هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حول مادية الجنة والنار..

فاتن نور

استغرق النص الإلهي في الترهيب والترغيب، مستهدفا الجسد فيما قدمه من صور عن الجنة والنار، فثواب الآخرة بدا عالقا بإشباع الجسد غرائزيا. وعقابها بقهره، صليه، والتنكيل به بأقصى ما يكون. وليس للروح أي حضور يُذكر في خضم هذا الانغماس بماديات النعيم الجسدي وجحيمه، وتلبية شهوات دنيوية في عالم غيبيّ لاماديّ.

واذا كان للثواب الموعود من معنى، يخلص الى رفع الحظر الذي فرضه النص الإلهي على العقل والجسد تباعا ولحساب الروح التي ستثاب في الآخرة، فالفائدة المرجوة من رفع الحظر، هي إنهاء آمد العلاقة الندية المُفتعلة بين الروح والجسد. إلا أن الروح وبجانب كونها غائبة أو مغيبة فيما قدمه النص، فهي أيضا غير مُعرّفة أو مُبهمة (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.) / (الإسراء: 85)، وهذا يحفز على فهم مغاير يحرر مفهوم الجنة والنار من ثقل ماديته المفرط./ وللإمتاع الجسدي المادي صور صارخة في القرآن والمرويات الدينية لم نجد ضرورة من ذكرها فهي بينة ومتداولة.

فإذا كان الجسد هو المُعرّف الحاضر، والمحور لموضوعة الجنة والنار، والروح هي المبهم الغائب، فلم لا يكون الجسد بنعيمه وجحيمه الآخروي رمزا كنائيا عن نعيم الروح وجحيمها، وما التصوير المادي للروح كجسد، سوى محاكاة لمادية العالم الدنيوي، ومقاربة لـ "ذهنية مادية" يعيشها الإنسان محكوما بغرائزه الفطرية وشهواته الجسدية أولا وأخيرا. فمهمة العقل الأولى هي إدارة غرائز الجسد وتلبيتها بشكل جيد دون هتك أو كبح، فما ينتجه العقل من آثار فكرية وثقافية ينبع من آثار الغرائز ونداءاتها، ليعود عليها بفوائد التنظيم ضمن عقود إجتماعية وقوانين وضعية تحقق التوازن النفسي لإنسان المجتمع. فالثقافة الكابحة للغرائز، أو التي أنتجت قوانين صارمة تحكم الغرائز وتحاصرها باللاممكن، أو الممكن الصعب حد الإحباط والجزع والفشل، لا تبدو ثقافة سوية، لأنها تحاول قهر مهمة العقل الأولى التي لا تقهر بأي حال لكونها من فطرة الخلق.

اما العقاب فوسيلة ردع دنيوية، تحقق أغراضها بانصياع الإنسان لشريعة الرب والقبول بتعالميه ووصاياه خوفا من العقاب وطمعا بالثواب. بمعنى آخر، أهل الجنة هم حصاد الرب المرجو من وراء ترهيب أهل الدنيا بنار الآخرة وترغيبهم بثوابها، ولا حصاد آخر ممكن أن ندركه من وراء إنزال العقاب فعلا على من لم يرتدع، فتنفيذ العقوبة بعد الإخفاق يبدو ناشزا عن أصل الغرض "الردع والانصياع"، ولا يحقق أي قيمة منظورة في عالم الآخرة، لا سيما وأن الرب لم يحدثنا عن فرصة أخرى لأهل النار في حياة ثانية يزاولونها مرتدعين بذاكرة الجحيم الذي ذاقوه، فالخلود "الآخروي" أيا كان، حليف الإنسان بعد الحساب وفقا للنص.

السؤال: هل أخفق الإنسان في فهم الغرض الدنيوي وراء الترهيب من النار، فتصوره عقابا فعليا مع سبق الإصرار والتنفيذ؟

هذا السؤال يحيلنا الى موضوعة "الحقيقة والمجاز في القرآن "، المختلف عليها ما بين منكر ومجوّز. وغالبية علماء الدين من المذاهب الأربعة وخلافها، وعلماء اللغة والبيان، هم من المجوزين وحسب اطلاعنا.. ويقف ابن تيمية على رأس قائمة المنكرين فهو أول من انكر المجاز في النص الإلهي وفي معرض حديثه عن الشريعة والتوحيد على وجه الخصوص، كما انكره في اللغة بشكل عام وفي هذا بعض بؤس. ولم يسبقه الى نكران المجاز سوى نفر قليل من أهل العلم والدين. وقد حدا حدوه من تأثر به سائرا على خطاه، مثل ابن القيم الجوزية الذي بالغ في إنكاره للمجاز فصوره طاغوتا. ولسنا بصدد سرد حجج ومسوغات كل فريق، أو أنواع المجاز وتصنيفاته ، إلاّ أن الحجة الكبرى لفريق الإنكار بتصورنا، هي الخشية من تحريف حقائق القرآن بتأويل نصوصه حسب المزاج والهوى. مع أن المنكرين للمجاز وقعوا في مطباته مأولين. فهذا ابن تيمية كبيرهم، وعلى سبيل المثال، يرى ملامسة النساء، في قوله تعالى ( أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.) / (المائدة: 6)، كناية عن الجماع، وهذا صرف واضح عن معنى اللمس الذي يستدعي الوضوء في الآية، فالجماع يستدعي الاغتسال.

ما يهمنا في موضوعة المجاز، هو جمهرة المجوزين له، ففي الوقت الذي هم فرقاء فيما بينهم، فكل يصرف اللفظ الى مجازاته التي يريد، والتي تخدم ايديولوجيته العقائدية فتكسبها قدسية إلهية تحت سقف نفس الدين، قد أجمعوا على الفهم الحرفي- المادي لموضوعة الجنة والنار، بكل ماورد عنها من توصيفات سواء في النص الإلهي أو الحديث وخلافه، ولم نجد ما يشير الى فهمها فهما مجازيا أو كنائيا أو رمزيا من كلا الفريقين. وهذا ما يثير دهشتنا فإجماع رجال الدين على أي أمر كان لا يعني بالضرورة صحته والتسليم به كيقين يغلق باب الشك والجدل، لا سيما هنالك ما يحفز على فهم مغاير لمسألة الثواب والعقاب، ومنه الصور المادية للجنة، فهي منشأ من ذهب وفضة له مداخل وأبواب، وبه أنهار من خمر وعسل مصفى وحدائق وأعناب وكواعب أتراب..الخ، وهكذا بالنسبة لتوصيف النار. وصور الإستغراق في الشهوات والغرائز الجسدية من أكل وشرب وخمر وجنس. كل هذه الماديات لا تتسق مع الروح المزمعة التي سيكونها إنسان الجنة، ولا مع الأجواء الروحانية الطاهرة جوار الرب وملائكته. أما الصورة الجسدية التي سيكون عليها كما هو مسرود في المرويات، فهي صورة مقترحة ومعومة خارج علم الأحياء ومقتضياته الفيزولوجية، ولا تحمل نفس خصائص الجسد الأرضية ووظائفة البيولوجية، فالتلذذ في المأكل والمشرب والجنس وما إليه، لا يكون بالكيفية التي يعرفها إنسان الأرض، وهذا يعزز ميلنا لرمزية الصورة التي قدمها النص عن الثواب والعقاب. فالصور جاءت بثيمة دنيوية - مادية يستوعبها عقل الإنسان، باذخة في الإشباع الغريزي كي يسعى من أجل الفوز بها، وهكذا بالنسبة لأمر النار وعلى طرف نقيض.

وإذا كان النص الآلهي قد نأى عن التعريف بماهية الروح، فتعريفه بإمتاع الروح كثواب، أو تعذيبها كعقاب،لا يبدو مجديا لبني البشر، أو محفزا لهم، أو مفهوما، فالأصل المبهم، سيكون ثوابه أو عقابه اكثر إبهاما. وفي ذات الوقت سيبدو إخفاقا إلهيا أو سهوا لو حدثنا النص عن متعة شيء غير معلوم، لا يملك الإنسان معرفته بما أُوتيّ به من علم قليل، وفي هذا خروج عن الكمال المطلق للنص ومنتجه.

بصرف الصور التي قدمها النص الإلهي عن ماديتها الصرفة، تلك الصور التي تحيط بعالم الغيب اللامادي وتمثله، وفهمها فهما رمزيا أو شكلانيا، وبالنظر الى تجسيد اللامادي بالمادي في النص جاء لغرض الإقناع والاستيعاب الدنيوي كضروة، بمثل هذا الصرف سيسقط عن النص الكثير من ابتذالات فهمه وتفسيره.

فاتن نور


التعليقات

الاسم: true islam
التاريخ: 2012-10-04 09:10:01
أختي نور كلامك غريب .. فطوبى للغرباء
كلامك يحرق الأفكار السائدة .. فيطهّرها وينقّيها من الشوائب

بوركتِ

رجائي أن تقرأوا كتاب( فلسفة تعاليم الإسلام) فسوف تجدون فيه إرواء للغليل , وشفاء للعليل

* فقط أكتبوا عنوان الكتاب في Google

الاسم: فاتن نور
التاريخ: 2012-04-30 09:28:20

تحية طيبة استاذنا الخاقاني..
كل ما قلته جميل، وجميل جدا..لكنه لا يخرج عن سقف الفكر الديني بما انتجه من معارف تحيط بالنص القرآني وفهمه تفسيرا وتفقها واجتهادا وما إليه من تصورات الإحاطة أو فلسفاتها الموضوعة .
بتناولي لثنائية الجنة والنار خرجت عن هذا السقف بفهم مغاير، جرد محور الثواب والعقاب من دنيويته الصورية وماديته البينة.
شكري الجزيل لاهتمامكم بالموضوع ولمداخلتكم الموسوعية القيمة.. سعدت بمروركم..
وشكري لكل الأحبة الذين مرروا بدربي...
لكم جميعا ودي وتقديري مع تحايا المطر

الاسم: بهاء الدين الخاقاني
التاريخ: 2012-04-30 00:34:55
3-
ان التلازم بين العقيدة والشريعة وثقافتهما الفكرية والتنظيرية والاجهادية والبحثية تلازم وثيق فلا ينفك الفساد في تصور عن فساد في الحكم، فإذا فسد تصور الإنسان في الإلهيات وفي الكونيات فانحرف لتنعزل الواقعية عن موارد التصور الصحيح للحقائق والكون ففسد عندها تصور الإنسان وتنظيراته ومن ما يراد في هذا الانحراف تعدد الالهة وان انكر الخالق في بعض الموارد الفكرية، من إله الطبيعة الذي يدبر أمر الكون، وإله التشريع الذي يحكم بِهواه وذوقه، وإله العلم التجريبِي الذي صار مستمد العلم القطعي، فثم آلهة كثيرة، الى اله الخرافات والاساطير المؤدي الى الغلو والعصبية والتحريف والى اخر، ليستبدل الإنسان بالله جل وعلا، فهو سيد الكون الجديد وهو الذي ينازع الآلهة موارد العلم التي تروم حجبها عنه لئلا ينازعها موارد السيادة على الكون، فكل ذلك أسطورة قديمة، ظل أثرها كامنا في العقل، فهي دوما خصيمة الوحي الإلهي وصراع أزلي بين الوحي بخبره وحكمه، والعقل في التصور وذوقه في الحكم وهذا ما بفرض علينا ادراك أنواع العقل وتعدده ما بين الباطن والظاهر والعقل الأول .
ان ما ورد هنا هو أصل في موارد الخبر، سواء أكان ذلك في الإلهيات أم في السمعيات أم في سائر الغيبيات، فالاشتراك في المعنى الكلي المطلق في الذهن، على جهة الاشتراك المعنوي أو التواطؤ في المعنى أو التشكيك فدلالته دلالة التفاضل بين الحقائق في الخارج وإن اتحدت في المعنى الجامع في الذهن، والاشتراك في المعنى الكلي لا يلزم منه الاشتراك في المعنى الجزئي في الخارج، فإنه مِمَّا يتفاوت تبعا للتفاوت في الإضافة إلى موصوف، كما هي الحال في الإلهيات، فوصف ربنا الخالق جل وعلا يباين وصف المخلوق، وإن اشتركا في مورد اللفظ والمعنى المطلق في الذهن، أو تبعا للتفاوت في الإضافة .
اذن جنة الآخرة تباين جنة الدنيا، وإن اشتركا في المعنى الكلي المطلق في الذهن، فذلك أصل في الأخبار العلمية بل وفي الأحكام الشرعية، فغاية تشريعها حصول معنَى العدل والخير العام وهذا المفهوم ايضا مرتبط بالترهيب والترغيب، وذلك مِمَّا أجْمعت العقول على حسنه والعلوم الحديثة التربوية والاخلاقية والتعليمية، فتثبته ضرورة عقلية ووجدانية ايضا لا ينكرها إلا من ليس له معرفة بالامر، فيجري ذلك مَجرى الاشتراك المعنوي في معنى كلي هو معنى العدل في الحكم، فانها حكمة تصلح حال الانسان والنظام ومصيره دنيا واخرة في مورد الحقوق والواجبات، فتصلح الحاله وتعتدل، فذلك مِمَّا أجْمعت العقول على حسنه، ولكنها مع ذلك تتباين في حده في الخارج فيقع التفاوت تبعا للتفاوت في تَحرير مناط العدل وتَحقيقه في الخارج فما يراه فلان عدلا قد يراه غيره جورا، كما أن ما يراه فلان جائزا يراه غيره مُمتنعا، فلا بد مع اختلاف معايير التصور والحكم من معيار ثابت يخبر بالصدق ويحكم بالعدل فيفصل النِّزَاعَ بَيْنَ العقول، وذلك هو معيار الوحي المعصوم : ((قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ))((إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) .
ومن وجه آخر تستغرق موارد التصور والحكم، فتعم التكليف والتشريع والأخلاق والثقافات وجَميع موارد الاختيار والحرية وحتى السلام الانساني .
على هذا الاساس مِمَّا يلزم تَحرير الموارد ليعلم الحق فيقبل، ويعلم الباطل فَيُرَد، ولا بد من معيار صحيح في نقل الدليل وبيان وجوه الدلالة فيه، فاتباعها واجب فما صح من الوحي خَبَرا أو حكما فليس إلَّا التصديق والْامتثال، فثم أصلان في هذا الباب، أصل الصحة في اللفظ والمعنَى، وأصل الاتباع لِما صح من الخبر فيصدق وما صح من الحكم، فأصل الاستدلال هو مقدّمة علمِيّة مبناها على العِلم بالاسناد والعلم بالمَتن، فيحصل الترغيب من هذا الوجه، كما يحصل الترهيب من الوجه الآخر، فالأمر في باب الخبر يطرد ترغيبا وترهيبا، كما يطرد في باب الحكم فعلا يقابل الترغيب فهو لازمه، وتركا يقابل الترهيب فهو أيضا لازمه، فالأمر يطرد في الخبر والحكم، وذلك من وجه آخر، مِمَّا استدل به على خلق الجنة والنار في ارتقاء الكمال للمادية والحسية والعاطفية فيهما منطلقا من النقص الدرك والمعاش والمحسوس ماديا وعدم الاكتفاء منهما وبهما اي الجنة وما يدل عليها بالترغيب والنار وا يدل عليها من الترهيب دنيويا بما دل عليها نص الحديث اُخرويا:
: ( لا عين رأتْ ولا اُذن سمعتْ )..
فهما مَخلوقتان بحكمة بالغة، مِمَّا يَحصل بها الترغيب والترهيب وما يتولد منهما من الرجاء والخوف، فالأول قائد يدفع والثاني هاتف يزجر
فدلَالتهما كحكمة دلالة اختصاص واستحقاق واقتضاء الحق في سنة الجزاء العادل أن ينتج المسبب من سببه وعن أسباب الهداية العلمية والعملية، فالاستحقاق هنا من جهة التلازم العقلي بين السبب والمسبب .
واخيرا الله عزوجل أعلم .
تقبلي مني كل التقدير على هذا الموضوع
بهاء الدين الخاقاني
انتهى

الاسم: بهاء الدين الخاقاني
التاريخ: 2012-04-30 00:32:22
2-
قد ابتلي البشر بِحقائق غيبية لا تدركها حواسهم الظاهرة كالحزن والفرح على سبيل المثال ولا الحصر ومثل ذلك ابتلائهم بالروح ومغزى الترهيب والترغيب، وإن لم تحلها عقولهم الباطنة، فالوحي يأتي في سياق الابتلاء بالغيب، ويأتي بجملة من الأخبار يحار العقل في درك حقائقها في الخارج، فلم يدركها بحسه الظاهر، أو يدرك لَها مثيلا، أو يخبر عنها باعلان سرها، فيحار في كنهها في الخارج ولكنه لا يحيلها في العقل، فهي من الواجب كصفات مدارج الكمال في النفس والانسان لادراك صفات الكمال لربنا الخالق جل وعلا، فيدرك العقل معانيها فيثبتها، ولا يدرك حقائقها في الخارج فيفوضها، أو من الواقعيات كسائر موارد الغيب كاليوم الآخر وما فيه من أهوال وما بعده من أجناس النعيم أو العذاب، وغير ذلك ما يدخل في حد الإيمان بالغيب، فيجيزه العقل فلا يثبته ولا ينفيه، فمدار الأمر على الخبر الصحيح الذي يصحح موارد التصور، فما صح من الأخبار وجب قبوله مطلقا، فمدار الأمر فيه على صحة الإسناد والمتن، فيصح الدليل نقلا ويصح الاستدلال عقلا فيجب اتباعه مطلقا، فذلك لا يكون إلا لنص الوحي الذي جاء بصحيح الخَبَرِ وصريح الحكم ويلحق به الإجْماع، فهو من وجه يندرج في أدلة النقل، فلا يثبت قطعا إلا إذا كان مِمَّا تواتر في النقل، وهو من وجه آخر مِمَّا دل الوحي على حجيته، فهو حجة في الخبر والحكم، فثم ما أُجْمع عليه من الحقائق الشرعية كالإجماع على وجوب اتصاف ربنا جل وعلا بالإثبات بلا تمثيل والتنزيه بلا تعطيل، فنورد كمثال من الحقائق الكونية :
.. فالنص القراني وعلمائنا من قديم الزمان على استدارة الأفلاك، مِمَّا سبق إليه الوحي علوم التجريب الحديثة في الوقت الذي كامن المغتقدات العلمية سابقا تؤكد على ثبات الفلك مثلا او تسطيح الافق والارض وهكذا، فأثبت النص الرباني الحقيقة الكونية على وجه معجز في وقتها وباتت بديهية حاليا بما أكده العلم فيما بعد، فذلك مِمَّا ينزل مَنْزلة الإعجاز بِخبر لا تدركه العقول ولا وسائل البحث في القديم، فسبق الوحيُ أهلَ العلم إلى إثبات الحقيقة على جهة اليقين .
اذن علم الوحي علم يقين جازم، وعلم التجريب علم ظنِّي، فيفيد الظن الراجح ولكنه لا ينفك عن مورد خطأ وهذا يشمل كل ما نتطرق له بشريا من اراء وبحوث، خلافا لخَبَر النبوة والوحي والعصمة فإنه يقين جازم، واليقين الجازم يقدم بداهة على الظن الراجح، فذلك قياس العقل الصريح فيقدم الوحي القطعي على العقل الظنِّي، ودلالتُهما عند التدبر والنظر لا تتعارض، فالعقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، ودلالة الظن الراجح في العلوم التجريبية قد واطأت دلالة اليقين الجازم في العلوم الخبَرية الَّتِي لا تنال على جهة القطع إلا من مشكاة الوحي، فهي معدن العصمة .
ان العقل غَيْر معصوم في تصور علمي أو حكم عملي أو سياسي إلخ ، فدلالته دلالة ظن تصلح للاستدلال في موارد الإرسال الَّتِي سكت عنها الوحي فلم يشهد لَها باعتبار ولا بإلغاء، فيجتهد العقل في دركها ما لَم يكن ثَمَّ ما يعارض نصا جزئيا مفصلا في علم أو عمل، فالأمر يعم موارد الخبر والحكم، فيصح بِهما التصور الباطن وما يصدر عنه من قول وعمل ظاهر استدلالا واستنتاجا واستنباطا، فلا تصح العقائد والإرادات والأقوال والأعمال إلا باستنادها إلى معيار محكم، فلو رد الناس إلى معيار العقل والذوق فهو معيار متشابه تتباين آحاده في الخارج بل وتتعارض، فما يحسنه سين من الخبر فيصدقه أو الحكم فيمتثله، يقبحه صاد فلا يصدق ولا يمتثل، فتتباين الأحكام العلمية بالتصديق والتكذيب وتتباين الأحكام العملية بالفعل والترك، فلا يحسم مادة النزاع بينها إلا كتاب الله عزوجل المعصوم والوحي الرباني الوارد في الحديث الشريف الذي تسنده معاني القرآن وتؤكده بلاغة اللغة العربي المبينة وماعدا ذلك كما يقول الأثر يضرب عرض الجدال أي أنه يهمل، وهما اي القرآن والحديث جاءا بِما يصحح التصورات ويصحح لزوما الإرادات والأحكام القولية والعملية في الخارج، فتعم أحكام التكليف وأحكام التشريع وأحكام الأخلاق وأحكام الثقافات إلخ .
يتبع
.............

الاسم: بهاء الدين الخاقاني
التاريخ: 2012-04-30 00:30:13
1-
الاستاذة فاتن نور المحترمة
تحية طيبة
موضوع مهم مثير في الثقافة الحديثة وهذا الامر من خصوصية قلمك الدائم ..
ياتي التعليق فضلا على ما ورد من اشكالية ممتعة للروح والجسد في الموضوع يحاور ما يكون جوابا لسؤال مهم فكري ورد في الموضوع :
.. هل أخفق الإنسان في فهم الغرض الدنيوي وراء الترهيب من النار، فتصوره عقابا فعليا مع سبق الإصرار والتنفيذ؟ ..
إن الترغيب والترهيب منهج تربوي قرآني وهو في نفس الوقت كمفهوم منهج عرفته البشرية في اطاري أنظمتها وحكمها وتنظيراتها الى يومنا هذا كون هاتان الحقيقتان قاعدتين أساسيتين لفصل الجزاء عموما في بابي الثواب والعقاب ان كان ما يتعلق بهما في اطاري الواجبات والحقوق دينيا أو غير ديني شاملة كل شؤون الحياة .
أن النفس البشرية بطبعها تميل إلى الثمرات الطيبة للأعمال وتطمع في الثواب، وتكره النتائج السيئة وتخاف من العقاب.
وبمثل هذا النظام يتم النُشوء الانساني وضبط تصرفاته على محبة حق ما او الحرص على طاعة ما، بما تغرس هاتان الحقيقتان في القلب من خوف من الترهيب ومصدره والرجاء من الترغيب ومصدره، ولا أجدى من هذا الأسلوب في بعث الايجاب ووأد السلب، إذ من شأنه أن يسهل امر ضبط السلوك والنصح والتوجيه، وأما من نشأ بعيدا عن هذه المعاني فإنه من العسير جدا التحكم في أخلاقه وتقويم سلوكه إذا ما وقع في بعض الانحراف، وعلاقة الامر هذا ممتدة من الولادة الى ممات، وبالنتجة يمكن استنتاج المصير في الدنيا والمصير في الاخرة او ما يمكن ان نصطلح عليه من حسن العاقبة وسوء العاقبة.
وكون امر التعليق مرتبط بالنص الاسلامي قرانا وسنة وروايات لا يمكن استيفائه في التعليق على هذا الموضوع المهم، فللترغيب والترهيب فيه لنشوء وتربية وتعليم البشرية أنماط واغلبها متعلق في نظامي التربية والتعليم لبلورة الأعمال والنيات والأخلاق بالاتجاه الأصلح .
حيث ليس كلّ الأمور لبيانها تحتاج للأدلة الشرعية فانها مجرد بيان صالحها من طالحها هو ثقافة من ثقافات الترهيب والترغيب في الأمور الحياتية وحتى العادية منها، وتشمل أيضا المواقف التي تحتاج مدحا أو ذما للتشجيع على الأصلح ونبذ الأفسد .
ان هذه الحقيقتين هي من لوازم العدل الالهي وبالأخص في فهم الحفاظ على التوازن بين الترغيب والترهيب دون طغيان جانب على آخر في نظام محكم حتى لا يطغى أحدهما على الآخر، وإن طغيان أحدهما على الآخر يخل في توازن الحقوق والواجبات، وهذا التوازن رتبط بالعبادة الصحيحة من كونه بالضد من قوم عبدوا الله سبحانه وتعالى بالخوف وحده فغلوا في الدين وزادوا فيه ما ليس منه ومالوا إلى الابتداع، وعبده آخرون بالرجاء فجفوا عن الدين وتركوا ما هو ركن فيه ومالوا إلى الانحلال .
وهنا تبرز أهمية الروح وفلسفة مجهوليتها كما اشير اليها في الموضوع اعتمادا على النص القرآني :
(( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ))(الإسراء/ 85) .
فهذا المعنى من الدلالة الى الخالق من جهة ومن جهة اخرى التوكيد بالغيب، وفيه معنَى الفعل والقوة والطاقة بل وفية دلالة الرب: بكن فيكون ..
وما يرتبط من ارادة تعلق بنص هو رباني أيضا لتشريع ارادة ما وحصول أمر ما والنص هو: .. بأذن الله ..
ولذلك حُدَّ بارادة الله عزوجل وبالغيب، فدلَالته بسيطة فلا يدل على معنًى في نفسه وإنَّما يدل على معنًى في غيره، فلما ضعفت دلالته المعنوية العلنية حار مبناه العقلي، فحد على علم الله عزوجل الخاص وعالم الغيب، فلما زاد المعنى بالغيب تعمقت دلالة معنى التوكيد للروح، فزادَ الله عزوجل في مبنى ارادته عزوجل من كون الروح من امره عزوجل، فضلا عن عمل الروح عمل الواقع حيث بانعدامها يتحق الموت وهو حقيقة واقعية معرفية قائمة لا يمكن نكرانها، فقد عَمِلَ المعنى عَمَلَ المتعدي الواقعي فله أثر في الحقيقة .
ان تطرق النص الرباني الى الروح علنا دون ذكر سرّها هو إمعانا في التشويق من كونه ابتلاء للانسان، ودلالة ظرفية في ادراك محدودية العلم الوجودي، ودلالة مكانية في الايمان بمحدودية العقل البشري، فقد تعلق الانسان بزمان هو الدنيا وتعلق بمكان هو الجسد لعله يدرك عبر خبرته من المولد حتى الممات ما يوجب تعلقه بالاسمى والاكمل ومن ضمن ذلك الجنة والنفور من النار، فتدل الروح في مجهوليتها الحتمية وواقعيتها المعاشة على ماهية مدخول الجنة والنار وغيرهما من الأمور المعلنة نصا في القران والسنة وهي جوهر المعرفة الحسية والمادية التي تفوق حسية ومشاعر ومادية ما يستمتع به في الحياة الدنيا وفي نفس الوقت الجانب العقابي الذي أيضا سيكون بنفس المشاعر والاحساس المادي الذي عرف في الحياة .
يتبع ..
.................

الاسم: عباس طريم
التاريخ: 2012-04-21 19:44:18
الاديبة الرائعة فاتن نور .
يسرنا كل ما يخطه يراعك , ويسعدنا كل ما ترسمه ريشتك الجميلة من قصاشد رائعة وبحوث ومقالات تجلب الانتباه لروعتها وسمو اهدافها .
تحياتي ..

الاسم: رياض عبد الواحد
التاريخ: 2012-04-21 19:19:31
اهنئك على هذا الوعي المتقدم وعلى هذه الاستنتاجات الرصينةالتي تنم عن سبر اغوار النصوص والوقوف على حيثياتها في ضوء المعطيات العقلية .ان لي ملاحظة بسيطة وهي ان من علامات المجاز صحة نفيه ونقض درجة دلالته عند درجة دلالة الحقيقة وهذا ما يدفعنا الى اشكالية قديمة في جعل العام اذا ما خصص مجازا ولو بنحو الاستثناء وهذا سيقودنا بالضرورة الى انكار الكثير من العموميات التي اصبحت جزءا من عمقنا الروحي .اشكرك ثانية لهذا الجهد

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 2012-04-21 06:08:26
فاتن نور

.............. ///// سيدتي لك وقلمك لما قدمتي بتلك المحاضرة العلمية الدنيوية القيمة دمت سالمة

تحياتي فراس حمودي الحربي ............................... سفير النوايا الحسنة

الاسم: عباس سامي
التاريخ: 2012-04-21 05:58:47
افضل التفسيرالصوفي:الجنة معرفة واشراق ونور والنار جهل وظلام

الاسم: فاتن نور
التاريخ: 2012-04-20 20:38:31
المبدع المطلبي..
ثمة فرق كبير بين فشل النص الديني، والفشل في فهمه وتفسيره..وجاء حديثي مسلطا على الشق الثاني..فثمة تشبث في فهم الثواب والعقاب في النص الديني فهما ماديا صرفا..فقط لأن النص صورها هكذا..اما الهدف من فهمها مجازيا فهو تنزيه عالم الآخرة من مادية دنيوية لصقت به ، وتفادي ما لهذا اللصق من تداعيات خطيرة على المجتمع، فالرغبة الجامحة لإشباع غرائز الجسد في العالم الآخروي بعد كبحها دنيويا تدفع الى الرغبة في الإنتقال السريع الى عالم يتيح المحظور..اي الرغبة في الموت.. ومن يرغب في الموت لا ينتج معرفة أو يبني حضارة دنيوية او يساهم إيجابيا في تنمية المجتمع.. فهو مشدود الى سحر عالم ماورائي يطمع به.

شكرا لمرورك العبق..مع الود وتحايا المطر.. وحياكم الله

الاسم: عبد الوهاب المطلبي
التاريخ: 2012-04-20 19:47:30
الاديبة الباحثة فاتن نور
ارق التحايا اليك
اميرة في نصوصك الادبية وأميرة في بحوثك الادبية والفلسفية وهذا البحث ايضا تقدمينه كقصيدة نثرية اشبه بالانفجار الكبير لكون صغير نسبيا قابل للتمدد عبر رؤية يصب لملمتها تحت الجسر الممتد في غيوم المجهول بين الصوفية والدنيويةواذا كان بحثك يقودنا في فشل الغاية من النصوص الدينية.. فهل ثمة للمجاز ان يقودنا الى معنى آخر؟
تقبلي مروري مع التقدير




5000