..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


فتحي رضوان في ( عصر ورجال )

مهدي شاكر العبيدي

في متناولي نسخة مِن الطبعة الثالثة لكتاب ( عصر ورجال ) بجزأيه ، لمؤلـِّفه المفكر السياسي والكاتب المسرحي والقاص المصري الراحل فتحي رضوان ، والصادر عام 2008م ، عن دار مكتبة الأسرة بالقاهرة ، بعد نفاد الطبعة السابقة في العام 2003م ، وتعدُّ الجهة الناشرة ذات الارتباط المتين بالهيئة المصرية العامة للكتاب ، أنَّ شروعها بطباعتها لهذا الأثر الأدبي والبحثي المهم كان للمرَّة الثانية ، على حين أنـَّه من الأعمال المأثورة والمتداولة في أوساط القرَّاء المتلهفينَ على الاستزادة من المجاني المعرفية والوقوف على التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية والأدبية ، ودور بعض الأعلام في صنعها وتكييفها لطبيعة المجتمعات العربية وتأهيلها للوفاء بحاجتها ، تمَّ في العام 1966م ، وبمجلدٍ واحد ، وهذه معلومة من أبسط ما ينبغي لأيِّ ناشر أنْ يقف عليها ويحيط علما ً بها ، ليغدو داريا ً بتاريخ صدور المطبوع ، بدءا ً من كتابته ومروره بأوَّل مطبعة دارَتْ دواليب عجلاتها عليه ، وصيَّرته سِفرا ً ثقافيا ً متداولا ً ، كهذا الكتاب الثمين الذي صار في الآونة البعيدة أشبه بغلة موسميَّة لمَا احتواه من ترجماتٍ شخصيَّة لنفر من أعيان الفكر والأدب ، ولبعضهم إسهاماتٌ وفاعلية في الماجريات السياسية وتقلباتها بشكل مؤثر أو عابر هيِّن وغير ملحوظ ، مرورا ً بما صدعوا به جميعا ً من دعاوتهم للنهوض والتجديد وإهابتهم بالفرد الإنساني لأنْ يتمسَّك برأيه ونزوعه ، وإصراره على خدمة بلده ، وإبطال كلِّ حجة وذريعة يدعيها غاصبٌ أجنبيٌ ليديم هيمنته وسيطرته عليه ، كالسعي لتمدينه ونقل حضارة العصر ونحوها من المدَّعيات والسَفاسِف ، هذا إلى تفجيرهم ملكاتهم ومواهبهم وتطويعها للتكفل بإنجاح الأغراض والمقاصد تلك من وراء ابتداع قوالب لفظية عاكسة ومؤدِّية لجميع ما يرتعش به وجدانهم من إحساسات وهواجس ، وتتوق له أنفسهم من آمال وتطلعات ، ويعنُّ لبالهم من أفكار رائدها صلاح الحال واجتثاث ما يومئ إلى الشطط والزيغ في حياتنا ، فأسهموا في ازدهار الحركة الأدبية من خلال رقيِّ بيانهم و تجويد أسلوبهم الكتابي ، وتفرُّد أيِّ منهم بطريقته في التصوير والتأدية ، وتحاشيه تقليد أحد غيره ومحاكاته والسير على منواله ، فلِمَ يعدّ أديبٌ ما يحيا في هذه الحقبة نسخة مكررة لمَن سبقه في الممارسة الأدبية ، مهما علا شأن ذاك واستطار صيته على أنـَّه المستولي على إعجاب القرَّاء وخالب ألبابهم وعقولهم .

والجهابذة الأعلام الذين يستقصي أثرهم في نهوض المجتمعات العربية وتجديد حياتها وتغيير واقعها ، هم : أحمد شوقي ، حافظ إبراهيم ، إبراهيم عبد القادر المازني ، عباس محمود العقاد ، سلامة موسى ، علي الغاياتي ، الآنسة مي ، يوسف حلمي ، أحمد لطفي السيد ، محمد حسين هيكل ، أحمد أمين ، عبد الحميد الديب ؛ ويختم جزءه الثاني ببيان يفيد أنـَّه كان في نيَّته أنْ يضيفَ إليه ويلحق به أحاديثه وذكرياته بخصوص حيوات : أحمد فؤاد ( الصاعقة ) ، عبد الرحمن شكري ؛ لولا أنـَّه وجد فصوله طالتْ أكثر من اللازم وجاوزَتْ مدىً يسأمه القارئ ، لكنـَّه يعدنا أنْ سيشفعه بجزءٍ آخر يتقصى فيه حالات ودلائل من كفاح هو الغرَّة في حياة الرجال من ناحية تطويع مجتمعاتنا لقراع الاستبداد وطلاب الحرية ، أمثال : عبد الحمـيد الرافعي ، محمود عزمي ، وزكي مبارك ، أمين الخولي ، ومحمد مندور .

وأرى أنـَّه قد وفى ببعض الشيءِ من هذا الوعد المقطوع ، إذ صدر له بنفس تاريخ صدور كتابه هذا الباحث في طبيعة عصرنا ورجاله أو بعد أعوام قلائل ، كتابان يتدنيان عنه في الحجم ، غير أنـَّهما يشتملان دراسات موضِّحة للكثير من الحقائق المستخلصة من حياة صاحب المؤيد الشيخ علي يوسف ، مما ضمَّنه كتابه الموسوم : ( دور العـمائم في تاريخ مصـر الحديث ) ، فأمَّـا كـتـابه الثاني ، فـهـــو : ( مشهورونَ منسيونَ ) من سلسلة كتاب اليوم الصادرة عن مؤسسة أخبار اليوم ، حيث تنتظم وقائع وتفاصيل عن مواقف مبهرة من المحتل وصنوه القابع في القصر والمُنصَّب على الناس سلطانا ًً أو خديويا ً أو ملكا ً ، والمستمد سلطانه من رضاء الدخِيل الأجنبي وحمايته شريطة أنْ يتعالى على شعبه ويتوارى دونه بحجاب ويمعن في مقته وازدرائه ، ممَّا يستقبحه أولاءِ الصفوة الأماثل : محمد فريد ، عبد العزيز جاويش ، عبد الرحمن فهمي ، عبد الرحمن الرافعي ، محجوب ثابت .

وليلحَظ القارئ أنَّ جُلَّ هؤلاء الأساطينَ هم مصريونَ أنجبتهم تربة مِصرَ بوادي النيل ، عدا استثناءات قليلة تمثلتْ بالآنسة ( مي ) التي هجر ذووها لبنان واشتغل مُنجبُها صحفيا ً غداة توطنه القاهرة ، وشاركتْ هي بدورها في مقتبل حياتها وتفتح ملكتها الأدبية في النتاج العقلي الثر والقمين بالإعجاب والقبول ، لتبنيه رسالة ما وابتغائه هدفا ً ، وليس صادرا ً عن خواء ونظر سطحي ، وكذلك الشيخ عبد العزيز جاويش المتولد بليبيا قبيل بدء الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنازح منها إلى القاهرة واستوطنها ، ممتزجا ً بمواطنيها ومُقاسِمُهم سَرَّاءَهم وضَرَّاءَهم ، وصار واحدا ً منهم وحُسِبَ عليهم ، وعُدَ من أرباب الفكر وأعيان النضال السياسي والفكري وأعلام الصحافة ، وتعرَّض للتنكيل والحبوس غير مرَّة دون ما يعتنقه من رأي ، وحتى بالنسبة للمؤرِّخ المعروف عبد الرحمن الرافعي الذي ترجع أصوله إلى لبنان أيضا ً منذ عهد بعيد ويشاكله من هذه الوجهة بنو رحمه الرافعيونَ ، والمعزو لهم الفضل في رفع شأن اللغة العربية وإشهار المعطيات الأدبية الباذخة ، ولعلَّ هذا التفريط المفرط بصنايع رعيل جمٍّ من المتنورينَ خارج بلاد النيل ومن الأنحاء العربية ، هو أوَّل المؤاخذات على تنسيق هذه الفصول مع تجاهل نظرائهم فيما عُنوا به اهتمامات واتجاهات ، الأمر الذي يستدعي انبراء أكثر من باحثٍ ومستقص ليجلو دالة البقية على مجتمعاتهم في تأجيج الثورات الفكرية وابتعاث الحركات التجديدية مهيبينَ بالملأ أنْ ينضوا عن إهابهم أردية الخمول والركود ، لتفادِي النظر لهذه العينات من المباحث والمقالات على ما تتلفع به من جدَّة ورصانة وموضوعية في غالبيَّتها ، كونها جاءَتْ مكرَّسة للانغلاق ولا نقول الاعتداد والانحياز لموحياتِ التفكير المصري واستشرافاتهِ وفتوحاتهِ ، دون أنْ تتسمح ويرحب جانبها آونة فتنهض بتقييم جهاد بقية الأقطاب في الأنحاء والدِيارات العربية وصيالهم باتجاه المخلفات والموروثات والأنصاب .

ويستلفتني كذلك إحجامه بالمرَّة عن الخوض في شأن طه حسين وتكوينه لنفسه وفرضه لشخصه المستطيع بغيره فرضا ً على الهيئات والأوساط المتزمِّتة التي تقيم حجابا ً بينها وبينَ كلِّ جديد تحسبه بدعة تنال من مكانتها ونفوذها ، وما نظرته القديمة للشعر الجاهلي وما نجم عنها من افتراقات ومناوشات بين حملة الأقلام وترتب عليها استهدافه بالجحود والتجديف ، بحيث اضطرَّ حينها لمغادرة مصر ريثما يهفت اللغط وتفتر الضجَّة ، ويكف الشانئونَ والمتخرِّصونَ عن تكديره وتنغيصه أو يهاودونَ في الأقل بمنسية ، وغادرَت الأذهان والفهوم إلى كونه بمثابة موسوعة مكتبية متكاملة تحفل بأسفار تختص بالدراسات الأدبية والنقد الأدبي ، ولا تعدم الأعمال الروائية المستوحية واقع حياة المصريينَ الاجتماعية وما يضطربُ فيها من ضروب النكد والشقاء ، والمشتملة على الخصائص والمواصفات الفنية المتعارفة بين الكـُتـَّاب وفاق المقاييس الإبداعية المألوفة في أوليات القرن الماضي ، قبلَ أنْ تستجدَّ الابتداعات الفنيَّة في مزاولة القصِّ والحكي مؤخرا ً ، وتأتي مباحثه وكتبه المستفيضة بالشأن الإسلامي ــ ولا حاجة هنا لتعديدها ، فهي من الكثرة والانتشار بين القرَّاء والدارسينَ المستوعبينَ ــ وما تزخر به تفسيرات للحوادث التي مرَّ بها المسلمونَ ، وما حَفَّ بهم من ظروفٍ وملابساتٍ ، والمفتونينَ بما تنطوي عليه من أحكام وتأويلات لقضايا الحياة وظروفها المستجَدَّة ، هذا إلى احتفائها بالرصانة اللغوية واتسامها بقدر ضافٍ من الطراوة والرشاقة ، ممَّا يغري القراء ويحبِّب في أعينهم دراسة التاريخ وجني الفائدة والمتعة منه ، شأن ما يتحراه ويجري وراءَه في كتب العميد جميعا ً ، ونسيْتُ الإيماءَ لمؤلفاته في الأدب الذاتي الوجداني والمصور لما عاناه في حياته من لذع ٍ وألم ٍ ومرارةٍ ، وما قاساه نتيجة سخط الحاكم وجفاء الصديق ، فهي وحدها تكفي لمضاهاة كتاب الغرب فيما برعوا فيه من تصوير الخواطر والبوح بمكامن النفوس ، ويفيد يحيى حقي ذات مرة أنَّ التعبير عن هذه الأغراض والشؤون أمرٌ سهلٌ بالنسبة للأوربيينَ ، وَعَسِرٌ مُعضِلٌ في أدبنا العربي ، بينا يخال غيرنا من وجوه الثقافات الأجنبية أنَّ استيحاء النفس الإنسانية في أنسها ووحشتها ، وفرحها وحزنها ، وصحتها السابغة وعِلتها المنذرة بالخطورة والرحيل ، هو وحده الخصيصة التي قام عليها الأدب ، فلسببٍ لا أدريه ــ أو أحارُ في افتراضه واكتناهه ــ جنف مؤلـِّف (عصرٌ ورجال ) عن تخصيص صفحات من كتابه لتسويدها بما يتوارد في ذهنه من انطباعات والتماعات من مسيرة عميد الأدب العربي المضنية مع أنَّ الصلة بينهما محكمة ، بدليل ثناء صاحب الأيَّام وامتداحه مرَّة تفرُّّغ المؤلف وانقطاعه للإبداع الفني ، وبهره تصويره للصراع بين الخير والشر في مسرحيَّته ( دموع إبليس ) ، ولمْ تحل أعماله الوزارية بينه وبين اهتبال فرصة وسانحة من الوقت كي ينصرف للشأن الأدبي ، يوم ناط به رجال العسكر عٌقيْبَ ثورة يوليو 1952 ، وعهدوا له بمنصب وزاري يهتمُّ بشؤون الثقافة ويقطع برأي ٍ يتبناه أولاء الرهط أنفسهم في المسائل العامة ، ويعلنُ عن نزوعهم لتسوية الأمور الشائكة التي تعترضهم لا سِيَّما أنـَّهم قليلو التجربة بممارستهم ومباشرتهم وجائبهم ، علما ً أنـَّهم أخرجوه من السجن وردوا له حريته فور تسنـُّمهم الزمام ونفوذ مشيئتهم ، أما لم َ سُجـِن فتحي رضوان مع رفيقه أحمد حسين مؤسس حزب أو جاعل من نفسه طليعة تيار ( مصر الفتاة ) ، ورديفه الآخر المناضل يوسف حلمي الذي (( خرجَ من الدنيا بلا ولد ولا لقب ولا ثروة ، ودون أن يشغل وظيفة أو يحقق أملا ً واحدا ً من آماله )) ، ومرَّ على جميع التشكيلات والفصائل والفئات وواجهات الدكاكين السياسيَّة من وفديَّة ووطنيَّة وشيوعيَّة ومتديِّنة وكانَ فيَّاضا ً بالحيوية والنشاط ، ولا تخاله راكدا ً متعطلا ً فقد كان محاميا ً وصحفيا ً ومُحِبَّا ً للموسيقى ومقبلا ً على الحياة ومتين البناء ومؤمنا ً متفائلا ً ، ومع كلِّ هذه الخصائص والميزات رافقته شِحَّة الرزق وضآلة ما يجني من تعبه في الدنيا ، على ما أوغل فيه من شرح حاله وقراءة صحيفة أعماله الأستاذ فتحي رضوان في مستهلِّ الجـزء الثاني مـن سفـره هـذا القيِّم ــ ( عصر ورجال ) ــ قلت : لم سُجـِن أولاء الأماثل والأنموذجات الرفيعة المضروب بها المثل للشعور الوطني الحقيقي والضمير النقي والطبع السليم والسجيَّة المتجرِّدة من أيِّما مطمع ؟ ، لا أدري سوى أنَّ الحوادث المريعة التي اكتنفتْ حياة المصريينَ بعد حريق القاهرة المشهور وما رادفه من اضطراب الأمن وتطويح بآخر حكومة للوفد في تاريخ البلاد ، أوحَتْ للذوات الذين وَكلَ إليهم صاحب القصر الإمساك بعنان السيطرة والهيمنة على كلِّ مرفق من مرافق الحكم والسيادة ، بأنْ لا بُدَّ لهم من أنْ يبادروا ويهمُّوا بتغييب الصفوة من الوعاة والمتنورينَ الدارجينَ على المسالمة والتصافي عبر تسلكاتهم اليوميَّة ، والمعهود عنهم التوسل بالتؤدة والاستئناء لإبلاغ ذوي الشأن مطالبَهم لو وجدوا زيغا ً وانحرافا ً عن المعنى الصحيح في الحياة السياسيَّة ، بينا يظلُّ الجناة الحقيقيونَ مطلقي السراح ومزاولينَ حياتهم الاعتيادية .

خرجَ فتحي رضوان إلى الوزارة غبَّ الثورة التي آذنتْ الناس بالمواعد الطائلة والمكاسب المتحققة مستقبلا ً ، وللقارئ أنْ يجتلي المفارقة وربَّما المباينة بين مكان المرتهن بالسجن بالأمس ومثوله على صدارة الاستيزار والأمرَة وبيده تصريف الشؤون والتوجيه باتخاذ هذا الإجراء أو ذاك مع استئنافه ممارسته الأدبية مجدَّدا ً ، فانهمك متأمِّلا ً متدبِّرا ً مدى اصطراع الخير والشر مجسِّدا ً إيَّاه في عمله المسرحي الذي ألمعنا إليه والذي وقع بينَ يدي العميد فاستذوقه وأشادَ به من دون أنْ يعفيه ويستثنيه من بعض ملاحظاته ومغامزه وما عرف به من الوقوع في الملاحاة القاسية والساخرة يهون منها شعوره بالغبطة تجاه الأديب المستوزر الذي لم تـُنسِه أشغال الوزارة أشغال الأدب .

 

وفتحي رضوان منتم ٍ للحزب الوطني الذي أسَّسَه الزعيم مصطفى كامل ، وتولد بعد رحيله بسنوات وترشَّح لتولي إدارته وبأنْ يكون على رأس قيادته في ثلاثينيات القرن المنصرم ، متحالفا ً مع تيار آخر هو حزب مصر الفتاة المتهم بالفاشية التي تعني في جوهرها الاستئثار والانفراد والنظرة الضيقة واحتكار الوطنية والنظر بعين الازدراء والاحتقار حيال بقية العناصر والشلل ، وهذا من قبيل الغلوِّ والمكابرة ، وما أدري كيف قبله المؤرخون المحدثونَ والمصدِقونَ لما جدَّ في هذا العصر من هزاهز وتحوُّلات في تيارات الفكر والشعور ، وما أدري كيف تلاقى الثلاثة الذي يبدو من ظواهر الأمور ، إنـَّهم متناقضونَ ومتباينونَ ومتنافرونَ في وجهاتهم وعقائدهم : يوسف حلمي ، نصير السلم والراعي الأوَّل لمجلة ( الكاتب ) قبل أنْ تتولى الدولة الإشراف عليها ويتتالى على تحريرها كبار الكتاب من أحمد عباس صالح ، ويحيى حقي ، وأنور المعداوي ، إلى صلاح عبد الصبور زمن السادات ، وأحمد حسين ، الذي نوَّهنا قبل قليل بما حَفَّ به من تخرُّص وافتيات ؛ وفتحي رضوان ، الوفي على العهد بما أوصى به زعيمه مصطفى كامل من التحلي بالعناد والإصرار والتفادي لجلاءِ المحتلينَ مع الاستنكاف عن ملاينتهم ومهادنتهم قصد التوصل لحل وصيغة تضمنُ بقاءهم بيننا لأجل موقوتٍ على الأقل وتبطل زعم عميدهم كرومر بأنـَّه دائم وأبدي ، فلا مراء أن جَرؤ فتحي رضوان في غير صفحة من مباحث كتابه على الغمز من سعد زغلول ، فعابه على تساهله وملاينته وتراخيه وضعفه في مواجهة المحتلينَ ، ولامه على ما يتشبَّث به من ذرائع لأجل نقل تجاربهم في الإدارة والحكم وتشييد معالم الحضارة الحديثة والارتقاء بمسـتوى معيشة الجمهور ، ويسري هذا الحكم على بقية الساسة الوفديينَ والأحرار الدستوريينَ ويحسبهم متحدِّرينَ بالأصل من حزب الأمة ومبادئ أحمد لطفي السيد الذي يرميه بمهادنة الانكليز ومسايرتهم ، مستثنيا ً سابقة محمد حسين هيكل ، ومشيدا ً بأنفته وتجرده من البغضاء والحقد يوم وقف قبالة هيئة المحكمة العسكرية وهي تنظر في قضية خصمه الوزير السابق فؤاد سراج الدين ، الذي كانت له يد في إقصائه وإبعاده عن عضوية مجلس الشيوخ ، فأدلى بشهادته المأثورة التي كان لها مثل الدويِّ بين المراجع القانونية ، قاطعا ً ببراءته من كل ما يطوله من تهم وطعون ، وثمة قذيفة أطلقها فتحي رضوان وصدم بها الوسط الأدبي وعالم التصنيف والتأليف وهو يسهب في كتابة مقدمة عن روح العصر ، فسجَّل أنَّ عموم نتاجاتنا الفكرية والأدبية لا يعدو أنْ يكون مقالات متفرِّقة كتبَتْ في أغراض متنوعة ومقاصد متباينة وأعِدَّتْ على مدى أزمان وأوقات متباعدة ، ثم بادر أصحابها لجمعها وتصنيفها وتصييرها مطبوعات يشبعونَ بها نزوعهم للانتظام في عداد نشطاء الكـُتـَّاب والمؤلفينَ ذوي الإنتاج الغزير ، وأنهم تجهَّزُوا لها بفصحى العربية ، ولا ينونَ في زرايتهم بدعاة العامية مع أنـَّه يثني على أحدهم وهو سلامة موسى ، فيمتدح عنايته بأسلوبه واختيار ألفاظه ، وجاءَتْ بعض قطع كتابه المفصل في سيرته وتربيته أدنى إلى الشعر المنثور بما فيها من موسيقى وطلاوة فياللمفارقة ، ولا يفوت فتحي رضوان أنْ يكتنه هيام سلامة موسى بالجديد وحرصه على أنْ يُشَاع عنه كلفه بالجديد ، لا غير ! .

 

يشتملُ كتاب عصر ورجال فصولا ً طِوالا ً مليئاتٍ بالنثر العالي الممتاز والمُجَسِّد لمعان ٍ ملموسةٍ وخطراتٍ تخامر وجدان المؤلف الذي يطنب في وصف جبلات شخصيات معاصريه وسلائقهم ويقول : (( كانوا يتوقون إلى أنْ يقولوا كلاما ً عظيما ً ، وأنْ يخوضُوا معارك كبيرة وأنْ يحققوا أحلاما ً باهرة ، وكانوا في الوقت نفسه محبِّينَ للراحة ، مؤثرينَ العافية يخافون الفقر والسجنَ والبعد عن الأهل ؛ كانتْ تساورهم أفكار ضخمة لا بُدَّ لتنفيذها وتحقيقها من سهو وانقطاع وجهدٍ وتعبٍ ، وكانتْ الشهرة سهلة والعمل الصحفي والإنتاج الخفيف والتنقل بين الأحزاب والأفكار والمذاهب والمدارس ؛ ومع ذلك كلـِّه ، لقد تركوا شيئا ً له أثره وقيمته ، وقالوا كلاما ً نافعا ً وتعرَّضُوا بينَ الحين والحين لبعض الأذى ، وأثاروا أحلاما ً في النفوس وخواطر في العقول ومشاعر في القلوب ، وتحدَّثوا عن الحريَّة والدستور وعن الأدب وعن الحياة ، وترجَمُوا ولخـَّصُوا وعرَّفوا قدر ما استطاعوا بالأدب الانجليزي والفرنسي والأدب الألماني ، ونقلوا إلى بلادنا في المجال الفكري قضايا الأدب المعاصر والأدب وصلتهما بالحياة ودورهما في المجتمع ، وفتحوا نافذة لشبابنا يطلُّ منها على ما يجري في العالم من معارك السياسة والفكر وكانوا بالجملة روادا ً في فروع مختلفة من الثقافة ، لمْ يتخصَّصُوا ولم ينقطعوا لفرع ، ولمْ يلتزموا منهجا ً ، ولمْ يدعوا لمدرسة ولم تتضح لهم فلسفة ، إنـَّما بذروا بذورا ً هنا وهناك ، بذروا منها الصالح المثمر ومنها ما لا يضرُّ ولا ينفع )) .

 

وينحو باللائمة على شاعر النيل حافظ إبراهيم ، وينتقد مدحه للانجليز وتصدُّره حفلة توديع كرومر المهزوم إثر جريمة دنشواي وترويع أهالي تلك القرية الوادعة ، مستخرجا ً له في ذلك ما يشبه العاذرة وينصح ببعض التأني في محاسبته ، لأنـَّه تربى في مدرسة الشيخ محمد عبده الذي جنح لموادعة المحتل بعدَ انبتاتِ صلته بالثورة العُرَابيَّة ، وتلقف أفكاره ونوازعه في مصافاته واجدا ً في مقاومته عبثا ً من العبث ، وأنَّ من الخير للمصريينَ أنْ يُسَلـِّمُوا بالأمر الواقع مع مواصلة نقد أخطائه لقاء جني ما يمكن من المكاسب والانجازات ، ويقرُّه على هذه الخطة كلُّ من : سعد زغلول وأحمد لطفي السيد ، ملفين في تردُّد الإمام على دار الحماية البريطانية وسيلة آيلة لنصحهم وتوجيههم ، كان ذلك طبعا ً قبل ثورة 1919م ، وما ترتب عليها من تغيُّر المواقف وتبدُّل كثير من النظرات والانطباعات بشأنهم في عقول الكثيرينَ ، ولا يأبه بذلك فتحي رضوان ويحسب له قيمة ما ، بالاستناد إلى مبادئ حزبه المُكرَّسة للنفرة من تأرجح سعد زغلول خاصة بين الأخذ والعطاء في مفاوضته الانجليز ويريده منتسبو الحزب الوطني قوي الإدارة صلبا ً لا يلينُ ! .

 

ولكن بعد هذا الإيغال والإسراف في فضح هنات حافظ وتعرية زلاته ، يميلُ مؤلف ( عصر ورجال ) إلى القول : (( لكنَّ الوطنية على الرغم من كلِّ شيءٍ لمْ تدع حافظ ليفلتَ من يدها ، فألحقته بصفوفها ومحَتْ شعره غير الوطني وأذاعَتْ شعره الوطني ، وهكذا يغلبُ الخير على الشر ، وتعلو القوة على الضعف ، وتنتزع مصر أبناءها من أحضان أعدائها ؛ ولا يُعفِي سلامة موسى من انتقاده على مشايعته سعد زغلول وتأييده في مواقفه من المحتل البريطاني مغضيا ً ــ أي سلامة موسى ــ عن خطبته العصماء في حفلة توديع كرومر التي قابلها العميد البريطاني بمنطق جافٍ وفي غاية السماجة وقلة الذوق بعد أنْ صرَّح بأنَّ الاحتلال باق ٍ ودائم ، فلا غرو أنْ وسمها بالقبيحة ، وإنْ كابر العقاد وسلامة موسى في الثناء عليه فبدافع ظنِّ الأخير وجنفه خاصة من ارتباط سابق لمصطفى كامل بدولة الأتراك ، ويسوِّغه الأستاذ فتحي رضوان بذريعة إحراج الاحتلال البريطاني الجاثم على صدور المصريينَ .

 

لكن فاتَ المؤلف أنَّ كلَّ شيءٍ مرهون بوقته ، واستجابتنا لأمر ما متوقفة غالبا ً تبعا ً لتبدُّل الآخرينَ من طبع لآخر ضده ، ففي كتاب ( برناردشو ) الذي ألـَّفه سلامة موسى في أخريات حياته صفحات يقدح فيها سعد زغلول ويزري به ويتسخـَّط عليه لممانعته في إجازة حزبه الاشتراكي أيَّام ترؤسه الحكم ، فقد تقدَّم هو ولفيف من رصفائه ــ ومنهم محمد عبد الله عنان ــ لطلب السماح له بمزاولة نشاطه ، فخيَّب سعد زغلول ظنـَّهم وتأميلهم أنْ يظلَّ حياتهم شيءٌ من الديمقراطية ، ورغم تحول الأستاذ الكبير محمد عبد الله عنان ، في توجُّهاته وانقطاعه لدراسة الأندلسيات وتفقهه بتاريخ الجامع الأزهر ، فقد بقي موصوما ً إلى نهاية عمره بتهمة الدعاوة للأفكار والمبادئ المتطرِّفة ، نلحظ ذلك مبثوثا ً في الكراسات والنشريات التثقيفيَّة لبعض الفئات والفصائل المُضَادِدَة لتلك الأفكار والمبادئ ، وتحرص تلك الواجهات على توعية منتسبيها بالأشخاص الأوائل المنصرفينَ لنشرها والتمهيد لها .

 

وتذكرنِي ما تسفر عنه بدايات بعض الأشخاص من مشاركتهم في الميادين العامة التي تسوقهم إليها حيوية الشباب الفوار في مقتبل حياتهم ، بما نوَّه به الدكتور إحسان عباس في كتابه عن حياة بدر شاكر السياب من أنـَّه اقتيد من مقرِّ وظيفته في موانئ البصرة زمن حكم عبد الكريم قاسم وزُجَّ به في التوقيف لظروف أمنية استدعاها انعقاد مؤتمر إسلامي حضرته وفود من شتى ديارات العالم ، فارتأتْ الجهات المسؤولة أنْ ينعقد في جو ٍ من الهدوء دون أنْ يكدِّره مكدِّر ، متجاهلة سلسلة مقالاته المنشورة قبل مُدَّة في جريدة ( الحرية ) يذم فيها ويندد بالاتجاه السياسي الذي يضطهد اليوم دونه ، ليستنتج المؤلف أنَّ العراقي مبتلى على طول المدى إنْ اعتنقَ رأيا ً أو تبنى فكرة حتى لو أعلنَ على رؤوس الإشهاد أنـَّه نصل منها وتخلى عنها ، فلا تصدقه السلطات الموكول إليها محاربتها بشتى المسوغات والتعلات والحجج والدواعي وتظل تلاحقه وتسخر منه .

 

لقد ورثَ فتحي رضوان سائر الخِلال التي تحلى بها المنتمونَ للحزب الوطني من مختلف الأجيال ، فكانَ من البديهي أنْ لا يرتضي المصالحة مع العدو التقليدي الإسرائيلي ، وطالته في سن متقدِّمة إجراءات الرئيس أنور السادات أسوة بعشرات الرافضينَ من المثقفينَ وأحرار الرأي والفكر ، دون أنْ يَشفع له كونه غدا شخصية بارزة وذا إسهامات عديدة في حركة التأليف ومن الموسومينَ بغـزارة الإنتاج ، فضلا ً عن نضاله السابق ، وهو خير شاهد على عفته وتجرُّده ونقائه ، وخرج من السجن بعد رحيل السادات بمدة ، مُيَمِّما ً وجهته صوب مدفنه الأبدي مثلما هجر محبسه الأوَّل شطر الوزارة قبل سنين .

 

 

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات

الاسم: محمد البدري
التاريخ: 15/07/2017 18:13:09
شكرا للعزيز الفاضل الاستاذ العبيدي علي هذا الجهد لتعريفنا بكتاب فتحي رضوان الذي لم يعد موجودا علي ارفف المكتبات الناشرة له.
لم اقابل احدا الا ومدح أو علي الاقل اعطي لفتحي رضوان قيمة تغييب عن الاجيال الحديثة. بالمس كنا في حوار حوله ونبهني صديق الي الكتاب، فهل الكتاب موجود بصيغة بي دي اف اكروبات علي الشبكة العنكبوتية؟ بالبحث لم اجده ايضا.

تحياتي واحترامي وتقديري
محمد البدري

الاسم: محمد البدري
التاريخ: 15/07/2017 18:10:14
شكرا للعزيز الفاضل الاستاذ العبيدي علي هذا الجهد لتعريفنا بكتاب فتحي رضوان الذي لم يعد موجودا علي ارفف المكتبات الناشرة له.
لم اقابل احدا الا ومدح أو علي الاقل اعطي لفتحي رضوان قيمة تغييب عن الاجيال الحديثة. بالمس كنا في حوار حوله ونبهني صديق الي الكتاب، فهل الكتاب موجود بصيغة بي دي اف اكروبات علي الشبكة العنكبوتية؟ بالبحث لم اجده ايضا.

تحياتي واحترامي وتقديري
محمد البدري


الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 10/05/2012 09:44:37
مهدي شاكر العبيدي

..................... ///// سيدي الكريم لك ولقلمك ومجهودك المبارك الرقي والامتياز دمت سالما

تحياتي فراس حمودي الحربي ................................ سفير النوايا الحسنة




5000