هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الثورة بين ركوب الإسلاميين عليها و تأصيلها في تاريخ المسلمين

محمد الحمّار

توافق ذكرى يوم الأرض هذه السنة (في 30 مارس 2012) بلوغ الحكومة التونسية المنتخبة ديمقراطيا سنا تناهز المائة يوم أو تزيد، وهي السن التي تجيز التقييم و المحاسبة. والمؤشرات الأولية تؤكد فرضية الفشل أكثر من تأكيدها إمكانية التدارك. فبالرغم من أنّ هذه الحكومة ائتلافية، إلا أنّ غلبة اللون الديني عليها، كسابقة في التاريخ السياسي للبلاد، يُعدّ في رأيى العامل الأساسي المسؤول عن اهتزاز الأرضية السياسية العامة بالبلاد وعن ارتجاج العقل السياسي فيها. من هذا المنظور يمكن القول إنّه لحريٌّ بيوم الأرض أن يعتني لا فقط بمن أرضُه سليبة، مثل الأشقاء الفلسطينيين، وإنما حتى بمَن يملك أرضا وهو عاجز عن تثبيت قدميه الاثنتين عليها. إنه لحريّ بكل عربي أن يقع تحت طائلة قانون الأرض ويومها.

 في يوم الذكرى كانت الحشود من المواطنين تملأ ساحة باردو قبالة بناية المجلس الوطني التأسيسي. لم أكن من بين المشاركين في التظاهرة لكني كنت متواجدا في تلك البقاع لغرض لا يقل أهمية عن غرض الوقوف مجددا لمساندة القضية الفلسطينية، محور القضية الحضارية العربية. كان لي لقاء مع شاب وشابة من خيرة طلبة تونس، كي نتحاور حول موضوع "الشرخ المجتمعي في تونس" وتنامي ظاهرة السلفية. أما الذي يجمع بين الحدثين الاثنين، في ضوء هذه المقاربة "الأرضية"، فيتمثل في وثيقة سلمها لي أحد النشطاء في ساحة باردو على إثر انتهائي من اللقاء العلمي. تحمِل الوثيقة عنوان "الأرضية السياسية للجبهة الشعبية 14 جانفي". وهي عبارة عن بيان يحتوي على 15 نقطة كل واحدة منها تعبر عن استحقاق أو مطلب أو استنكار أو تنديد أو دعوة للنضال. وقد ابتهجتُ لهذه الحركة الاحتجاجية الدالة على عدم رضاء أحزاب وطنية (وهي خمسة موقعة على البيان) عمّا آلت إليه الأمور في البلاد من وضع سياسي غير متسق مع طموحات الشعب ومن وضع اجتماعي متردٍّ ومن وضع اقتصادي يتسم بغلو المعيشة وما إلى ذلك من أوضاع سائدة بعد مرور قرابة مائة يوم بعد تسلم الحكومة الإسلامية المطعمة بالعلمانيين مقاليد الحكم.

لكن بقدر ابتهاجي للحملة المكتوبة تبعا لشرعية الطلبات المعبر عنها فإني لم أكن أشعر بأنه لا يزال للكلمات المستعملة في الخطاب السياسي الاحتجاجي (بنود الوثيقة من بين خطابات أخرى) وقعٌ يُذكر على قلوب وعقول الفاعلين في السلطة الحاكمة من حيث وظيفيّة الرسائل التي تتضمنها والتي تتطلب استجابة فورية من طرف المسؤولين من أجل تخطي الصعاب وتحقيق أهداف الثورة. لكأنّ الكلام الاحتجاجي للمواطن يسير في واد، ومحاولة تلبية طلباته تسير في واد ثانٍ. على سبيل المثال لم يعُد المرء يدرك أنه لا يزال لمقولة "تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني" (النقطة رقم 14) أيّ معنى بعد أن قضينا عقودا في تجريم شبه يومي للاحتلال ثم للتطبيع بلا فعل آني وناجع. كما لم يعُد المرء يدرك المعنى الحقيقي لمطلب "التصدي للهجمة الشرسة على الحريات الفردية والعامة (...)" (النقطة رقم 4) والحال أنّ المواطن المحتج يفتقر في معظم الأحيان، بسبب التخلف الوطني، إلى حرية التفكير، وهي صمام الأمان وخزان لوقود الـ"كلام" حتى تكون الحركة متزامنة معه وبالتالي مفيدة وفاعلة.

إنّ مثل تلك الطلبات كلها جميلة ومشروعة لكنها خالية من الدلالة الحقيقية. وهي كذلك لا لأنها بالية ومتكررة، ولا لأنها مستحيلة التحقيق أو مجحفة أو تعجيزية، بل لأنّ منهاج تحقيقها حاضر بغيابه. فنحن نفتقر إلى الوسائل المنهجية السانحة للنضال من أجل تحقيق أهداف نبيلة إلى درجة أنّ ذلك الفقر صار ينزل بكل ثقله على الطلبات نفسها، مما يُشوش على العقول ويشكك حتى في الأهداف. لماذا كل هذا الارتباك في الاهتداء إلى المنهاج الثوري القويم؟ ببساطة لانّ الثورة قد تم مبدئيا "الركوب" عليها، ولو أنّ "الركوب" لم يكن متجسدا في الابتعاد تماما عن الأرضية الثورية، وإنما يتجسّد في كوننا لم نعُد متشبثين بهذه الأرضية بواسطة القدمين الاثنتين، أو ربما لم نطأ هذه الأرضية أبدا بالاثنتين معا، كما سنرى. فما هو العامل الرئيس المتسبب في حدوث مثل هذه الزلة؟

يأتينا الجواب من قراءة النقطة رقم 2 للبيان الاحتجاجي المذكور: "فصل الدين عن السياسة والتصدي لكل أشكال التوظيف السياسي للدين (...)". فهذا مطلب من شأنه أن يكون مثيرا للجدل لكن الذي يقلق الباحث أن المطلب مَحل إجماع النخب بمختلف مشاربها، حتى المتدينين منهم. ومصدر الجدل الافتراضي أنّ المطلب صائب بقدر ما هو مخطئ. وفي هذه المفارقة يكمن اللغز بخصوص الزيغ المنهجي. إنّ البيان صائب إذا اعتبرنا أنه قد تم فعلا توظيف الدين في السياسة، أولا بالترخيص لحزب النهضة الديني في النشاط العلني، ثم في انتخابات 23 أكتوبر التي أفرزت الفوز النسبي لحزب النهضة (لأنه ديني) بغالبية الأصوات. كما أنّ الدين يتم توظيفه بين الحين والآخر من قِبل أطراف خفية وأخرى مكشوفة إلا أنها فاعلة سلبا في المجتمع بحُكم خطابها المبسّط بدعوى بساطة الدين الحنيف. وهذه الأطراف تلجأ إلى أنماط خطيرة من توظيف الدين في السياسة رغم أنّ الأنماط تختلف عن بعضها البعض في درجة الخطورة. وتكمن الخطورة في كون التوظيف يكرس الانقسام والفرز في داخل المجتمع السياسي، ويتسبب في حيرة المجتمع ككل.

 والمطلب مخطئ لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار أنّ توظيف الدين في السياسة قد تم فعلا وهو من المحصول الحاصل، لذا فالأجدى بالعقل المجتمعي أن يسايره لا أن يقصي العمل به. فالإقصاء هو الذي كان قد تسبب في تنامي ظاهرة الإسلام السياسي وكذلك السلفية بأصنافها. فهل أخذ منا الغباء مأخذه حتى صرنا سادِيين وماسوشيين، نؤذي بعضنا بعضا بأفضل ما مَنّ علينا الله به؟ وأي مكان للدين في ثورة تونس والعرب إذا اعتبرنا رفض مزجه بالسياسة؟ وهل الدين صار مسألة شخصية إلى درجة أنّ حتى الثورة لا تقبل التعبير عن الآثار الطيبة للإيمان، ولو كانت تلك الآثار تُسجَّل بالضرورة في المجال السياسي؟ أين الخلل الأصلي إذن؟ إنّ إيجاد أجوبة ضافية عن مثل هذه الأسئلة ثم إحداث خطط متنوعة تستلهم أهدافَها ومناهجَها من الأجوبة، ثم تنفيذ مفعول الخطط في كافة المجالات ذات الصلة أمرٌ بات ضروريا الآن. وهذا هو التنوير الذي يليق بمشكلتنا. وهو يتطلب خططا ومناهج وبرامج سابقة لخطط ومناهج و برامج الإصلاح والبناء أو متزامنة معها.

ولمزيد من الإيضاحات حول عملية التنوير نقول:

 أولا، إنّ الخلل في التعامل مع المسألة الدينية يتجلى إجمالا ومن دون أدنى شك في عدم استطاعة العقل المجتمعي توظيف الدين كعامل توحيد، وبالتالي عدم استطاعته أن يحُول دون أن يُستغَلّ الدين للتفريق بين مختلف الحساسيات والأطياف المذهبية والسياسية. وبالرغم من أنّ الحركات الإسلامية قد فازت في الانتخابات إلا أنها فشلت (مَثلها مَثل الأحزاب العلمانية) في تعبئة شرائح المجتمع العربي المسلم بنفس الكثافة والإجماع والقيمة التي يقدر الإسلام وحده على تعبئتها. كما أنّ كل الأحزاب و الحركات باتت فاشلة في تصوّر بناءٍ لمجتمع ملتزم لكنه عصري أي فاعل في التاريخ. وفي ضوء هاتين المعاينتين قد يكون الوقت حان لإطلاق فكرة مفادها اعتبار حياتنا كمسلمين تجربة على غرار تجربة محمد صلى الله عليه وسلم، من هنا فصاعدا. إذ  هو قدوتنا ومرجعيتنا. فالفكرة بحد ذاتها امتداد للإسلام وتجديد له أي العودة إليه لكن بأساليب حديثة. ثم إنّ حملة كهذه، لم يعد يحتمل تنفيذها أيّ تأنٍ أو مماطلة، لأنها هي التنوير الذي شرحنا أسبابه أنفا. ولتحقيق فكرة التنوير في الواقع يتوجب اتخاذ موقف مبدئي من الإسلام، قبل الشروع في التخطيط وتنفيذ الخطط في التربية والمجتمع. وهذا الموقف يكون تاريخيا من باب أولى ويتلخص في ما يلي: الإسلام وراءنا إذا اعتبرنا تجربة الرسول الكريم التجسيد الوحيد الذي يجدر تسميته بالحقيقي للدين الحنيف؛ والإسلام أمامنا إذا اعتبرنا المستقبل تطبيقا له، نتوق إليه ونضطلع بتحقيقه؛ وسيتبين أنّ الإسلام فينا ومعنا آنيا إذا كنا قادرين على التمركز التاريخي على تلك الشاكلة.

ثانيا، لكن للأسف حدثت ثورة 17 ديسمبر-14 جانفي والحال أننا لم نكن متمركزين هكذا. ثم عقدنا انتخابات والحال أننا لم نكن متمركزين هكذا. فلنأخذ الثورة كواجهة أولى. إنها مكنتنا من وضع قدم واحدة في مسار التاريخ بينما بقيت القدم الثانية عالقة في الفضاء. وستبقى في هذا الوضع، وضع الزلة، ما لم نتصالح مع التاريخ. والمصالحة تتطلب الاعتراف بالعامل الديني كمعطى تاريخي أي داخلٍ في الثورة لا خارجٍ عنها. لكن هذا الشرط يرتطم بعقلية راسخة بفضل إجماع (خطير) مفاده أنّ الإسلام لم يكن له دخلٌ قطّ في الثورة. وهذه المغالطة الذاتية تتأكد من خلال معاينة الإقرار بأنّ "الثورة قد حصلت بغير شعارات، لا دينية ولا شيوعية ولا قومية ولا غيرها ". ومن هنا نأتي إلى الواجهة الثانية التي كانت تفتقر إلى التأصيل التاريخي، ألا وهي الاستحقاق الانتخابي. وهي الواجهة التي نرى فيها المجتمع (الضيق؛ النخبوي؛ العلماني المتطرف؛ المنقوص من الأغلبية الصامتة) يضع ثقته التامة في صندوق الاقتراع، الذي سيسفر حسب ظنه، عن نتائج تعكس تاريخ البلاد وانفتاح أهلها واعتدال تدينها. لكن يبدو أنّ المغالطة الذاتية انطلت على العلمانيين المتطرفين ولم تنطلِ على إسلاميي حزب النهضة، مما حدا بهذا الحزب أن يستغل الفرصة. فكان مجرد الإقرار بأنها ثورة خالية من الشعارات فرصة سانحة له كي يستأثر برأي الأغلبية ممن صوتوا فعليا (وهي أغلبية نسبية). والمحصلة أنه أخذ نصيبه من الإسلام، إن صح التعبير، وكذلك نصيب غيره المتخلي (الأغلبية الصامتة). وهنا تكمن المشكلة. إذ إنّ التمتع بنصيبٍ شرعي وبنصيب فائضٍ في الآن ذاته يخلق الوصاية على الآخر الذي افتُكّ منه نصيبُه. وهو ما سمي إعلاميا بـ"ركوب الإسلاميين على الثورة".

 ثالثا، نفهم من هذا ما يلي:

 أ. أنّ "الأغلبية الصامتة" التي لم تشارك في الانتخابات شريحة حكيمة بقدر ما هي غير مسؤولة ومتخاذلة. إذ إنها من جهة توجست خيفة من الانسياق إلى أحد القطبين، الإسلامي والعلماني المتطرف، ومن جهة أخرى فرطت في "نصيبها من الإسلام" لفائدة حزب حركة النهضة (وللسلفيين الذين سيظهرون فيما بعد). أي أنها كانت من الأول قابلة لقوانين الوصاية التي ستمارس عليها.

 ب. أنّ مجتمع النخبة (العلمانية واليسارية) كان يبحث عن الحلول السهلة. ومن بين هذه الحلول لجوءه إلى صندوق الاقتراع على أمل أن يكون هذا الأخير هو الفيصل في إقصاء الإسلاميين بما معناه أنّ الصندوق سيثبت أنّ الإسلام السياسي ليس له مكان في مجتمع مسلم. بينما النتيجة كانت معاكسة تماما لِما يتمناه مجتمع النخبة، وكان الفوز للإسلاميين.

ج. إن فوز حزب حركة النهضة الإسلامي في مرحلة أولى ثم نكوصه شيئا فشيئا إلى الوراء (الآن) في مرحلة ثانية دليل على أنّ صندوق الاقتراع ، لئن هو الفيصل مبدئيا في السماح بالإدلاء بالأصوات في كل عملية انتخابية ديمقراطية، فليس هو الفيصل (ولم يكن هو الفيصل) في تحديد طبيعة المشكلات المتعلقة بالمسألة الدينية في مجتمع متحد تاريخيا حول الإسلام. بكلام آخر، لقد أجريَ الاستحقاق الانتخابي كأول تجربة ديمقراطية في البلاد والحال أنّ المشكلات المؤثرة في التوجهات الكبرى (وفي الأحزاب وفي البرامج السياسية وفي اختيارات الناخبين)، ومن أهمّها تلك المتعلقة بالدين وبمكانته، بقيت عالقة. وإذا بقيت عالقة يبقى الوفاق السياسي غائبا والفرز الإيديولوجي سائدا، مثلما هو الحال الآن.

 إذن انطلاقا من هذه الاستنتاجات الثلاثة نتخلص إلى الإقرار بأنّ "ركوب" الإسلام السياسي على الثورة (في تونس وفي مصر وفي ليبيا وأينما وقعت وستقع الثورة) برهان على ضرورة ضم الدين إلى المسار التاريخي للثورة. ذلك أنّه كان "ركوبا" اضطراريا في انتظار أن يصير تأصيلا اختياريا. وهو كالسراب يحسبه الظمآن ماءً، لرموزِه خطابٌ إسلاموي، لكأنّهم يقولون للمسلم: "أنت لم تكن مسلما أبدا، ولست مسلما الآن، لكن ستكون مسلما طالما أنك تأتمر بأوامر أناس طيبين مثلنا". وهذه هي الوضعية التي نرى فيها قدَما واحدة، دون الثانية، راسخة في الأرض. بينما يكون التصحيح التاريخي بالقول: "كنتَ مسلما، وأنت الآن مسلم طبعا، لذا كن مستقبلا أفضل مما كنت ومما أنت الآن". ولكي يتم تصحيح الثورة وتثبت القدمين الاثنتين على اليابسة لا بدّ على العقل المجتمعي أن يستبطن الحقيقة التالية: كنا مسلمين قبل الثورة فليس هنالك داعيا لا للركوب عليها باسم الإسلام (كما حدث اضطراريا) ولا للتنصل من الإسلام، إما على خلفية الخشية من أن يركب عليها فرقاء سياسيون باسم الدين وإما، في الصورة المعاكسة، بواسطة الإقصاء المتعمد للدين بدعوى الطبيعة العلمانية للثورة. إذا تخطينا هذه العقبة، عقبة التمركز التاريخي، ستأتي تدريجيا الأجوبة المتعلقة بالسؤال المحوري "هل يُمزج الدين بالسياسة أم يُفصل؟" وسيكون ذلك من دون هوَس، نظرا لأنّ السؤال بحد ذاته مؤشر على علل بليغة كامنة في المجتمع تتعلق بالموقف التاريخي الخاطئ، أكثر من كونه معبّرا عن العلة نفسها. فتصحيح مشكلة الموقف التاريخي ستكون نقضا لذلك السؤال من أساسه.

كما نتخلص إلى التشديد على أنّ الذين قاموا بالثورة كانوا ولا يزالون وسيكونون مسلمين. وطالما أن الوعي بهاته المعادلة كان غائبا في لحظة الثورة، على العقل المجتمعي أن يبرر هذه المعادلة وذلك بدءً بالمفصل المتعلق بالماضي. عليه أن يثبت لنفسه وللمجتمع أنه كان مسلما. فالتجربة الإسلامية (الحضارية والثقافية والإيمانية) سابقة للثورة ولم يبق سوى استقراؤها كقانون أنسني وناموس تاريخي لشعب تونس بل للأمة العربية الإسلامية، لا استبعادها كما يريد العلمانيون المتطرفون، ولا استبدالها بأخرى ابتداءً من نقطة الصفر الواهية، كما يريد الإسلاميون. إنّ النقطة الصفر الأصح هي النقطة التي يتلاقى عندها الماضي والحاضر والمستقبل في الوعي في الآن ذاته. وهي نقطة انطلاق الثورة الحقيقية، مرحلة الإصلاح والبناء، التي تلي مرحلة التنوير كما ذكرنا، أو تتقاطع معها أين ينبغي التقاطع. إنّ البدء، تنويريا، باستقراء الأسلمة في الماضي هو الأصح لبلوغ نقطة الصفر الثورية، وذلك لسببين على الأخص: من جهة لأنّ الاستقراء لا يقصي الحاضر، بل يجعل من الحاضر نقطة انطلاق لتقصي الماضي وانعكاس له. ومن جهة ثانية، لأن البدء بالحاضر أو بالمستقبل من دون إيلاء الماضي المكانة المستحقة ليس استقراءً بل هو إسقاط، أي أسلمة على الطريقة السلفية الإخوانية الأصولية. وهذه المنهجية مخطئة أولا من حيث نتائجها السيئة في المجال السياسي، كما نشهد عليه في تونس اليوم، وثانيا لأنها مقلدة لنماذج التفكير الاجتهادي التقليدي، من استنباط واستدلال وغيرها. أي أنّ الأصولية والسلفية والإسلام السياسي يخلطون بين الواقع السياسي، الذي يستدعي وسائل تغييرٍ انثروبولوجية وتربوية وظواهراتية وغيرها، والواقع التشريعي، الذي يستدعي الاستنباط تارة والاستدلال طورا والاستقراء في جل الحالات (يحبذا).  هكذا وقع اختزال مسرح الحياة في "مجلس شرعي" أو في "محكمة" من طرف هؤلاء الضحايا. من هنا نتخلص إلى القول إننا أبرياء حتى تثبت "إدانتنا"، ولن تثبت لنا إدانة طالما أنّ الشعار الأفضل هو: "اسمح لي أن أبين لك أني كنت مسلما وسأريك، في الوقت نفسه، من أنا حاضرا ومن سأكون مستقبلا". والتبيين  هو مضمون الخطط والمناهج والبرامج التي نحن بحاجة إليها لتنفيذ مفعول التنوير في شكل إنجازات تربوية و اقتصادية واجتماعية ثورية.

بالنهاية لئن لا يعني الإقرار بتاريخية الإسلام الابتعاد عن إنجازات السلف (وهي التي وراءنا)، ولا عن مقاصد الإسلام (وهي التي أمامنا) ولا عن مضمونه (الذي هو في كل زمان ومكان)، فتبقى الطريق إلى التحرر التام طويلة وشاقة لأنّ بعد تصحيح الموقف التاريخي واستشراف الإستراتيجية التنويرية سيأتي حتما دور تفصيل المنهاج وتصريف الخطاب وتحرير الرسالة المعاصرة للمسلمين. للتلخيص، هل يُمزج الدين بالساسة أم يُفصل عنها؟ أعتقد أنه لا ينبغي أن نبقى عالقين بإجابة جاهزة عن هذا السؤال لأنّ طرح السؤال يدل على عدم استعداد المجتمع لاستبطان فكرة التنوير، ناهيك أن يعي بأنّ العمل المطلوب إنجازه يهدف إلى محو كافة المشكلات المغلوطة وما يتعلق بها من حلول ظرفية لا تصلح إلا كمسكنات. فهل المجتمع مستعد لإنجاز التنوير؟  

 

 

 

محمد الحمّار


التعليقات




5000