.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


خصوبة النص وتجاوزه الموروث التناقضي

جعفر كمال

دراسة نقدية تتناول القاص:

قصي الخفاجي

في مجموعته القصصية "الأوديبي"

 لعلني وأنا اقرأ القاص قصي الخفاجي تأخذني شتاءات البصرة الدافئة إلى وجه هذا الأديب المرح ذي الضحكة الجوالة على الوجوه التي تتلقفها بدورها بحنو ، والحال في الرأي يدور بي إلى أن هذا الفنان القاص هو بحد ذاته نص قصصي ذو أبعاد مميزة بأسلوبها الطارف، ولم التق به يوما إلا والترحيب مرسوم على وجهه الذي يبشر بأبعادة الحليمة المبدعة، فهو منسابٌ كنهر يجري بالصور القصصية المندلقة على ضفتي نهره الخصب بالنشوة، وتلك القصص التي أنتجها، قد ميزته بين أقرانه من القصاصين العرب، أمثال القاصة المعروفة سميرة المانع، والأديب عبد الباقي شنان "الذي سوف أتناوله بدراسة تحليلية خاصة" ومحمد عبد الرحمن يونس، وعبد الله طاهر، وعلي سرور، وجنان جاسم حلاوي، واحمد اسكندر، وغيرهم. غير أنه مازال يرى إنه شديد الطموح والتأثر بالمنتج الأكثر حداثة بلعبته التي تشبع المتلقي وترويه، وهو أن يجعل من الصورة القصية أكثر تلاؤماً وانسجاماً  مع سرعة التمتع في خصوبة النص واستعلائه على الموروث التناقضي. فالقاص الخفاجي بكل جدارة يتجاوز إطار التعريف العام، وأسلوبه ينفذ إلى الحميمي برقائق الدقة من مبتدأ الصورة للكمال السردي التجانسي، فهو يموسق التركيب القصصي من خلال إنفعالاته التهكمية الطافحة بالتركيبية التي تؤالف خلايا المضمون، بقدرة هائلة على التعاطي التنويري المشرق بحلاوة قصته، واضعا حرفه الأول على نبض النص من خلال تفاصيل الأحداث، بشكل مؤثر لتبنيه قضايا الفرد وهمومه اليومية، وخاصة إبداعه في تناول الأحداث المحتجبة عن حياة المرأة مع مجتمعها، وهو يرفد الرؤى الجامحة للشروق والتحرر من خلال هذا الإنكسار الذي أطاح بالإنسانية، فنجده يطلقها إلى رحابها المشرق لأن تعيش بلا وجع، وما الإرهاب الذي تمارسه بعض القوى المتخلفة على الحريات العامة والخاصة، فهو مثلٌ ساطع لهذا الظلم القسري على حرية المرأة، فالقتل المجاني الذي تتعرض له طالبات البصرة اليوم، ماهو إلا دليلٌ واضحٌ لهذا الاستهتار بالروح البشرية التي هي الأم العظيمة، وعباراته التي تنثال بألمٍ من سخطه على هذا الأتيان الثقيل، ماهو إلا تعبيرٌ ثقافي متنورٌ ومستمدٌ من بلاغة الكاتب ودعوته إلى التحرر الاجتماعي الذي أغلقته تلك الثقافات الدخيلة على ثقافتنا المؤسسة للجديد الأدبي العربي، والتي تمثل المرأة نصفها. " يلحظ أنَّ المرأة في تراثنا الأدبي، كان ينظر إليها وإلى نتاجها الأدبي نظرة احترام، ويبدو ذلك واضحاً من خلال اهتمام الأدباء القدامى بجمع ما قالته المرأة من شعر أو نثر، لتناقله الأجيال من عصرٍ إلى عصر.*"       

    يتناسق الكاتب قصي الخفاجي مع نصه ليمنحا بعضهما بعضاً منظومة بث استدراجي للأحداث التي تتشكل ببوح أنسجة النص بكفاءة في بنائها الداخلي، مما يمنحها قوة سحر التأثير على القارئ، لأن السرد القصصي خرج ومنذ زمن ليس بالبعيد عن حكاية الجدات على يد محرريه ومعتقيه من ذلك الويل الكبير، أمثال القاص الكوني محمد خضير، ومحمود الجنداري، وعلي السباعي، والأديب اللامع خالد القشطيني، والقاصة ليلى عثمان، وسميرة عزام. هؤلاء الأدباء الذين عارضوا البناء القديم للقصة القصيرة، فأنتجوا شكلاً سريع الدفقات في تلاقيات مضمون المشهد التخيلي، الذي يفتح صورة التشكيل الباطني، عبر سردية مكثفة للغة والايماءات والدفق الفني المتتالي بنسقية أشبه بالشعر. وجاء قصي يضع بصمته المجددة لهذا البناء مع الاحتفاظ بجديد أولئك الكبار، بأسلوبه الساخر حينا، والواقعي في أحايين كثيرة، ملهما قارئه حدثاً ذا ذائقية تستمر نشوتها إلى أبعد زمن ممكن في خيال المتلقي، ونيته أي قصي الخفاجي، فتح قنوات جديدة بالمُرَكّبْ الفني التقني الذي يتصاحب مع تجانس الجمل القصية بعضها ببعض، وكأنها تنهل الحكاية من نظرة الكاتب الثاقبة للأحداث، ويكاد أن يشكل الخفاجي جيلاً متأثراً به لديباجته الجديدة الخالية تماما من التأليف السردي المكرر بين كل القصاصين، والذي يغيب عنه حرفة الكاتب وخصوبة إبداعه، وأثره المشاعري الصادق بأفكاره الحية، التي تعتمد مبدأ الوحدة العضوية الصغيرة لتشكيل تنوع النص في عمومه، وإطلاق معالجاته الذكية إلى فضاء بلاغته الصارمة. حيث أن الخفاجي أبتعد كثيراً عن الشكلانية الفظة، أو أدلجة النص بمفاهيم سياسة غبية لا تفيد القارئ بشئ، بقدر ما تدفعه إلى العصبية والتطرف واللاعقلانية، عبر مفاهيم المصطلحات السطحية الكبيرة المفخخة بالغيبية والغموض والرمزية الفجة، يداخلها الظلام ويتعبها التباهي.

    وتحقيقاً لهذا الهدف صب الخفاجي ثمرة إبداعه في قدح المتلقي فأنتجَ نصاً تلاقحيا بين اللغة والشجن، أي ناغم الحالتين: فملكة العقل تساوت إبداعاً. وعاطفة الروح أنتجت الشجن، وهذه الإلهامية ندرت عند كثير من الأدباء على مر العصور، لأنك أن تقرأ جملة خصبة، حلوة على السمع، شفيفة في تلقيها، مقبوله في تواصلها في الخيال، تجد المتعة خصبة في أستمرارية القراءة والتحابب معها، ومن هنا جاءت أهمية نص قصي الخفاجي ونجاح تأثيره على القارئ.

    فقراءتي للكاتب المميز قصي الخفاجي ليس إستكشافية على صفحة نص قرأته وأنتهى، أو طموح عاطفي ذاتي لا يغني ولا يفيد، بل قراءتي للنص تأتي في زوايا معينة قد تكون قاسية عليه، ولذا أدعو القارئ الكريم أن يكون ناقداً روحياً بيني وبين القاص عبر إلمامه التمتعي بجوهر النص الذي يقرأه، فقصي هنا هو "الأوديبي" أي إنه نسب بطله إلى أُوديب أو ما سمي "بعقدة أوديب"، وحسب ماورد في قراءاتنا للكتب القديمة أن معنى أوديب هو: "الأقدام المتورمة" والأوديبي هو عنوان الكتاب الذي بين أيدينا لمعالجتة ودراسته وفحصه بتئن ودقة، إذن من هو  أوديب؟ قد يسأل القارئ الكريم، وحتى لا نضع القارئ بحيرة الأسماء المقيمة في بطون التاريخ، نبسط له ما نعرفه من معلومات عن هذا الاسم وحكايته.

    تقول الحكاية حسب فهمي لها منذ زمن بعيد. أن هناك ملكاً إغريقياً أنجب ولداً سماه "أوديب" وعادة الأغريق وخاصة الملوك منهم يجلبون "قراء الحظ" أو ما يسمى بالمشعوذين يقرأون طالع الولد، وبعد القراءة تلك للأمير الجديد توصلوا إلى نتيجة قالوها للملك: أن أبنك أوديب سيقتلك ويتزوج من زوجتك أي أم أوديب، فخاف الملك ونفى أبنه لقرية بعيدة، منحه لفلاح يشرف على تربيته، وفي يوم كان أوديب في البار فصادف أن التقى بالمشعويذين، فرأوا في عينيه ما رأوه سابقاً، فأخبروه أنه سيقتل أباه ويتزوج من أمه، فهرب أوديب من بيت الفلاح ظناً منه أنه أبوه، والزوجة الفلاحة أمه، وفي طريق ضياعه التقى موكب الملك أبيه، فطلب منه الحراس أن يتنحى عن الطريق فأبى، دارت معركة بين الأثنين، انتصر بها أوديب فقتل الملك الذي هو أبوه الحقيقيّ والحراس معه، واستمر  في طريقه حتى وصل مدينة تسمى "تيبس" ولحراسة هذه المدينة كان يقف على بوابتها تنين عملاق يسمى "سفنكس" وسؤاله لعنة على من لايعرف الجواب على سؤاله "اللغز" فيقتله لذا سميت "بلعنة التنين" ولكن أوديب بذكائه الخارق أستطاع حل اللغز فدخل المدينة وفرض عليها قوته وذكاءه الحاد فأصبح الملك وتزوج من أمه الملكة، فأنجبت منه، ومع مرور الزمن حل بالمدينة مرض خبيث، وعندما جلبوا قراء الطالع لكي يتبينوا سبب اللعنة هذه، قالوا له إنك ياملك قتلت أباك، وتزوجت من أمك، فأستقدم الملك الفلاح الذي رباه، فاقر له الفلاح بالحقيقة، فقالت الملكة قولتها الشهيرة: "إنها حصلت على الولد من الولد، وعلى الزوج من الزوج" فشنقت نفسها. أما أوديب فقد تشكلت عنده تلك العقدة فبقر عيناه بيديه.

    إذن نحن أمام مقاربة تاريخية في نصيين أدبيين، واحد إغريقي عاش في بطون الزمن، وآخر عراقي عاش في هذا الزمن، وهذا ليس بالجديد على الاطلاق، فالمقاربات الأدبية كثيرة وأهمها: تلك المقاربة بين الشاعر العربي الجوال "قيس بن عامر النجدي"، الشاعر المجنون الذي عاش في زمن آخر ملوك غرناطة للدولة الإسلامية "أبي عبدالله"، قضى حياته متجولاً بين المدن والارياف، وعودته الدائمة إلى غرناطة. يقرأ قصيدته الرائعة "محنون إلزا"، التي عشقها واقتبس موضوعها الشاعر المعاصر الكبير آراغون في قصيدته "مجنون إلسا" 1939-1940 حيث منحها نفس الاسم، فالإقتباس هنا مبررٌ إذا كان يتناول نفس الموضوع، أي المضمون، دون التطرق إلى النقل النصي اللغوي، أي نقل النص كما هو، أو التكرار في مضمون المعنى، والابتعاد عى التكلف بأخفاء خصوصية الشئ بالشئ، والحال هذا ينطبق على كل الاجناس الأدبية بكل أطيافها، مع الأخذ بنظر الاعتبار إستثناءات قصي التاريخية، حيث إنه لم يعرج كثيراً على تداعيات التاريخ الاجتماعية والأدبية: " ونجد صدى ذلك التكامل الأدبي بين الكاتبين، يبعث اتحادهما في التشابه، في العديد من مؤلفات آراغون. وتكفينا الاشارة إلى بعض تلك المؤلفات لنتبين كيف يشكل حضور ذلك الحب. في نشيد يتعاظم من الشباب إلى الشيخوخة، جوهر العديد من وجوه التحولات في الشعر الفرنسي المعاصر  *". كذلك نشير إلى الأقتباس الذي ورد في دراستي* عن الشاعر العراقي الكبير عبدالكريم كاصد. بينه وبين امرئ القيس في قصيدة "قفا نبك" الذي منحها نفس الأسم تيمناً بالشاعر العربي الخالد امرئ القيس وقصيدته الخالدة "قفا نبك". وتلك المقاربة أو الموازنة بين شعر أبي تمام وبين البحتري وهي معروفة. " وليس ذلك يمانع من أن يكون البحتري أشعر منه. فهذا "كُثَيّر " قد أخذ من "جميل" وتتلمذ له. وأستقى من معانيه. فما رأَينا أحداً أطلق على كُثَيّر أَن جميلاً أشعر منه. *" إذن فالإستعارة الأدبية التي تربط بين مضمونين قد تعارف عليه منذ زمن الجاهلية ومبرره كونه تداول منذ القديم الأدبي.

    أما موضوع بحثنا في قصة :" الأوديبي" تحمل نفس المزايا لتلك الحكاية التاريخية، ولكن بأسلوب الخفاجي الحكواتي الطريف، بحداثةٍ بالغةِ التمييز والمؤاربة والاقتراب، والابتعاد قليلاً في المضمون. فأوديب الاساسي لا يقصد قتل أباه والزواج من أمه. بالعكس، فقد هرب من أبيه الفلاح بالتبني وأمه الفلاحة المربية له. خوف أن يقتل أباه الفلاح..، ويتزوج من أمه الفلاحة، وهذه شهامة ونبل منه. بينما في قصة قصي كان أوديب الثاني "التقليد" قاصداً التمتع بالنظر والتخيل على جسد أمه، ولذلك وضع المرآة السرية للتجسس على حلاوة الجمال في هذا الجسد المغري كما وصفه الكاتب."كل شئ مصنوع فيها بدراية ومعجزة.. فالوجه مرسوم بإتقان صارم، والعينان فاحمتان تتألقان بالسعة، والبريق الأخاذ، والرموش مقوسة طويلة، وفوق ذلك ينصع جسدها باسقاً، أما تناسق صدرها المندفع، والبسوق يرتكز على فخذين عاجيين يصهلان بجاذبية الشهوات.*" إذن فشخصية أوديب الخفاجية مستعارة بأسمه "أي بأسم أوديب الثاني" وليست عموم ما يختص بسيكلوجية الفرد بتصرفاته، وإندفاعاته الشاذة في طبعه، ومرضه النفسي، وأنعكاس الواقع العائلي عليه، فالحقيقة هنا مختلفة بين الشخصيتين، واحد: "أوديب الأول" نبيل وشجاع وذات قدرة هائلة في القيادة "الحكم" والتضحية والإيثار، فقد خلع عيناه من جحرهما بيديه حين عرف الحقيقة وهذه قدرة هائلة من الشجاعة والعزم، وبين "أوديب الثاني" شاب مراهق ليس له دراية بأمور الحياة، ومبتغاها السلوكي العام، مراهق ولد في عائلة سوقية الفعل.. مفككة موسومة بالشواذ في تصرفاتها غير العاقلة، وغير المحترمة، كأي عائلة يسودها الانحراف والبغاء، فهو تعمد التفرج على جسد أمه عارية وفي أوضاعها الشاذة، وتعمد أيضا التلصص بشهوة منحرفة على أمه، وهي تمارس الجنس مع عشاقها، فالشاب هنا فاقد الإنتساب إلى العقل والروح، ومعنى الغيرة على شرفه ، وهنا فهو يمارس الجنس اللامباشر مع أمه برغبة خاطر تجول في نفسه، مع علمه بخطأ هذا الفعل الشاذ. وسلوكه المحير في هذا القول: "خطف فجأة ذلك الشئ النابت أخذ يحتشد باذخاً.. فجاً.. عبوساً.. صعب المراس" لقد وظف الخفاجي: الذكورية عند الرجل ب "الشئ النابت"  وهذا خطأ علمي فسلجي وقع به القاص، لأن الفسلجة الجسدية أي التشريح عند الانسان ليس من الأصح أن نقول بهذا "نبت" حتى الاستعارة هنا غير موفقة، لأن الجسد مكون أنسجامي موضعي يُتشكّلْ عضوياً من فلسفة الطبيعة، والذكورة مكون خصوبي تكاملي فسيولوجي لهندسة الخصوصية الجنسية. ولكن الخفاجي أجاد ووفق في مكان آخر، فايجابيات الكاتب الثقافية هنا أكثر دقة من شطوحه العلمي، وطبعاً هذا غير مطلوب من الأديب أن يكون ملماً بالعلوم مجتمعة، ولهذا شَرْحَ لنا الكاتب حقيقة أن الأبن على علم مسبق بأن المرأة التي يستهويها تكون أمه. والأَمرُ من هذا فالابن أخذ يبحث عن طرق سرية شاذة تعينه على التفرج على فتنة جسد أمه العاري، وهي تمارس حالاتها الجنسية مع الآخرين، بينما هو يمارس عادته السرية بين ذاته وأمه. وهذا يعتبر إستحضاراً لجسد الأم برغبة منه، لكي يمتع نفسه الشاذة بالممارسة القذرة. والدليل نأخذه من هذا المقطع: " لقد تمادى أكثر بالإثم، راح يضع مرآة متوسطة الحجم تعكس عري أمه وهي تطارح عشاقها الغرام. ويوماً بعد يوم أخذ منه القرف كل مأخذ وتغلغل في أعماقه نور نظيف، غامض وكثيف ظل يشع في ضميره، كان يستيقظ في الصباح، يندفع إلى خزانة أمه ينهل من أموالها ويغدق بها على أصدقائه المعوزين ويدور على بيوت الفقراء يعطي لهم بالسر والعلن." الأوديبية الشكلية أخذت بالنضوج في هذا المقطع الانتقالي إلى حالةٍ تشبه التطابق، بين الشخصيتين، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن القاص جعل من مضمون قصته تدور بتلاقح ضمني في المعنى وإيضاح الصورة، والتوظيف هنا صحيح، ذلك أن أوديب الثاني أخذ يثأر من أمه ومن نفسه "شرف الذات" عندما وزع أموال أمه التي أكتسبتها من الدعارة، على الفقراء، والمعوزين من أصحابه، وهو ما أتفق عليه بالموروث الشعبي برد الخطايا عن تصرفاته اللأخلاقية وتصرفات الأم أيضاً، ولي أن أبين أن هذه هي إستعارات الكاتب الفكرية اللامعة بذكائه اللماح دائماً، التي أراد أن ينوب بها بين هذا التجلي في المعنى وذاك، فيقوم بجديد خلقه الفني الإبداعي، على أساس الإنابة في إطارها العام، ليقوّمَ بعضها مقام بعض.

    دأب القاص قصي الخفاجي على منح القارئ الكريم المتابعة بإمعان لحركة الشخصية داخل الاجتماعي العام في نصوصه، التي تقود المعنى للكشف عن الحدث المتحرك، أي مسرحة المضمون عبر إشارات الأداء الايعازي النفسي، وشكلنته الخارجية تتحدد في الحركة الموسومة في إضهار حالة الرفض والقبول، فيكون شخوص القصة متحركين في الواقع، كلٌ يؤدي دوره المنوط به مع الكشف عن الأثر الذي يتركه فيما بعد، وإنعكاس هذه الشخصية وعلاقاتها بمخلوقات الطبيعة، من النملة وحتى وجه الوحش الإفتراضي لتثبيت منتج الصورة الموسومة با "الفم الشرس".

    نتابع متلازمات المعنى من خلال تعدده التفاعلي الوجداني، وتتابع خطى بوحه الخاص كلاً على حده، في هذه القصة المعنونة بـ "القبو السري" يقول: "الذي أثارني وأذهل رؤاي أن كلّ لوحة من لوحاته كان يطل منها فم شرس، وقاس، لحيوان مفترض وهمي، يخفي طاقاته تحت الخطوط والألوان، حين نهض من رقدته سألناه عن الشفرات المكونه في لوحاته قال: أن كلّ زهرة، ونملة وجنح ذبابة، وهمسة، ونغمة، وكل جرح، وخيط، أو فراغ، ابتسامة ما، حلم، ضرس."  والفم الشرس هنا تمثل بالأداء السلطوي المغامر بحياة الإنسان، هو موجود ومراقب يكشر عن أنيابه لكل حركة صغيرة كانت أو كبيرة، وبهذا فإن قصي يشتغل على تفجير حالة الذات عند الشخصية، واللعب على إطلاق حالاتها النفسية المتوترة إلى العلن، سواء كان في حركة العينين أو الوجه، أو ما وراء اللغز من إشارات وإيماءات. أو في حركة الإنسان غير الإرادية في المكان. أما ما فعله القاص بالزمان، فقد جعله شاهداً سمعياً على مؤثرات الحدث، الذي تشكل حصراً من الفكر الاعتقادي الصارم، وإنعكاس هذا على نجاح الإنسان أو فشله، عبر المعطيات والحلول الكثيرة المطروحة دائماً أمامه، لنأخذ هذا التوليف البصري الخاضع للمؤثرات العاطفية " كان مظلماً تفوح الرطوبة الباردة من اعماقه الغامضة / رأينا على الجدران لوحات تفيض بتجريدها التصعيدي".

    هنا يكون القاص قد أدى الدور الإنقلابي التفاعلي بنجاح، على ماطرح من شكل ومضمون جديد في القصة القصيرة، على القصاصين من جيله من الذين اشتغلوا على لعبة التغيير والتحديث في النص الحداثوي القصصي، ولذا فقد جاء هذا المقطع يكشف عن حيرة البطل أمام صديقه الفنان التشكيلي، كيف لعبت السلطة المستترة والغائبة عن الحضور على البساط القصصي من خلال المضمون، ربما هو الخوف الذي كان يرافق الإنسان مما زرعته السلطة الصدامية الإرهابية في نفوس الناس، ومن هنا ضاعت الثقة بين الجميع، حتى من الأقربين منه، والمقصود بالسلطة هنا هي السلطة القمعية التي تعمل على تدمير المبدعيين في كل الأجناس الأدبية والفنية، والسياسية والاكاديمية وغيرها. ولكن العلاقة في الرسم تخطت الاكتراث بتيمة الخوف بين الذات والأشكال الجامدة أي اللوحة، التي تحرك كل شئ فيها بفعل ومهارة الصياغة الاسلوبية في التوصيل لنجاح المعنى، وتفجراته اللغوية المفتوحة على حركية الأدوات المتفاعلة فيما بينها، وتجانس السرد القصصي كوحدة تتلاقى في المفهوم التصويري الدقيق للحالة القصية بين البطل وصديقه، فالبطل أصبح دارساً لأشكلة اللوحة وشفراتها المرمزة بالحيوانات الصغيرة والفم الشرس، وهو العارف جيداً بحل رموز هذا التشكيل الفني، كون البطل جاء في هذه القصة مثقفاً ومناضلاً ضد مؤسسي الدكتاتورية وعيونها الذئبية، وقد فضل القاص الخفاجي عدم التقيد باستقصاء المعاني والإغراق طويلا في الوصف الذي لاينفع الجديد بشئ، بل جاءت الجملة القصية مكثفة في جودة السبك، ومعبرة، وسهلة التناول من ثنايا التصوير الدلالي، الذي هو بدوره أحتكم إلى البوح الخفيف في الإلمام بالمعنى. من خلال رصد توترات الواقع السياسي الذي كان يعيشه البلد أنذاك، أي العراق. 

    الذي يثير الانتباه عند الخفاجي إنه ضبط تلاقيات النص لغويا في مجمل كتاباته، وأعطاها زخما فنيا تعلوه السخرية في أماكن عديدة، في نصوص يفترض أن تكون ملمة بالجدية والتأني،  فهو يسخر من الخوف والاعتقال وحتى الموت، عندما سافر من البصرة الى النجف، لزيارة صديقه المختفي في "القبو السرّي" الذي لا يخرج منه إلى كل الناس، إلا عبر الرسائل المشفرة الموقعة من معارف ورفاق المختبئ في ذلك القبو السري، والذي حصل أن بطل الخفاجي سخر من إختفاء صاحبه، وطالبه بالخروج إلى العلن بدلاً من الإختفاء في قبوه هذا، والأهتمام بصحته التي أخذت تذوي بفعل التخفي والخوف من عيون ذئاب السلطة.

    فالكتابة القصصية عند أي قاص تتطلب الحبكة والذكاء في الانتقالة السريعة، أي اللقطة الثاقبة في مجريات إنسيابية المعنى، ومثالنا في هذه التجانسية الجميلة: " - وماذا بعد يانديم؟ /  الخواء يشل قواك وينفرش على كل أعمالك." انظر لسعي الكاتب إلى المقابلة في وحدة تلاقي المعنى بين "الخواء" و "ينفرش" هذين الكلمتين أشتركتا في صياغة الصورة، ومنحها التكامل الإنساني والأدبي بآن. بينما تجد الصديق الموسوم بالخوف في قبوهِ لائماً نفسه في هذا: "في لوحاتي كلها أفلست الشراسة الهائلة، التدميرية، للعادة السرية." وهكذا يبقى الرسام الخائف في قبوه يمارس عادته السرية كلما طالبته الحاجة بذلك، بينما يبقى بطل الخفاجي الدافئ الساخر يتحدى الاعتقال ومسبباته.

    من المؤكد أن الخطابة المهيمنة على الكثير من أعمال بعض الأدباء العرب، قادت هؤلاء إلى الفوكوية الخطابية "ميشيل فوكو" في أوروبا وإنشغالها بالمفهوم القياسي الذي أعتمده بعد ذلك أهم أدباء وفلاسفة العصر الحديث ومنهم: جورجيو أغامبين، وجوديت بوتلر، وإدوار الخراط، وغيرهم. والجدير بالذكر أن هؤلاء الكتاب والفنانين تأثروا تأثراً كبيراً بكتاب وفناني عصر النهضة، الذي أعتبر هو الدينمو لماكنة الحركة الأدبية الاوروبية، وخاصة الفيلسوف ميشيل فوكو  1926 - 1984 الذي سار على درب نيتشه، كانت، وهايدغر. إذن فالخطابة بدأت عند هولاء المبدعين ولكن ليس كما هو الحال الواضح عند فوكو في الجانب الخطابي. ومن أهم ما ذهب إليه قادة الإنقلاب على النهج الديني المسيحي المتعصب والسائد في ذلك العصر النهضوي، أولئك الذين أطلقو مفهوم المثالية شعلة لتحررهم من إستبداد الكنيسة، فقد توسعوا في طروحاتهم الخطابية فناقشوا مفهوم العقل الباطني، واللاوعي، واللاشعور، والأنوية، وهذه كلها مفاهيم مادية على الغالب الاعم منها، إذ تعتبر ضد توجهات وتنظيرات نصوص الكنيسة الغيبية. خاصة وأن هؤلاء عاصروا المادية على يد كارل ماركس، وأنجلس، ومن ثم لنين، ورويْ مؤسس وسكرتير الحزب الشيوعي الهندي، الذي أختلف مع لنين حول موضوعة تصدير الثورة، ولهؤلاء كان خزين المد الفلسفي يتفجر طاغياً من فورباخ وهيغل، وهؤلاء بطبيعة الحال مثلوا الأبتعاد عن الكنيسة وخاصة ماركس وانجلس ولنين بفعل النظرية والفلسفة السياسية التي أطلقوها. ولهذا فقد أثر هذا النص الخطابي على الكثير من القصاصين العرب والشعراء أيضاً. فأصبحت القصة القصيرة والرواية أشبه بالمقالة الخطابية التي تعتمد الحماسة الذكورية الملحمية في نواتها الخطابية. أما من تخلص من هذه المحنة من الأدباء فهم قلة ومنهم أديبنا قصي الخفاجي في أعم نصوصه القصصية.             

    ومن هذا المنطلق الحساس شكل الكتاب الخياليين قفزة نوعية في الحركة الأدبية الانتقالية، التي رسخت قوامها المتين والصلب في عصر النهضة الذي أنار قوام المرتكز الأساسي في لعبة الحضارة، وما توصل إليه الغرب من تقدم علمي وفكري وثقافي على كل المستويات، ومن الذين ساهمو في هذا التغيير الثقافي أمثال بترارك، برنتن، دانتي ، ومكيافيللي. فقد شكلت المفاهيم الاجتماعية والثقافية عند هؤلاء، ثورة ضد الحلم الإلهي إذ كانت غاية في التحرر من العبادة الظلامية الاستبدادية، فتحولت الكتابات إلى نصوص علمانية، وخاصة عند الشاعر العظيم دانتي، وآخرين أمثال: ديفو، وريجاروسن، وهؤلاء قدموا الحياة على أساس الطريقة التي تقوم بها الحياة، الحياة في المعمل،و في الحقل، أو في البار والملهى. أما الغالب الأعم من هؤلاء الكتاب سعوا وراء النص الجسدي فأهتموا بالعري والخلاعة الكتابية. وأستمرت هذه الكتابات مشرعة بجرأتها وعنفها في بعض الأماكن من أوربا، وبعض الدول العربية كمصر ولبنان ومن أهم الأدباء الذين تجاوزا المألوف الأدبي والاجتماعي الأديبة غادة السمان، ومحمد عبدالحليم عبدالله، والطاهر بن جلون. وقد رمت هذه الآداب بثقلها على الجيل الستيني العربي، الذي جاء شبيهاً متأثراً إلى أبعد الحدود، وعند البعض جاء مطابقاً لحداثة التحول كما حدث في عصر النهضة عند الأوروبين وما تلاه في بلدان أخرى.

    وكما حدث في الشعر، حدث عند كتاب القصة القصيرة، فقد تنورت جعبة الجيل الستيني بثلة من القصاصين العرب مميزين بكتاباتهم، ولهذا قد نسمي هذا الجيل بعصر النهضة العربي، ومنهم القاص قصي الخفاجي، الذي شكل نصه من إنفعالات الموروث التصادمي، مع المثاليين العرب أصحاب عقدة الدين والسلطة، فهو معارض أزلي لكل أسباب القمع الممنهج البديل لحرية الانسان، وحرية المبدأ، وحرية الكلمة، ومن هنا خلق التصادم عنده خبرته الشخصية التي أصبحت المقياس والوسيلة المنطقية لأصالته الثقافية على كل ما هو مختلف، وهذا المفهوم بدوره يصنع الإبداع في القراءة والكتابة والرأي، ولهذا نجد هذا المبدع مميز بكتاباته المتمردة على التخلف والاستبداد والقهر بكل أشكاله. ومن هذه التنويرية التي يطل بها الخفاجي على قارئه نتمتع سوية بقراءة لهذه القصة: "حدث ذلك على امتداد ضاحية رمادية، بيوتها عتيقة تتدلى منها المزاريب من سطوحها الواطئة، تلك البيوت تقريباً كلها متداعية ، فهي موطن الدعارة السرية، بيوت يسكنها أناس لفظهم الزمن وابتلعتهم البالوعات السفلية للحياة". أياً كان المضمون الذي يتخذه النص، في معالجته لقضية إجتماعية ما، أو غيرها، يجب أن يخضع للشفافية والثقة في حرية أداء المنطق الحياتي الشخصي، الذي من المفترض أن يلتزم به الكاتب، كونه هو الذي يشكل الرافد الإنساني والتعبوي الأخلاقي أمام الآخرين، بالدفاع عن حقوق الحريات، هذا إذا أردنا أن نكون منصفين في معالجاتنا للأشكلة الإجتماعية للفرد، وبها نزف احتراماتنا لشرعنة حقوق الحريات، واعتماد اسلوبية الشخص في حياته الخاصة، وفي ذات الوقت نحترم ما ترتب على هذا النموذج من عذابات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، والمقطع الذي قرأناه في قصة "التقصي" جاء فاضحاً لآليات الرقابة الذاتية، أو التفكير بها بطريقة معينة، مثل هذه الحالة التي بسطناها في التحليل والتقصي، بغض النظر عن المراوغة والحيلة والنصب اللا أخلاقي الذي رسمته تلك السيدة على بطل القصة، أما ما التلاقي الإنساني والأخلاقي التي وقع في شباكه البطل؟ والرد: كون زوج تلك المرأة المعتقل، يحمل ذات الأفكار الحزبية الممنوعة التي كان يتشرف بها بطل القصة المضحي بأمواله ووقته، في هذا التوضيح : " كان زوجي قد ترك قائمة بخمسين كادراً مناضلاً وبعض الملفات التي هربت بها بعد أيام من دخول ضابط الأمن المسؤول الذي أرادني أن أكون محظيته، شعرت أن التحقيق مستمر لذا سأكون المستهدفة بأقرب وقت، ولهذا صفيت كلّ شئ وهربت بالملفات، أردت تسليمها لتنظيم زوجي السري، لكنهم كانوا في أقصى حالات الإنذار والتشرذم والغياب" يعتبر الجهد العقلي الذي يصنع سرعة الحدس التحليلي، متنفساً للحقيقة في كثير من الأحيان، ومنتجاً نوعياً لخلاص حياة الإنسان من طارئ ما، حتى وإن كان أساسه الكذب، فالمومس هنا تحتمي بالواقع السياسي للبلد الذي كان قائما في تللك المرحلة "نهاية السبعينات" كما ذكر القاص، تلك الحقبة التي صفيت بها الاحزاب المؤتلفة بالجبهة، من قبل النظام البعثي الفاشي في العراق، فصاغت مشهداً نرجسياً أثار عطف ونبل البطل، حين كان المشهد السياسي العام أنذاك يحمل بطياته نبوغاً فكرياً عاطفياً عند العامة، فيما أصطلح على تسميته عند المواطن بشكل عام، بأنهيار "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية". بالمقابل أتت هذه التصفيات سواء كان في الاعتقال أو بالموت بواسائل وحيل عدة، للشخصيات السياسية والثقافية أصحاب الفكر المعارض سلمياً لسلطة البعث، جاءت هذه التصرفات من قبل السلطة تقضي على الذوق الإنساني، وعلى الجمالية الاجتماعية القائمة أنذاك، بالمقابل كانت تلك الاحداث تشكل المعين الاستمراري لذلك النظام الارهابي القمعي، الذي سلط سيفه على رقبة الحرية والديمقراطية، فقد أعتبر النظام تلك الاحداث تحمل بجعبتها نكهة تبحث عن ألق لسياساتهم القذرة.

    إذن فوسيلة التعبير أدت دورها الناجح كمشهد درامي، وأتت بحصادها المثمر والمؤثر بآن على البطل، عبر قصتها التي تماثلت إلى الانتماء لهذ الحزب التقدمي أو ذاك، كونها أي المرأة تنتمي إلى أسرة سياسية منتجة للقيم الإنسانية، وبفعل تيمة "محظية" تحولت هذه المرأة المناضلة، من إمرأة واعية ومنتجة لفعل الخير لمجتمعها، إلى إمرأة مومس تبيع الهوى لمن يشتريه، لذا فقد جاءت هذه المفردة الناجحة "محظية" تبعث عبر مكونها الفني أي النسيج التوافقي في السرد القصصي، بين ماهية ومصداقية القصة التي ادعتها المومس، وبين رجالات الأمن ذات الفعل القذر مع مواطنات البلد، وهذا لا غبار علية على الاطلاق، لذا فتصديق مثل هذه الحكايات كانت شائعة أنذاك، لأنها صحيحة جداً. "لذا أنا مضطرة على أختيار هذا الملاذ الذي لا يشرف امرأة مثلي. هذا الملاذ هو محرقة لجسدي وعقلي وضميري. أنت لا تعرف أن الشرطة السرية في كل زاوية لا تتوقعها، أريد أن أجمع مالاً، ثم أنتظر هدوء المناخ القمعي حتى أنفذ بنفسي خارج البلاد." لاشك أن الرواية محبوكة بشكل جيد ولا يوجد منفذ للشك بها، وهنا يصل صراع العقل ذروته بين اليقين والشك، ولكن على مابدا أن اليقين أنتصر على الشك، فهو وبالحال تعاطف معها ومنحها راتبه الشهري لأنقاذ ما تبقى من حياة هذه المرأة "الطيبة" بنظره، وهذا العمل الاخلاقي بمفهومه يعتبر عملاً رجولياً، لأن فيه بعداً عاطفياً أخلاقياً،ً يستمد فعله من المنتج الإجتماعي التوارثي ذات الطبع الملحمي عند العرب.

    ما أراد اعتماده الكاتب قصي الخفاجي في جميع نصوصه القصصية في محموعته القصصية هذه "الأوديبي"، هو اللعب في الفضاء الرحب بحريته المطلقة، وكأنه لا يضيق بشئ، لا الزمان، ولا المكان، ولا حتى في أفق هذا الفضاء، فهو أي الخفاجي هكذا ينتشر مع جنون نصوصه العارية بفنيتها التي تتلاءم مع فعل الواقع بعريه التخلفي، ونصوصه التي اتخذت من المذاق التهكمي بعداً فنياً، تراحبه الأصالة غير المنتجة من قوالب التأليف الجاهزة، أو تلك الممكيجة بالوان خارج نكهة الروح الخفاجية، إنما هو منتج خصب نقي كالحليب يؤدي دوراً ممسرحاً بجمال لونه وتدفقه من ينبوعه الصافي، أي من المخزون العقلي الذي يومئ إلى سلطنة أنسجة الخيال، من خلال قدرة الكاتب وسعيه الفكري.

    أما ما يأخذنا إليه القاص الخفاجي في هذه القصة القصيرة جداً "حوار الكركدن والعجوز الماحق" الذي يعزف على المفارقة: بين النص البصري بكل جزئياته من نشوء الكلمة في معناها التلاقحي مع البناء القصصي العام، إلى حوار الشخوص الذين يؤثرون بعلنية علاماته ودلالاته في إطار التجانس النوعي التشكيلي للأيعازات العقلية عند بطل النص، والذي في كثير من الأحيان يأتي بدون أسم، بمعنى أن حركة الذات الموحية إلى الفعل هي التي تؤدي دوراً محورياً في إيقاع اللفظ والحركة والمعنى على المسرح الحياتي العام المتنوع في زمكنته. وبين النص السمعي التواتري الذي أمتلك بكل ثقة نبوغ اللحظة المتوترة، وإطلاق حالاتها المتمردة إلى التحرر عبر معالجاته وتحليله للحكاية. وإبتعاده الواضح عن طبيعة المألوف القصصي، عند كثير من القصاصين، وأشكلتها الوهمية غير المجدية. والدليل الآتي الذي سوف يقودنا إلى الأسلوبية التعبيرية الناضجة، في هذه الحوارية التي تجنح إلى لغة أثارها المثقف البديل كما يسميه الباحث الاجتماعي الطاهر لبيب، وفي النص نقرأ: " صحت: بربك أيها العجوز بورخس / من أكون أنا في هذا العالم؟ / قال: لي.. لاشئ / قلت: وأنت.. / قال: لاشئ ." بالرغم من أن المعلن في هذا النص الحواري بين الأنا.. والاستحضار للغائب، أي أستحضار الشخصية المراد مناجاتها عبر الفلسفة التطابقية، التي دلنا عليها في الماضي القريب الفيلسوف دريكارت: "أنا أفكر اذن أنا موجود" هي أشبه بالشطحات الوجودية عند سارتر، التي دائماً تبحث عن "أنا" أي الأنوية، المرادفة للوجود التناقضي، الذي بحثه القاص مع تلك الشخصية، وحالة اليأس التي كانت هي الأشكلة الحياتية عند البطل، تلك التي جعلت منه ناكراً لوجوده، لأنه لم يكن ذا أهمية فاعلة ومؤدية لنجاحه الذي يبحث عنه، والذي كان يتمنى أن يكون بورخس الثاني، لذا تجده قد صب لعنته النافرة من قناعة وجوده في الحياة أو عدمها، ولهذا فقد ذهب بعيدأ الى "العجوز " بورخس " وهذا الذهاب لهذا المتنور الأرجنتيني إنما يعني دلالة إعجاب الكاتب بهذه الشخصية النادرة، وللذي لا يعرف العجوز هذا أدله عليه، هو: الأديب الفيلسوف المتمرد العملاق الأرجنيني خوخا فرانسيسكو أسادور لويس بورخس 1899 / 1986، وقد أجاد هذا المشاغب الجميل في تنوع الكتابة النقدية والفلسفية البحثية، وهو أحد أهم أسماء نهاية عصر النهضة، ومن أهم مؤلفاته هي: الواقعي والأدبي الفنتازي / البوذية / شعر الرعاة الأرجنتيني / الحب / الذاكرة / التاريخ. ربما هذه المؤلفات التي أعرفها، ولا أدري إن كانت هناك مؤلفات أخرى، مع ثقتي الكاملة بعملقته التي كانت تترجم في حوارياته العديدة في الصحافة الأرجنتينية، والفرنسية مع ازوفالدو فيراري. وقد جمعت هذه الحوارات ونشرت في كتاب باللغة الأنكليزية عام 1986. " هرعت أمي إلى الجهاز ، حيث أنغرزت عينا بورخس في عيني، ضغطت أمي على الزر فشع هائلاً ضوء الوجود". أشاع الخفاجي لأستمرارية الحياة عندما أدخل الأم وجعلها اللاعب الأساسي المحوري في الإشعاع الحياتي، وهذا تحقيق دلالي لتجاوز الفكر مطباته وعثراته الغير واثقة باليقين المعرفي للوجود. وما دلالة الزر هنا إنما هو إيقاظ العقل نحو آفاق أخرى قد تريح الانسان وتلغي الخوف الجامح.

 

     1- كتاب "بلاغات النساء" ، تأليف: أحمد بن أبي طاهر طيفور.

2- أنظر في "فكرة الحب" لشارول هارش. ترجمة ولي الدين السعيدي.

3- أنظر كتاب "الموازنة" لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي الجزء الأول.

•4-     الاستقلال النوعي في محاكاة الصورة والتشكيل. "دراسة نقدية" للشاعر والقاص جعفر كمال 

 

جعفر كمال


التعليقات

الاسم: د. حياة
التاريخ: 2007-12-25 18:49:10
أستاذ حعفر كمال:
هنيئاًلك أيهاالاستاذالشاعر والقاص والناقدالمميز في كل هذاالكم الأدبي الرائع، أو أقل إنك جمع المواهب الأدبية الصعبة، وهنيئاً للقارئ العربي بهذه الدراسة الحديثة المتأنية والمتالقة في بحثها التاريخي والمعاصر، بأسلوبية دقيقة الشرح والطرح للمعلومة الغائبة عن القارئ، خاصة وأن هذه الدراسة قد تناولت شخصية مؤثرة في وسطنا الأدبي هو القاص قصي الخفاجي، الحائز على عدة جوائز أدبية وتشريفية، وآخرها جائزة دبي للقصة، وجائزة العنقاء العمارتية، هذا القاص الذي جعل من قصته حكاية ذات الطرق السريع والمكثف في التوالف والايحاء بتواصلية قل تشكيلها. شكرا لمركز النور المميز بأدبائه لتقديمه لنا الأستاذ الشاعر جعفر كمال وسلسلة دراساته المفيدة عن الشاعر عبدالكريم كاصد والشاعر عدنان الصائغ والشاعر نبيل ياسين والقاص قصي الخفاجي، وما هذه الاطلالة إنما هي تأكيداً لحضوره الأدبي الناجح والمشرق علينا، أتابع خطاك.. وأنا من المعجبين بك عن كثب.

د. حياة الجاسمي

الاسم: www.alnoor.se
التاريخ: 2007-12-25 18:43:01
أعطي نقدا روحيابين الكاتب الذي عبر بقصته الفاعلة والمنفعلة من قبل الناقد ( أي قصة تتجلى بروح تناقض الحياة المكهربة وقسوتها وتغلب ضياع الضمير وصرخة الانسان المتفجرة المنكسرة والتطلع الى الخلاص من الآثام ورجعة الانسانية الحقيقية بجوهرها وأبعادهافي حركة الوجودالأبديةوعلى هذا عبر الناقد بشكل مستوفي موضحابقوة تداعيات تناقضات الأحداث من أخلاقية ونفسية وحسية ووجدانيةتشابكت بها الأنفس البشرية المرتيطة بواقعهاالمؤسف عليه بصورة ان الانسان بفطرته ولأنه منح الروح الساكنة بالضمير وهو جوهر الانسان عن سائر الخلق
بالعودة الى صحوة الضمير النائم منذ فترة نعم عبرت بنقد شفاف يتفاعل معها القارئ بلولوج الى مضامين روح الكلمة والمعنى العميق لقصة قصي الخفاجي بشكل نستطيع فيه ان نقف عند قراءة القصة مرات ومرات
شكرا لك وبالتوفيق




5000