هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كيف نخرج من ظلمات أحوالنا؟

محمد الحمّار

الذي تسأله من بين التونسيين هذه الأيام عن مشكلةٍ ما يقول لك قولا مثل "أنا فاهم" أو "أعلم ذلك جيدا" أو "طبعا هذا صحيح" وما إلى ذلك من العبارات الدالة على فهم القضية المطروحة. ولكن بين الفهم والتطبيق هنالك طريق شائكة. و تتمثل هذه الأخيرة في انتهاج سلوك متسق بصفة إيجابية مع الفكرة المفهومة حتى تتجسد في موقف وفعل وإنجاز. لكني أعتقد أنّ المجتمع العربي، الذي نحن جزء منه، لم يسلك هذه الطريق أبدا، مما قد يعلل القولة الشائعة التي قيلت فينا: "لا يقرؤون وإذا قرؤوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يطبقون" (موشي ديان وزير الحرب الأسبق للكيان الصهيوني؛ وأقولها لأني أعتقد أني سأنتهج سلوكا إيجابيا متسقا مع إيماني بصحتها).

في تونس وفي أي بلد عربي آخر ترى السائل والمسؤول بخصوص القضية المطروحة يحيطان بكل شيء علما؛ "مَن" و"متى" و"أين" و"لماذا" و"من أجل ماذا"، عدا "كيف". سُئل مؤخرا أحد السياسيين (مصطفى الفيلالي) عمّا إذا كان حزب حركة "النهضة" الحاكم فاهمًا لخطورة الظاهرة السلفية فأجاب أنّ قادة الحزب شاعرون فعلا بالمخاطر المحفوفة بالمجتمع كنتيجة للمد السلفي إلا أنّهم لا يملكون "الوسائل" للتوصل إلى حل. كما يُسأل الفاعلون بمختلف مشاربهم عن أحوال الصناعة والتجارة والتوريد والتصدير والسياحة والمصرفية والتشغيل والسوق والأسعار، وغيرها من المواضيع الراهنة، فتراهم كلهم تقريبا ماسكين بزمام كل الجوانب المتعلقة بتلك المواضيع عدا الجانب الذي يخص الكيفية التي من شأنها أن تؤدي إلى حل المشكلات العالقة والمتعلقة بها.

وإذا غصنا في أعماق الذهنية التونسية، والعربية عموما، سوف نجد مسألة غياب الكيفية، والمنهاج والطريقة، متجذرة في الأداء اللغوي لدى الناطق بالعربية. إنّ هذا الأخير يبث رسالة كلامية (إن بالعامية أو بالفصحى) ولكنه، كما سنرى من خلال الأمثلة، قلما يكون قادرا على تحويل كلامه إلى سلوك. وهذا يعني أن الكيفية التي من المفروض أن يتم بفضلها التحويل غير متوفرة في العقل اللغوي للمتكلم، وهي بالتالي غير متوفرة في العقل المجتمعي طالما أنّ هذه الإعاقة مشتركة بين غالبية الناس في المجتمع العربي. وهنا يكمن الداء حيث إنّه ليس للكلام وزنٌ ملموس (عملي وتداولي) مادام يفتقر إلى آلية التحويل.

فهل العلة في اللغة أم في موضوع اللغة؟ أعني هل ينبغي إصلاح العلة انطلاقا من اللغة أم انطلاقا من مواضيع مثل "الحريات"  و"حقوق الإنسان" و"التشغيل" و"غلو الأسعار" وغيرها؟ ومهما كانت درجة الصعوبة التي تحول دون العثور على إجابة فورية لهذا السؤال (وهو من مواضيع بحوثنا باسترسال)، من المتأكد أنّه من الضروري إدراج مسألة العلاقة بين اللغة (الأداة) والسياسة (فكر اللغة: المواضيع والقضايا المطروحة) ضمن الأولويات، وذلك في مجالات التواصل العام والتربية بالخصوص. على أية حال يبدو أنّ هذه العلاقة فارضة نفسها بعدُ في قضايا الحال. سواءً من خلال حديثك مع صديقك أو مع رجل الشارع أو من خلال مشاهدتك لرجل السياسة وهو يفصح عن موقفٍ ما، ثم من خلال معاينتك للسلوك البَعدي لهؤلاء ولغيرهم، سوف تتخلص إلى القرار أنهم "إذا فهموا لا يطبقون". بدءً بمن يعطيك موعدا ويخلف الميعاد بتغيبه، ومرورا بالفرق بين حقيقة الأداء الحكومي السيئ في تونس، مما حدا ببعض الأطراف بالمطالبة بتشكيل حكومة لإنقاذ وطني، وبين ما يصرح به القادة السياسيون من أنّ " الحكومة الحالية نجحت في قيادة البلاد وفي تسييرها وذلك على جميع المستويات" (السيد سمير بن عمر الوزير المستشار لدى رئاسة الجمهورية؛ عن جريدة "السور" ليوم 1-6-2012 ص 4)، وانتهاءً إلى الرسائل المتعددة المماثلة التي يبثها من حين لآخر أعضاء الحكومة والتي مفادها أنّ "كل شيء على ما يرام"، سوف تتأكد أنّ كلهم يتفقون على أمر واحد: انتهاج سلوك معاكس (سلبي) للعبارات التي يقولونها، على غرار تصريحات المسؤولين أو كلام صديقك ("سأكون حاضرا في المكان كذا على الساعة كذا"). ويتمثل السلوك السلبي في عدم القدرة على التحكم بالواقع (الأخطاء الدبلوماسية؛ المد السلفي؛ تفاقم البطالة؛ الاعتصامات وسائر الاحتجاجات؛ النمو الاقتصادي الضئيل؛ غلو الأسعار وتهريب السلع؛ الأمن الحدودي المرتبك، استشراء الجريمة وما إلى ذلك).

أكثر من ذلك، نعتقد أنّ جل النكسات التي يُمنى بها الشعب العربي أينما كان تعود إلى الإعاقة المتمثلة في عدم القدرة على تحويل الكلام إلى سلوك، وبالتوازي، عدم تحويل الخطاب السياسي إلى إنجاز. إنّ عقائد عديدة، منها ما هو قديم وأزلي مثل "تخلف العرب" و"الدين أفيون الشعوب"، ومنها ما هو جديد مثل "موت الثقافة العربية" و"انقراض العرب" و"نحن عرضة لحرب إبادة" و"يطبقون علينا مخطط الشرق الأوسط الكبير" وغيرها، هي في الحقيقة حقائق ما من شك في ذلك. وبالتالي فإنّ الإشكال المتعلق بها ليس موجودا في داخلها بل هو موجود في الأسلوب الذي يتقبلها به الإنسان العربي. إنّ هذا الأخير يفهمها كما هي، على حقيقتها، لكن افتقاره لآلية التحويل التي من شأنه أن يُبدل الفكرة (العقيدة/ الخطاب/ الكلمة/ الرسالة) من تلك الحال إلى حال السلوك الإيجابي، هو الذي يحكم على النتيجة النهائية بالسلبية والفشل الذريع. بدءً بالذي يعتقد أنّ إسرائيل بالغت في سوء معاملتها للفلسطينيين، ومرورا بالذي يعتقد أنّ سوريا تواجه فتنة خارجية فضلا عن نظام الحكم الاستبدادي فيها، وانتهاءً إلى من يجزم أنّ العرب في خطر، كل هؤلاء، وأمثالهم كثيرون، ينتهجون سلوكا سلبيا أي مُنصاعا للإشارات والمؤثرات السلبية لتلكم العقائد. بكلام آخر هؤلاء لا يعلمون أنهم مطالبون على الأقل بسلوك (فردي واجتماعي وأسري ومهني وسياسي وعام) يترجم اتعاظهم بتلكم الحقائق بصفة إيجابية وبالتالي يترجم عزمهم على تغيير ما بأنفسهم نحو الأفضل وعلى تغيير واقعهم نحو الأفضل. فهذا السلوك الإيجابي هو بطانة النصر في مجال الصراعات الحضارية وصمام الأمان في مجال مجابهة الحروب واللقاح ضد أشكال العدوان والأرضية الضرورية لاستعادة الاستقلال. لكن في غياب ذلك تكون الحقائق (غير المُحوَّلة إلى سلوك إيجابي) مؤثرة سلبا على نفسية هذا الإنسان، مما يحثه على إعادة إنتاج الرداءة والفشل والانصياع للهيمنة الأجنبية، والعياذ بالله.

ولكي لا نبتعد كثيرا عن الواقع اليومي في بلدنا الذي انطلقنا منه يمكن القول إنّ المسميات التي تعود الملاحظون والنقاد على رؤيتها في مستوى الأداء السياسي وفي مستوى الأداء الحكومي على الأخص ثم سجلواها واستنكروها وسموها "تسويفا" و"تلكؤا" و"مماطلة" وما إلى ذلك، إنما هي مؤشرات على أزمة الكيفية إن صح التعبير. والأخطر من إمكانية غض البصر عن مثل هذه الداء الذي لم يتعود مجتمعنا على تشخيصه، ناهيك التطرق إليه ومحاولة معالجته، هو أنّ همزة الوصل بين الفكر والمواطن، ألا وهو الثنائي الخطير "الإعلام والفكر السياسي"، لم ينفتحا أبدا على مثل هذه المساحة: مجال رصد مكونات أزمة الكيفية/المنهجية، ومنه ضرورة تحيّن الفرصة للخروج من الأزمة بفضل إصلاح ما فسد. وإلا هل يكمن الحل في "حكومة إنقاذ" أو في "حكومة ائتلاف" أو في "حكومة تقنوقراط" ؟ وهل سيكتب النجاح لأي حل سياسي من دون الحل السياسي النفقي؟ وإلا فـ"كيف" نخرج من ظلمات الأنفاق ومن ظلمات أحوالنا؟


("التيار المتدين المعارض" للإسلام السياسي)

محمد الحمّار


التعليقات




5000