 

قد أكونُ سهوْتُ عن إقامة الأفغاني القصيرة ببغداد وحضوره الاحتفاء بالنابغة الكندي ، إذ أحسَسْتُ في غمرة استذكاري لهذه المناسبة واستطرادي في ظروفها وملابساتها ، أنْ لا محيص من الوقوف عند مشاهد كفيلة بأنْ يعرف المرء قيمة نفسه وأنْ لا يتمنـَّن على الناس باستبداله بحكمهم الجائر سلطة جديدة تفوق سابقتها في مداها من العسفِ والإرهاب ، ممَّا يتناقض هذا الحال هو واعتزازه بمآثر السلف وتناوله موضوعة عبقرية اللغة العربية خلل خطبته التي استهلَّ بها مهرجان الكندي فاستهوَتْ الحضور وداعبَتْ مشاعرهم .

 

فلأصل ما توقفتُ عنده من تعداد زيارات الأفغاني لعواصم الدنيا في سبيل بلوغ مقاصد علميَّة قبل أنْ تكون لغرض التجوَاب والتنزُّه من غير هدف يُرتجَى وغايةٍ تـُرَام ، فقد أوفدته وزارة المعارف السورية ــ عام 1956م ــ إلى أسبانيا وفرنسا وإنجلترا لزيارة معاهد الاستشراق لمدَّة ستة أشهر ، وفي نفس السنة زار مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب للاطلاع على طرق تدريس اللغة العربية في جامعاتها ، كما حضر مؤتمر تيسير النحو في القاهرة عام 1961م ، والمهمَّة الأوفر قيمة ودلالة على اتساع الأفق الفكري ونضج العقلية والاتصال بالحضارة العالمية ، هي شخوصه بقامته في المهرجان الدولي لابن حزم الأندلسي والشعر العربي الذي أقيم بقرطبة 1963م ، وفي السنة ذاتها لبَّى دعوة رئيس جامعة طهران للاطلاع على الدراسات العربية والإسلامية هناك وكذلك خزائن المخطوطات والمدونات العربية فيها ، كما شارك في الموسم العلمي ببلاد المغرب العربي في أيار 1967م .

مازن المبارك

أخلصُ مِن كلِّ هذه المجاني إلى أنـَّه جاب أنحاء ودياراتٍ متباعدة تلبية لدعواتٍ جاءَته من دوائر ومراكز علمية أكبرَتْ فيه منزلته ومقامه العلمي والأدبي الرفيع ، كانَ ذلك أثناء اضطلاعه بالخدمة في الجامعة السورية أو بعد تقاعده عام 1968م ، فطافَ في الشمال الأفريقي برُمَّته ، وكانَ متجهه صوب الأردن ولبنان والمملكة السعودية والعراق فإيران ، ولم يخلُ ارتياده لهذه المرابع من أنْ يؤوب منها متأبطا ً مخطوطا ً تراثيا ً مصورا ً أو بنسخته الأصلية ، ليعكف عليه ممحِّصا ً ومجتليا ً فيه توصُّلات مؤلـِّفه لنتائج بحثية ذات ألمعيَّةٍ وثرارةٍ وإبداع .

 

عُهدَ عن الفهامة سعيد الأفغاني غزارة الإنتاج الفكري والأدبي ، وتشعَّبَتْ جهوده في عالم التأليف بين كتابٍ موضوع مستوحَى من بنات أفكاره ومُستمِدَّة فحاويه ومحتوياته من سياحاته العقلية في غرائب هذا الكون المدهشة ، وما يتتالى على البشر ويبتليهم من أهوال ومصائب ، ولعظم مكابداته جاءَتْ تعابيره مكتنزة بشيءٍ غير قليل من القوَّة والعمق ، ومستوفية لخصائص من الصدق الواقعي والبلاغة والرصانة ، ونمَّتْ عن اعتداده واعتزازه وموالاته للعربية الفصيحة وإشفاقه عليها أنْ تشَابَ بركاكةٍ وإسفافٍ وعجمةٍ وتهافت ، من هنا غلب عليه السرَف في إعداد الكتب الباحثة في المسائل النحوية والمفيضة في تنبيه المتعلمينَ وتبصيرهم بالقواعد الصحيحة ، فصار يدعى بالنحوي وسط المحافل وملتقيات أودائه وأنداده ، وكتبه الأخرى يتمثل فيها ويبين جهد الإحياء و التحقيق باقتفاء الأصول المتبعة والمرعية في هذا السبيل والقصد ، وأُثرَتْ عنه مؤلفاتٌ يعتدُّ بها جماعة الدارسينَ ، ويتعلمونَ من سهولتها وسلاسة أسلوبها وطريقة عرضها الشائقة لمادتها العلمية بعيدا ً عن التقعير والتعسير والإغلاق ، ككتابي : ( الإغراب في جدل الإعراب ) ، و ( لمع الأدلة ) لأبي البركات الأنباري المتوفى في زمن متأخـِّر نسبيا ً وهو عام 577هـ ، والذي سبقته ركامات من جهود النحاة المشتغلينَ بنحو العربية طوال خمسة قرون تقريبا ً أي منذ أنْ صحَّ إجماع العرب على واجب صون لغتهم القومية وحمايتها من التدهور والضعف .

 

لكن ما علاقة الأفغاني بالسياسة العملية والصراعات الحزبية المحتدمة بين المعنيين بالشؤون العامة في العقود التي حييها منقطعا ً للتحصيل وتأدية مهمَّته في تدريس العربية وتحبيبها لأبناء الجيل ، وإدارة شؤون كلية الآداب لا سِيَّما بعد انتهاء عمادتها إليه ، ومتفرغا ً كذلك للتأليف والتحقيق وشهود المؤتمرات العلمية المنعقدة للتداول في أمر إنعاش لغة الضاد والنهوض بطرق تدريسها ؟ ، بينما كان الشارع في الحواضر كافة يغلي بالمجادلات والمهاترات بين مواطنيها والمتسمة بشيءٍ من الموضوعية آنا ً أو المنجرَّة لِمَا ليس لتصويره من سبيل من التقاطع والافتراق والتنازع والتخاصم ! .

 

فيكفي منه أنْ ننعم نظرا ً في تعرضه للشيخ محمد رشيد رضا ، وهو شاميٌ طرابلسيٌ بالأصل ، فقد قال عنه : (( إنـَّه شيخٌ يعمل في السياسة أو تستغله الحزبية ، وأنَّ مَنْ أتاه الله علما ً خليقٌ أنْ يبقى حيث وضعه الله منارا ً يهدِي ، وداعيا ً يحذر ، وأبا ً يحنو على البار يثبِّته ، وعلى العاق يردُّه إلى الصواب ، وإنَّ بيع الدين بالدنيا هو الذي أضعف هيبة الشرع في النفوس وأضاع رجاله )) ، بينما امتدح المواقف المتميزة المشهودة والمأثورة عن الأمير شكيب أرسلان بخصوص الدولة العثمانية التي احتفظ بولائه لها ، وطالما حذر من مؤامراتِ الفرنسيينَ والإنجليز ويهود الدونمة لتحطيمها ، وساعيا ً لاستنهاض العرب من كبوتهم وصرفهم عن جمود حياتهم ، المهم أنْ لم تضطره الظروف ومتغيِّرَات الأحوال السياسية لأنْ يغدُو حُوَّلا ً قُلـَّبا ً في تصرُّفاته وسلوكيَّاته مستبدلا عقيدةً بأخرى واتجاها ً باتجاه .

 

فلا مرَاء إذا أشفق على المرأة من الاشتغال بالسياسة مع أنـَّه لا يرى حراجة في قيامها بعمليات الجهاد ، ونحا إلى القول : (( بأنَّ المرأة ريحانة وليسَتْ قهرمانة ، وأنَّ المجتمع الذي تخلتْ المرأة فيه عن البيت مجتمعٌ خسر طعم السعادة وانهار فيه بناء الأسرة ذو الجو المحبب العطر الجميل )) ، كمَا جاء ذلك بكتابه ( عائشة والسياسة ) .

 

فلا تحسبه رجعيا ً في توجهه هذا ، وبحسبه أنـَّه يلفي مشايعينَ له فيه بهذا البلد أو ذاك ، كمصطفى صادق الرافعي في مصر مع حرصه على غشيان مجلس الآنسة مي المنعقد كلَّ يوم ثلاثاء من الأسبوع ؛ وكعلي الوردي في العراق ، والذي أفحم إحدى مذيعاتِ التلفزيون العراقي حينَ استبشرَتْ بما بلغته المرأة اليوم من عصرانية وتحضُّر ، بقوله مستظرفا ً : (( إذا خرجْتِ من بيتكِ للدوام صباحا ً ، إلى من تكلينَ رعاية أطفالك ؟ )) .

 

كما جاء في حديثٍ إذاعِي للأفغاني بثته إذاعة دمشق في ليلةٍ من شهر رمضان مستذكرا ً سيرة الإمام علي بن أبي طالب : (( إنـَّه الرجل الذي امتحنته الدنيا بكلِّ مغرياتها ، فذلـَّتْ مغرياتها تحت قدميه ، ثمَّ حطـَّتْ عليه بكلِّ بلاياها ومضايقاتها لتزيحه شعرة عن صلابته في الحقِّ ، فخسئَتِ البَلايا والمضايقات ولم يتزحزح ، وبقي علي بن أبي طالب عَلما ً من أشمخ المعالم في تاريخ الإنسانية ، مثلا ً أعلى للحاكمينَ الذين لا يعيشون لأنفسهم ، وإنـَّما للخير العام والفضيلة الخالصة والمُثل الرفيعة النبيلة ، هازئا ً بكلِّ المُرَغِّبَاتِ والمُرَهِّبَاتِ التي تقوم أعذارا ً لكِبَار الرجال حين يميل في يدهم الميزان )) .

 

فليتدبَّر هاته الأقوال الحكيمة ساسة هذا الزمن الردِيء مِن كلِّ رعيل وفصيل ، ويطففوا من استئثارهم بملذات الحياة ورغائبها الموقوتة .

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000