هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


( قرية ظالمة ) للدكتور محمد كامل حسين

مهدي شاكر العبيدي

الدكتور محمد كامل حسين

يجمع بين موهبة الأدباء ودقة العلماء

لغاية العام 1977م ، كنتُ أتداول كتاباتٍ متنوِّعة ــ بين آن ٍ وآخر ــ أسلفها عالمان مصريان بحسب الميدان الذي تخصَّصا فيه وجريا في شوطه ، فأحدهما طبيب مختصُّ بجراحة العظام منذ عام 1925م ، بعد قفوله من البعثة إلى الجامعات البريطانية ، ورقي منها درجاتٍ ، إذ صيَّره الدكتور طه حسين حين تبوِّئه منصب وزارة المعارف عام 1950م ، مديرا ً لجامعة إبراهيم باشا ، التي صارَتْ تسمَّى جامعة عين شمس في السنوات التي تلتْ ثورة يوليو في العام 1952م ، ويعود الفضل في تأسيسها لطه حسين نفسه ، والذي ارتأى أنَّ التوسُّع في التعليم بمراحله جميعا ً كفيلٌ بأنْ يوفي بشعب مصر على مشارف التطوير والنهوض ، فتوسَّم فيه الجدارة والمؤهَّل لحسن إدارتها وإنبات نواة لتقاليد جامعية تقتفى ويُسَارُ على ضوئها في جميع الأوقات ، ثمَّ إنـَّه عضو في مجمع اللغة العربية ، وقع عليه الاختيار لصياغة المصطلحات الطبية ، وذلك من خلال انتظامه في لجنة المعجم اللغوي ولجنة الأدب ، كما نشر طوال أكثر من خمسين عاما ً طائفة من الأبحاث العلمية والدراسات الأدبية والفكرية ومقالات في تفسير آيات القرآن الكريم ، وأتى بـرأي بَدْع ٍ في معنى التعبير ودلالة الإنشاء ، واكتنه ما بينهما فروقا ً جمَّة من حيث احتواء الأوَّل على الخواء والسطحيَّة ، واتصال الثاني بالرسوخ والقوَّة والعمق ، وجمع عيِّنة من هاته الكتابات المنشورة بمجلة ( الكاتب المصري ) التي صدرَتْ في أربعينيات القرن الماضي بإشراف طه حسين ، وأودعها كتابه الممتع ( متنوِّعات ) ، قبل أنْ تتوالى مؤلفاته الفكرية والفلسفية ويفاجئ بها عموم الدارسينَ والقرَّاء : ( التحليل البايلوجي للتاريخ ) 1957م ، ( وحدة المعرفة ) 1958م ، ( الوادي المقدَّس ) 1968م ، ( اللغة العربية المعاصرة ) 1971م ، وأخيرا ً سفره ( الشعر العربي والذوق المعاصر ) 1977م ؛ وصادف في عام صدور كتابه الأخير غيابه النهائي عن عالمنا وانبتار آصرته بهذه الدنيا ؛ وفاتني أنْ أشير إلى إثارته مماحكة حادَّة بخصوص شعر المتنبي ، أ ننصح جيلنا الطالع بقراءته عـلى أساس أنـَّه يزيدهم تمسُّكا ً برجولتهم وتعلقا ً بشمائل الإباء والعزم وخصائص الكرم والنجابة والإقدام ، أم نصرفهم عنه ونزهِّدهم فيه لما يشتمل عليه من غرض تقليدي متوارَث ، وتـُشَاب صياغته به من تعقيد وتوعُّر قد يجرَّان إلى التعسير والإبهام والغموض في تراكيبه وتعبيراته ؟ ، وكان ذلك على صفحات مجلة ( الكاتب المصري ) نفسها ، والتي نشرَتْ بدورها في أعدادها التالية ردودا ً ضافية في نقضه وإفحامه لبعض الكـُتـَّاب والنقاد ، ومنهم الأستاذ علي أدهم ، المكتنزة كتاباته بالدلائل القوية والحجج الدامغة على أنَّ المتنبي وشعره المتين مناط فخر العربية بتراثها وأصالتها ، ومباهاتها بقيمها ومكارمها ، ويتخلل هذه المُداخلة ما لا يُستكثر على مثل علي أدهم من النظر الموضوعي الصائب والمقترن بالدماثة وحسن الأدب .

 

 

وأخيرا ً غامر بتجريب قابليته على كتابة الرواية ، والرواية الفلسفية المستوحية أشهر الحوادث التاريخية المؤثرة في الحياة الإنسانية ، فكان عمله الروائي المتميِّز المتكامل ( قرية ظالمة ) ، والمستقصي ما جدَّ بين بني إسرائيل من لدَدٍ وانقسام وتنازع حول البتِّ بمصير المسيح في مدينة ( أورشليم ) ، والقطع برأي محدَّد يضع حدا ً لِمَا اعتور وجودهم وحياتهم من اضطراب وتخلخل بتأثير هذه الدعوة الجديدة التي حسبوها آيلة لتعفية ديانتهم وتحلُّ محلها هذه المراسم المتشبِّثة بالوفاق والتسامح ولم تلقَ منهم غير المجافاة والتشكيك والرفض ، خاصة من النفر المستولي عليه الجشع والطمع ، والذي يستهويه حبُّ الدنيا ولا يطيب له أنْ يستوي على صعيد هو وجمع الفقراء الضِعاف الذين دعا المبعوث إلى إغاثتهم وإنصافهم .

وقد صدَرَتْ هذه الرواية المتفرِّدة والمشحونة بالأفكار المتناقضة والآراء المتباينة والنوازع الـ شتى حول مختلف المسائل الكونية وعواطف النفس البشرية وخوالجها في المحبَّة والكراهية ، والتسامح والحقد ، والصفح والانتقام ، قبيل أنْ يشتبك مع الدكتور زكي نجيب محمود في خلافٍ وتبار ٍ حولَ وحدة المعرفة بمناسبة صدور كتابٍ له بهذا الاسم كما ألمعنا .

 

وتوِّجَتْ هذه المجهودات الطائلة بأنْ استحقَّ جائزة الدولة التقديرية للآداب عام 1957م ، عن روايته هذه ( قرية ظالمة ) المطبوعة لأوَّل مرَّة عام 1954م ، قبل أنْ تطبع طبعة ثانية بعد سنين متمادية ضمن سلسلة الجوائز عام 2006م ، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، وهي سلسلة تتحرَّى نشر الأعمال الروائية والكتابات الحاصلة على الجوائز العالمية كنوبل للآداب ، والمحلية المندرجة في التراث العالمي ، بعد أنْ يكون الأثر المخصوص بالنشر قد ترجم إلى العربية .

 

كما نال جازة الدولة التقديرية للعلوم عام 1966م ، باعتباره من الرموز العلمية المشهود لها بالنبوغ والتفوق والتناهي في إعمام الروح العلمي ، فجمع في شخصه بين موهبة الأدباء ودقة العلماء .

 

وأمَّا ثانيهما بعد هذه التفصيلات في سيرة العَلم الأوَّل ، فهو أستاذ متخصِّص بدراسة الأدب العربي في العصور الأيوبية والمملوكية ، وقبلهما يحيط بأشتات من حياة أهل القاهرة في زمن الفاطميينَ ، وكان مواليا ً نشر بحوثه ودراساته ومقالاته بمجلة ( الكاتب المصري ) أيضا ً ، مذيِّلا ً إيَّاها بكلمات مدرس أو أستاذ بجامعة القاهرة ، تمييزا ً له عن سَميِّه العالم الأديب ، وكثيرا ً ما تختلط كتابتهما ، إذ لا يقصِّر الأخير في معالجة نفس الموضوع الذي يتناوله الأوَّل ، فكلاهما معني بدراسة التيارات الفكرية المستجدَّة في مصر والشام ، وما يتعلق بها من فلسفات وآراء ومخاريق وبدع زمن العهد الفاطمي كالإسماعيلية ونحوها ، هذه الفرقة الإسلامية التي جهد أستاذ الآداب ذات يوم في تبيان مواطِن نشوئها ، وعرض لنوازعها وتوجُّهاتها ، وما تتمسَّك به في تعاملها هي وسائر الناس من أسرار ورموز تضنُّ بتفسيرها وتوضيحها وكشف دلالتها لهم وما تتضمَّنه من إشارات وإيماءات استدعَتْ وأوجبَتْ تسميتها بالباطنية .

 

والآن ما الاسم الذي شاءَه ذووهما أو أبواهما المتشابهان في اسميهما أيضا ً ، غداة إطلالتهما على الحياة ، وظلَّ على الدوام مبعثا ً للالتباس والإيهام في المحاورة والبحث طوال حياتهما رغم إطباق شهرة الأوَّل العالم القويَّة وذيوع صيته أكثر من صنوه بعض الشيء ، وقد برحا اليوم عالمنا وأبقيا بعدهما مأثوراتٍ باذخة في العلم والأدب يعتدُّ بها ؟ .

 

إنَّ الاسم الكامل لكلِّ منهما هو : محمد كامل حسين ؛ غير أنَّ الأوَّل متخصِّص في الطبابة وتشريح العظام كما أسلفنا ونبغ في معطياته الأدبية بمجهوده الفردي ومحبَّته لتراث قومه ، وشابه الثاني بنفس اهتماماته الأدبية التي خلص لها بالدكتورية الأدبية ! .

 

وما أسعدها ساعة عصر يوم ٍ قصدْتُ فيه منطقة الحلبوني بدمشق الشام ، المزدحمة بباعة الكتب والدوريات القديمة ، فطالعني كتاب ينماز بحجمه طولا ً وعرضا ً ( 21 × 10.5 سم ) ، واستخدِم في طبع محتوياته أجمل الحروف وأبدعها وألفيته مركونا ً إلى جانب رصيفاته من المؤلفات التي استغنى عنها جامعوها بعد استيعابهم فحاويها ومضامينها ، ويحتل حيِّزا ً وفسحة من رفرف جدار المتنزَّه المطلِّ على امتداد الشارع لنهايته ، إنـَّه كتاب ( قرية ظالمة ) رواية الدكتور محمد كامل حسين ، في تصوير محنة المسيح بقوم جاءهم ناهيا ً عمَّا هم مرتكسونَ فيه من بهتان وضلالة ، ومغريا ً إيَّاهم بكلِّ ما يجمِّل حياتهم ويمحو منها ما شاع عنهم من هيام بالرذائل والخسائس ، ويتفشَّى بينهم من الأحقاد والضغائن ، فتطلبهم أنْ يحلوا المحبَّة محلَّ النفور والمقتِ ، ويميلوا للإغضاء والعفو وتجاوز إساءَة المسيء إلى التصالح معه ومؤاخاته ، لكنَّ هذا ليس بالوسع وفي حدود الإمكان والمستطاع ، إنْ لم يشقّ على النفس التي تقع فريسة للتمزُّق والتردُّد بين أنْ تغلبها العواطف الجامحة وبين أنْ تنزع إلى المصافاة والوداعة والهدوء والتطامن .

 

وقد جلـَّى الكاتب في إيداعه صفحات عمله الروائي الممتاز والبالغة ( 258 ) صفحة ، سرده المفيض لخطرات جالتْ في عقول شخوص روايته وأفكار خامرَتْ وجدانهم ، وضروب من الرأي والتفكير ووجهات من النظر مختلفة حول غرائب هذا الكون ومدهشاته ، وتنازع الناس حول الظفر بآرابهم وانتحالهم في سبيل الوصول إليها مختلف الوسائل والسُبل بين منحطة ووضيعة ومحمَّلة بالكيد والمكر والتمويه والخداع ، وبذلك لا يفضل الإنسان المدني وحش الغاب وضواري الفلوات إنْ لم ينفرد من دونها بالعُجب والمداهنة والصَلف والتكابر .

 

وكـذا ترك الدكتور محمد كامل حسين شخـوص روايته يسترسلونَ على سجيَّتهم ، ويرسلون خواطر نفوسهم وتأمُّلات وجدانهم ولواحقها من أشواق وأنظار وتأويلات متنوِّعة ، ضاربا ً المثل على نصيبه من الترسُّل وقابليَّة السرد المستهوى من القلوب والمُهج ، وبالغا ً غايته من النثر البليغ الجزل ، فلا تعثر بأيَّة صفحة من صفحاته على هنةٍ أسلوبية ، ولا يصدم إحساسك وذوقك أيَّة ركاكة وتبذل في جمله وتعبيراته ، ولعلَّ الفصول الأخيرة من هذا الصنيع الفني بأسلوبها المحكم واحتفائها بالمداخلات الفكرية والاتجاهات الذهنية المتنافرة والمتضاربة لرسم خطة عمل منجحة وصولا ً لعيش هانئ وحياة ينتفي منها الظلم والإجحاف وتلهُّف الفرد على انتزاع ما في يد غيره وامتلاكه غصبا ً ، وهذا من نواتج ما يبتلي به المجتمع الإنساني ويسوده من آن ٍ لآن في أعقاب الحروب العبثيَّة التي لا داعي لها ، من أدواء الحسد والجفوة والتناحر ما يستعصي على الاشتفاء والبُرءِ ، ويستحيل أنْ تصل إليه يد الإنقاذ ، قلتُ : دلَّ صاحب هذا العمل الروائي التاريخي لا سِيَّما في فصوله الأخيرة التي استوحى فيها أحداث الماضي خالصا ً منها إلى تناول مشكـلات الحاضر ، وجاعلا ً من ظهور المسيح في أورشليم وجنف اليهود عن مبادِئه المجاوزة في غرضها ما بشَّر به رسلهم الأولون من قيم وأهداف مدارها الذي تدور عليه فتآمروا على حياته ، وبذلك أثبت كاتب الرواية أنـَّه فيلسوف ارتكنَ إلى العقل واتخذه إماما ً بحسب رأي أبي العلاء ، لكن دون أنْ يشط به الاغترار فيمعن في جحد المشيئة الربَّانية ، ولعلَّ لطول معايشته المرضى وتحسُّسه آلامهم وأوجاعهم ، ودهشته من شعور الإنسان بالضعف وتداعي قواه وتصدُّع قوامه الجسماني حين تطبق عليه مآسي الحياة ولا يطيق لها مغالبة أو دفعا ً ، جعله يوقن بعد أنْ لجَّ في المكابرة وامتلكه الغرور والزهو ، بأنْ لا بُدَّ من ملاقاة هذا الفناء المحتوم المُقدَّر على أرواح البشر ، وتلاشي جميع ما في الوجود من الأحياء والكائنات ، وأمدَّه بهذه النفحات الصوفية التي تستاف كالزهر الجنيِّ من صفحات الكتاب .

 

ليس لدينا ملحوظة أو مأخذ على هذا الصنيع الفني شأن القاصرينَ من محترفي النقد ، ممَّن يحملونَ على المؤلفين بقوارصهم ولذعاتهم المسمومة باسم الحرص على ازدهار الحياة الأدبية وتسديد خطوات الكـُتـَّاب وهديهم للكتابة الصحيحة والمقبولة ، متوقلينَ على ما أسمـوه تأثريَّة أو انطباعيَّة أو المنافحة عـن مقاصد اجتماعية وإنسانيَّة ، وينحونَ عليهم بتفريطهم فيها وإخلالهم بشروطها وارتدادهم وكلالهم دونها كلَّ مرَّة ، وأولى بهم أنْ يجبُّوا عن نفوسهم هذه القالة التي تدينهم بالفشل وتدمغهم بالنكوص وانكفائهم عن محاولة مشاكلة المبدعينَ ومجاراتهم في اشتغالهم بالحكي والسرد ، كي لا تتبقى في دخائلهم عقابيل الأدواء والجراحات التي تسبَّب فيها النقدة لهم بصولاتهم القلمية وإشهارها بين الملأ ، فتنجم عنها بالتالي إحَنٌ وعداوات .

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000