..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أبو العلاء المعري بين معروف الرصافي وطه حسين

مهدي شاكر العبيدي

ثلاثة كتبٍ تندرج في نطاق النثر ، والنثر الممتاز ، من الأنواع الأدبية في الأدب العربي ، ممَّا قرأته لحدِّ التاريخ الجاري ممهورا ً بقلم معروف بن عبد الغني المُلقب بالرصافي ، واكتسابه لقبه هذا يعزى في حكاية مشهورة بين الأهالي ببغداد القديمة ، يسردونها في أسمارهم ومجالسهم بالأمس إلى أنَّ أستاذه محمود شكري الآلوسي الذي تتلمذ عليه وتعلم على يديه مبادئ القراءة والكتابة ، وأخذ عنه علوم القرآن واللغة والنحو ، وأطلعه على الشعر العربي ، فأعجب بفطنته ونباهته وسرعة حفظه ، وحصلَ ذات مرَّة أنْ استدلَّ أثناء درسه واستغراقه في محاضرته باسم المتصوف الإسلامي المدفون بجانب الكرخ في مقبرة خاصة بعد أنْ حيي في العصر العباس الأوَّل وفارق الحياة بنهايته واسمه معروف الكرخي ، ولقيَتْ فصول حياته بمختلف أدوارها المتتابعة هوىً واستئناسا ً من لدنه بسماعها كلَّ مرَّة لدرجة استلفتتْ نظر هذا المجتهد الديني الذي يتحلـَّق حوله الطلاب والمريدونَ ، يأتمُّونَ به ليسترفدوا معرفته وإلمامه بالأحكام الشرعية ، فعنَّ له أنْ يضفي عليه تسميته بمعروف الرصافي على سبيل الاقتران والتشبُّه بالمتصوف القديم في جلسة لا تخلو من الاستغراق في الدُعابة وتلطيف جانبه وإكرام شخصه .

 

فأمَّا هذه الكتب الثلاثة التي انتهَتْ إليَّ بفعل المصادفات وعلى غير المتوقع ، لأنَّ المشهور المتداول في الوسط الثقافي هو ديوان شعره المرصود في غالبيَّة قصائده للقضايا الاجتماعية والسياسية ، وقليلٌ منها ينزع إلى تصوير عواطفه ومشاعر وجدانه حِيَال الظاهرات الكونية والوجودية ونحو خلانه وأودائه وبثـِّه إيَّاهم تذمُّره وسخطه على ما في الحياة من نقص واختلال في موازينها ومقاييسها ، ولا يفقه ما أثر عنه من كتاباتٍ نثريةٍ غير رهط قليل من الباحثينَ والدارسينَ ، قلتُ : إنَّ أسماء هذه المؤلفات الباذخة الرصـينة تتمثل في الأوَّل : ( الشخصية المحمدية ) ، الذي احتوته مكتبة المجمع العلمي العراقي مخطوطا ً في دفاتر مدرسية عدَّة ، ولا يعيره أمناء تلك المكتبة المتعاقبينَ لمبتغي الوقوف على آرائه بخصوص جهاد خاتم الأنبياء وخوضه معركته الظافرة في منازلة المشركين والانتصار عليهم ، إلا بعد مراجعات واستحصال موافقات جهاتٍ ذات شأن ولها رأيها وكلمتها في تسيير شؤون المجمع ، وذلك إشفاقا ً وحِرصا ً على تماسك المجتمع وتجنيبا ً له عن الانحلال والتفكك ، لو تفشَّتْ بين أوساطه تجديفات معروف الرصافي ومفترياته وانتحاله المطاعن حول سيرة النبي الأكرم بين أهله وعشيره وتعامله حِيال زوجاته ، على نحو ما اختـُلِق من مسوِّغاتٍ ودواع ٍ للضنِّ بإعارته إلا للقلة من ذوي الحِفاظ وأهل الثقة ، وكـَذ َّبَ هذا المزعَم الأديب المعروف ذنون أيوب عبر مقالة ضافيةٍ نشرها بمجلة ( الثقافة ) ذات يوم من سبعينيات القرن الماضي ، أتى فيها على قصده مكتبة المجمع وطلبه من إدارتها إحضار مخطوطة الرصافي تلك ، ووضعها في متناوله حيث عكف على اجتلاء فصول وأقسام ٍ منها ، ومحَّصها ودققها متحرِّيا ً أنْ يقع على موضع منها يحتوي على الخبط والضلال والحمق والشطط ، ويستدلّ منه على مروقه وسوء فهمه ، أو انتوائه الإساءة المقصودة والتزييف المتعمَّد ، وتحريف الشواهد والوقائع ، فما صحَّ عنده إلا رأي مؤلفه في شخصية النبي المرسل من جهة كونه طاهر الذيل وعفيف النفس ومستقيم الأثر ، وأنـَّه ــ أي الرصافي ــ لا يجلُّ سواه ويتهيَّبه أو يسوِّي بينهما بنفس القياس والدرجة ، غير أنـَّني بوغِتُّ بسيرورته مطبوعا ً بدار نشر بألمانيا ، وتوارَدَتْ إلى ( بسطيات ) شارع المتنبي ببغداد نسخ منه ( معمولة ) بطريقة الاستنساخ ، ومعتنى بتجليدها وتغليفها والإبقاء على عين التصميم الخارجي على شاكلة يتخفى بها التقليد ولا يكاد يبين ، ولعلَّ هذا المشهد الثقافي المُتـَّسم بالانفراج وانتفاء الحظر على كلِّ مطبوع متوجَّس خيفة من أثره في الجماعة ، هو من نواتج الاجتياح الأمريكي لربوع البلد وتعطل العمل بالقوانين التي لا ننكر تزمُّت بعضها وتحفظه أكثر من اللازم وخطأ تقديره للجائز وغير الجائز وعدم تمييزه بين النافع والضار في أحايين كثيرة ، أمَّا كيف انتهَتْ المخطوطة إلى دار الجمل الألمانية فعلم ذلك غير مجهول إذا عرفنا أنَّ من أصحابها واحد من أنجال المرحوم كامل الجادرجي وصلة هذا الأخير بالرصافي من الحميميَّة والوثاقة بحيث نعته بالخيام ، وشاد بأفضاله عليه في فواتح أسفاره واعترف بإعارته بعض المؤلفات التي يقرأها ويتدارسها من مأثورات اللغة التركية ، فقد قضى الرصافي وخرج من الدنيا بلا ثروةٍ ولا مكتبة .

والسِفر الثاني ، هو : ( رسائل التعليقات ) الذي ترك دويا ً في المحافل الأدبية والفكرية ، وريمَ جرَّاءه بالجحود ومجافاة الشريعة لقوله بوحدة الوجود وتستوي في منظور الربِّ المتصرِّف بمصير الأكوان وما فيها من الخلائق والموجودات ، سائر الفضائل والرذائل ، والمحاسن والمساوئ ، بشتى صنوفها من الخير والشرِّ والخطأ والضلال ، والطهر والدَنس ، وأنَّ المتصوِّفة هم أبعد عن الزهد وعِيَاف الملذات ، وأنَّ محمدا ً كان قبلتهم وقدوتهم التي يأتمُّونَ بها ويحتذونها في سلوكهم ، وسَوغ مثل هذا الكلام يحتاج عقليات ومدارك معيَّنة خاصة لا تتوفر في محيط يمعن في انغلاقه وحجبه تفتح الأفكار والأذهان ، وصدرَتْ طبعته الأولى زمن الحرب العالمية الثانية بعناية الشاعر الراحل نعمان ماهر الكنعاني الذي اعتذر للقرَّاء عن توانيه في إضافة رسالة إليها كتبها الرصافي بعنوان ( على باب سجن أبي العلاء ) ، في مساجلة طه حسين ودحض ما سجَّله من وجهات نظر متباينة حول فلسفة المعرِّي وموجبات عزلته واستنفاده جُلَّ أوقاته في صياغة أشعاره وسكبها في قوالبَ مخصوصة بأوزانها وقوافيها أسماها النقاد والدارسونَ في أزمان تالية بعد أنْ تأمَّلوا طريقته وتلمَّسوا آثار الجهد في تصيُّد رويِّها ، أو قطعوا بجريها عفو الخاطر في الأقلِّ القليل منها ، بأنـَّها من قبيل لزوم ما لا يلزم ، وهذه الرسالة هي الكتاب الثالث الذي انهمكتُ في مطالعته بطبعته الثانية الصادرة في العام 2003م ، عن دار المدى بدمشق بالعدد ( 29 ) ، ضمن سلسلتها ( الكتاب للجميع ) ، بعد نفاد طبعته الأولى بمطبعة الرشيد في بغداد عام 1946 ، وبتقديم كاتبٍ مثابر ومنصفٍ يُدعى : محمد علي الزرقا .

ولنرجئ النظر في هذا الكتاب أو هذه الرسالة ، وتقييم سابقة مقدِّمها إلى إنباه الشاعر ودور شعره في إذكاء العزمات ، وتأجيج الوعي في أوساط الجمهور كي نصل من الكلام ما انقطع بصدد ( رسائل التعليقات ) التي استتبعَتْ فور صدورها عداواتٍ ومخاصماتٍ استهدَفَ بها مؤلفها أدباء من خارج البلاد كان أبرزهم دريني خشبة ، الذي هجر بحثه وترجمته لملاحم اليونان وأساطيرهم ومسارحهم ، وانصرف للتشكيك بعقيدة الرصافي الذي هو بالأصل رجل دين مفعم النفس والوجدان بالحفاظ والغيرة عليه ، ويتصدَّى كلَّ آن ٍ لدمغ مَن يفتئِتَ عليه متطاولا ً وتبكيته ، ونشر دريني خشبة ردَّه ونقضه لتخريجات الرصافي عبر مقالاتٍ متتابعةٍ بمجلة ( الرسالة ) المصرية التي حفلتْ إبَّان ثلاثينيات القرن السَالف خصوصا ً بالكتابات المزدهرة بمحتوياتها الطائلة لأغلب كـُتـَّاب مصر والعالم العربي الأثبات ، واستدعَتْ من الرصافي نفسه أنْ يصاولها وينبري لتفنيدها والإيماء لِمَا تنطوي عليه من تغرُّض وتسافهٍ وتخرُّص ، جمعها من بعد مريدٌ ثان ٍ للرصافي ، هو : الأستاذ عبد الحميد الرشودي ، واحتفظ بها حتى عام 1957م ، وسلـَّمها إلى خادمه ــ عبد صالح ــ الذي أزمع السفر وقتها إلى بيروت لطبع كتاب ( رسائل التعليقات ) طبعة ثانية وألحق بها مساجلة دريني خشبة ومداخلته للشاعر المتفلسف إذا نظرنا للانشغال بوحدة الوجود على أنـَّه من النظر العقلي اللصيق الصلة بالفلسفة ، ومعها بالطبع جوابات المؤلف الذي تبدَّى فيها غير هيَّاب وأنـَّه على استعداد لمنازلة خصومه ومخالفيه في أنظاره وتوصُّلاته ، ومستطردا ً بعد أنْ ثبت لديه بالدليل أنَّ المداخلة خرجَتْ عن نطاقها إلى الشتم المنكر والذمِّ القبيح ، يقول الرصافي : (( من الجائز شرعا ً أنْ أقابل هذه الشتائم بمثلها ، والحرمات قصاص ، وليس الأستاذ بمعجزي أنْ أقابل هذه الشتائم صاعا ًبصاع ، إنْ نثرا ً فنثرٌ ، وشعـرا ً فشعرٌ ، ولكن كما قلتُ آنفا ً أكره النزال في حومة لا يخرج فيها الغالب إلا وهو ألزم من المغلوب )) .

يغلب على رسالة معروف الرصافي ( على باب سجن أبي العلاء ) ، مخالفته لعموم استنتاجات الدكتور طه حسين وتخريجاته واستنباطاته من تعليمات فيلسوف المعرَّة التي توصَّل إليها وشامها للسلوك ومعاملة الناس بادِّراع الحذر والاحتراس من كيدهم ومكرهم ، فأوقعه ذلك في التشاؤم وورَّطه في اعتزال مجالسهم ، مضيفا ً إلى سجنه بفقد ناظره وكونه أعمى البصر ــ ممَّا لا دخل له فيه أو هو خارجٌ عن إرادته ــ سجنا ً ثانيا ً بلزوم بيته وتواريه عن الخلائق ، وكذلك نقض ما سطـَّره من آراء وانطباعات بصدد ( اللزوميَّات ) وأسلوب نسجها ، وما تجشَّمه من نصَبٍ وإرهاق ٍ وحمل ٍ على نفسه في اختيار رويِّها الموافق لغرضها والوقوف عند قافيتها الملائمة التي قد تخادع القارئ وتوهمه بكونها غير متكلـَّفة وجاءَتْ لتحلَّ محلها المناسب لا بحسب اعتمال الشاعر لها أو افتعالها أو اقحامها ، وبالجملة إنـَّه يدحض جميع ما ورد في الكتاب ذاك وشُحِنَ به من أفكار ومُدَّعيات ، غـير عازفٍ مطلقا ً عن الثناء وامتداح مساعي طه حسين ودالاته الكثيرة على ازدهار الحياة العلمية والأدبية ، ويعرب عن احترامه وانتفاعه بعلمه وإعجابه بأدبه ، ويبلغ درجة من التصاغر بعد أنْ سحره طه حسين وخلبه بتدقيقه ومحاكمته النصوص ونظره فيها بإمعان ٍ ، فيقرُّ بتطفله على موائده لا غير ، لكن دون أنْ يقلع عن محاججته الذكية له مرتكنا ً إلى أسانيده ودلائله ، ومستندا ً إلى براهينه وحججه الدامغة ، ومتوسِّلا ً لذلك بأسلوبه البارع وبيانه الرصين ولغته الموشَّحة بالرشاقة والطلاوة إلى حدٍ يغري بسلكها في عداد النتاجات الأدبية المزدهرة المعهودة في العقود الأوائل من القرن العشرين ، حين نشط نبغاء الكـُتـَّاب المصريين في ملءِ أنهار الصحف بموضوعات أدبهم وخطرات وجدانهم ومحصِّلات تفكيرهم ، وتأمُّلهم في أوضاع الحياة وطبيعة الاجتماع ، أمثال : عباس محمود العقاد ، ومصطفى صادق الرافعي ، وإبراهيم عبد القادر المازني ، ومحمد حسين هيكل ، وإسماعيل مظهر ، وزكي مبارك ، ومصطفى عبد الرازق ، وعبد الواحد خلاف ، وغيرهم .

وقبل أنْ نجملَ مؤاخذات الرصافي في رسالته على طه حسين وسدِّه بوجهه جميع المخارج والمنافذ والأبواب ليستمسك بنظرته ويصرُّ على اجتهاده ، دعونا نقف بعض الوقت عند مقدِّمتها التي أبقتها الجهة الناشرة على حالها دون أنْ تعدوها إلى التعريف بكنه هذا الموغل ببحثٍ مدرسي عن شاعره الأثير وجهاده لخلاص أمته العربية من العسف العثماني وجور الحكومات في كلِّ بلدٍ منها ، ظفر بجلاء الغاصب المحتل عن ربوعه .

 

بقي شيءٌ واحد هو أنـَّني كنتُ في العام 1946م ، غداة صدور الكتاب أجوز مرحلة الدراسة الابتدائية ، ويروضنا معلمونا على استظهار بعض قصائد الرصافي المستفيضة في مشكلات الأسرة وصعوبات العيش ، وتتجاوزها إلى وصف حال اليتيم والأرملة المرضعة ، وتصويره لغروب الشمس عين الوقت لا غير ، ولم أكن سمعْتُ بدارس يُدعَى بـ : محمد علي الزرقا ، مع غرابة هذه التسمية في المجتمع العراقي ، وأتصوَّر أنـَّني قرأتُ هذا الاسم مزدانة بأحرفه صفحة كتاب مدرسي مقرَّر إلى جانب رصفائه المكلفينَ كلهم بتأليفه ، وأظنـُّه من جمهرة المربينَ السوريينَ الذينَ اشتغلوا بتعليم فتية العراق يوم ذاك ، ومقدِّمته توحي بتأثره بالأفكار التقدُّميَّة التي عمَّت البلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وذلك من خلال إلحافه في التمييز بين الأدباء الممتزجينَ بالشعب والمتبنينَ آماله ومطامحه في الخير والعدل ، وبينَ مَن ترفعوا عن النظر لواقعه السيئ وأحجموا عن معالجة مشكلاته ومآسيه ، وتواروا بعيدا ً ببرجهم العاجي ، بحسب ما ساد المحافل الأدبية حينها من هذه القالة الوهمية التي ليس لها وجود أيضا ً على صعيد الواقع ، سوى أنْ يجبن الكـُتـَّاب عن مصارحة المتصدِّرينَ والمهيمنينَ على مقدَّرات الشعب بتردِّي وضعه المعيشي ، وينكصوا عن المجاهرة بافتقاده القوَّة الدافعة لإنعاش حياته ألا وهي الحرية .

 

أمَّا بصدد ما باينَ فيه الرصافي وناقض طه حسين في آرائه التي يدين نحوها بالاحترام الذي لم يصرفه عن تحرِّي الحقيقة وابتغاء الصواب ، فهي كالآتي :

 

1 . يخال الرصافي أنَّ أبا العلاء المعري هو أوَّل مَن تعمَّد التزام ما لا يلزم في الشعر ؛ ولا عبرة بقول طه حسين بكونه مسبوقا ً بمحاولات غيره من الشعراء وتجريب قابليَّتهم وتمكنهم من نسجه وفق هذا المنوال بأنْ يجيء كلُّ بيتٍ من القصيدة مبنيا ً على قافيته ، بل جاءَتْ قافيته مبنية عليه ، وما حصل من إطلاع ( كثير عزَّة ) بشواهده التي لوَّح بها للتدليل على إلزام نفسه بهذا القيد وترسُّمه ، إنـَّما جاء عفوا واتفاقا ً .

 

2 . يرى عميد الأدب العربي أنَّ ( اللزوميات ) عملٌ توخـَّى منه رهينُ المحبسين ِ ملءَ أوقات فراغه ، وهي نتيجة العبث واللعب بالألفاظ لا الكد والجهد ؛ ويظنـُّها الرصافي مستعانة بها من قبل ناظمها لإفحام أنداده ومجادلتهم بكونه أحفظ لشوارد اللغة وأعلم بأسرارها ووجوه استعمالها ، وأنـَّهم لا يدانونه في ملكته البيانية ولا يقاربونَ شأوه .

 

3 . يقول طه حسين بأنَّ فيلسوف المعرَّة كان يجهد نفسه في إيجاد مفرداته ، ويتعب في رصفها وسبكها ، ويشقُّ على نفسه في ذلك ؛ ويقول الرصافي بأنَّ في سعة حفظه وقوَّة ذاكرته وغزارة علمه ما يسعفه وقت ما يشاء لاستخدامه في صنعته الأدبية من الألفاظ اللغوية ، فليس ثمَّة نصب يتحمَّله ومشقة يعنو لها ؛ فأنت ترى أنَّ المغامز الرصافية حِيال العميد المتمرِّس بآداب البحث من الخفاء والدقة ، بحيث تستعصي ملاحقتها وتحديدها والإمساك بها .

 

4 . يحسب الدكتور طه حسين أنَّ الجيِّد من شعر ( اللزوميات ) قليل ؛ بينا يعتقد الرصافي أنَّ أكثر من نصفها تمتلك ألفاظه الأسماع بفصاحتها ومعانيه النفوس ببلاغتها ، وإنَّ إيغالَ ناظمها بصناعته اللفظية لا يؤخذ بالحُسبَان ، فأرجح الظنِّ أنـَّه ورد عفوا ً ويقبله الذوق لسهولته الممتنعة وطلاوته المحبَّبة .

 

5 . اجتهد العميد بزعمه أنَّ أبا العلاء ابتغى استثارة إعجاب الناس بتصرُّفه باللغة وتطويعها لمَا يروم الإفصاح عنه وإبلاغه من خطرات ، ممزجا ً ذلك برغبته في تسلية نفسه والتفريج عن كربته وغمومه وإظلام حياته من خلال معاناته العذاب والرَهَقَ ، وإكراه الآخرينَ بالتالي على الاعتراف بتفوِّقه وتميُّزه وتمحيضه إكبارهم ؛ وقد حاول الرصافي جاهدا ً أنْ يثبتَ خطل هذا الافتراض ، على أساس أنَّ صاحب قصائد ( اللزوميات ) إنسانٌ متجرِّد من كلِّ مطمع ومأمل حتى في الشهرة التي يصبو إليها كلُّ صاحب قلم في كلِّ زمان .

 

6 . أستطيع استخلاص فائدة وجدوى من تعقب طه حسين في ما خاله وحسبه هِنات وزلات في وصمه أبا العلاء واستكثاره عليه إمعانه في العبث وارتجائه تسلية نفسه وملء فراغ أوقاته والهروب من مشكلاته والتهوين من ضغط ظروفه ؛ ويدحض الرصافي هذه الفرضية بعد أنْ يسجِّل للمعرِّي سبقه الأقران في حلبة البيان ، قلتُ : يرفض هذا الزعم بدعوى أنـَّه أراد أنْ يتحدَّاهم ، برغم وقوعه في التكلف اللفظي أحيانا ً ، أنْ يأتوا بمثل صنيعه ، فتوخِّي التسلية هنا مرفوض في ملته ، والانغماس في العبث معدوم ومحال أنْ يعنَّ له ببال .

 

7 . يغرق الرصافي في المتعارف بين أوساط البلغاء من تكرارهم أداء معانيهم المتوارثة والمشتركة بينهم مع طروء تحوير عليها وتحريف فيها بالزيادة أو النقصان في صوغ العاطفات والموحيات ، ويستلفتُ نظره وتقديره لِمَا ينجم عن التكرار في حالة جريه على وتيرة واحدة من سأم وملالة ، ويستثني منه القرآن الكريم الذي بتأثيره في نفوس قارئيه وسامعيه مدين لهذا التكرار ، وقد تقاسِمُه في ذلك بعض الآثار المكتملة والمتوشِّحة برصانتها فلا تبعث على السأم والملل نتيجة تكرُّر شِياتٍ منها ، فيخلص إلى القول بأنَّ التكرار على إطلاقه غير صحيح ؛ خلافا ً لمَا يتبنـَّاه العميد من رأي حوله .

 

***

 

هذهِ هي باقتضابٍ واختصار وإجمال بعضُ دلائل الرصافي على خطالة رأي طه حسين في تقييمه لوضعيَّة أبي العلاء في سجنه ، وبعبارة أخرى : إنـَّه يرفض تخريجاته ، بل لا يقبل الكتاب أصلا ً ، لولا أنـَّه يتوسَّل لبغيته بأدبٍ جم ٍ ودماثةٍ ملحوظة ورصانة خلقية .

 

ويُلحِق الرصافي بكتابه هذا مقالة جيِّدة الإنشاء مكتملة الأسباب والعناصر مستوفية الشروط وخصائص المقالة التي ينوي كاتبٌ ما ــ أيُّ كاتبٍ ــ التعقيبَ على ما أتخِمَ به من آراءٍ وتضمَّنه من خطراتٍ مؤلـَّفٌ ثان ٍ لأبي العلاء ، هو : ( الفصول والغايات ) ، الذي زعم غير واحد من الكتبة أنـَّه ما كـُتِب وما ألـِّف إلا لغرض معارضة القرآن الكريم في رصف ألفاظه وتنميق عباراته ، وشكك الرصافي في ذلك ، مستبعدا ً انبراءه لمضاهاة القرآن المجيد ذي اللغة الآسرة والتعبير المُحكم والصياغة المتفننة والأداء المتناهي في السحر والبُهر والإعجاز ، علما ً أنـَّه توفـَّر على تنسيقه وتأليفه مع ( اللزوميات ) بعد أوبته من بغداد التي هجرها متذمِّرا ً وساخطا ً مستاءً من أطباع بعض الناس فيها ، مع أنـَّه لم يخالط غير أضرابه من الفضلاء ومَن على شاكلته ممَّن يعرفونَ في تعاملهم مع الآخرين إلا ً وذمَّة .

 

ليستعرضَ بالتالي وقفة على موروثٍ لأبي العلاء من مأثور الأدب الرفيع والحكمة العالية ، وقفها رجلٌ أرمنيٌ محبٌ ومشغوف بالفلسفة العلائية ، هيمانٌ بفنـِّه الرائع وسيرته المتفرِّدة ، يدعى : ( أويديك إسهاقيان ) ــ المولود بأرمينيا سنة 1875م ــ الذي ساح في بلاد الغرب واحتفل به مواطنوه لبلوغه الستين من العمر ، وذلك بمدينة ( أروان ) عاصمة الجمهورية الأرمينية ، بعد أنْ صاغ ملحمته الشعرية ( عروج أبي العلاء ) باللغة الأرمنية ، والتي نقلها إلى عربيَّتنا أديب سوري ، هو : خير الدين الأسدي ، بمعاونة أرمني آخر ، هو : ( بارسيخ تشتويان ) ، وهذه الملحمة تشتملُ تعرية وتقريعا ً لزمننا وكلِّ زمن تستشري فيه مظالم الأقوياء واستبدادهم بالضعفاء ، ويختلُّ القياس فيتوارى أصحاب العقل وينكفئونَ في عزلتهم مؤثرينَ صونَ ذواتهم من العَنتِ والتوقح والتسافه .

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000