.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


دراسة نقدية تتناول: الشاعر الكبير عبد الكريم كاصد / 3

جعفر كمال

 

الاستقلال النوعي في محاكاة الصورة والتشكيل 

  ماذا لو أننا حكمنا على أن الشاعر هو نص مفتوح، يتلقى الطرق الايقاعي من مخزونه الإلهامي المتوقد أبداً على الاستيقاظ في أي لحظة عبر استشراف الوعي الجمالي، الكامن هناك في مكان ما في العقل، يتلقى النص عبر هاتفٍ فيجعله ينساب في تيار شاعريته، فالفكرة التي تأتي محملة بالمعاني والخلجات الراقصة بنغميتها تستدعي إشراك أدوات الشاعر لتنهل من ينابيعها تشكيلاته الفنية ، حيث أن السمات الروحية تتخذ وبعمق تأثيرها على المدركات الحسية التي تشارك الشاعر انسجامه وتفاعله مع ولادة  النص، مع الجزم بأن النصوص الشعرية مختلفة في مفاهيمها الواقعية المدركة للأشياء، والتعامل معها على أساس محسوسياتها البصرية والذهنية، مع اختلاف طبيعة النص وتقسيماته وعلاقاته بالواقع والحقيقة، ولذا تجد القصيدة تفرز محاورها وثمراتها بأدوات شاعرها، ونعني بها الخاصة التي لا تتكرر عند شاعرين على السواء، لأنك هنا ترى وتقرأ وجها واحداً للقصيدة لا وجهين، ولي أن أذهب واياكم الى ما يدلنا عليه البرفسور اللبناني القدير علي حرب في تحليله للخصوصية الثقافية: "بالطبع، فالمرء هو في النهاية له خصوصيته وانتماءاته، ولكن المهم أن يتعامل معها بصورة منتجة فاعلة، ولا أعتقد أن أحداً سينتزع منا خصوصياتنا اللغوية والتراثية*" والحال هو ان الشاعر يرتوي بتجربته ومن معاناته، والنص منتج تعبيري إبتكاري يبلغ وحدته من نضوج الجنس الفني في الخيال المطلق مع الحدث، يوالف خلقا تعبيرياً موسيقياً للغة عبر أنسجة إيقاعياتها وألوانها المختلفة. وما يسهل قولنا في الشعر وكاتبه نقرأ ما يقوله الشاعر الفرنسي اللامع أراغون: "عندما أقرأ قصيدة أجعل من اختيار الشاعر عالماً أقبله أنا، كي أتابع قراءتي*"  يوصلنا هذا القول الحكيم إلى شاعرنا عبدالكريم كاصد الذي نجد فيه استمرار تلاقي النبرات الشعرية المختلفة، وكأن كل قصيدة هي أنموذج قائم بحد ذاته بخلاف كثير من الشعراء الذين كرروا أنفسهم، وحالك وأنت تقرأ ديوان شعر لهؤلاء وكأنك تقرأ قصيدة واحدة مكررة، لنأخذ هذا الاستشهاد من شاعرنا عبدالكريم كاصد في معرض قوله في كتاب: "الشاعر خارج النص": "إنني لست الشخص ذاته في كل تجربة. فكل تجربة لي، هي خلق واكتشاف لم أفكر به من قبل، وإلا ما فائدة عمل  لا يبعث المتعة والفرح بالولادة الجديدة*".  قول سليم من شاعر يتجدد  في كل تجربة، يجعل منها مرتكزاً يبلغ به تأملات ناضجة في بلوغها التام للكائن الشعري، فالشاعرية هنا كالثمرة تنضج حلاوتها من معينها الذاتي، كون "الولادة الجديدة" تصويراً محسوساً لحياة الشاعر اليومية، وقصيدته كالثمرة الطازجة التي تخرج من بوح تأمله المعاصر والتاريخي، ولحلاوة الشعر ورونقه الأنيق فقد وصفه أهل المعرفة، وأهل القول الحسن الرفيع بأوصاف رائعة الفتنة والجمال، من حلاوة عذوبة اللسان نأخذ هذا القول من الناقد شارل هاروش في كتابه "فكرة الحب" حيث يقول: "قد تضيء صورة عابرة، كلمة تطفر من المجهول، كهف الذاكرة أحياناً، فتبعثان نشاط الابداع الفني في العقل. حينئذ تتزاوج بنية الموضوع الشعري مع بنية الذكريات الكامنة منذ الطفولة. هكذا تشرق لحظة الحدث المبدع. إنه زمن الارهاصة الصاعق. نقطة التفجر. طريق الوصول إلى الإبداع، ولادته العجيبة *" وبناءً على ما ورد يتضح الاهتمام بالدقة وجمالية المعنى هو الذي يحرك ذائقة الشاعر إلى نصه المختلف في أسلوبه وطبيعة حلاوته في هذه القصيدة:   

 

صورة السيدة

إلى الفنانة زينب

 

أنت لم تحملي غابةً

ولا خشبةً لديكور

ولا حلةً لملكِ

أو مهرج

لا...

ولا شمعةً

لسرير تموت البلابل فيه

أنت لو تدركين  

حملت سماء

وضيّعِتها

آه لو تدركين

 

**

على الحائط الرطب

ينتظر المطر الخائف

وترن عربة سوداء

"لستُ هنا

لستُ هنا

أيها القادم" 

ثم تمضين مسرعةً

لتزيحي الستارة عن باحة

يتمهل فيها الخريف

- اتسمعني؟

وتهدر مركبةٌ في زقاق قديم

 

**

ترجّلي أيتها السيدة

ولتضعي باقة زهر

على قبر أحزانك الأبيض

حيث لا أحد

غير حوذيّك المستريب

واقفاً

بانتظار الخيول

وهي تقضم أعشابها اليابسة

 

**

لو أتيت

وأنتِ البعيدة -

بيتي هَناك

لما أوصلتك خطاك إليهِ

لأنّ جميع البَيوت

ستوقف ساعاتها

بانتظار قدومك..

أيتها السيدة

لو أتيت

وأنت الحَزينة -

أرض السواد

لأبصرتِ أفراحك المستحيلة واقفةً في الطريق

وتلك التي تتقدم منك بباقتها

وشرائطها المدرسية مطرقة

هي أنتِ

 

    ما الهجين العضوي الذي يجمع وحدة خلايا الإبداع بين الشاعر..الشاعرة، والممثل..الممثلة، على المسرح الادبي العام؟ سؤال يطرحه النص ذاته ويجيب عليه النص أيضا:- الثقافة- اختلاف الشخصية المجتمعية- الإبداع الكامن في هذه الشخصية- المعرفة- "العبقرية" ربما- أو الالهام؟ والنتيجة المحصلة هو التوليف الفني الذكي الذي يجمع بين إبداعين كل منهما يكمل الثاني في الحياة الثقافية العامة، مع الاختلاف بهذه الطريقة أو تلك والتي تسهم على تشكيل مطلقات الوحدة التأملية، عبر الخلق الإبداعي في العطاء لهذا المعمار الفني الذي يشكل هذه الشخصية أو تلك أدائياً، والبعد الآخر المستتر هو  قدرة الفنان في تفعيل الدور بجدارة، وهو بعدٌ إنتاجي يتجاوز الأطر "المجالية" للتاريخ، لأنه إنجاز عمل يشكل خلاصة شاملة لتجربة هذا الفنان، عبر بصمته التي سوف تكون الشاهدة والمنقودة بآن على عمله، فالعلاقة الفنية هنا بين الاثنين هي اتحاد شبه عضويّ لإبداع يشترك في صناعة اللا مألوف، كونه تمثيلاً مطابقاً للأنتاج الفكري الإلهامي الذي يؤرخ مفهوماً فلسفياً للحياة. فالرسالة التي يحملها كلٌ من الفنانين أي الشاعر والممثل، هي رسالة تعبر عن مطالب إنسانية كلية، لأنها الوسيط بين الأديب ورسالته من جهة، والجمهور واحكامه من جهة أخرى، سواء أكان هذا الجمهور، جمهور اً كلاسيكياً، أو جمهوراً حداثوياً، والعبرة المشعة في تفاصيلها عند المبدعيين لجأت إلى النفي المطلق في المحدوديات المفروضة عليهم، فأطلقت للأفكار حرية التواصل مع الشاعرية عند الشاعر، والتقمصية عند الممثل، لأداء مهمة الخلق الإبداعي وتوصيل هذا الخلق إلى الجمهور بكل أطيافة، "إنّ تطور معرفة الانسان هو قياس جدارته، إذ يجعله يستكشف تدريجياً إدراكه لمغزى المعجزات والاسرار" كما ورد في مفاهيم ابن رشد العقلانية. وعلية فهذه المؤثرات على الجمهور تتطلب قدرة من المبدع على المواجهة مع الجمهور المتفاعل والمتتبع لعطاء المبدع من جهة، ومن جهة أخرى مع النظم الأجتماعية المغلقة، التي تخاف دائما من حرية الإبداع والكلمة التي تعبر عن كشف مخازي الظلمات وعاداتها السحيقة، التي تذبح الأفتتان بكمال الحرية وبسطها للجميع، من منظور حرية الرأي والفكر." لقد سُمّي الشعراء، بحقّ، بالإلهيين، أي النبوئيين، المشتقّة من الإلهي، أو من، من يؤلّه أو يتنبأ. هذا العلم سمّي بربوبية الشعر "نسبة إلى ربة الشعر" وقد عرّفه هوميروس بأنّه معرفة الخير والشر، أي التنبّؤ.. من هنا فإنّ الربوبية الشعرية كانت في البدء بحقّ علم نبوءة بواسطة العلامات، يُورانيا، والتي اشتقّ اسمها من أورانوس، أي السماء، ترمز إلى: "التي تتأمل السماوات" حيث من هناك تلتقط العلامات، ويُعتقد أنها والربّات الأخريات من بنات جوف jove "لأن الدين أنجب كلّ فنون الإنسانية، والتي بسببها أختير أبوللو ليكون مبدئياً إله العرافة، أو الربّ المتوّج" وهنّ "يغنّين" في المعنى الذي تحمله دلالات الأفعال اللاتينية cantare camere .. وهي تعني "يتنبأ"*. من خلال هذا المنظور الإيماني بتحليل دقة الجلالية في النص الشعري، نفتح الأبواب على سعتها إلى رياض الشاعر عبدالكريم كاصد عبر طقوسه الشعرية الانسانية المنطقية، التي تخلق ما يشبه بتعاقب المراحل الابداعية في الحياة الشعرية اليومية، إذ نعده معيناً أدبياً لا ينضب، من خلال رؤيته الشمولية في البعد الوجداني العاطفي الإنسجامي مع النص، كونه يشع في إضاءة الرؤية، وقوة المفهوم، وزخم الصور الفكرية في تناولها الغناء بين محدودين: الإيقاع والشخصية التاريخية- و"صورة السيدة"، التي تبوح لنا المؤثرات الروحية في عالم الفنانة الخصب.

    الفنانة ممثلة المسرح العراقي الشهيرة المرحومة "زينب"، نجد النص الشعري الذي عاشر حياة الفنانة، مفتوح الرؤى على سعته النبيلة المجردة على سعته الفكرية، كونه يمزج التاريخ ذا الأهمية القصوى المملوء بالعطاء لهذه السيدة الكبيرة بشأنها وعطائها وتضحياتها، وهو تمجيد طبيعي لأعمالها عبر صفحات التاريخ بالشعر:

" أنتِ لم  تحملي غابةً / ولا خشبةً لديكور / ولا حلةً لملكِ / أو مهرج..".   خرجت الفنانة العظيمة خالية اليدين رافضة نظام الدكتاتور وحكمه البشع الشرير، فقد غادرت بغداد بصحبة تاريخها النقي وذكريات فرقة المسرح الفني الحديث، إلى زقاق في حي شعبي قديم في ريف الشام لا يعرف قيمتها الفنية إلا العراقي الذي عشق فنها وصفق له:

 

"وتهدر مركبة في زقاق قديم / ترجّلي أيتها السيدة / ولتضعي باقة زهر / على قبر أحزانك الأبيض".

    وحالها يؤلف الرفض والكبرياء على قاتلي الديمقراطية في وطنها المغلق للحاكم المستبد الذي صادر أملاك الفكر للشعب العراقي وطاقاته الخيرة والعظيمة، وبقيت الفنانة على طريق ممن أسهموا في إغناء الفكر المادي المعرفي، في تكوين ملامح المسرح العراقي، وتمردها الشجاع الذي أتخذ مسار الانفتاح على النهج التطويري الماركسي ضد مسرح بوق السلطة الذي يبشر بعدالة وكرم السلطان العربي، ووضع ميولها بصورة ذات ملامح عصرية تنسجم تماماً مع الذائقة المتحررة من القيود العقائدية والتقاليد المتخلفة، تلك الرؤى المفتوحة على صنع فضاءات أكثر توازناً مع الواقعي الاجتماعي والسياسي والمهني الجديد. فهي التي حملت المجد، لم تحمل معها خشبة لديكور، بقدر ما عاشت على مسرح مؤلم، لم يمنحها في المنفى الدمشقي خشبة لديكور لتعيد حلقات التجديد، وحلقات التنقية من شوائب صاحبت المسرح العربي، وعندما عزمت على الرحيل حملت معها أسماً كبيراً، ولم تحمل حلة الملك التي هي ملك المسرح والناس، ولم تحمل معها عدة المهرج الذي بقي تؤمه الأحلام بالخوف والرعب من سيده السياف، فهي أي الممثلة التي تقمصت شخصياتها بوعي معرفي، مؤمنة بوجودها المسرحي التي تعاطت مع حركة الجسد، وهي اللغة الأكثر دقة وتوصيلاً ونجاحاً وواقعية في الشخصية المطلوب عرضها للمشاهد بشفافية التقني المتمكن.

    يستمر الشاعر في إثارة موضوعات التعرف على الفنانة من مخزون تفاعل أدواته، التي أغنت النص وباحت بإرثها الذي أقتنته من شرعنة شخصيتها الفنية الفاعلة على المسرح:

"لو أتيت / وأنتِ البعيدة / بيتي هَناك / لما أوصلتك خطاك إليهِ / لأن جميع البيوت / ستوقف ساعاتها / بانتظار قدومك.. أيتها السيدة".

    إذن جميع البيوت ستوقف الزمن.. مع أن زمن الممثلة توقف عن الجري الفني منذ مغادرة العراق، ساعة تمزق الوطن، وأصبحت خطاها بدون زمن وبدون وطن، والبيوت تسمع تلك الخطى، ولكن خارج أسوارها المنيعة الغريبة الساكنة. بيت واحد من بين كل هذه البيوت، يبسط لها الطريق الخالية من المعجبين إلى داره الوحيدة الغريبة، هو الشاعر الذي يتحلى بأفكارها النبيلة، خوفا عليها من استلاب فكرها الانساني ومسحه من التاريخ، وعناصر التقدم التي آمنت بها وجعلت من سلطة العقل جمهورية يحكمها المفكرون أشبه بـ"المدينة الفاضلة". ولكن هذه المدينة وقعت بيد  من أحالوا الفكر والفن والأدب وكل التراث الإنساني الى ركامٍ وحروب أبتلى بها شعب أحبته زينب:

" أنت لو تدركين / حملت سماء وضيّعتها / آه لو تدركين / على الحائط الرطب / ينتظر المطر الخائف /  وترن عربة سوداء / لست هنا / لست هنا ".

    ويسكت النداء مطعما بحزنه ووحدته الغارقة بالآلام والخوف من كاتم صوت قد يأتيها من شرطي جاهل، "آه لو تدركين".. كم هو الشعر عميق حد الانسجام الروحي الصافي من كل غبار، والمؤثر بتجلياته الانسانية الخالصة، فمن يقرأ هذا الشاعر الجوال بأفكاره الخالدة ومعيارها النقي المتوازن مع الشعر الخالد عند- معدّ بن صعيصعة.. الذي عاش في القرن الأول الهجري، والشاعر الفارسي جامي في قصيدته الرائعة الخالدة "المجنون وليلى"، والشاعر المجنون الذي عاش في بيان صدر الاسلام "قيس بن عامر النجديّ" ومحبوبته "إلزا". والشاعر عبدالكريم كاصد يستند إلى معين ذي بناء صلب هو معجمه اللغوي الخاص، لصناعة الصور التي تحاور القيمة الإنسانية الخالصة، المطلقة في كمها المعرفي الفني المتواتر، حين تناشد العاطفة وتبوح برؤاها في محاكاة شخصية زينب الفنانة، وتحولاتها التي امتازت بالنجاح على طول مسيرتها الفنية، وذلك من خلال تصور متخيّل للقادم الحياتي الحزين في منفاها ربما الدائم:

"وتهدر مركبةٌ في زقاق قديم / ترجّلي أيتها السيدة / ولتضعي باقةَ زهرٍ  / على قبرِ أحزانكِ الأبيض / حيث لا أحد".

    يوم لا أحد يحيط بها من معجبين، واستاتذة، وطلاب فن، كما كان يحدث في سابقات أيامها المشرقة، إنه يوم الفناء الاسطوري للعراقي الذي يتكرر من مأساة "السبي البابلي" إلى يومنا هذا، هل العراقي أضحية ليعيش الآخر برفاهية. "الماعزي، والجبان الذي لا يسترد أرضه، والاكسلنس المتحايل"، على حساب هذا الشهم المؤرخ للبشرية؟ فالشاعرية في هذه الأبيات المركبة في تجانسها الميتافيزيقي للوجود: تتنبأ بهذا الجريان التدميري لوجود العراقي، والإشارة هنا للسيدة أن تترجل:- هي إشارة إلى إنتهاء حقبة زمنية رائعة كادت أن تطلق للحياة منحىً وجودياً، وبدء حلقة أخرى صممها وأخرجها البغيض المدمر القادم بالموت وعذابات الانسان. والقبر الأبيض معنىً تشكل محوريا في طاقته التعبيرية التي توجز التأويل والتخمين، لفتح قنوات جديدة تصب في سياق المعنى استنتاجاتها الذكية، فالشاعر هنا يتمتع بمنظومة اتصال كاشفة عن طبيعة الحياة القادمة للسيدة، حيث "لا أحد" معها، وكأن الشاعر رسم بعناية فائقة أسلوب الحياة القادمة، بأنثيال شعري محسوب بدقته ومهارتة التلاقحية الفنية الأذكى.

 

المقهى 

 

مقهىً صغيرٌ عند ذاك الشَط

يلمعُ مِنْ سنينٍ

يعتليهِ النخلُ

لا مقهىً

سوى قمرٍ

يجذّفُ في هزيع الليل من ألْفٍ 

وجندٍ يعبرون 

وعائدين توقّفوا في الجرف 

لا جندٌ 

ولا قمرٌ 

سوى مقهىً صغيرٍ عند ذاك الشط 

يلمعُ من سنين 

 

    كنت قد وعدت القارئ الكريم أن أتواصل معه محباً، بقراءة مكملة جديدة على أسطر هذا المكان لهذه القصيدة ذات النص المدور، الذي سبق وأن تناولت مقهاه في التحليل والكشف، عن جمالية بنائه ودلالاته الموحية بالجديد في نص تؤالفه وتشكله وتحركه أنسجة الإيقاع المتحرك.

    وهو قراءة وعرض موجز لكتاب: "الشاعر خارج النص"  "حوار الفكر والشعر مع الحياة". أجراه وقدمه الاستاذ الأديب عبدالقادر الجموسي. وللتواصل أبسط هنا ما سبق وكتبته:      

    تدور الجمل الشعرية من محورها إلى فضاء متسع لحرية الصورة الشعرية، خارج النص التقليدي لتشكل حوارية الجمل الشعرية فيما بينها، بصورة ناطقة مؤثرة بشكل مباشر على السمع والاحساس: هناك مقهى.. لكن لا مقهى.. لا يوجد سوى قمر.. وهناك جند يعبرون. ولكن.. لا جند ولا حتى قمر.. هناك مقهى صغير. قيل هو هناك يلمع من سنين، وقيل هو شئِ ربما قمر يجذف في هزيع الليل. حواس تشي بقلق له طعم.. له معنى، تتناده أطيافه في المشترك السمعي والبصري، ثم تعود فتتشكل معانيها الذاتية كولادة تتجانس من ولادتها الأولى، التي عادت بنغمية مطلقة الحرية، تداول معانيها كمخاض ذاتي مختلف. والغاء المكان هنا لا يعني إلغاء الصورة الشعرية تقنياً، في حوارها البنيوي المفتوح على التجانس القيمي المؤدي إلى تكامل بناء الوحدة الشعرية، فالحركة الموحية المدورة المنسابة في ثنايا الصورة هي الغاية من البناء الداخلي لها، الذي يبوح للبناء الخارجي تشكيلاته المختلفة في وجودها المكاني المتحرك، وال"لا" المحورية في النص تؤدي دوراً مهماً في تلاقي وانسجة البناء التصويري: "لا مقهىً"، "لا جند"، "ولا قمر".

    نجد هنا ال"لا" قد توزعت في المقدمة والوسط والنهاية، فشكلت بهذا التوزيع إحكام البناء الدائري، فلو تأملنا المعنى الباطن للنص كيف يقود المعنى الظاهر  في حوارية لغوية، وكأن الصورة الشعرية تنزاح عن موقعها الإيقاعي، لتتخذ لها مكاناً آخر يلعب دوراً مختلفاً، في اتحاد مع الصور الأخرى التي ارتكزت في معناها على حالتها الإيقاعية الجديدة، وهكذا تبقى الجمل الشعرية تؤدي دوراً يحمل معنىً جديداً، في ذات النسق الذي لا يخرج قيد أنملة عن المعنى والإيقاع والوزن، وهاكم كيف يعرض الشاعر كاصد صورته الشعرية عندما يكون باطنها قد كشف عن تأملاته الاستكشافية في المحيط العام للتكوين الفني التصويري " لا مقهىً / سوى قمرٍ / يجذّفُ في هزيع الليل من أَلْفٍ " فالصورة هنا تحاور  سيميائيتها اللغوية المحملة بالدلالية والرمزية، وحالتها تمارس رهص التلقي من منابع أدوات الشاعر.  

 

الشبيه

مرثية الشاعر مصطفى عبدالله

 

كالمهد

أهزّ قبرك اليتيم

منتظراً في الظلّ

خلف شمعتي الأخيرة

أيّنا الميْت؟

أيّنا عافه الربّ

في هذه البريّة المقفرة

بريّة الشعر؟

أيّنا كان يكتم صرختَهُ

فتدوّي بها الروح؟

"تنشقُّ عن صخرةٍ"

لتقل: "انني الميْت"

لتقل: "إنني الهابط من صخرة الربّ إلى الهاويهْ"

إنني قادمٌ إليك

لا كما كنتُ آتيكِ

حين ينحسر الظلّ كالنهر

والنهرُ كالظِلّ

والنخلُ محتفياً بملائكةٍ أو شياطين

"كنتَ تشير إليهم وتضحك"..

لا

بل كطيفٍ غريبٍ تراءى بمقبرةٍ

وسيفجؤك عماي

ولربّما ستبكي

حينئذٍ سأواسيك أنا

ولكنْ

إذا ما هزَزتْني في القبر

فلن استيقظ أبداً

    

    يعالج الشاعر كاصد في هذه القصيدة حركة الحياة من مرحلة إلى أخرى وسيطة بين العقل والوجود، وعالم اللاوعي، أو ما يسمى بعالم الظلمات. في مشهد رثائي عاطفي إذا قرأنا النص قراءة خارجية. لكنني هنا وفي هذه القصيدة بالذات أروم قراءة النص قراءة باطنية، لما تتضمنه هذه الباطنية من معان ذات قياسات مؤدية محكمة، تذيع بياناً شعرياً ملماً باقتباساته التي كشفت لنا عمق العلاقة التي كانت قد ترسخت بين الصديقين، مع مستوى تأثير هذا البيان على القارئ الفرد من ناحية، ومن ناحية أخرى مدة بقاء تأثير هذ البيان على الفرد ذاته، كونه يزيد في الحد من مستوى معين، وينقص أيضا من حد كان من المفترض أن يكون على الاقل مرضياً، إذا لم يكن ذا قيمة فنية عالية، والنص هذا يمتلك السبب لأن يكون فوق قياس الحد اللامرئي في الشعر، لأن الشاعر في لحظة الكتابة هو الظاهر والنص هو الباطن، وظهور النص منه نسمية بالولادة الشعرية، ومن هنا تأتي مرتبة الاحكام والقياسات ومستوى الالهام ودورته في تفعيل قيمة هذه الولادة أو تلك، والنص هنا ليس كما هو الانسان أو الحيوان نراه كما يتبين لنا فيكون الغرض من الرؤيا المشهد الخارجي لهذا الكائن، إنما النص ظاهره الشكل وباطنه "المضمون" وبهذا تتحدد وتتنوع القراءة: فيكون الغرض من القراءة الكشف عن مضمون النص وطبيعة معالجتة للموضوع، ولنقل النص يولد من إلهام شاعره فيحمل خواصه الجمالية والمعرفية والفنية، والتعدد التقني الفني، وأدوات الشاعر، وثقافته هي خاصته، وهنا فالشاعر يأخذنا بنصه هذا ليطوف بنا عبر مشهد حزين لموت صديقه الشاعر العراقي مصطفى عبدالله المقيم في المغرب عند موته، "وهو شاعر ذو شأن مهم ومؤثر في الحركة الشعرية والأدبية العربية بشكل عام". علينا أن ندخل إذن إلى تلك الصداقة، ونحمل القول مسؤوليته الإنسانية الرقيقة في هذا التناجي الشعري السمعي:

"كالمهد / أهزّ قبرك اليتيم / منتظراً في الظلّ / خلف شمعتي الأخيرة"...

    لو تحلينا بالصبر قليلا، ووقفنا وقفة تأمل مع القصيدة، لوجدنا هذه الصور المركبة ببلاغيتها الذكية، تكشف لنا عن أبعاد الغنى الفكري، إذا توصلنا إلى تحليل مضامينها التي تنعكس في تأملاتها الفلسفية أهميتها، التي تبحث في وجوديتها أشكلة الموت والحياة فالمخلوقات كلها تخلق لكي تموت بتأثير عامل "نفي النفي" وهنا عليّ أن أحتمي باستاذي وصديقي الاستاذ يوسف سامي اليوسف وهو يتناول قصيدة "أربعاء الرماد" للشاعر ت.س.إليوت المكتوبة والمنشورة عام 1936بالشرح والتحلل إذ يقول في الموت: " إن الزمن هو هذا التوتر الممتد بين المهد وبين اللحد، ولما كان الموت هو الخلاص من التوتر، ولما كان هذا الخلاص هو المأمول الأكبر، كان الموت هو "المقصود الأعظم"، وكانت المنية هي الأمنية، أو كما قال أبن الفارض: "منيتي بمنيتي". فاليوت يؤمن مع الصوفيين بأن الانسان يولد إذ يموت، وأن النهاية هنا هي البداية هناك.*" فالموت إذن يبدأ حين يولد الكائن كما يرى إليوت. ولكن هو رأي فقط، تبدأ الولادة ثم تتشكل مراحل تكوين الانسان، لتصنع العظيم والمجرم والفاشل، وتبقى الأسماء على مر العصور تصنع تاريخها الخاص، وهذا لا يعني موتاً للأنسان، إنما الموت هنا عضوي لا غير، إن كان يعنى الوجود للجسد والنفس، أما إذا كان يعني الانسان، فالذات باقية لأنها المركز الدلالي الذي أطلق النصوص للخلود عبر الايعاز العقلي، وهذا يعني ما ورثته وقدمته للبشرية من عطاء: كالعلوم والمعرفة والاكتشافات وغيرها، وبهذا يكون الانسان منقسماً بين الموت والحياة، فالنفس والجسد يموتان، والذات وإنتاجها يبقيان في الوجود، ولذا فهذه القصيدة لا تخضع للنقيض والتضاد، كونها تجول بالأماني إلى مطالبة صريحة بسخريتها من الموت العضوي الذي ليس له توقيت معين، أو إنذار من إيعاز معلوم، وهو بذات الوقت تحصيل حاصل عند الشاعر، ولهذا نتلمس الدقة في التصوير والمعاينة، بمعرفة متقدمة تخضع لملكات ذات مختبرية موغلة في دقتها عند الشاعر، وكيف سيعكس الموت تطورات مشاعر الحب لصديقه المتوفي بجسده في:                                                      

" أيّنا الميْت؟ / أيّنا عافه الربّ / في هذه البريّة المقفرة / بريّة الشعر"             إنه يتساءل بشكل منطقي يؤمه الحزن وآلام الفراق، عما سيفعله   الموت بشاعر كان يسخر أساساً من الموت في: "كنتَ تشير إليهم وتضحك" فنحن هنا أمام اتحاد شخصيتين تمثلتا الموت من منظور يحتكم في مواجهة مع "الرب"، الذي يمنح "الخلود" لذاته، وينسى الآخرين في تيمة "عافه" التي تُشْكل في أنفسنا دفقاً من أحاسيس نتوقعها، بينما الموت يتربص بعبدالله ويعد له أيامه وخطاه، يتبعه كظله، ينام معه بذات الانسجام الروحي، مستيقظاً له لحظة بلحظة نزولا به إلى الظلمة، وكأن الموت له جاذبية لأجسادنا لا يمكن دحضها، فهو: " كطيف غريب تراءى بمقبرة " وكأن للموت إهتماماً كبيراً وشغفاً حقيقياً بالبحث عن جثة يؤمها، مهما ابتعد وغاب صاحبها، والشاعر في بريتهِ الشعريةِ يعاتب الموت في "أينا عافه الرب" سؤال محكم يكشف بدقة قوية عن الشعور بالتلاقي الحميمي عند الشاعرين، وأيضاً هو تفعيل لمضمون القصيدة، وإشهار عنوانها "الشبيه" و"ذلك أن الشبيه في هذه هو أسم مشترك" كما يقول منطق أرسطو. وسؤال الشاعر يستمر يتحمل كثيراً من الفحص والمتابعة والتحليل، إذا أعتبرنا أن الشاعرين الصديقين شبيهان بكل شئ، لأن الصورة توحي بهذه الدقة من التشابه: من منهما عافه الرب، هذا إذا أردنا قلب الصورة إلى الكلام العادي.  والحلاوة في هذا التصوير الفني هنا هو الاستطراد في تيمة "أينا" وهو تشريع شعري في شيء، وما شاءه هنا هو البلاغة في السؤال، مع أن شكواه هي الاعتراض وإن لم يقل في تلك إنما هنا يقول:

"لتقلْ: "انني الميت" / لتقلْ: "أنني الهابط من صخرة الموت إلى الهاوية".

    إذن فالموت هنا اعتراض للأنسان وفصله عن دنيويته، إلى "الهاوية" والمفهوم اللغوي في معنى الاعتراض في الصورة الشعرية هو "الموت" الذي جاء يتوسط المعنين: قبيحه . وحسنه. أي الموت = القبيح. والحياة = الحسن في المعنى. فاللأبيات الشعرية في هذه القصيدة متناغمة ومتلائمة ومنسقة كون الاشتقاق هنا يأتى من الوجود.. والنفي.. وما بينهما المجتمعي، الذي يوالف هذين التكوينين، وما أشبه هذا في قوله: "إنني قادم إليك / لا كما كنت آتيك" فهي الحتمية إذن، والموعظة التي يتعظ منها الانسان وحده، وهذا ليس ما يرغبه ويريده الشاعر إنما هو الشئ المفروغ منه، في رؤيته الواسعة لقراءة الوجود، فجاء النص ينهل من الواقعية حظه الوافر، في لغة سليمة توصل المعاني غير منقوصة، إنما العكس هو الفاعل الصحيح، فهي تتمتع بألطف المعاني وأدقها شمولية. ومثل هذا تطل علينا الخاتمة ببلاغة أخرى، فالشاعر هنا يخاطب الميت ليوقظه ويسمعه طلب المراد: "إذا ما هزَزتْني في القبر  / فلن استيقظ أبداً." فالرؤى هنا مفتوحة على أوسعها بتطابق المعاني الروحية، من أحلى ما أختاره اللفظ المتسع في فصيحه، لذا لا يمكن أن نعتبر هذا الاسلوب أسلوبا عابراً وغير مقصودٍ أبدا ، فالشاعر في إلمامه الدؤوب أشتغل ليل نهار على صناعة أشكاله الادبية التي تميزت بتأثيرها في الوجدان الانساني، وتنوعها في الاسلوب البلاغي. وهو يوقظ حب الصداقة عند الصديق، الذي محيت ذاكرته بفعل الموت، فيطالبه بالعناية وهو في القبر أن يهز له قبره كالمهد، فهي النفس الطفلة إذن تبقى شغوفة الى الدلال والحنان والرقة، وها هو يطالب بهذا حتى في القبر، وإلا فلن يستيقظ أبداً.

 

الهامش:

1- كتاب "الفكر والحدث" حوارات ومحاور. البروفسير علي حرب.

2- كتاب: فكرة الحب. تأليف: شارل هاروش. ترجمة: وليّ الدين السعيدي.

3- كتاب "الشاعر خارج النص" "حوار الفكر والشعر مع الحياة" لعبدالقادر الجموسي.

4- اقرأ كتاب "فكرة الحب" لشارل هاروش. ترجمة وليّ الدين السعيدي.

5- اقرأ كتاب: "قلق التأثر" هارلود بلوم. ترجمة د. عابد إسماعيل.

6- كتاب: "ت. س. إليوت" دراسة الناقد الاستاذ يوسف سامي اليوسف.

 

جعفر كمال


التعليقات




5000