..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


طه أحمد إبراهيم المتقدِّم على المؤرِّخينَ الأدبيينَ إبَّان الزمن المتأخـِّر

مهدي شاكر العبيدي

طه أحمد إبراهيم

المتقدِّم على المؤرِّخينَ الأدبيينَ إبَّان الزمن المتأخـِّر

في رصد تاريخ النقدِ الأدبيِّ عندَ العرب

 

يُجمِع أغلب المختصِّينَ بتاريخ الآداب العربية وظهور حركة النقد الأدبي ، على أنَّ معظم المؤلفات التي أسلفها القدامى ممَّن دوَّنوا في بحوثهم وكتاباتهم للفنون الأدبية المزدهرة في سائر البلدان العربية والإسلامية ، وما يتصل بها من أغراض واتجاهاتٍ ومعان ٍ تعَلـَّق بها ونزع إليها نفر من الناس ، تفرَّدوا دون سواهم بالتعبير عنها وإشهارها بجلاءٍ لسببٍ يعود بالأساس إلى امتلاكهم القابلية الفائقة والموهبة الأدبية التي هي شرط لازب لا بُدَّ منه لكلِّ مَن يتوق أو يبغي الانخراط في رعيل أهل القلم ، قلتُ : يُجمِع أولاء على أنَّ هاتيك الدراسات والمدونات المحتفلة بسير الشعراء والناثرينَ وما عنوا بتجسيده والإفصاح عنه من مقاصدَ ومرام ٍ ، أو أوفوا عليه عبر تأديتهم وتصويرهم لنوازعهم وآرابهم من تسام ٍ وإبداع ، أو خلافهما من نكوص عن توفية أدنى شرائط النتاج الأدبي المقبول ، على وفق أحكام وقواعد تراعَى عند النظر للنصوص ، والقطع باستيفائها وامتلاكها لمزايا الروعة والتألق من عدمها ، على أنـَّها إنْ لم تفدْ القارئ في تقوية استعداده لمزاولة النقد الأدبي والتبريز فيه ، أو لم تسعفه في ترويض سليقته ، أو لم يرقه أصلا ً ما زخرَتْ به واحتوته من معايير وضوابط مسعفة في تقويم الأعمال الأدبية والحكم لها من حيث تناهيها في الجودة أو انكفائها وارتدادها عن بلوغ حدِّها ، فليعتدَّها كتبا ً أدبية بالغة التصوير ، ففيها من أساليب التعبير وطرائق البيان ما يمتلك إعجابنا ويستهوي نفوسنا وأذواقنا ، ففي كتابي : ( الموازنة بين الطائيين ِ ) للآمدي ، و ( الوساطة بين المتنبي وخصومه ) للقاضي الجرجاني ــ مثلا ً ــ من لقيات المفردات الدالة والألفاظ المصقولة والمتوفق في حسن استعمالها واستخدامها في مواضعها وإنزالها في أمكنتها ، لتعكس ما يراود نفس المنشِئ وصاحب الأثر أو يخامره من صنوف الخطرات والميول ، ما يسوقنا سوقا ً للاعتراف بأنَّ أصحابها بلغوا غاية المُتطلـَّب من مدبِّجيها أنْ يأتوا عليه ويتولوا عنه من خلب الألباب وإسحار النفوس .

 

وكذلك نجتلي هذه الخصيصة ماثلة وغالبة على موضوعات ( تاريخ النقد الأدبي عند العرب من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري ) ، وهي مجموعة محاضرات لم يُعْنَ صاحبها في حياته بتنسيقها وجمعها في كتاب ، وهو الأستاذ طه أحمد إبراهيم ، الذي سبق له أنْ ألقاها على أسماع طلبة جيل ٍ منطو ٍ في جامعة القاهرة ، وانبرى صديقه الحميم الأستاذ أحمد الشايب لجمعها وتصنيفها ، ومن ثمَّ طبعها عام 1939م طبعة أولى ، تلتها ثانية بعد سنين ببيروت ، ولولا إزماعه ومبادرته لمَا تسنى لنا الظفر بمطبوع طائل الأثر مستكمل الجودة من ناحية إلمامه بمزاولة العرب للنقد وعرفانهم بشروط الناقد وميزاته وخصائصه ومؤهلاته ، وما يعنيه النقد من دراسة الأساليب وتحليل النصوص ، هذا إلى وقفته عند الصراع في كلِّ حين ٍ وزمن بينَ الأوَّلينَ والتالينَ أو القدماء والمُحدَثين ، وما يتولد عنه من خلافٍ ونفور الجيل المتأخر وصدوفه عن الامتثال لرأي السابقينَ وتوجيههم ، ولنا أنْ نعدَّه الكتاب السابق على عموم ما أخرجته المطابع من عينته ، وظهر بعده في السنوات التالية من تآليف ومصنـَّفات لا أستبعد أنْ يكون معدُّوها ومبوِّبوها قد عوَّلوا عليه وأفادوا منه إنْ لم يكن بعضهم قد تجافى عنه وتنكر له وطمس دالته ، والخصيصة التي تدنيه من آثار المؤرِّخينَ لظاهرة النقد وتلمُّس ما تزدان به المعطيات الأدبية والفنية من طلاوةٍ وإبداع ، هو هذا الأسلوب البارع الذي صِيغتْ به الأحكام والاستنتاجات وسائر ما يتصل بالتاريخ على وجه العموم من أخبار ووقائع ، إنـَّه أسلوب خال ٍ من أيِّما هنةٍ في لفظهِ وتهافتٍ في بيانه ، فلا إسفاف وركاكة ، ولا توعُّر وتقعير وإبهام ، فقد أوفى عليه من مياسم القوَّة والصحَّة والمتانة ممَّا لا يشقُّ على القارئ استيضاح ما يكتنز به من آراء وأفكار وبحيث يبدو سمحا ً عفويا ًَ أو يُخيَّل أنـَّه مطبوع على التلقائية والطواعية .

 

ويجرُّني هذا لأنْ أمضي في التعريف بنشأة الأستاذ المرحوم طه أحمد إبراهيم ، فهو المولود بقرية ( ميت عفيف ) التابعة لمركز ( الباجور ) بمحافظة ( المنوفية ) المصرية ، ولم أستطع أنْ أحدِّد بالضبط سنة مولده لأنَّ مراجعي ليسَتْ في يدي ؛ والمتوفى بالقاهرة عام 1939م ، جرَّاء ابتلائه بداء السكري ، وتحمُّله بسببه ألوانا ً موجعة مُمِضَّة من البرحاء والنصَب ، لم يقوَ معها على مغالبة هذا المرض الوبيل ، فبارح دنيانا محزونا ً ومأسوفا ً عليه ، وخسره وطنه وجمهرة الدارسينَ من تلامذته ومريديه من المنتفعينَ بمعرفته وعلمه بتاريخ الآداب العربية ، بعد أنْ تلقى في مطالع حياته دروسها الأولية بدار العلوم التي تخرَّج فيها عام 1920م ، واقتصر منها على هذه الدرجة المحدودة ، فأمَّا تبحُّره وتعمُّقه فيها في السنوات التالية فيعود إلى دأبه وانقطاعه لتشرُّبها بنفسه بدون احتياج إلى المعاونة وتوجيه واحد من الأساطين والأساتذةِ الكِبَار ، وتغيَّرَتْ وجهته في تحصيله الجامعي وأثناء انتظامه في الملاك التدريسي لثانوية الأقباط ، مستثمرا ً ما يتسنى له من فراغ في تعلم الفرنسية ، فتاقتْ نفسه للسفر إلى فرنسا ، والانتساب إلى جامعة ( السوربون ) هناك ، وقد استهوته الدبلوماسية وعشقها وآلى على نفسه إلا أنْ يدرس علومها ويتخصَّص فيها ، كلُّ ذلك تمَّ على نفقته وحسابه ودون أنْ يكون مبعوثا ً من جهةٍ رسمية ومسنودا ً من ذي مركز حكومي رفيع ، وقفل من فرنسا عام 1925م ، مستتما ً تحصيله بأمل الاشتغال في السلك الدبلوماسي ، غير أنـَّه خاب في سعيه لأمنيته التي يرشِّحه لها تخصُّصه بأمور السياسة والعلاقات الدولية ، فتعيَّن مرَّة ثانية مدرِّسا ً بثانوية ( طنطا ) ؛ والأعجب أنْ تستدعيه الجامعة بعد أربع سنوات أمضاها في التدريس الثانوي ــ أي في العام 1929م ــ وتكِل إليه تدريس الأدب العربي وأصول النقد بكلية الآداب فيها ، فإنْ عدِم الشفاعات والوساطات وحتى الموجبات والدواعي لتعيينه دبلوماسيا ً في الأولى ، لمْ يجانبه أو يخطِئه وقوع الاختيار عليه في الثانية من حيث لم يحتسِب ، ونالَ فرصته الأثيرة شأنه شأن أنداده ورصفائه من أبناء الأمصار النائية بمسافة عن قاهرة المعز الفاطمي ، والتي تزخر دوما ً وعلى تمادي السنين بالحركات العقلية ونهضات التجديد التي يسهم فيها ويصنعها بفاعلية ملحوظة أولاء الوافدونَ عليها من تلك الأمصار ، وحسبنا أنْ نستذكر بهذا الصدد صنائع شتى وآلاء ليس إلى جحدها من سبيل للإمام محمد عبده ولطفي السيد وطه حسين ومحمد حسين هيكل ، وكذا كان ألمعيا ً مُجلـِّيا ً في محاضراته عن النقد في الأدب العربي ، ففي نفس السنة اختِير المرحوم أحمد أمين لتدريس الحضارة الإسلامية بكلية الآداب بعد أنْ انتـُزع من عضوية المحاكم الشرعية في أطراف ونواح قصيَّة قد يقع قسم منها على مشارف الصحراء ، والذي انتزعه وصيَّره جامعيا ً هو العميد طه حسين ، وهذا في حكم المعروف والمُؤكـَّد ، وبالتالي يُستنتج منه أنَّ الذي آثر ترشيح الأستاذ طه أحمد إبراهيم لتبوِّئ مركزه بكلية الآداب هو العميد نفسه حتما ً .

 

ويضعُنا الأستاذ طه أحمد إبراهيم في تقديمه هذا النفيس الجمِّ المعطيات ، الحافل بالثمار والمجاني اليانعة ــ بعد التمهيد الثبت الذي كتبه الأستاذ أحمد الشايب ، الداني الصلة به لاشتراكهما معا ً في التدريس ، لذا تناول جوانب وحالاتٍ من حرصه ومثابرته ودأبه ، واستقرى أنَّ ذلك كان سبب علـَّته وأعدى أعدائه والمودِي به لنهايته الفاجعة ولمَّا ينتهِ من انجاز ما يُتأمَّل منه ــ في مواجهة افتراق علم البيان عن ماهيَّة النقد الأدبي ومفهومه ، خلافا ً لِمَا كنـَّا نحسبه ونخاله حقيقة متعارفا ً عليها بخصوص تمازجهما واختلاطهما ، ذلك أنَّ الأوَّل اختصَّ بالنثر ، وشغف به المُتكلمونَ ، وتحضَّنه مجتهدة العرب وغيرهم من الأجناس والعناصر المنضوية تحت راية الإسلام ، بيما ظلـَّتْ غالبية بحوث النقد الأدبي مقتصرة على الشعر في تطبيق قياساتها وأحكامها ، لذا يعتدُّ المـحـاضـر المؤلـِّف كـتبا ً وتصـانيف تراثية ، أمثال : ( طبقات الشعـراء ) لابن سلام الجمحي ، و ( الوساطة بين المتنبي وخصومه ) للجرجاني ؛ وإذ يسلط نظراته وتمحيصاته لتك الآراء والتوجُّهات المبثوثة في كتابات ابن شهيد الأندلسي ، ومحتويات مجموعة ( الأغاني ) الضخمة لأبي الفرج الأصفهاني ، ومشتملات كتاب ( الذخيرة ) لابن بسام ، ألصق بالنقد وأدنى إلى مفهوميَّته وأحكم وشيجة واتصالا ً بوظيفته ، بينما ينظر لغيرها من الأسفار والمصادر التراثية على أنـَّها تندرج في علم البيان ، وما ألـِّفـَتْ إلا لغرض استقصاء مظاهر الحسن في الكتاب المُنزَّل ، خصوصا ً من خلال تفسير آياته البيِّنات وتبسيط مدلولاتها وغاياتها .

 

وأتانا بعد ذلك في مداخلته بشأن عرفان عرب الجاهلية بالعملية النقدية ومراسهم لها ، فينصُّ أنـَّها لا تعدو إرسال الإعجاب المطلق والانبهار المتناهي بقول الشاعر البليغ ، دون الاستناد إلى أصول وقواعد غير الالتزام بوحدة الروي ووحدة القافية ووحدة الغرض ، فلا يستسيغ الناقد الإخلال بواحدة منها ، كما يرفض الإقواء ويعيبه على المتورِّط فيه ، ويوغِل من جهته في الهجو والذمِّ إنْ لم يرقه شعر الشاعر ويهتز له وتنبعث في نفسه ألوان الشعور والإحساس بأنَّ المحصِّلة النهائية والرأي الراجح حول نقد الجاهليينَ للشعر ، لأنَّ نقاده الموسومينَ بشيءٍ من العفوية لم ينعموا النظر في النثر إبَّان تلك الحقبة ، كما استقرى هذه النتيجة أغلب الدارسينَ ما بقي الخلاف بينَ الكـُتـَّاب ناشبا ً حول ما إذا كان أسلافنا زمن الجاهلية بلغوا من ثقافتهم شأوا ً سامقا ً ، فنشوم نتاجاتهم النثرية ونحكم لها بالأصالة والتجويد الفني ، أو بعكسهما من الافتعال والإسفاف والتصنع ، هذه الخلاصة المُحدِّدَة التي صار إليها الراحل طه أحمد إبراهيم دون أنْ يُكتب لها أنْ تشيعَ وتعمَّ الأوساط الأدبية ويتداول الباحثونَ ما ترتبَ عليها واستتبعها وتفرَّع عنها من الإقرار بخطل الزعم بتعليق سبعةٍ أو عشرة شعراء لقصائدهم المختارة من عيون شعرهم على أستار الكعبة ، ولم يذكر لفظ المعلقات ابن سلام الجمحي صاحب ( طبقات الشعراء ) ، كما لم يقف عندها ابن قتيبة في ( الشعر والشعراء ) ، ولا الجاحظ في ( البيان والتبيين ) ، ولم ترد في ( الكامل ) لأبي العباس المبرّد ، وجميع هذه الأسفار والتآليف معدود من المصادر الأدبية الكبرى ومذخورات الكتب النافعة ، ولم يُعْنَ به سوى مؤلف ( العقد الفريد ابن عبد ربَّة ، وهو أندلسي من أعلام القرن الرابع الهجري ، أي أنـَّه عاش في مرحلة زمنية تلي الزمن الذي حيي فيه غالبيَّة أولاء المصنفينَ ، فلِمَ لم يسبقوه إليها ويفشوها قبله ؟ .

 

غير أنـَّه لا يدع هذه القضية دون اللجاجة في توثيقها ، وانتحال أو ابتداع شِيات تخريجها وترويجها ، وجعلها سائغة مقبولة في نظر المجتلينَ ، معيدا ً توكيده كونها أسطورة لا تستند إلى دليل عقلي أو تاريخي ، يتحمَّل وزرها وتبعتها حمَّاد الراوية الذي رواها وأطلق عليها لفظ المعلقات ، تنويها ً بشأنها لا غير ، فهو يقول : ( فليس معنى معلقة أنـَّها كتبَتْ أو عُلـِّقتْ على حائطٍ أو معبد ، وإنـَّما التسمية هنا مجازية تألـَّفها العرب ، فهم يدعونَ القصيدة الجيِّدة سِمْْطا ً ، كما رأيناهم في شعر علقمة ، والسِمْط هو : القِلادة ، والقلادة لا تكون إلا من نفيس ، والقِـلادة لا تعلـَّق إلا في الجـِيْد ، فالمعلقات معناها السُمُوط والقلائد ، معناها الجودة والنفاسة ) ! .

 

استنتاجٌ وتأويلٌ بلغَ بهما هذا الدارسُ الدبلوماسي تحصيلا ً ، غاية ما يتوجَّب هنا من المصابرة والمطاولة والاستئناء بذ َّ بها غيره من الباحثينَ المستغرقينَ في استخلاص الجديد والطريف من استنتاجاتهم وتوصُّلاتهم من البحث في القضايا الأدبية .

 

يلي ذلك بابٌ رابعٌ يسلط خلاله نظراته لمجهودات محمد بن سلام الجمحي في تصنيفه كتابه ( طبقات الشعراء ) ، فيلفي كثرة منظومهم ، وتنوُّع أغراضهم ، وتناهي أرباب الشعر في تجويد صياغتهِ ، عواملَ تشفع بترتيبهم وتوزيعهم في أصناف وطبقات ، بعد إمعانه في تمحيص نتاجات الشعراء والأخذ بنظر الأهميَّة لمناشِئهم وظروفهم ، غير عادم في ذلك استطاعته تحليل شعرهم وتذوقه وابتكار نعوت وأوصاف يطوِّق هامهم بها ، وتصحُّ بحقهم تماما ً وإنْ كانتْ محوجة لشيءٍ من التحديد والدقة ، ومتلفعة بوشاح من الإغلاق والغموض ، من قبيل : ( هذا شاعرٌ فحلٌ لا غميزة فيه ولا وهن ، وذاك حلوُ الشعر رقيقُ حواشي الكلام ، وذيَّاك فاخرُ الكلام حرُّ اللفظ ) ؛ لكنَّ ذلك يعني قطعه ــ أي النقد الأدبي ــ مرحلة من تقعيده على أصول معيَّنة وتذوقه بعد استبانته لتقاسُم البداة وأهل الحاضرة معا ً للشعر الجاهلي ، وبروز الفوارق والمُباينات في مواصفات فنيَّة تزيِّن شواهد كلٍّ منهما ، بينا لا يجد حاجة لتقرِّي هذه المواصفات والخصائص في الشعر المتوارَث من العهد الإسلامي .

 

وتعقب ذلك مداخلات متنوِّعة في استقصاء تطور النقد في القرنين ِ الثالث والرابع الهجريين ِ ، مرورا ً بأشهر النقاد الذينَ ظهروا من بين الأدباء أنفسهم واللغويينَ والنحاة والمولعينَ بعلم الكلام والفلسفة والحكمة ، وما أطلعوا به من آراء ووجهات نظر صائبة ، ونقيضها من فحاوى نصيبها من الخطل ومؤدَّاها إلى انقطاع جمهور الناس عن تذوُّق الشعر لاستغراقهم في لقانتهم الفلسفية المتهافتة والعقيمة ، والبعَاد بهذا الفنِّ الأدبي أنْ يكونَ بوحا ً وضربا ً من التصوير ، دون أنْ يفوته الإلمام بدالة القاضي الجرجاني صاحب ( الوساطة ...... ) على متابعيه في إعمام منهجه لتحرِّي الإبداع في نسج روائع الشعر ، بأنْ يستعينَ في صياغته بالسهل البسيط والواضح المعنى والدلالة من اللفظ ، بعيدا ً عن الجافي الخشن والمُحمَّل بالوعورة والثِقل من المفردات اللغوية ، ممَّا سبق إليه النفر الأوَّل من الشعراء الذابينَ عن الإسلام في مصاولة أولي الكفر والضلالة ، قبل أنْ يزهدوا بقدر من هذا اليُسر ، ويلزم مَن جاء بعدهم جانب الاستعارة وتوليد المعاني ، ويسرف في البديع ممَّا يؤذِن بظهور صفوة من النقاد المحسنينَ للتعليل والتحليل وتبيين العيوب والمزالق ، وذلك ما صدع به بعض مَن تدارسُوا الفلسفة وتقصوا آثارها في اللقيات الشعرية غير الجارية بوحي الطبع والمورِّطة بشيءٍ من التكلـُّف والإغراق في القرن الرابع الهجري .

 

للنواسي بيتٌ من الشعر سائرٌ ومأثور عن التناهي في اختيار الحُسْن والجمال ــ يقول : ( إذا كنتُ قد ضبطتُ كلماته على وجه الصحَّة والتمام والدقة ، وما تؤول إليه من الرَوْح والجمَام وإبهاج النفوس ) ، قال :

 

يَزيدُكَ وَجهُهُ حُسنا ً إذا مَا زدتهُ نظرا

 

................

 

وكذاك هذا السفر الممتع والمشحون بالدقائق من الخلجات والانطباعات والتأمُّلات والأفكار المتعاصية على كلِّ محاولة لاقتضابه وإيجازه واستخلاص الأحكام النقدية منه ، والأقمنُ أنْ يكونَ مصاحبا ً لك ومغنيا ً عن أسفار في تراجم النقاد والتعريف بسماتهم ومنجزاتهم في غير ميدان معرفي ، أفاد كتبتها منه ونسوا فضله وبخسوا شأنه رُبَّما لظنـِّهم أنـَّه ظهر في المكتبات لأوَّل مرَّة في زمن بعيدٍ ، فتناساه الناس أو جهلوه ، لكن حسبه أنـَّه كلـَّما عاودْتَ قراءته يمتلئ وجدانك بالبُهْر والإعجاب ، لمتانة لغته المتماسكة مع شيءٍ من الطراوة والطلاوة في سياقاتها وأنساقها ، ولعمق تناوله واكتنازه بالحُسن والبداعة والفتون .

 

والطريف أنـَّني لمْ أقرأ من قبل كتابا ً يشي بجديَّة كاتبه واستغراقه فيه واندماجه بمحتويات فصوله ، كتبه دارسٌ مصري متأخـِّر عن جيل الرواد الأماثل ، غير كتاب ينحو منحىً آخر ، ويستقصي مؤلفه في صفحاته نشوء التصوف الإسلامي ، وهو كتاب ( الحياة الروحية في الإسلام ) للمتصوف العملي الضرير الدكتور محمد مصطفى حلمي رحمه الله .

 

 

 

********

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000