..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رماد الأقاويل

فرج ياسين

قبل أن يظهر لنا في كؤوس الماء والمرايا ، وزجاجات الخل الفارغة ، كان قد ظهر لنا في شطحات التأمل ، وظعنات اليأس ، يأس كهول ، خارجين لتوهم من حفلات هراش ديكة ، ونطاح تيوس ..

    قبل أن يظهر لنا هذه المرة ، في الحوار ، كنا قد استدعيناه من حرائق طفولتنا ، لكن السنين العجفاء جعلتنا نغص بهباء الاكتشاف . نعم ، كان رجلاً! وفي محاولة أخرى لطواف الفكرة حول نفسها ، وكان يظهر عارياً على شاطئ حصوي تحف به أجمات الغرب الصغيرة . وفي محاولة أخرى حصلت في المستقبل الذي انقضى منذ زمن طويل: وكان ذلك في الصباح يطل من شاهق على أحلامنا الناعمة . أكان ذلك في كل صباح ؟.

    سأقول تنه كان رجلاً نعرفه ، له أسم وقبر وتاريخ . لكن الأمر الذي سوف يشب ويحترق في الحوار هو أين كان ذلك ؟ أهو شاطئ النهر ؟ ادعيت أنا . وزعم الزملاء . ثم سألنا الجدة شمسه . أحقاً أنه كان يخرج من الماء عارياً ؟ لكن بعضهم ذكر أنه لم يُر إلا خلف خرائب القلعة ، قرب عش اللقلق ، وهو يواجه النهر والشروق .

    ربما ظهر هنا أو هناك ، لكن الأمر بعد ثلاثين عاماً ، لم يعد بهذه البساطة أبداً ، لأن ما صار يقلق الجميع حقيقة أنه أخذ يظهر في أوهامنا . أقسمت لهم بأنني رأيته على شاطئ النهر وأنا صغير ثم أخذت أعتقد أيضاً بأنني كنت أراه في أيام الشتاء القاسية البرد يتسلل إلى مكانه المعتاد ، خلف خراب القلعة ، يحمل صفيحة مملوءة ماء ، ويقف       - نحيلاً عارياً - في مواجهة النهر والشروق ، ثم يقوم بسكب الماء على جسده .

    عدد من لأقران الذين يسكنون حول عش اللقلق ، بحيث تغدو القلعة في مرمى أبصارهم لم يذكروا شيئاً ، وقلنا في الحوار أنهم لم يروا أي شيء ، لأنهم واقعيون ، أي أنهم من النوع الذي لا ينظر إلى فوق! أما نحن زبائن مقهى ( الساعة ) الواقعة في منتصف السوق الجديد عام 1975 فقد اختلفنا ذلك الاختلاف! لأن رجلاً أراد أن ينفي تهمة السرقة عن نفسه ، رأى القبر الأخضر من خلال قضبان نافذة حجرة قاضي التحقيق المطلة على المقبرة المسيجة ، فاقسم بروح صاحب المقام! هذا الحدث العابر هو الذي أجج الحوار ، وأنحرف بنا إلى حلقات جديدة لم تخطر على بال ، مما اضطرنا للذهاب إلى الجدة شمسه، المرأة التي اتهمت قديماً بإخفاء الرجل الغريب في بيتها ، بعد أصابته صبياً في جبهته بحجر مقلاع إبان أحدى الحروب الكثيرة التي كانت تنشب بين حواري بلدتنا ، والتي عاشت وحيدة في بيت نصفه منحوت في الجبل ، حيث تستقر القلعة منذ الأزل فأدت بما معناه أنها لم تعرف إن كان صاحب القبر هو ذاته الرجل الغريب . لكنني طلبت منها أن تصف احتمالاً ما عن موقف الخروج من النهر ومن خلف خرائب الاغتسال في مواجهة النهر والشروق ألا أنها أجابت قائلة : في بلدة مثل بلدتنا من يجرؤ على الظهور عارياً وعلى مرأى من الناس يا بني! .

    أخفينا هذه المعلومة المثبطة ، وانطلقنا في السنين ننسج بصبر عنكبوت ، أسدية الاحتمالات الكثيرة ( صقالات أحلامنا ) لأننا بعد ذلك بجيل ، والجلسة في مقهى الساعة لما تزل مستمرة . سمعنا هزيم العجلات ، فتداعينا وجلين وجعلنا نتساقى جرعات العزاء. لكن الخراب صار يستدعي أشباحاً غريبة ، طفقت تخطف في خيمة الغبار المنعقدة حول خرائبنا ، فهجسنا اندحار الصورة وتراجعها ، لذلك عمدنا إلى عقد جلسة مكرسة للتذاكر ، أحدنا زعم أن الرجل لم يتزوج مطلقاً جواباً على من أدعى بأنه إنما كان يفعل ذلك تطهراً من الجنابة . 

آخرون ادعوا بأنه تزوج من امرأة ممسوسة ، لم تنكشف على أحد ولم تخالط الجيران وكانت - فوق ذلك من دون شكل ، أي إنها لم تظهر سافرة في أي مكان . وعبر سياحة أخرى في أفواه الأقاويل سمعنا أن الرجل من أصل تركي . وأنه لم يسكن خرائب القلعة أبداً ، وأنه كان قصيراً جداً وأنه شارك أهل البلدة في إنقاذ ثلاثة أطفال سقطوا مرة في بئر ( دوريّة ) وأنه أول من نصب خيمة فوق ( تل السكن ) لسبب لا يعرفه أحد ، وأنه لم يكن صاحب القبر الخضر ، وأنه عمل ( boy ) في منزل المستر لودفيج بوخا ، كبير مهندسي شركة زبلن الألمانية التي شرعت بتعبيد الطريق العام بين بغداد والموصل منذ عام 1956 . ولا ندري كيف صار هذا الخبر يحتمل الأقاويل الكثيرة ، منها أنه كان مفتوناً بالمسز بوخا ، أو أنها هي التي كانت مفتونة به ، إذ شوهدا وهما يمارسان سباحة مستهترة ، هي بالمايوه وهو كما خلقه ربه أمم مصاطب ( شيشين ) الصخرية .

    أنا وثلاثة من الزملاء قررنا العودة إلى الأمكنة القديمة ، ولكن في الخرائط ، لأن الأحياء القديمة في بلدتنا أزيلت في ثلاثة عقود . وفي أحدى صفحات البحث برزت أمامنا معظلة لم يُحسب حسابها وهي أن لكل واحد منا خريطته الخاصة ، لقد اختلفنا حول عدد الأزقة القصيرة المستقيمة الضيقة المتوازية الواقعة بين القلعة والشريعة . وبالكاد استطعنا الاتفاق على تفريعات هشة ، متبعدين مسافات شاسعة عن بؤرة الحوار . وقد كنت اعتقد إن خارطتي ظلت نظيفة ، وإنها لم تتأثر بصدام الروايات على مدى ثلاثة عقود . الغريب في الأمر أنه لم يظهر على الخرائط .

بطريقة تجعله ملتحماً في المكان ، إذ بقي كما كان يلوح في الحوار دائماً أشبه بإصبع معلق في الكف بانشوطة من جلد فارغ من الدم ، لذلك هتفنا منفعلين .

- ليس ثمة شخص يحمل هذه الصفات!

    من الذي يمنع من نفاذ هذه الصرخة إلى محطة الشكوك في قلوبنا ؟ إذا ما عمدنا إلى تصغير لوحة الأحداث المنتشرة في متون ثلاثة عقود وضغطها بطريقة تتلاشى معها النقاط الواهنة ، وتبهت الخطوط وتنمحي شواخص الخلفيات المتناهية البعد في أعماق المنظور .

    حقاً إن ذلك صار يشكل وقفة الاستراحة التي كنا ننعم بها بين آن وآخر ، قائلين لأنفسنا وماذا يهم ، أنه رجل عشش في أسدية الأحلام التي ألفنا منها طفولتنا . وأن ذلك يكفي لبعث حكاية ليس بالضرورة أن تكون حكايته بل حكايتنا . وهكذا شغلنا بترتيب الأحداث من خارج ضرورات التعالق المنطقي . ففي حين بدأت الحفريات بجانب المستوصف الجديد لم يكن البعض يفكر بإزالة القبور القليلة المسيجة منذ انشأ السوق العصري ، لكن البعض أشاعوا بأن وجود القبر الأخضر سوف يشكل تحدياً حقيقياً للسلطات البلدية إذا ما جرؤ أحد على الاقتراب منه ثم احتكمنا إلى تداعيات عتيقة ، كلها تدور في فلك القول ، بان ذلك القبر ليس سوى قبره وأن أول انشوطة خضراء علقت فوق شاهدته ، شوهدت بعد عجاجه العجوز وبسببها وهي حادثة وقعت أثر موته ، الذي هو بلا تاريخ ، فقد روى إن امرأة عجوزاً فقدت في عاصفة هبت على بلدتنا في زمن قديم أمضت الليل في العراء ، إذ تعذر العثور عليها لكنهم وجدوها فجراً على هيئة مهولة. كانت تحمل في ساقها أثر عظة حيوان مفترس ، فقد زعموا وقتها أن ذئباً هو الذي عظها . وأن اليد التي خرجت من القبر هي التي أنقذتها من الموت . لكن المرأة توفيت رعباً بعد يوم واحد ، وصار قبرها هو ما سمي بعد ذلك بالقبر الأخضر .

    جدتنا شمسه هي التي أصبحت في التسعين من العمر روت الخبر بعشرات الصيغ ، البعض منها لا يشبه سواه ولا يدري أي جيل هو الذي عُدّ مسؤولاً عن أسرار الحلول والدمج والانتقاء لأننا في أواخر السبعينات . كنا نحتفظ بلوحات ملونة كاملة نعلقها في واجهات أيامنا تنبض بملامح قديس يبدو وكأن حكايته غادرت مرحلة الشكوك .

    بعضهم زعم أن الرجل الغريب لم يدفن في مقابر البلدة لأنه أوصى وهو يحتضر أن ينقل جثمانه إلى قرية تقع على نهر ديالى ، قال أن فيها أهله وعشيرته لكن أحدى الحكايات المأثورة انتخبت شخصين معروفين وأوكلت إليهما غسله وتكفينه . ثم انتخبت شخصاً آخر للتبرع بوضع شاهدة قبر مزعومة ، قيل أنه نقر حروفها على كسرة رخام وجدها مصادفة في ( حمار الشيقا ) ذكر الرواة أنهم رأوه مكتوباً عليها : هذا قبر حَرَش.. لكن حرش صبي ذو شكل منغولي مات بعد سن الثالثة عشرة . ينتمي إلى جيلنا. أقصد أنه - لابد - كان بيننا ونحن نشاهد الرجل يأخذ حمامة الصباحي خلف خرائب القلعة ، عارياً في مواجهة النهر والشروق ، أما والد حرش فقد أكد أنه لم يضع شاهدةً على قبر ولده . وعلى الرغم من نفيه المستمر زعم لاحقاً أن الملائكة هي التي وضعت تلك الشاهدة .

    في تداخل مشبوب أدلى جندي عاد بعد ثماني سنوات من الأسر ، بان قمامة رجل نحيف عار ظلت تحلق في فضاء التهيوءات العجيبة التي يصنعها عادة الشوق إلى الأهل والديار ، وأنه يحس وكان جسده يعاود الاغتسال بماء ينسكب من صفيحة ممتلئة في كل مرة . مما شجع أمه على اقتياده - ذات يوم - إلى المقبرة المسيجة ، جاعلة إياه يدور .

    حول المستوصف الجديد ثم دخلا معاً بناية المحكمة ، وهناك انتهزا فرصة سائحة للقفز إلى داخل المقبرة المسيجة . حيث جعلته يلمس حجارة القبر قائلة له : اذكر اسم الله مائه مرة يا بني ، ظل الفتى يتذكر هذه الحكاية ويقصها لكل من يصادفه حتى أصبحت لازمة مستمرة لحياته . وفي تطور لاحق ، ذكرت أمه انه صار يصحو من النوم وهو يبكي فتقول له ، لا تفكر بالماء المنسكب يا بني ، فكر بالماء الذي يسيل . لكن المرأة سمعته مرة وهو يغمغم في الحمام : اللهم طهرني من الماء المنسكب ومن شبح ذلك الرجل النحيف العاري الذي قطع عليّ طريق الأحلام .

    وفي تداخل آخر زعموا أن ضابطاً برتبة نقيب ، أكد أن والده المتوفى منذ أواسط الستينيات هو الذي كان يعاشر السيدة الأجنبية ، زوجة المستر بوخا ، لأنه عمل معتمداً من قبل الشركة لتوفير المواد الغذائية كل يوم . وقيل إن الفتى أبرز أمام ثلة من أصدقائه صوراً وهدايا تؤكد ذلك ، وقد روج الهواة آنذاك معلومات جديدة تخص اسم المرأة وصفاتها ، كان اسمها الينورا وكانت شقراء مثل سنبلة في الشمس : آلا إن رجلاً صالحاً يعمل إماماً متطوعاً في مسجد صغير يحمل أسم شهيد ، تحدث في غياب الشاب قائلاً : عن هذا ظلم شديد ، لأن الوالي صاحب المقام الأخضر حاول على مدى أيام صيف كامل إغراء السيدة الألمانية باعتناق الدين القويم .

    أنا وعدد من الأقران الذين بقوا أوفياء لتقاليد الجلوس في المقهى ، لجأنا بعد إزالة مقهى الساعة إلى مقاهي صغيرة منتشرة في البلدة ، نتجاذب فيها أحاديث يائسة تشتمل على مزاعم الآخرين ، بعيداً عن همسات قلوبنا المطعونة في براءتها فتتكشف لنا أعاجيب لم نكن نجرؤ على احترامها .

    من قال إن شيئاً من ذلك لم يصمد أمام وثائق التاريخ الحقيقي لبلدتنا . بيد إننا ظللنا نمضي دائبين في الحوار ، نكابد شيخوخة الحكايا ، ونراقب رقصاتها في الزمان ، تسقط ورقة هنا وتفرع سطور هناك ، كما لو كان أن قشة تتوقف في مجرى نهر فيعلق فيها يغدو بعد ذلك كثيباً من الخرق والعيدان والقواقع والطمى وعظام السماك النافقة .

    ثم مضى زمن أطال استرخاءه حول أمشاج الحكايا المخنوقة برماد الأقاويل ، فأخذ لا يظهر لنا إلا في كؤوس الماء والمرايا وزجاجات الخل الفارغة حتى حدث ما أيقض الحكاية وأججها من جديد . إذ حلت في بلدتنا - قبل ثلاث سنين- امرأة في الستين من العمر ، ترتدي جلباباً زهرياً ، وتصر وجهها بلفاع أسود ، تقود سيارة من نوع تيوتا موديل 1991 بدت وكأنها قطعت رحلة قاسية ، لأن عرق الرحلة جعل مكياجها يتجمد في خطوط تجاعيدها الشائخة .

    ما أن وصلت حتى سالت عن عش اللقلق وبئر دورية وحمار الشيقا وتل السكن والشريعة والقلعة ومصاطب شيشين الصخرية ، وعن الجدة شمسه : فقيل لها أنها انتقلت الى دار البقاء منذ ثلاثة عشرة سنة ، وعندما سالت عن هويتها وعن سبب قدومها ، أفادت بأنها امرأة عاشقة استيقظت تواً من حلم خرافي وإنها جاءت لكي تطلق النار على ذكرى رجل سمعت أن هناك بات يقدس قبره الوهمي ، لأنه أفسد حياتها .

    لشد ما تراءت صورته في ذاكرتي ، مرة يسوح في الأقاويل ، ومرات كثيرة ينتصب فرداً أمام عيني غلام مرنقتين بضباب غبش شتائي ، يخرج عارياً من خلف خرائب القلعة ، فوق عش اللقلق ، يحمل صحيفة مملوءة ماء ويولي وجهه شطر أفق يقف على رؤوس أصابعه ، منتظراً خيوط الشروق الأولى ، بيد أنني انتظرت أعواماً أخرى ريثما تهدا الضجة ويكتمل نصاب الأقران . لكن الجلسة التي ظلت قائمة منذ ثلاثين عاماً لم تتسع الآن ألا  لعكازاتنا المتصالبة تحت الأرائك النخرة . 

 

 

فرج ياسين


التعليقات

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 26/05/2012 19:29:50
فرج ياسيــن

............... ///// سلمت وما ابدعت به سيدي الكريم دمت سالما

تحياتي فراي حمودي الحربي ................................ سفير النوايا الحسنة




5000