هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أية معارضة في خضم الصراع بين الذريعة والشريعة ؟

محمد الحمّار

في هذه الفترة التي تعرف فيها تونس مشادات بين حزب "النهضة" من جهة والسلفيين من جهة أخرى، فضلا عن التجاذبات الكلاسيكية، لا يسعنا إلا أن نؤكد على استفحال أزمة المعارضة بل والفكر السياسي في تونس الجديدة. واليوم وما فتئت مدينة القيروان أن احتضنت لقاءًا حاشدا للسلفية الجهادية (الأحد 20-5-2012) انعقد في ساحة الجامع الكبير تحت شعار "أَفَحُكْمُ الجَاهِليَّةِ يَبْغُون"، نتساءل عن طبيعة العلاقة بين الطرفَين الإسلامويين الاثنين، فضلا عن تساؤلنا عن انعكاس تلك العلاقة على ماهية المعارضة المستقبلية ودورها. وللشروع في الإجابة لا يسعنا إلا أن نقدّم عنصرا يبدو لنا جدّ مهمّ إزاء إمكانية تشكل فكرة مبدئية عن البديل السياسي الذي من شأنه أن يذيب الجليد الإسلاموي إن صح التعبير. ويتمثل ذلك في ما يلي: إنّ المتأمل في المرتكزات الإيديولوجية للسلوك عند أولئك وهؤلاء يلاحظ أنّ السلوك "النهضوي" يتبنى "الذريعة" بينما سلوك خصمه الجنيس، وهم السلفيون، يتبنى "الشريعة". وكلاهما انحراف له عواقب وخيمة على المجتمع كله إذا لم يتم تصحيح الوضع في الإبّان.

 بخصوص الانحراف الأول، نرى أنّ حزب النهضة يتعامل بالبراغماتية، وهي الذرائعية، والحال أنها فلسفة دخيلة على ثقافتنا بل خطيرة وذلك من حيث تناقضها مع المذهب الحياتي والعلمي الذي اسمه الإسلام، ومع كل المذاهب الإنسانية التي تحترم الإنسان. كما أنّ البراغماتية، وهي منهاج فلسفي معاصر عُرف به الأمريكيون، ليست السلوك العملي والميداني الذي نناضل من أجله والذي يحبذه كل مواطن مسلم حداثي. إنها عقيدة موَلدة لسلوك. وهي مبنية على الإيمان بأنّ أية فكرة إنما هي قابلة لتوليد السلوكيات والأفكار، وأنّ الحُكم لفائدة تلك الفكرة أو عليها لا يمكن أن يحصل إلا بعد حدوث السلوكيات والأفكار المنبثقة عنها. وهنا يكمن الفرق بين العقيدة الإسلامية والعقيدة الذرائعية. حيث إنّ في الإسلام، كما جربناه عبر التدين، لا يمكن للمرء أن يطلق فكرة دون اصطحابها إما بنيّة خير وإما بتوسّم الخير فيها وفي عواقبها وإما بعلم مسبق لفرضيات الإصلاح التي تنطوي عليها الفكرة. وحتى وإن بجّلنا المنحى الاستقرائي، البَعدي للتجربة، كمنهاج لقراءة الواقع بدلا عن المنحى الاستنباطي، القبلي للتجربة، فإننا لا نتصوّر أنه من الممكن أن تكون تجربة المسلم سابقة لرغبةٍ ما أو لخطةٍ ما أو لنيّةٍ ما، بشكل يؤصل التجربة البراغماتية في طريقة تفكير المسلم، من دون أن يتحَول هذا الأخير إلى غريب حاملٍ لفكر غيره. وبالتالي، أن يطلق المرء العنان لفكرة من دون اصطحابها بشحنة إرادية تخدم هدف إنساني أو علمي أو ثقافي أو وطني أو ما إلى ذلك من الأهداف النبيلة، فذلك يُعد ضمنيا و بالمنطق الإسلامي أن "يلقي المرء بنفسه إلى التهلكة" أو أن "يعبث" بمصير الآخرين أو بإضمار ضمني "للشر".

فأمريكا لم تطلق ثم تطبق فكرة "احتلال العراق"، مثلا، لا بإعلان نية طيبة ولا بإعلان نية سيئة. ولم تفعل ذلك بناءً على أنها تعرف مسبقا ما الذي سيحصل. لكنها نفذت ذلك الصنيع وهي متأهبة لمعاينة ما الذي عساه أن يحصل بعدئذ كنتيجة لذلك ومتأهبة لخندقة النتيجة، مهما كانت، لخدمة مصالحها المتعددة الأبعاد. لكن الفرق بين استعمال البراغماتية من طرف أمريكا، وهي متدربة على المنهاج، واستعماله من طرف هواة أو مقلدين أو معجبين، أنّ أمريكا تعلم مسبقا ما هي مصالحها (وهذا يختلف عن عدم معرفتها بالنتيجة البراغماتية للفكرة). لكنّ الآخرين لا يعلمون مصالحهم، ناهيك أن يعرفوا كيفية خندقة النتيجة لفائدتهم. يظن هؤلاء، ومن بينهم الأحزاب الإسلاموية على غرار حزب النهضة، أنّ البراغماتية ستعينهم على تطبيق الإسلام بدعوى أنهم يرفعون شعار الإسلام. لكأنّ مجرد رفع الشعار وقاية من الوقوع في الخطأ الذي يقود إلى تقويض الشعار نفسه، سيما أنّ صعود الإسلام السياسي إلى سدة الحكم، والذي يرفع هذا الشعار، ليس بمنأى عن أن يكون هو نفسه "فكرة" ذرائعية مزكاة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية.

ما من شك في أنّ رفع شعار الإسلام لا يكفي للوقاية من الصدمات والنكسات و من النكوص إلى الوراء وحتى من تدنيس الإسلام لا قدر الله. فالإسلام ليس شعارا يُرفع بقدر ما هو منهاج إنساني يسمح بتدريب العقل على الاتساق مع النواميس والقوانين التي تحكم الإنسان والطبيعة. والقانون البرغماتي ليس قانونا إنسانيا، فما بالك أن يتبناه مسلمون. لننظر إلى البرغماتية النهضوية وما آلت إليه: الإلقاء بفكرة "تطبيق آية الحرابة" على المعتصمين وغيرهم، ثم نقدها والتراجع عنها؛ بعث فكرة "إدراج الشريعة كأصل في التشريع" في الدستور، ثم الاكتفاء بالإبقاء على الفصل الأول من الدستور؛ بعث فكرة "المؤامرة ضد الحكومة" ثم نقضها نقضا غير مسبوق؛ إطلاق حملة شرسة بعنوان "خصخصة الإعلام" ثم غض البصر عنها في رمش العين؛ إثارة الرغبة في "التعويض للمساجين السياسيين" ثم تذويب الفكرة في ما يسمى بالعدالة الانتقالية؛ توعّد السلفيين بالمحاصرة والمواجهة (حديث السيد علي لعريض لجريدة لوموند بتاريخ 21-3-2011 حسب جريدة "المغرب" ليوم 20-5-2012 ص 4) ثم  لا ندري إلى الآن ما الذي ستؤول إليه الأمور؛ وهلم جرا.

في ضوء هذا الانحراف "النهضوي"، لا أخال أنّ مواطنا مسلما حداثيا واحدا يتمنى أن يتمادى النهضويون في تكسير الجرة تلو الجرة. فالمجتمع التونسي، من أنصار النهضة أو من فرقائها، لا يرضون بأسلوب"المشاهدة" منهاجا لهم، إن في تثبيت الشخصية الوطنية أم بخصوص تكريس الهوية بفضل مشاريع وبرامج واستراتيجيات حيوية تثبيت مبادئ الثورة. إنّ التونسيين يريدون منهاجا واقعيا وعمليا وميدانيا يقع استخدامه طِبق ما يمليه عليهم العلم الذي جاء الإسلام ليحدد له منهاجا يحميه من الزيغ، على غرار الزيغ البرغماتي. ويأتي الدليل على هذه الحاجة لترشيد المنهاج من عند السلفية. مع أنّ أسلوب التعبير عن الحاجة ("غزوات" وخطاب متشنج) لا يقل عنفا عن المنهاج الذرائعي النهضوي، مما يفسر أنّ العكس صحيح أيضا. ومهما يكن من أمر فالتيار قد لا يعرف معنى البراغماتية، وقد لا يهمه معرفة ذلك، لأنه ببساطة، كلما "تكسرت جرة" (جراء البعث الذرائعي)، يزداد إيمانا بغياب البديل الأوحد: الشريعة. وهو بذلك يرتكب خطأ لا يقل خطرا عما يقترفه أتباع البرغماتية. لكأنها تتبرأ من "الذريعة" من دون حاجة إلى مبررات علمية. وهذا التمشي لا يخدم لا البلاد ولا العباد. والسبب أنّ هذا التيار الذي ينصّب، من حيث لا يشعر ، كلمة خير ("الشريعة")  بدلا عن كلمة شر ("الذريعة")، ينقصه التعويل على منهاج علمي ليتجاوز بفضله توجسه وتخوفاته من السياسات الشعبوية الاعتباطية  الذرائعية. لو يقتنع هذا التيار علميا بانزلاقات الطرف المقابل (حزب النهضة)، سيتكوّن لديه، وهذا ما نتمناه، تصورٌ جديد للقانون وللتشريع يتسم بتبجيل التجربة العملية وحقيقة الميدان على التفكير الديني الهلامي والشمولي. أما صمام الأمان لذلك فهو توخي الاستقراء كواحدة من أدوات التحليل المستندة في نفس الوقت إلى الواقع وإلى عقيدة "الشرعة والمنهاج" التي رسخها الله في قلوب المؤمنين جميعا.

بالنهاية نأتي إلى دور المعارضة المستقبلية. وهو واحدٌ من أخطر الأدوار المناطة بعهدة أية قوة تستحق مستقبلا صفة المعارضة. ويتمثل الدور في أن تتمركز قوةٌ سياسية بين الترويكا الحاكمة وقيادتها الإسلاموية الذرائعية من جهة وبين السلفية "الشرائعية" بأصنافها، لا لتتلوّن بلونهما وإنما لتعيد الاعتبار للفطرة وللمنطق وللحكمة ولسائر روافد العقلانية ذات الأثر الطيب والمجدد على الفكر والممارسة السياسيتين، وذلك بالإدلاء بدلوها في بئر قد يكون في قراره أكثر من شرعة.

 

 

 

محمد الحمّار


التعليقات




5000