..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


البياتي ...ودعوة لمذكرات رجل مجهول أخرى !- الحلقة الثانية

كريم مرزة الاسدي

في تعليق على تعليق لما كتبته في الحلقة السابقة , ذكرت أنني لست بدارس لشعر البياتي الكبير , ولا بباحث في تعلقه بمتصوفيه , وفلسفته , وتوجهاته , ولكن مرّت ببالي خاطرة من خلال قراءتي لـ ( مذكرات رجل مجهول ) , ولتجديد دعوة للشعراء العراقيين سبقني إليها من سبق , سنأتي عليها في الحلقة الثالثة - بإذن الله - وكنت قد كتبت عن القصيدة وشاعرها من قبل , ولا بد للتجديد من تمهيد , و بياتينا يستحق المزيد , فشرعتُ بحضوري تشييعه ومدفنه يوم وفاته - رحمه الله - ووصيته , وحدسه في أنْ يقبر بدمشق , ولا ريب من الضرورة بمكان أن أستشهد لماماً بأشعاره الصوفية , وشعره في حدسه , ومما يحزّ في القلب أن يدوس ممن يحسب نفسه من كبار الشعراء - واستلم أوسمة الإستحقاق الممتازة من دول - على هامة عملاق من عمالقة الشعر العربي المتجدد , بل العالمي بعد وفاته , كلمات ثعوزها المروءة والأخلاق , و للعلم أنا لا أعرف البياتي شخصيا ولا واحداً من مخصوصيه وكأنما الرجل يستصغر عقول القراء الكرام ومتعدياً على مروءتهم , ومعرفتهم بخفايا الأمور , فيريد أن يفهمنا قول المتنبي العظيم دون أن يتفهمه :

ويدفنُ بعضنا بعضاً وتمشي أواخرنا على هام الأوالي !!

ولو جاء هذا الأمر من عامة الناس لما أوليته هذا الاهتمام ,وكاتب هذه السطور قد ألف محاولة بسيطة عن العبقرية وأسرارها مستشهداً بعباقرة الدنيا ببعديها الزمكاني , وضمن كتابه عن ضرورة تمجيد أفذاذنا قول العقاد العظيم " فماذا يساوي إنسانٌ لا يساوي الإنسان العظيم شيئاً لديه , وأي معرفة بحقٍّ من الحقوق يناط بها الرجاء إذا كان حقّ العظمة بين الناس غير معروفة " (1) , ومرادي من التكرار تذكير المأمول في العقول , ولأنّ دنيانا تسير بالمقلوب , وكلّ جهدنا مسلوب , وتقع المسؤولية التاريخية لتصحيح المسار المطلوب على عاتق المثقف الموهوب , والسياسي المرغوب ! , وليس على كاتب هذه السطور المغلوب ....!! ولأن - مرة ثانية - الإشارة لا تفعل فعل الحجارة ! والنيل من عبافرة العراق ورجالاته الأفذاذ في جميع المجالات , لا يجوز السكوت عنه مطلقاً , بل تعتبر جريمة أخلاقية وتاريخية ووطنية لمن يفقه سبب تخلفنا الرهيب واقتتال أبنائنا , و يعرف الوطنية الحقة المقلوبة , وتعب الأيام , وسهر الليالي , والإصرار والتفاني والتضححية والأخلاق , فناهيك عن قدمائه . خذ من معروفه وسيابه وشبيبه ويعقوبه وعبد جباره وسليم جواده ومقتل بدريه وذبح السيد صدره حتى بياتينا وجواهرينا... نعم نتذكرهم بعد مماتهم - والحمد لله - بمقالات عاجزة , وبحوث غير نافذة !! وفي يومنا الحاضر هنالك العشرات من الفنانين والاكاديميين والتقنيين والعلماء والشعراء يجوبون هذا العالم ...وهذه الدنيا... في داخل العراق وخارجه , لا يسأل عنهم سائل , ولا يبالي بهم عارف , وهم ممن لا يحتاج إلى تعريف... والأمم , بل الإنسانية جمعاء , لا تنهض شامخة عامرة إلا بعظمائها الكبار , يقول رالف والدو إمرسن (1803- 1882 , وهو من أكابر اساتذة الحكمة والفلسفة وأعلام الأدب في التاريخ الحاضر (امريكي) في كتابه الشهير ( ممثلو الإنسانية ) " ربطت الإنسانية مصيرها في جميع العصور بأشخاص قلائل , كانوا جديرين بأن يكونوا قادة أو صانعي قوانين وشرائع , ومع كل عقل جديد يتجلى سرّ جديد من أسرار الطبيعة ... ويكفي وجود رجل عاقل حكيم بين جماعة من الناس ليصبحوا جميعاً عقلاء حكماء , فأن العدوى حين ذاك سريعة , والرجال العظماء قطرة تزيل من عيوننا عواشى الأنانية ... " ولا تتخيل الذي مات منهم قد فات , فيواصل إمرسن - وهذه المعلومات لم أدرجها في كتابي عن العبقرية لتكثيف مواضيعه - قوله " والعبقرية الإنسانية هي وجهة النظر الصحيحة في التاريخ , فالصفات تبقى مرتسمة على جبين آخر , وإن رحل أصحابها , وقد وجد الرجال العظماء ليكونوا مدرجة لظهور رجال أعظم منهم ..." وببساطة البقاء للنوع لا للفرد , والنوع بعظمائه القلائل , فلا تبخسوا رجالكم حقوقهم يارجال , ويقول جلّ شأنه " ولا تبخسوا الناس أشياءهم ..." ( الأعراف 10) , بمعنى أخر لا تثبطوا العزائم , وتضعوا العراقيل أمام عقول الوطن وأفكارإننسانه , وإلا سنبقى آخر الأمم ... قليلاّ من الوفاء والحياء يا مسؤولي العراق في حميع عهوده..!! ولو أن الله منح العبقرية عزيمة لا يزعزها مزعزع , والرياح لا تجابه الجبال , ولكن وقفوا لها بالصيد والمرصاد ! ربما تقول كلّ هذا عن البياتي ..نعم بكل تأكيد عن البياتي كرمز للعبقرية , ومثله مثلهم , وللتوعية والتذكرة !

نعود لبياتينا الكبير , على ما يبدو لي أمّا دخل المدرسة متأخراَ بسنة لظروف مرحلة بديات ثلاثينات القرن الماضي , أو لحالته المادية التي لم تساعده , وإما تأخر سنتين في مرحلتي الأبتدائية احتمالاً والمتوسطة أكيداً , ناهيك عن السنة الدراسية الضائعة عند دخولة الكلية العسكرية , وتخلف عن مواصلته لها بعد ثلاثة أشهر لإنشغاله بالشعر. فهو همه الأول والأخير .

دخل الصبي مدرسة (باب الشيخ الأبتدائية) في في منطقة (شيخ رفيع ) , وفي سنة 1939 م , كان في السادس الأبتدائي (2) , يذكر هذه المعلومة الأستاذ فؤاد التكرلي الذي يذكر أنّ مدفنه في مقبرة السيدة زينب بدمشق , وهذا المعلومة غير صحيحة , بالرغم من أنها حديثة العهد وشهيرة, وعلى أغلب الظن وردت سهواً , ولكنها تجعلني غير مطمئن تماما لتواريخه , ويستطرد التكرلي أنه في سنة 1943 م كانا في الثالث المتوسط في ( متوسطة الرصافة للبنين ) بمحلة السنك , ويلمح أنه كان انعزاليا منطويا على نفسه قليل الأصدقاء(3) , وهنا يجب التأمل قليلاً , فالمرحلة حساسة في كبت العقد النفسية في العقل الباطن , هل هذا الانطواء والانعزال جاء عقبى اشمئزازه من أصحابه كردّة فعل لتصرفاتهم السيئة ضده , أم لزهوه واستعلائه عليهم , لأن هنالك كلمات هجائية قاسية وردت بشعره على صيغة شتيمة وسخرية ( خصي ...كلب ...ضفدع ...بوم ...إلخ) , بل كان مشاكساً مع زملائه من الشعراء الكبار , ويرى يجب فرض قصائده بالقوة , ويدافع عنها بشدة - مهلا سنأتي على السبب -

وعلى ما يبدو لي مما ذكره التكرلي , إنَّ البياتي , أمّا دخل المدرسة متأخراَ بسنة لظروف مرحلة بديات ثلاثينات القرن الماضي , أو لحالته المادية التي لم تساعده , وإما تأخر سنتين في مرحلتي الأبتدائية احتمالاً والمتوسطة حتما , تخرج من (الإعدادية المركزية ) ,الفرع الأدبي سنة 1945 م , ودخل الكلية العسكرية , ولم يمض ِفيها سوى ثلاثة أشهر , وخسر سنة ثالثة , لإنشغاله بالشعر همه الأول والأخير , والشاعر بطبعه لا يميل إلى الالتزام , لأنه يحدد من حريته , والحرية أساس الإبداع والإلهام , وتخرج من دار المعلمين العالية (1950 م) فرع اللغة العربية مع زميلته الشاعرة لميعة عباس عمارة , وكان هو والسياب ونازك وبلند الحيدري من الرواد الأوائل للشعر الحر ( شعر التفعيلة ثم انشقت منه قصيدة النثر حتى وصلت للومضة ) (4 أفرأ لهامش يرحم والديك !) , وفي سنة تخرجه أصدر ديوانه الأول ( ملائكة وشياطين) , واشتغل مدرساً بعد تخرجه لثلاث سنوات , ثم اشتغل بالصحافة والإعلام , ونقف عند هذا , لأنّ لنا موقفاً بعد هذا !

وأرغب أن أعرج على العنوان الذي صدّر الأستاذ التكرلي به مقاله " شاعر لم يكن يهمه شيء سوى بناء اسطورته الشخصية " (5) ومن وجهة نظري كان الأجدر أن تبدل كلمة (الشخصية ) بـ (الشعرية) , لأن الأولى ربما مثلبة , والثانية حقـّاً منقبة , وهنالك خيط رفيغ للفصل بين تمازجهما , وعلينا أن نميز بين العباقرة , ومن العباقرة الشعراء الملهمين , وبين الأبطال , ومن الأبطال الديكتاتوريين , فالفرق أحياناً كبير في السبل التي يسلكونها لتحقيق غاياتهم , يرى العقاد في ( تعريفه بشكسبير ) : " وكلا البطل والعبقري معذور في عنفه واصراره وانطلاقه الى الغاية التي لا محيد عنها, لانهما يطلبان ما ينفع الحياة والاحياء, ولا ينفعهما الا بمقدار ما يحققان من تلك المنفعة الباقية, غير ان البطل والعبقري قد يتفاوتان في هذه الخميلة, فإن البطل قد ينحرف عن الجادة الكبرى مرضاةً لكبريائه وسلطانه, ولا يكترث العبقري لجاهٍ او سلطان اذا حادا عن غايته, وهي خلق الامثلة الجديدة والقيم البديعة في أحلام الناس, ثم في واقع الحياة " (6) , وهذا ما يعبر عنه البياتي في قصيدته ( الموت و القنديل ) :

صيحاتي وأنا أتسلق أسوار المدن الأرضية

أرحل تحت الثلج أواصل موتي (...) حيث

الموسيقى والثورة والحب وحيث الله .

وكل شاعر وعبقري يصارع من أجل أسطورته الأدبية وأكثر , وأتينا الآن على ما فات من أسباب , والموضوع يتجلى في تاريخنا , وتاريخ الأمم الأخرى , بالقخر وهجاء الأنداد , والمساجلات والمعارك الأدبية , والأدب يتسع للجميع , وينادي هل من مزيد , وسناتي بالأمثلة , لتلطيف الأجواء , وزيادة الإثراء , ثم نعلق هل نسيتم تناقضات الفرزدق وجرير , يقول أولهما للثاني :

يا ابن المراغة كيف تطلبُ دارماً وأبوكَ بينَ حمارةٍ وحمارِ ِ

فيجيبه الثاني على سبيل الفوز والغلبة , والدافع الصراع :

هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروا مداخل رجس ٍبالخبيثات عالم ِ

ومات الفرزدق 110هـ على رواية , فرثاه جرير أشجى رثاء , والسبب انتهى شعره المتجدد , والصراع - وبكلمة أرقى التنافس - تفرضه الحياة على البشر , وهذا البشر الطامح للخلود السرمدي , ينظر إلى الأبعد والأبعد , ويتوجس بغريزته من الندّ ليس على مستوى الحياة فقط , بل وعلى طول الممات , البحتري وصل إلى قصور الخلفاء , وأصبح شاعر القصر الجعفري في سامراء ( والأصح لغوياً سرّ من رأى) , وكان يجالس الخليفة المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان , ومن جاء بعدهما , وكان معاصره ابن الرومي موسوساً فقيراً مسكينا متطيراً , هجا البحتري بقصيدة , لأنّ الأخير كان يحط من منزلته وشأنه وضعفه , قال ابن الرومي من قصيدته :

الحظ ُّ أعمى ولولا ذاك لم نرهُ للبحتري ّ بلا عقل ٍ ولا حســب ِ

وغدٌ يعافُ مديح الناس كلهمُ ويطلب الشتم منهم جاهدَ الطلب ِ

البحتري على سمو رفعته الرسمية والإجتماعية وشهرته - ابن الرومي اشتهر بعد موته - لم يغفر لهذا المسكين البائس , أرسل إليه تختاً يحتوي مواد غذائية وملابس وكيس دراهم , وفي داخل التخت بيتان من الشعر تنمان عن اللؤم والحقد :

شاعرٌ لا أهابهُ نبحتي كلابهُ

إنًّ مَن لا أعزّهُ لعزيز ٌ جوابه ُ

والبحتري على أغلب الظن كان يهابه شعرياً , وهذه فلتة لسان لا تعبر على اللبيب .

دعونا عن طغيان المتنبي لبناء اسطورته بالليل والخيل , وأيّ محل ارتقي , والدهر من رواة قصائدي , وأبي العلاء المعري , وإني وإن كنت الأخير زمانه , والا في سبيل المجد ما أنا فاعلُ , لنصل إلى حافظ إبراهيم وصراعه مع أحمد شوقي ,فلم تـُعطَ الإمارة إلى شوقي حتى نال حافظ شهادة شاعر النيل , ولو أنّ الأخير أول من بايع الأول !! , ومن الطريف أنّ حافظ هجا شوقي بتورية :

يقولون : إنَّ الشوقَ نارٌ ولوعة ٌ فما بال (شوقي ) اليوم أصبح بارداً؟ !

وما أراد الشاعر شوقه , وإنّما أراد (شوقيه ) , فرد شوقي الصاع بصاعين بتورية أقسى :

حمّلنا الإنسان والكلب أمانة ً فخانها الإنسانُ... والكلبُ (حافظ ُ)

أما المعارك الأدبية والشخصية بين الزهاوي والرصافي , و التي أشعل فتيلها أحمد حامد الصراف , ببعيدة عن الطواف , قد استمرت حتى وفاة الزهاوي 1936م .

والبياتي من هؤلاء بالطبع يريد أن يبني اسطورته الشعرية والأدبية من أجل الخلود , وما عساه أن يفعل ؟! هل يدور خائباً يلاحق الشمس أنـّى تدور , بلا دور سوى التقصير والقصور ؟ ويكون كما يقول المثل الجاهلي الذي استشهد به الجواهري مرتين ( كحامل التمر من جهل إلى هجر ِ) , أم أنّه يسابق الريح , ليأتي بجديد مريح , فليسرق النار من الألهة كسارق نبيل , ويقدم الحكمة والعلم والرؤية الصائبة للأجيال والأنام , وليلعنه من يلعن من الأباء في الظلام !! كما فعل الإله الجبار (بروميثيوس ) الأغريقي المحب للبشر ,فغضبت عليه الألهة في اسطورته ! هذا التنافس والصراع بين العملاقة لسرقة النار - وإن كان فيها نرجسية - يخدم الأدب والإنسانية , وإلا فالسكون جمود خمول , والجهد الضائع نتاجه تراب مبذول , وقالها البياتي في قصيدته ( سارق النار ) :

داروا مع الشمس فانهارت عزائمهم
وعاد أولهم ينعي على الثاني
وسارق النارِ لم يبرح كعادته
يسابق الريح من حان إلى حان
ولم تزل لعنةُ الآباء تتبعه
وتحجب الأرض عن مصباحه القاني
وحدي احترقت ! أنا وحدي ! وكم عبرت
بي الشموس ولم تحفل بأحزاني
إني غفرت لهم إني رثيت لهم

إني تركت لهم يا رب أكفاني
وما علي إذا عادوا بخيبتهم
وعاد أولهم ينعى على الثاني

ولعلك تسألني , ألم تقل أن الأدب والشعر والفن يتسع للجميع , فلماذا التنافس والصراع لسرقة النار , وبناء الإسطورة ؟!

عزيزي - القارئء الكريم - هنالك خصائص للعبقرية والشعراء الملهمين و الفنانين الكبار , ذكرتها في كتابي ( للعبقرية أسرارها ...) , وهي تنطبق على معظمهم , أنا لا أحتاج ألى معرفة الجواهري وذويه , ولست ملزماً بصداقة البياتي والتقرب إلى متعلقيه , لأكتب عنهما , وأحلل نفسيتهما ,واتفهم سلوكهما , وإلا لحتاج الناقد أن يخترق كلّ الأزمنة , ويجوب جميع الأمكنة للكتابة عن أفذاذ العالم , العقاد والمازني كتبا عن ابن الرومي , وقد جاءا بعده بأكثر من ألف ومائتي عام , والدكتور طه حسين كتب عن المتنبي بعد ألف عام , وذلك لأن الشعر هو الشاعر نفسه , والكلام صفة المتكلم . إضافة لما تزودنا به علوم النفس والاجتماع والتاريخ , نعم قد نحتاج المتعلقين بالقصائد الضائعة , والمعلومات الخصوصية عن البيئة والسلوك الشاذ عن شذوذ العباقرة لاستنباط أشياء جديدة , ومعلومات مفيدة , يفهمها من يفهمهم بعد تطابقها أو مقاربتها لسلوك عباقرة آخرين .

التسابق للسعي وراء بنا الأسطورة , تقف وراءه ( الأنانية ) التي تبدأ مع ولادة الوليد بشكل غريزي لاستمرار الوجود , ثم عندما يتطور الأحساس غير المدرك إلى الذاتية المدركة , تتمركز الأنانية حول ذاته ,وأخيراً تخفت تدريجيا كلما ازداد تصادمه مع إرادات الأخرين حتى يندمج مع المجتمع ويصبح جزءًا من كيانه , أما الشاعر الملهم والعبقري الفنان تبقى غريزة الأنانية قوية لديه , فلا تستغرب عندما يبالع في نتاجه , ويزهو بنفسه , ويشتد عناده , ويتمسك بأصراره ويبحث عن مراده لبلوغ أسطورته , لا يلتفت إلى يمين أو شمال سيان على المستوى الفردي أوالمستوى السلطوي بأتجاهاته المختلفة ! ولكن متى وقع تحت وطأة الآخرين , وقسوة الأقدار تنحرف عبقريته عن مجالها الأنساني الشمولي (7) , لذلك يقول دافيد ديتشير " التعبير عن الذات في الفن لا قيمة له إلا إذا أضاء الفنان في التعبير عن نفسه بعض التجارب الإنسانية , أي يجسد تجربة ما مرتبطة بالتجربة العامة للناس وبالتالي ذات قيمة موضوعية " (8) وت . س . إليوت يذهب أبعد من ذلك , فهو يرى " الشعر ليس إطلاقاً لعنان الانفعال , بل هروب منه ,وليس تعبيراًعن الشخصية , بل هروب منها " ثم يزيد قائلاً " إنّ تقدم الفنان ما هو إلا دأبه على التضحية الذاتية , أي دأبه على محو شخصيته " , وهذه المقولة قد تتبناها بعض المدارس الشعرية الغربية , ومال إليها عدة شعراء عرب كبار , المهم متى ما استطاع الشاعر الملهم أن يوازن تماماً بين الحقائق الخارجية والوجدان ,وهذا ما يطلق عليه بالمعادل الموضوعي (9) , استطاع أن ينبثق ويشق طريقه نحو الخلود , وهذا ما تأثر به شاعرنا الكبير البياتي الذي جاب الدنيا مشرداً ومنفياً ومتنقلاً ومتأثراً بشعراء عالميين كناظم حكمت وروفائيل ألبرتي وبابلو نيرودا وغيرهم , ,ومعجبا بنضال وإصرار وتضحية الشاعر الأسباني الكبير عارسيا لوركا حتى القتل على يد قوات الديكتاتور فرانكو , لذلك يعتبره الناقد المصري المعروف رجاء النقاش شاعراً عالمياً يكتب باللغة العربية , ورشحه لجائزة نوبل , وهو محق في رأيه , وفيما أحسب أنـّه أكثر الشعراء العراقيين , وربما العرب , ترجمت أشعاره للـّغات الأجنبية , ولكن أرى السياب وقباني والجواهري ونازك أقرب للأذن العربية , بسبب ضعف الإيقاع الموسيقي عند البياتي إلا عند الحداثويين , والناس أجناس , يقول شاعرنا في قصيدته ( الموت في البسفور) ,التي نظمها في اسطنبول بتاريخ 4 / 11 / 1973, إلى ذكرى صديقه ناظم حكمت :

بعدك كان الموت والفراق في استامبول

يمارسان لعبة المنتظر المخدوع

(منورٌ ) تزوجت ورحلت

والآخرون أحرقوا الجسور (10)

توفي ناظم حكمت في 3 حزيران 1963 في موسكو , ومنور زوجته الأولى , تزوجت بعد وفاته ورحلت .

ومن أسار العبقرية الملهمة للفنان والشاعر , بقدر ما تكون الأنانية عنده قوية لأبراز الذات في سبيل الخلود , وتراه يفخر بعمله , ويزهو بنفسه , ولا يكترث لغيره كما أسلفنا , تدفعه للإصرار والتفاني لتكملة المشوار , أناء الليل والنهار , والجود بالنفس أقصى غاية الجود , إذا اقتضى الأمر في سبيل الحق العام , والعدل التام , ربما لا تحدّه حدود , ولا تصده سدود إلا الحنان على الأبناء , فلا يستطيع تجاوزه , فهو خط أحمر , لايستطيع تجاوزه لتعلقه بحياة الأقربين , والبياتي ناضل نضالاً مريرا , وهذا أكسبه شهرة كبيرة عربياَ وعالمياً ,ففي قصيدته المشهورة التي بعث بها إلى جامعة الدول العربية بتونس والتي عنوانها" أنا متعب بعروبتي" , يتجلى موقفه

من أين يأتي الشعر يا قرطاجة

والله مات وعادت الأنصاب؟

من أين يأتي الشعر حين نهارها

قمع وحين مساؤنا إرهاب؟

سرقوا أصابعنا وعطر حـروفنا

فبأي شىء يكتب الكتاب ؟

والــــحكم شرطي يسير وراءنا

فنـكهة خــــبزنا استجواب

من أين أدخل في القصيدة ياترى

وحدائق الشعر الجميل خراب؟

لـــــم يبق في دار الــبلابل بــلبل

لا الــبحتري هنــا ولا زريــاب

شعراء هذا اليوم جـــنس ثـــالث

الـــــقول فوضى والكلام ضباب

اللاهثون على هـــوامش عمرنا

سيان إن حضروا وإن هم غابوا (11)

شكراً لكم ... نترك الأمر للحلقة القادمة , وكلُّ آت قريب , إن شاء الله ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العبقرية الإسلامية : عباس محمود العقاد - المجلد الأول - ص 15 دار الكتاب اللبناني .

(2) الشرق الأوسط : العدد9066 بتاريخ 24 سمبتمبر 2003 الأربعاء

(3) المصدر نفسه .

(4) ولدت عمارة 1929م ترزق الحياة في (امريكا ) , و تخرج السياب 1948 م من فرع اللغة الإنكليزية , وتأخر سنة دراسية في الجامعة , لدخوله بادئاً فرع اللغة العربية , والسياب أيضاًًً من مواليد سنة 1926م , توفي قي (الكويت ) أواخر 1964م , وبلند الحيدري ولد في السنة نفسها 1926م , حياته كانت مضطربة بادئ الأمر , لم ينهِ دراسته الثانوية , ثقف نفسه بنفسه في المكتبة العامة , نوفي في (نيويورك )1996 م , بينما نازك الملائكة ولدت 1923م , وتخرجت من دار المعلمين فرع اللغة العربية 1944م , وتخرجت من معهد الفنون الجميلة , فرع الموسيقا 1949م من بغداد , توفيت في (القاهرة) 2007م , أما الجواهري (ت 1997م) , والسيد مصطفى جمال الدين (1996 م) , والبياتي ( 1999م) مكانت وفياتهم في (دمشق الشام) , تأملوا رجاء دقيقة بصمت , رحمهم الله في الآخرة , ورحم الله العراق في هذه الحياة و ألم أقل لكم الحياة في العراق مفلوبة على أعقابها , وهذا سبب رئيسي لتخلفنا ؟!!

(5) التكرلي : المصدر السابق

(6)التعريف بشكسبير : عباس محمود العقاد ص9 عصر شكسبير - 1976م - مؤسسة المعارف للطباعة والنشر

(7) للتوسع راجع كتابي ( للعبقرية أسرارها تشكلها ...خصائصها...دراسة نقدية مقارنة) : كريم مرزة الاسدي ص 87 - 97 - دار فجر الغروبه 1996م دمشق .

(8)الأدب والمجتمع : دافيد ديتشر ص 185 ترجمة عارف حديفة .

(9) راجع حول إليوت : إليوت : الدكتور فائق متي طبعة 1966م (ص 2 - 29)

(10) سيرة ذاتية .. سارق النار : عبد الوهاب البياتي ص 64 , ط 2 , 1985م , دار الشروق

(11) موقع ديوان العرب : 10 شباط 2007مقال (الرفض في الشعر) الجديد بقلم إبراهيم مشارة

كريم مرزة الاسدي


التعليقات

الاسم: كريم مرزة الاسدي
التاريخ: 27/05/2012 03:13:03
شاعرنا الرائع الجميل الأستاذ سامي العامري المحترم
سلامي مع أطيب الأمنيات
دائما لك قدرة على التكثيف والعمق في خطك للجمل ,شكرا لتثمينك الكريم الذي أعتز وأفتخر به يا مبدعنا الساحر احتراماتي

الاسم: سامي العامري
التاريخ: 26/05/2012 22:00:09
تقديم بلغة فلسفية متبحرة راقية مع قوة إقناع منطقية مفحمة وكذلك شواهد شعرية بديعة وفي محلها
تحية ود واحترام للشاعر والناقد القدير كريم مرزة الأسدي
مع الدعاء بالصحة

الاسم: كريم مرزة الاسدي
التاريخ: 26/05/2012 00:02:15
شاعرنا الجميل والقدير والأديب جميل الساعدي المحترم
بعد السلام عليكم مع أطيب الأمنيات
أشكرك جداً على تنبيهك الكريم , وقد أعتذرت للقراء الكرام ,وأنا التائه بين أبي العلاء والحلقة الخامسة من علم القوافي والشعر ونظمه , والبياتي وشهرته وعيني الكليلة :
ألا ليت الشباب يعود يوما
لأخبره بما فعلت عيون
والإنسان ينسى ويسهى , ويكل ويمل ,كبرت الشاشة اللعينة , وأنا نادرا ما أعتمدها مصدرا , وأراجع عدة مصادر ومصادر لتعقب المعلومة , ولكن هذه المرة كبرت الشاشة فطفر النزار , وبقى البياتي عالقا أمامي , ولم تفتني القصيدة ليست من أنفاس البياتي , ولكن صاحب المقال ذكر وتعمد الشاعر أن يأتي بها عمودية ويقدمها للجامعة العربية , ونزار له من الشعر العمودي الكثير , البياتي ليس لهشعر عمودي إلا نادرا , وعصوصا في ديوانه الأول , فضيعني والحق عليّ , وأردت الأنتصار للبياتي , لأن الذي مسه دمية , وإن كبر شعرا ,فضعت و فوق كل ذي علم عليم والله الأعلم
أشكرك جدا على تعبيراتك الرائعة , ومتابعاتك الجادة , وإصالتك العريقة احتراماتي
أعتذر إن وقع خطأ طبعي

الاسم: كريم مرزة الاسدي
التاريخ: 25/05/2012 23:23:15
الاستاذ الفاضل والإعلامي الناشط فراس حمودي الحربي المحترم
السلام عليكم مع التحيات والأمنيات
أشكرك يا عزيزي على مرورك الكريم وتلطفك الجميل بوركت جهودك الإنسانية احتراماتي

الاسم: كريم مرزة الاسدي
التاريخ: 25/05/2012 19:18:01
اعتذر للقارئ الكريم عن وقوع خلط بين قصيدة نزار قباني الشهيرة التي قدمها للجامعة العربية , وحسبتها للبياتي , وما هي بنفسه ولا شعرة , تفرض علي عيني الكليلة أن أكبر الحروف جدا ,فضاع نزار وبقى البياتي , ففرحت للإنتصار لشاعرنا ,فخابت فرحتي , أرجو حذف المقطع الأخير الذي يبدأ ( من أيأتي الشعر يا قرطاجة) إلى أخيره , اعتذار والعذر عند كرام الناس مقبول ...والكمال لله وحده
كريم مرزة الاسدي

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 25/05/2012 19:03:27
كريم مرزة الاسدي

................. ///// سيدي الكريم لك وما خطت الانامل الرقي
دمت سالما

تحياتي فراس حمودي الحربي ................................ سفير النوايا الحسنة

الاسم: جميل حسين الساعدي
التاريخ: 25/05/2012 18:01:29
عزيزي الشاعر اللامع والأدبب البارع كريم مرزة الأسدي .. لقد أنصفت شاعرنا المبدع المرحوم عبد الوهّاب البياتي, بما أضأت من جوانب حياته, التي يجهلها الكثيرون, وقد زدت في الفائدة, حين تطرقت الى العبقرية, وكذلك استطرادك التأريخي الممتع, وعروجك على عالم الأدب وأعلامه المبرّزين, ولإيصالك القرائن لاستخراج النتائج بطريقة موضوعية علمية.. لا حرمنا االله من فيض معرفتكم
عزيزي كريم القصيدة التي أوردتها, أظنّ إنها للشاعر نزار قباني , لأنّ فيها انفاسه
هل أنت متأكد انها لعبد الوهاب البياتي.. أم انّ هناك سهوا أو خطأ طباعيا..

سلمت لنا مبدعا وباحثا متمكنا

مودتي الصافية مع التقدير




5000