هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


لسنا مواطنين حتى إشعار آخر

محمد الحمّار

 في الوقت الذي يخوض فيه المجتمع السياسي مناقشات ويقوم فيه بمحاولات من أجل إرساء مسار توحيدي يضمن للبلاد أرضية دنيا للوفاق وللبناء الاقتصادي والاجتماعي، يتسم الوضع العام بمزيد من الفوضى الأمنية والفكرية فضلا عن الفوضى السياسية. قد يكون  هذا كله من باب التجاذبات الضرورية بعنوان حرية التعبير التي لم نكن نتمتع بها قبل 14 جانفي. لكن الملفت للنظر والخطير في الآن ذاته هو عدم إيلاء المجتمع السياسي ولا المجتمع المدني الحد الأدنى المطلوب من الاهتمام للنشاط الفكري ، يكون على الأقل مضاهيا لمنسوب الاهتمام السياسي. لكأنّ المواطن والمجتمع ملقّحان ضد "فيروس" الفكر معاذ الله.

 فالسياسيون والفاعلون المدنيون يتسارعون لاتخاذ المواقف السياسية الآنية والحال أنهم لا يخصصون الوقت الكافي ولا المجال الملائم للمواطن كي يصوغ مواطنته، بعد عقود عجاف قضاها في منزلة تقع بين الحيوانية والرق، كي يصير القرار بالنهاية منبثقا عنه. إنهم بذلك يعربون عن عجزهم عن قيادة المواطنين بما يناسب تطلعات هؤلاء وبما يستجيب لحاجياتٍ فكرية تسند حاجياتهم السياسية المباشرة، أي بطريقة ترتقي بالأولوية الفكرية إلى مستوى الأولوية السياسية، إن لم نقل إلى مستوى سابق له. ومن نتائج هذا التهاون العام  رسوخ نوع من "التخلف الوطني" يتمظهر كلما وجد المجتمع نفسه عاجزا عن مقاومة الأزمات. وآخر التمظهراتٍ تتمثل في المواجهة التي حصلت في العاصمة في يوم 7 أفريل 2012 بين قوات الأمن والمتظاهرين من أصحاب الشهادات العليا، والتي تم اللجوء فيها إلى العصي والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين. كما تتمثل في الأحداث المشابهة التي عرفتها نفس المدينة، بعد يومين فقط، في يوم 9 أفريل 2012، للتعبير، بمناسبة إحياء ذكرى الشهداء، عن عدم رضائها عن أداء الحكومة. أمّا التخلف فلا نسجله في ممارسة الفئة المتظاهرة لحقها السياسي في التعبير عن سخطها وإنما في مرور الحدث تلو الآخر دون أن نستمع ولو إلى كلمة واحدة عن جوهر الموضوع، ألا وهو (في الحالة الأولى) التشغيل وعلاقته من عدمها بالدراسة وبالاقتصاد وبالمجتمع، و (في الحالة الثانية) الحَوكمة وماذا تُراها فعلت لتحقيق أهداف الثورة. فلا الشارع ولا الإعلام أصرّ على التشبث بالموضوع الأصلي. هل السياسي عندنا قد افترس الفكري؟ وهل الأمني سيلتهِمُ كل أوجه الحياة؟

فضلا عن هذا الجانب الفُصامي في علاقة الفرد والمجتمع بجوهر المواضيع، لمّا نتحدث عن مشكلات فكرية لا يسعنا إلا أن نقدمها على أنّ جُلها مرتبطة ارتباطا عضويا بالمسألة الدينية، مما يستدعي التدرب لاكتساب القدرة على  تحديد مكانة الدين في المجتمع. وهنا نخلص إلى طرح بعض المبادئ التي تسند هذا الرأي الداعي إلى ضرورة النهوض بالأداء الفكري مع تحريره من أسبقية السياسي (والأمني) عليه، حتى يعتلي مكانته الطبيعية؛ مكانة الصدارة، وحتى يتجاوز المواطن امتحان المواطنة بنجاح. وتتلخص المبادئ في بضعة نقاط من أهمها نذكر:
أ. لا يمكن أن يخوض المواطن في المسألة الدينية في إطار الأحزاب، ناهيك في حزب ديني مثل حزب النهضة أو حزب التحرير أو في إطار مجموعة دينية مثل مجموعة السلفيين لِما في ذلك من مخاطر تؤول إلى مصادمات بين ثوابت الأفكار وحتى إلى التشكيك في العقيدة، مما يتسبب في صدامات مذهبية (مثل "غزوة المنقالة" وصدام السلفيين والمسرحيين في 25 مارس 2012). بينما كلنا يعلم أنّ الدين جاء ليوحد الناس لا ليفرقهم حتى ولو اختلفت العقائد في نفس المجتمع.
ب. إنّ أفضل فضاء لمعالجة المسألة الدينية هو الشارع والجمعيات والمحلات الثقافية و أجهزة الإعلام، وربما أيضا المدرسة والجامعة، إذا عرفنا كيف نعالج المسألة بعيدا عن التجاذبات السياسية والتدخلات الأمنية.
ج. يتبين لنا أنّ الأسلوب الكفيل بحل المشكلات المتعلقة بالدين يتبلور لمّا نبدأ بإدراك أنّها ليست مشكلات دينية مباشرة والحال أنّ المواطن و المجتمع يخطئان لمّا يطرحانها على أنها كذلك. و بناءً على ما يتجلى لنا في الوقت الراهن وما تجلى لنا كنتيجة لمتابعة شبه مستمرة الأجدر أن يكون أسلوب التناول من الصنف الاجتهادي والإصلاحي.
د. أما المقصود بالاجتهاد فهو الاجتهاد السياسي الذي يكون شعبيا وحرا. وليس المقصود به ذاك الذي يُعنَى بالدين. إذ إن هذا الأخير  من مشمولات أهل الاختصاص. وأهل الاختصاص يبقوا مُكبلين طالما أنّ المشكلات المغلوطة التي تؤخذ على أنها دينية تحجب عنهم الرؤية الواضحة أمام المشكلات الحقيقية التي تتطلب تفعيل الجهاز الفقهي لكي يكون هذا الأخير قادرا على لإسهام في معالجتها. ومن بين الحاجيات التي تستوجب اجتهادا سياسيا فوريا، والتي تبرز من خلال الأحداث الأخيرة على الأخص، حاجتنا إلى معرفة "كيف نصبح مواطنين مضطلعين بمواطنتنا".
ه. في تقديرنا لا يمكن أن يُفتح باب الاجتهاد التقليدي (الديني)، اجتهاد المشايخ وعلماء الدين، أو أن يزدهر، من دون الاجتهاد السياسي الذي ندعو إليه. ذلك أنّ الاجتهاد السياسي من شأنه أن يشتغل في المساحات التي تحجب الرؤية الصحيحة عن أهل الاجتهاد الديني. وهذه المساحات تغطي المنهجيات لا مضامين الأفكار، والأولويات لا الشماعات و"الفزاعات"، والحاجيات كما يتلمسها الشعب لا الحاجيات كما يُعرّفها السياسيون، والجزئيات السلوكية كما يرتئيها المفكرون لا تلك التي يراها ويقمعها الأمنيون.
و. كل فرد بقادر على تعاطي الاجتهاد السياسي، إلا أنّ حرمان شعبنا (التونسي والعربي المسلم) منه، أفرادا وجماعات، ناتجٌ إلى حدّ بعيد عن حرمانه من الحرية طوال عقود الاستبداد، فضلا عن عهد الاستعمار وعهد الانحطاط من قبله. وهو حرمان قد غمرَ إمكانيات الأمة قاطبة وأعاق إرادة التغيير لديها. من هنا نميل إلى الاعتقاد أنّ شعور الفرد والجماعة بعدم القدرة على الاجتهاد ينمّ عن تشكيك ذاتي أكثر ممّا ينمّ عن فقر عضوي في الإمكانيات العقلية لدى المواطن ولدى المجتمع، كما يحلو للمتشائمين وللمشبوه في وطنيتهم وللمنقوصة غيرتهم على شخصيتهم التاريخية ولأعداء الأمة أن يصنفوه. كما أنّه من الأرجح للظن أنّ الذي جرى للعقل إنما هو استحواذ الثقافة النقلية عليه، لا "اغتيال العقل" (كما ذهب إليه بعضهم على غرار برهان غليون). فالمطلوب إذن، لإعادة الاعتبار للفكر عموما ولبعث الاجتهاد السياسي على الأخص، مداواة العقل لا محاولة تنصيب عقل مستحدث في مكانه. وهذا عملٌ يستلزم إعداد برامج تنويرية واسعة النطاق وعَقد حوار وطني يتسم بتكثيف المناقشات وتوجيه المناظرات في المجتمع وفي الإعلام، تبعا لمناهج ومقاربات علمية تهدف إلى اختراق البرزخ الفاصل بين العقل ومادة الاجتهاد قبل هدمه.

في نهاية المطاف، وبالمختصر الكامل، يتوجب على كل الأطراف الضالعة في إعادة تشكيل الخارطة السياسية وفي تنظيم المجتمع المدني أن ينفتحوا على المواطن أولا، ثم على أهل الفكر والثقافة بشكل يُمَكن هؤلاء من التقدم على السياسة والسياسيين شيئا ما، تبعا لطبيعة العلاقة بين الفكري والسياسي. كما يتوجب تشديد كل الأطراف على العناية بفقه المنهجيات والأولويات والحاجيات. وإلا فسيظل البون شاسعا بين النخبة والشعب من جهة وبين المجتمع السياسي والمجتمع الفكري من جهة أخرى وبين السلوك المراد تجسيده والسلوك الفوضوي السائد، من جهة ثالثة. علما وأنّ كل بون من شأنه أن يؤذي الجسم أكثر مما تؤذيه عصا البطش. وكل قطيعة من شأنها أن تُسيل أنهارا من الدموع لا تضاهيها الدموع التي يُسيلها الغاز. وهذا ما لا يتمناه أيّ مواطن ملتزم بتكميل مواطنته وبالاضطلاع بها، بما يؤَمّن له العيش في تونس الجديدة. 


 

محمد الحمّار


التعليقات




5000