..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مقهى (عبد ننه) إرث عراقي حضاري .... القسم السابع

ذياب آل غلآم

موجز تاريخ ماقبل ثورة 14 تموز 1958 

أستهلال :-  
رتب الإحتلال البريطاني - بعد تشكيل "الحكم الوطني"- الدستور الذي وضعه للعراق وما تولد منه من قوانين ومؤسسات، وبواسطة المعاهدة وضمان قاعدتي الشعيبة والحبانية، بحيث يستمر وجوده وسيطرته ونفوذه مهما تغيرت الوجوه على السطح بالرغم من الإلحاح في تكرار الحديث عن الحرية والديموقراطية وهو ما ألجأ الجيش للتدخل ومحاولة فرض التغيير الذي ظن انه قادر عليه. وبالرغم من فشل المحاولة بسبب وجود القوات البريطانية وسيطرتها فقد بقيت الرغبة في التحرر تسيطر على افكار الكثيرين قبل الثورة المصرية بسنين، ومن ناحية اخرى فلا شك ان نجاح تلك الثورة في تحقيق بعض الخطوات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية وصولا الى الانجاز القومي بتحقيق الوحدة مع سوريا (التي فشلت فشلا انتكاسياً فظيعاً) لكن الثورة المصرية ، قد زادت في حماس الضباط العراقيين الأحرار واندفاعهم ، والتفكير بالتغيير ؟
وكان الشعب العراقي يأمل عند انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 أن ينال حريته وينعم بالديموقراطية التي وعدت بها الدول المنتصرة، لكن آمال الجميع خابت بعد أن أيقنوا ان الدول المنتصرة تريد ان تحكم قبضتها على حصتها من الغنيمة فكان الوضع في العراق يتميز بفوران تحت السطح الذي كان يبدو عليه السكون ، الا ان هذا السكون كانت تقلقه فورات بين الحين والحين ، فكان اضراب عمال النفط في عام 1946 في كركوك والمظاهرات بين وقت وآخر في بغداد وغيرها والتي بلغت قمتها في الوثبة عام 1948 ضد مشروع معاهدة بورتسموث، وحاولت الفئة الحاكمة تجاوز الأزمة وتقديم بعض الجرعات المخدرة ولكنها سرعان ما انقلبت على اعقابها بعد بضعة شهور ، واستمر الحال في التراجع التدريجي ، عن الخطوات الضئيلة التي تحققت ابان الوثبة حتى عادت الى واجهة الحكم نفس الوجوه التي ثار الشعب ، بقيادة قواه الوطنية والتقدمية ، ضدها قبل ان يمر عام على تلك الثورة . ومرت الايام والبلاد تعاني الغلاء وسوء الظروف المعيشية والكبت والتضييق والفئة الحاكمة تعمل بإصرار على تهيئة الظروف لتحقيق ما فشلت في تحقيقه عام 1948 بينما يعاود الشعب المقاومة الدؤوبة لهذه المشاريع، فكانت انتفاضة تشرين الثاني 1952 بحيث اضطر الحاكمون على ان ينزلوا الجيش للشارع ويعهدوا لرئيس اركان الجيش بتشكيل الحكومة في خطوة حاولت اجهزة الاعلام المؤيدة للسلطة - ولم يكن هناك غيرها في الساحة !- ان تصورها وكأنها شبيهة بحركة الجيش المصري قبل ذلك بأربعة شهور!!
بعدها جرت النتخابات نيابية في عام 1954 ولم يتحمل القائمون على الحكم فوز حوالي العشرة نواب من الاحزاب المعارضة فصدر مرسوم بحل المجلس قبل انعقاده وجرت انتخابات التي كان المطلوب من المجلس المنبثق عنها اتمام الخطى ( التزكية) المطلوبة وخصوصا التمهيد للحلف الذي سمي "حلف بغداد" . ثم جاء الموقف المائع الذي ظهرت به الحكومة عند تعرض مصر للعدوان الثلاثي - البريطاني الفرنسي الصهيوني - في تشرين اول 1956 ؛ وكان ذلك العامل المرجح الذي اقنع كل المترددين ممن كانوا يعتقدون انه يمكن لعملية التغيير ان تتم بالاساليب التي يدعونها "ديموقراطية " او " دستورية " حيث تزايد حماس الكل واندفاعهم في انتظار التغيير المنشود ، فتشكلت 1957 جبهة الاتحاد الوطني ( الحزب الشيوعي العراقي ، وهو العضو الفعال في الجبهة !، الوطني الديموقراطي ، الاستقلال ، البعث العربي الاشتراكي ) .

المقدمة :-

كان العراق في الخمسينيات مركز استقطاب في الصراع الدولي ضمن إطار الحرب الباردة التي قامت واشتدت بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية حيث انقسم العالم إلى معسكرين، غربي، وشرقي، ثم برزت مجموعة عدم الانحياز أو ما يسمى في حينه بالدول النامية التي كانت تلعب لعبتها السياسية والوطنية على هامش قطبي الصراع ، ولقد خسر الوطن العربي بعد الحرب المذكورة وهو ليس معنيا بشكل مباشر بها، أكثر من الأطراف المشاركة فيها إذ تكررت تقريبا خسائر الحرب العالمية الأولى .
والحرب الباردة أوجدت صراعا على المصالح في العالم استوجبت أنشاء أحلاف سياسية وعسكرية من باب الدفاع عن تلك المصالح التي أصبحت أنظمة قائمة أو جيئ بها إلى السلطة لهذا الغرض في منطقة الشرق الأوسط، كبوابات حراسة وشكل كياني يعبر عن المصالح الأمنية الدولية والإقليمية حيث انتشرت سياسة الأحلاف وكان أهمها حلف بغداد الذي تأسس من:- العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا بعد توقيعهم الميثاق الخاص سنة 1955 في مدينة بغداد التي اختيرت لتكون مقرا للحلف، فيما اشتركت الولايات المتحدة الأميركية في اللجنة العسكرية فقط، وهي أهم لجنة فيه من دون المشاركة في بقية اللجان، وبالتالي فهي، ناقصة العضوية لكنها بحكم قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية وتراجع إمكانيات الإمبراطورية البريطانية تعد الدولة الكبرى المؤثرة فيه، مما انشأ نوعا من المنافسة الداخلية كحلقة من حلقات الصراع على زعامة المعسكر الغربي عموما
أذن كان العراق بحكومته ونظامه حينذاك أحد أهم المراكز السياسة والأمنية التي شكلتها طبيعة العلاقات الدولية المنحازة إلى المعسكر الغربي لحماية مصالحه مما يعني أن نظام العراق وحكومته محميان بموجب الاتفاقيات والمعاهدات الموقعة مع الغرب وخاصة بريطانيا ومعها دول ميثاق حلف بغداد، تركيا، إيران، باكستان. ومعلوم ان إيران وتركيا دولتان تشتركان في حدود مع العراق تبلغ أطوالها ألاف ، الكيلومترات، وكانت إحدى أهم قواعد الحلف، سياسية الضمان الجماعي، أي مسؤولية الحماية الجماعية التضامنية لدوله.
وعلى هذا الأساس كانت بغداد مقرا لسياسة الصراع مع الدول العربية الرافضة لسياسة الأحلاف وفي مقدمتها مصر عبد الناصر التي حظيت بدعم من الاتحاد السوفيتي الذي يعمل جهده لتفكيك السياسة الغربية في منطقة الشرق الأوسط، حيث أسس روابط مع قوى ودول تريد الاستقلال.فالصورة متشكلة في أواخر النصف الثاني من الخمسينيات على ان نظام العراق محمي من
الغرب من خلال الدول المحيطة ودول حلف بغداد الأخرى . لقد عملت منظمة الضباط الأحرار منذ نكبة فلسطين سنة 1948، حيث تأسست ،على الاستيلاء على الحكم عن طريق حركة انقلابية عسكرية تحررية، وفعلا جرت عدة محاولات لم يكن النجاح من نصيبها. إلا أن المهم في الأمر أن الضباط من خلال منظمتهم اتفقوا وتعاهدوا على التخطيط والتنفيذ المشترك لقلب النظام ولكن اتفاقهم وتعاهدهم لم يأخذ مجراه إلى الواقع ، إلا أن نفذ العقيد الركن عبد السلام عارف ، بتوجيه من الزعيم الركن عبد الكريم قاسم ، الحركة العسكرية بفوج واحد عمليا ، وبعلم منظمة الضباط الأحرار ، وبعض قادة جبهة الأتحاد الوطني ، وكان همزة الوصل الراحل ( رشيد المطلك ) معهم ، فأستغل العقيد عارف ، مرور فوجه ببغداد صبيحة الاثنين 14تموز 1958، وهو في طريقة إلى الأردن بعد ان تحرك من مقره ، ومقر اللواء في جلولاء ، ليستولي على الأذاعة ، ومن ثم توجهت بعض الافواج ؟ للسيطرة على القصور الملكية ، ومن ثم اذيع البيان الأول ، وكانت الثورة قد ساندها الشعب ، بكل قواه وكان مشاركا مع قيادتها ، ومن روادها ؛ الحزب الشيوعي ، الذي كانت لديه ساعة الصفر ، لقيام الثورة .

 

من قراءتي لرفيق شيوعي عتيد في مقهى عبد ننه

 

من خلال متابعاتي المستمرة ، والاستفسار عن من يتذكر ، او له حديث ، ليرفدني لأكمال بحثي وتدويني عن هذا المقهى ، التي درست الآن ! لكنها حية ، في ذاكرة صحائف تاريخ النجف التقدمية ، ونضال أهلها ، وفي اتصال شخصي ، مع الرفيق عدنان عباس ، كان شيوعياً متفانياً ومن رجال المهمات الصعبة " هكذا أظن" ؟ وللتاريخ كانت في عام 1956 "محلية النجف والشامية" مقرها في النجف ، ومقهى عبد ننه يعد ملتقى لشخصيات وطنية ، وتقدمية ، ووجوه اجتماعية ، ومن بينهم الشيوعيون ، وأصدقائهم ، الذين كانوا يتوافدون الى النجف من أرياف ومدن الفرات الأوسط ، ومن بينهم الذين كانت تستهويهم شخصية صاحب المقهى الحاج عبد ننه ، وولده المحبوب رضا عبد ننه . عقب لي الرفيق عدنان بمعلومة ؛ انه حين كان يتواجد في النجف ، كان يلتقي مع صديقه وصديق الحزب ، في محل للخياطة بداية سوق الكبير الفرع الاول ، على يمين الداخل له ، من املالك التاجر عبد علي ناجي ، هذا الخياط وقبل ان يعين ، موظفاً في دائرة النفوس " البصرة " هو ( محمد حسين شيخ محسن عوينه ) شقيق الشهيد حسن عوينه ، كان تقدمي ومن اصدقاء الحزب ، وله علاقته الخاصة واللطيفة مع رفيقنا ( عدنان عباس ، أبو تانيا) ، وعلاقته مسترسله مع هذه العائلة (بيت عوينه) كانت من ريف الشامية (منطقة عكر) . حدثني الرفيق ( عدنان عباس) : كيف كانت العلاقة الوطيدة والتعاون المتبادل بين قوى التغيير التقدمي والمقاومة ، في كل من العراق وإيران ، ولها مسير تاريخي حافل ، وأحد جوانبها العلاقات بين الحزب الشيوعي العراقي ، والحزب الشيوعي الإيراني ( حزب الشعب الإيراني ) ( توده ) ولقد ارشدني (عدنان عباس) لتوكيد هذه المعلومة لقراءة مذكرات ( الرفيق باقر أبراهيم ) ( أبو خولة ) وفي غربتي هذه وبعد جهد استطعت ان استعير هذه المذكرات من صديق وبالصدفة وجدتها عنده ، لذلك احببت ان ادون ما قاله ( عدنان عباس ) وما استند عليه من مذكرات (أبو خوله) وبقية اعضاء الحزب الشيوعي ، وما دونوه في مذكراتهم ، كذلك ما كتب عن تاريخ الحزب ، والمعلومات الشفاهية ، والشخصية لمن عاصروا ، سنوات الجمر ، سنوات الناروالنضال ، والعشق العراقي الشيوعي .

ارجع الى صلب الموضوع : ان النجف وكربلاء مدينتين لها من القدسية شيء معروف ، والمعرف لا يعرف ، لذلك ارتبطت العلاقات المذهبية مابين إيران والعراق بمتانه خاصة ، وتواصل مستمر مابين الشعبين ، ولا يمكن ان يتجاهل هذه العلاقات من امتهن السياسة والنضال التقدمي وفي البلدين حكم عميل للاستعمار "الأنكلوامريكي" والقوى التقدمية تجابه بكل قسوة وعنف ، والعمل السري والتواصل والتعاون كان كفيل بانجاح مشروعية النضال ، فلم تكن المنطقة الجنوبية والبصرة بالتحديد ، المنفذ الوحيد لذلك التعاون ، فحزب ( توده ) وجد منفذاً مهماً للمعونة ، ديالى ، كربلاء ، النجف ، ومن بغداد بالأساس ، وكذلك من شمال العراق ، وكانت تلك المعونات تتم في السر فقط ، وقال : ( عدنان عباس ) " ان العلاقة مع حزب توده الإيراني تعود الى الشهيد (محمد حسين أبو العيس ) الذي تمكن من الهرب ، من سجن نقرة السلمان ، الذي كان منفياً فيه عام 1949 ، وهرب الى بغداد لغرض الالتحاق بالحزب الشيوعي العراقي إلا " ان قيادة الحزب أنئذاك لم تحتضنه!؟" قيادة بهاء الدين نوري وبطانته في الحزب انئذاك !؟ فغادر العراق سراً الى إيران ، وأحتضنه حزب توده ، وعاد الى العراق بعد ثورة 14 تموز الخالدة " . إن احدى قنوات العلاقة مع توده ، بدأت مع انتكاسة الحركة الوطنية الإيرانية عام 1953 ، حينما تعرف أحد الشيوعيين العراقيين ، بمحض الصدفة في بغداد على ( خسرو روزبه ) . كان " روزبه " من قادة التنظيم العسكري لحزب توده ، وهو قدم مرة أخرى للعراق ، فلقد زار كربلاء والنجف ، سابقا ، وله اتصالات مع بعض ممن يتعاونون مع الحركة الوطنية وحزب توده ، من رجال دين ومرجعيات ، مهمة في حينها ، كانت تقف ضد حكم الشاه ، ولاتتعاون معه ؟ لكن بعضهم ، كان له مواقف مضاده للحركة الوطنية والتقدمية الإيرانية !؟ وله اتصالات مشبوهه مع جهاز مخابرات الحكم الشاهنشاهي المباد (السافاك) ولهم الدعم بكل اشكاله ( المالي والوجستي) ومنهم يعمل في الاجهزة الاستخبارية الإيرانية ؟ نعود ؛ مقتصر زيارته هذه المرة على البصرة لأداء بعض مهماته الحزبية ، في اواسط الخمسينيات . بعد اعتقاله في إيران ، اشتهر بدفاعه الجرئ عن مبادئه أثناء محاكمته ، وهذا ديدن الشيوعيين المخلصيين ! وقد ترجم الرفيق محمد الملا كريم دفاع " روزبه " من الفارسية الى العربية ، وطبع بكراس ووزع في العراق ، كما عرف عن " روزبه " قوة المراس وشكيمته ، إذ هرب أكثر من مرة من السجن ، فلجأت السلطات الإيرانية الى قطع ساقه قبل محاكمته وإعدامة . وأعرف انا ذياب آل غلآم ؛ ان المناضل رضا عبد ننه ، كان على معرفة ببعض ممن يعملون مع حزب " توده " في النجف ومنهم من كان يدرس بالحوزة او يدرس فيها ؟ وأكيد هو بدوره ابلغ الحزب بذلك ؟ ومع تطور العلاقة ، صار لحزب توده مستقر لبعض كوادره البارزة ، في بيوت سرية ، موزعه مابين ، النجف وكربلاء والبصرة وشمال العراق ، لكن في بغداد كان بيت في حي القاهرة مسكن لهم ، والقاهرة كانت ماتزال حياً جديداً آنذاك . سكنه لفترة طويلة عدد منهم ، وخاصة الشهيد (برويز حكمت جو ) الذي عاش فيها وعائلته حتى عودته الى إيران ، واعتقاله ، ثم اعدامه من قبل نظام الشاه ، وكان قد اعتقل معه ( علي خاوري ) كان سكرتيراً لحزب توده في وقته . ومن الجميل ، ان نذكر عن هذا ، المناضل الصلد الشهيد ( حكمت جو ) أنه عمل في إذاعة بغداد ، القسم الفارسي ، وراح في البداية ، يستشهد في أحاديثه الإذاعية ، بمقولات في الكلاسيك الماركسي - اللينيني ، ويهيئ الكتب المطلوبة للاستشهادات . لكن احد رفاقنا في الحزب الشيوعي العراقي وكان صديق له (........) نصحه بأن يخاطب الشعب الإيراني ، وفقاً لتقاليده القومية واستناداً الى مصادر الإسلام والتاريخ . وهذا ما يتناغم اكثر مع مشاعر وعواطف الشعب ، وساعده كذلك بتوفير بعض المصادر له . وبالفعل نجح هذا المذيع ، بعدما اتخذ لنفسه اسم ( حبيب الله أسماعيل ) فصارت له مكانة مقبولة بين الجماهير الإيرانية . وراحت تتكدس بين يديه الرسائل الكثيرة التي تجاوزت 600 رسالة اسبوعياً ، من إيران تناقش أحاديثه ، إن برويز حكمت جو الذي كان ضابطاً في القوة الجوية ( نقيب ) عرف بتمرسه بالنضال واشتهر بدفاعه عن مبادئه أمام المحاكم الشاهنشاهية . واحب ان اذكر ؛ ان اكثر ممن كان يتصل ، ويواصل اللقاءات مع حزب توده ، هو الشهيد (محمد حسين أبو العيس ) هذا الرفيق الكظماوي ، من ابناء "القطانة والبحية " القديمتين في الكاظمية ( مذكرات باقر أبراهيم ) ، فلقد قدم الكثير من العطاء في أداء هذه المهمة المعقدة ، كان الشهيد دمث الاخلاق ، لطيف المعشر ، متابعاً للاحداث ، ونبهه ، وكان يجيد اللغة الفارسية ، ومرة قال لي الراحل ( مرتضى فرج الله ، أبو عزيز )أن الشهيد " أبو العيس " حين يزور النجف ، لابد وأن يلتقي في مقهى عبد ننه ، ومع المناضل رضا عبد ننه ( لم يكن يعرفه بأسمه الصريح في البدء ؟) وتأتينا المعلومة عن وصوله للنجف ولقائه مع بعض رفاقنا . اما في البصرة ، فكان معتمد حزب " توده " للصلة بالداخل ( عباس علي شهرياري ) مسؤول تنظيم طهران . وفي تلك الفترة كان مسؤول المنطقة الجنوبية ( الرفيق باقر أبراهيم ) ومن ثم مسؤول عن لجنة التنظيم المركزية بعد ذلك !؟ ولديه علاقة في هذه المهمة ، والتي تولاها بالأساس عدد من قادة الحزب ، في مقدمتهم الشهيد سلام عادل ، السكرتير الأول ، والشهيد أبو العيس ، جورج تلو ، محمد صالح العبلي ، وغيرهما من المسؤولين .

وهؤلاء كلهموا ممن زار وجلس وتحدث مع الحاج عبد ننه " لم يكن منتميا ولا شيوعيا لكنه يحب الطيبين ومن يدافع عن الفقراء والمضطهدين " لكن كانت اتصالاتهم مع ، ولده رضا " فكان مناضلا شيوعيا " ، في مهامهم الحزبية والنضالية . ( قبل الثورة وفي سنوات الجمر والنار والنضال ) نعود وعباس شهرياري ، معروف لدى قيادي المنطقة الجنوبية ، ممن تولوا المسؤوليات ، منهم ( سلطان ملا علي ، عبد الحسين خليفة ، حمزة سلمان ، محمد حسن مبارك ، جاسم الحلوائي ، وكامل كرم ، وكذلك عبد الوهاب طاهر (أبو رجاء ) وهم ايضا حين يزورون النجف فمكان تواجدهم ، او لقائهم كان بضيافة مقهى الحاج عبد ننه . وللتاريخ ايضاً ، ان هذا ( عباس شهرياري) والذي يطلق عليه الأمن الإيراني لقب "عباس صاحب الوجوه المتعدده" ، عن طريقه امكن تسفير العشرات من قادة وكوادر الحزب الشيوعي العراقي الملاحقين ، الى الدول الاشتراكية بين أعوام 1961-1963. وهو الذي سفر سلام عادل للاتحاد السوفييتي في أواسط عام 1961، وكان ارساله لمعهد الاعداد الحزبي ، مؤامرة في ابعاده ! لكونه طرح في رسالته الى (للمكتب السياسي ، ولمش) موضوع استلام السلطة ، بعد محاولة الأغتيال الفاشلة للزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم ، وهذا مؤكد في مذكرات الكثير من قادة الحزب ، وكذلك دونته ، بكل تفاصيله وابعاده ، الرفيقة (ثمينة ناجي يوسف ) أم أيمان ، وعلي ، زوجة الشهيد سلام عادل . (( لو ثبت الآخرون ........ ؟ ياسلام عادل ؛ لما ضاع العراق ! فلقد قلتها : الآن بدأت أمريكا تفكر باحتلال العراق وصدقت !؟ 1959 )) بعده تولى الدكتور ( رضا رادمنش ) السكرتير لحزب توده ، مهمة الاتصالات حزبهم بالداخل من العراق ، ولفترة طويلة من السنوات التي سبقت ثورة 14 تموز 1958، وحتى السنوات الأخيرة من قيادته للحزب في بداية السبعينيات ، وغالباً ما كان يسكن ذات البيت في حي القاهرة ، الذي تطوع لخدمة مهمته . وصدفة كانت عودة د رضا رادمنش إلى الخارج من بغداد ، بعد انقلاب8 شباط الاسود 1963، فتعذر عليه السفر ، ومن المطار عاد ادراجه ليختبئ في أحد البيوت الحزبية المضمونة ، العائدة ( للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ) وهو بيت والدة الشهيد عواد الصفار . حوري الصفار ( أم عواد ) مناضلة صبورة هادئة ، استضافت في بيوتها في النجف وبغداد (وكانت لها علاقة وطيدة مع بيت الحاج عبد ننه العلي ، وتعرفهم عن كثب ، وكان ولده رضا بمثابة أحد ابنائها ) وعلى مدى أكثر من ربع قرن ، من آواخر الأربعينيات حتى وفاتها عام 1974 ، المئات من المناضلين . ويذكر الرفيق " باقر أبراهيم " حادثة ، عن د رضا رادمنش ، والذي يحمل جواز سفر بأسم " حسين مجتهدي " ، قال : استضافة السلطة العراقية البعثية ، بعد مجيئ حزب البعث في تموز 1968 ، الجنرال المنشق من سلطة الشاه ، " تيمور بختياري " الشخصية المعارضة ، والذي كان يشغل منصب قائد جهاز المخابرات الإيرانية ( السافاك ) .

طلبت قيادة الحزب الحاكم بإلحاح من الدكتور رضا رادمنش ، اللقاء والتعاون مع الجنرال بختيار ، إلا أنه رفض ذلك بشدة وإصرار ومما قاله لهم (( إني لست مستعداً أن أتعاون مع شخص تقطر أظافره من دم الشعب ومناضليه ، ولو فعلت ذلك ، فلن يكون بمقدوري أن أواجه شعبي بهذه الحقيقة ) وآسفاه ، وانت يا أبا سعود ( عزيز محمد ) والسبعة الآخرين في قيادة الحزب ، وافقتوا ، وتصافحتوا ، مع قتلة الشعب ، ومن كانت اظافرهم تقطر دماء لم تجف لحد الآن ، وكونتوا معهم (الجبهة ) وآسفاه !؟ ومعلومة أن رضا رادمنش ، كان اختصاص فعلوم الفيزياء ، ويتحدث بخمس لغات اجنبية ، ومما تميز به ، سعة الإطلاع والمعرفة ، الهدوء والتواضع ، والصدق في النضال ، وهذه مميزات الشيوعي النبيل . وكان د رضا رادمنش على صلة دائمة ووثيقة بالسيد الخميني ، فهو يزوره في بيته في النجف ، محلة الحويش ، بالقرب من فضوته ، مقر عمله وقيادته للمعارضة الإيرانية الدينية ،في كل مرة يصل فيها العراق . كانت العلاقات بين حزب الشعب الإيراني الشيوعي " توده " والسيد الخميني جدية وودية ، وتدور حول التعاون بين أطراف المعارضة الإيرانية ، والأتجاهات المطلوبة للبديل عن نظام الشاه وأسلوب إزاحته ، لكن بعد الاطاحة بحكم الشاه ، غدر الغادرون !؟ بنضال حزب توده ومناضليه ! ومرة كان مسؤول منظمة الحزب الشيوعي في النجف الرفيق (أبو ماجد) ، التقاه في الشارع ، وسلم عليه ، فأجابه السيد الخميني : " بما يعني أنهما معاً يدافعان عن الكادحين . وقال ذات مرة لرادمنش ، مازحاً : أريد أن اصالحكم مع الله ؟ ومن الطرائف ، في هذا المقهى ، ان رفيق كردي قيادي في الحزب ، كان زائرا للنجف ، جالس في المقهى منتظراً أحد الرفاق ، واثناء درشة معه ، من احد الجلاس ، وعرف هذا النجفي ، ان هذا ( الكاكه الضيف ) يحمل افكار شيوعية ، احب ان يداهره ، بعدما اطمأن له ، سأله : كاكه أبروح أبوك انتم اشلون تتفقون مع الأسلاميين ، وانتم لا تؤمنون " بالغيب " ؟ قال

كاكه كريم : بعدما عرف اسمه لهذا النجفي ! وبلكنة لسان لاتضبط اللغة العربية ؟ كاكه : هزوله "هؤلاء" المسلمين ، يجاهدون من اجل جنة للفقراء بعدما يموتون ! ونحن شيوعين نجاهد من أجل جنة للفقراء ، وهم احياء في الأرز" الأرض" ! شنو عجيبة اذا فقير له جنة في حياته وجنة في آخرته !؟ ضحكا ، ودعى له بشاي جديد ، وطلب منه اذا جاء صاحبه ، فسوف يأخذهم الى بيته للأستراحة وتناول الطعام .

 

مقهى الحاج عبد ننه في صبيحة 14 تموز 1958

 

كعادته الحاج عبد ننه ، بعد صلاة الفجر ، حيث يترك نومة السطح اللذيذة في هذا الوقت التموزي في غبش الصباح ، والنسائم العليلة المفعمة بعبق شيح البرية ، ولذعة برد صحراوية ، تهب في آواخر الليل ، عند انبثاق الخيط الابيض من الاسود ، متجها إلى رزقه ، لفتح المقهى " يبسط على باب الله " اليوم الأثنين 14 / من تموز / 1958 . ولده ( رضا ) عنده معلومة سرية للغاية ! تبلغ بها من قيادة الحزب الشيوعي ، وتعليمات لتنظيم الفرات الاوسط ، قبل الثورة بيوم واحد استلم التنظيم ، تعليمات المكتب السياسي ( 13 تموز ) التي تطلب منا ان نكون بالانذار في اعلى درجاته وما ورد في هذه التعليمات : ( نظرا
لتأزم الوضع السياسي تأزما شديدا يجب على لجان الحزب ان .....لآخ ) ، بأتخاذ الحيطة والحذر ، لكون الايام القادمة ، فيها تباشير للشعب ، وشيء جديد سيحدث للعراق ! لكن الرفاق لايعلمون ماهو هذا الجديد؟ هكذا اتخذت قيادة الحزب الشيوعي بالاتفاق مع قيادة الضباط الأحرار لصون وكتمان ساعة انبثاق الثورة ! ومن بعد الاعلان عنها ، يهب الشيوعيين للاسناد ولنصرتها ، والتكاتف مع قيادتها ، في تعبئة الشارع ضد قوى الردة !! المهم وصل الحاج عبد ننه ، مد يده لمفاتيحه ، بسمل وحوقل ، وفتح (الفنر ، الكبنك) باب المقهى ، متلهفا لسماع صوت المقرئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ، حيث دأبت محطة بغداد في موعدها الأسبوعي ، تبث قراءة بصوت " عبد الباسط " وهكذا ضبط الحاج عبد ننه الراديو على محطة بغداد ، وما هي إلا لحظات حتى تألق صوت ( بلبل الإذاعة ) الشجي الحبيب ، معلنا افتتاح البث المباشر ، واليوم الأثنين ، المميز عند كل العراقيين ، بعده ينطلق صوت القرآن من حنجرة الشيخ عبد الباسط ، ملعلعاً في ارجاء المقهى ، وبأعلى درجة صوت الراديو ، ولا يجرؤ أحد على التذمر من ذلك من عماله او من مريدين المقهى صباحاً ! لأنه قرآن كريم ، بصوت جميل ، واحيانا ينزعج الحاج عبد ننه من ضجيج المستمعين ، ولا سيما تعبيرهم عن الأعجاب بجمال التلاوة ، بترديدهم ( الله ... الله اكبر ) فيستعيذ عن الشيطان ، ويستغفر الله الرحمن . لكونه يعتقد ان عبارة ( الله اكبر ) لا تقال في غير " الأذان " او عند نزول المصائب ، فكيف يطلقها هؤلاء دون مناسبة توجبها ؟! انه يوم الأثنين المميز الذي يتألق بصوت عبد الباسط المشعشع ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) فجأة نحل الصوت ، وراح يتلاش ، حتى إنقطع ، لحظة سمع الحاج عبد ننه ومن كان في المقهى ، المذيع يقول ( هنا إذاعة بغداد ) ؟ انه لم يقل كما اعتدنا منذ شهور ( هنا إذاعة الاتحاد العربي الهاشمي من بغداد ) فأندهش الحاج عبد ننه ! في الاثناء لمح ولده ( رضا ) فناداه : لبى نداءه مسرعاً ويبدو أنه سمع رغم بعده عن الراديو ، هذا الجديد الموعود قالها رضا الذي طرأ ؟ ولم يطل انتظاره لسماع البيان " الهام " فقد انطلق صوتٌ مُصَفَّح ، ساطع ، بحشرجة ملعلعة وواضحة ( بسم الله الرحمن الرحيم : بعد الأتكال على الله وبمؤازرة المخلصين من ابناء هذا الوطن .... ) ظل الحاج عبد ننه ورواد المقهى (المصبحجيه) وجلهم من الشغيلة والعمال والكسبة ، متجمهرين متعنقين برؤسهم نحو الراديو يستمعون بصمت ، وسرائر وجوههم تبشر بالفرح الأتي والقلق ! يتابعون البيان بأتزان ، بهذا الصوت المتحمس في اللألقاء ، وقبل ان ينتهي من اكماله ، قفز رضا على احد القنفات ( تخت ) خارج المقهى صائح بصوته العالي بتجاه الميدان : يا أهل النجف يا شعبنا " ثورة ... ثورة ... ثورة " فليسقط الأستعمار وأذنابه " ثورة ... ثورة " تجمهر الناس ، خرج الناس ، ومن شدة الفرح احتظن الشارع النجفي ناسه ، ومن كثرة سرور الناس امتلأت الشوارع بهم ، كانت الجموع قد خرجت من بيوتها ، خروجاً لا يشبه خروجها ( ليوم سندهبده ، النوروز ، إدخول السنه ) أو للأعياد ، او للمواكب الحسينية . امتلأت درابين وأزقة اطرف النجف وشوارعها والساحات بالناس ، والاصوات وهي تتفجر بهتافات متشنجة ضد الملكية والاستعمار ، الكل يهنئ الكل ، الشيوعي والقومي ،المستقل والبعثي انها جبهة الاتحاد الوطني ! وكل الكادحين مع الطيبين ، الفرح والهتافات ينطلق بشكل جنوني ، صاعق ، وغير مصدق ، إلى درجة ان البعض ممن كان يهتف ضد الملكية ، كان لا يغير من أللقاب الملك شيئاً إلا بإضافة كلمة ( يسقط ) كان فرحاً جنونياً ..... وحقيقياً ! هؤلاء يهتفون ، وأولئك يرقصون ، وثمة آخرون وجلون وسط المعمعة .... ! والبعض حائرا ؟ ونسوة تتجمهر بهلاهلها ، آخرون تسلقوا اشجار حديقة ابو كشكول ، أو أعمدة الكهرباء ، واسيجة السطوح وخاصة الصبية ، ومنهم من وقفوا على ( قنفات المقهى) تخوتها ، او السيارات الواقفة ، أكثر الناس كان لا يدري ماذا يفعل ، والفرحة كانت أكبر من حجم النفوس التي لم تكن لها حجم ! بل هي أحست بأتساع الإطار من حولها فجأة ، فلم يدفعها ذلك ، في تلك الحظة ، إلى الانفتاح كي تتفجر ، قدر ما ركز حزنها إلى حد اتقاد النار بين الأحشاء والتهاب الحناجر التي لم تصدق صداحها باليسقط واليعيش بذلك القدر من الحرية غير المنتظرة ، والمنتظرة في الوقت نفسه ؟ الحرية التي خلطت مكونات تلك النفوس المتوجعة ! البكاء ، بالصياح ، بالغضب بالضحك الهستيري ، بالهتاف الشديد ، بالفرح الأهوج ، بالحزن الراقص ، بالحنين الغريب إلى شيء غريب وجديد ! بالألفة الوحشية ، بالزعيق ، بالنواح .... بكل شيء . الشمس التموزية الحارقة ، هي ذاتها كانت نسمة عليلة باردة !! الحفاة الساعون بجنونهم إلى لحظة الثورة ، مثل من هم في كامل " قيافتهم " يسعون الى مبنى (القيمقامية ، ومركز الشرطة ) رمز الملكية ، وهو في الوقت ذاته محط أنظار القليل من الناس باعتباره سيكون لهؤلاء الناس ... فهو لم يعد في حوزة الوصي والملك ونوري السعيد والمستعمرين ... غير أن أكثر الناس كانوا لا يجرؤون ، بل هم غير قادرين على تصور خروج هذه الأشياء من أيدي الملكية والأستعمار ... كان تفكيرهم لا يتعدى امتلاكهم لحق البكاء ، والصياح ، والغضب ، والضحك الهيستيري ... الهتاف الشديد والفرح الأهوج ، والحزن الراقص والحنين الى شيء غريب ... الألفة الموحشة ، والوحشة الأليفة ، الوعيق والنواح ، وحتى المقبرة الوجمة كانت مبتهجة هذا الصباح ، كأن شهداء الناس ، شهداء الشعب ، شهداء جبهة الاتحاد الوطني ، شهداء العراق من زاخو الى حدود الكويت ، وجلهم من الشيوعيين ، كانت نفوسهم مع الناس وفي وسط الناس ... أن احداث ذلك اليوم لم تكن تترك لأحد أن يستغرق التأمل في أية فكرة على الإطلاق ، أية فكرة مهما تكن ! من الصباح الباكر الحاج عبد ننه العلي ، في المقهى ، يمنح الناس الشاي والقهوة مجانا ، حتى انتصاف النهار ، كانت الناس تتفنن في تفجير فرحها وتفجير نفسها ، حركة دأبة مابين باب الاولاية " الميدان " ودورة الصحن العلوي ، في بعض بيوت رجال الدين ، اشكالية ، وخوف ومواقف تنتظر الأفصاح عنها مع الثورة او ضدها ؟ انها مرجعية المذهب ، ولها مالها وما عليها من مواقف مع الملكية والاستعمار او مع التقدميين والوطنيين الاحرار!؟ واليوم ثورة ، ناس يركضون ولا يدرون لماذا ولا إلى أين ؟ أناس يرقصون دون قلق ، فيما آخرون ينظرون الى سارية علم مرفوع لم ينتبه إليها أحد ، فوق مبنى القيمقامية ومركز الشرطة ؟ آخرون يقفون بهدوء يتبادلون حديثا لا يكاد يُسمع ، عبر كل تلك الضجة التي تأتينا من السماء ومن الهواء ! ثورة ، انه يوم الثورة ... من الصباح وحتى مابعد منتصف النهار او حتى مغيب الشمس ، والنجف الساخنة بلهيب الصحراء ولهيب النفوس المتوقدة والمتقدة بالحرية والثورة التموزية الجديدة ، تعب الناس ، لكن قلوبهم لم تتعب ، وصاروا يعودون الى البيوت ، المسافات لم يعد لها وجود في هذا اليوم الذي اختصر أربعين سنة في لحظة ! الكل متعب ويريد الوصول الى البيت كي يرتاح ، يأكل ويشرب ، لكن الحاج عبد ننه ينتظر ولده رضا مع رفاقه وسط الناس ينظمون البعض ، يوجهون الآخرين ، انها مسؤولية صيانة الثورة في هذا اليوم ، الحاج عبد ننه ينتظر ولده لكي يغلق مقهاه ، ليعود الى البيت ، ليستريح فاليوم كان عنده اكبر من عيد ، وكأنه العمر الجديد يعود ! ويستعيد ، هذا الحلم ، الذي سيكون بالفعل حلماً ، عليك أن تفيق منه ، فأين يمكن أن تفيق ؟ في مديرية الأمن ؟! أم في دائرة الاستخبارات ؟! أم أن نوري السعيد والوصي والملك وكل المستعمرين قد راحوا بضربة واحدة قاصمة ؟! أيعقل أن كل الناس خرجوا عن بكرة أبيهم للحرية وانعتقوا فيها ولها ؟ انها ثورة 14 تموز الخالدة وهذا يوم الأثنين التموزي النجفي ( تماهيا مع ما كتبه مهدي محمد علي ، في البصرة جنة البستان ، بتصرف )

في المقهى قراءة موجزة للمواجهة مابين الحوزة والثورة التموزية


بدأت المواجهة بين المدرسة النجفية وحوزتها العلمية من جانب ، والحكومة العراقية ودوائرها من جانب آخر بعد ثورة 14 تموز عام 1958 م ، وأخذت بالتصاعد بعد هذا التاريخ إلى درجة الإصطدام المباشر ، حيث وقفت ضد ثورة تموز ومنجزاتها الوطنية ، وضد قوى التقدم والديمقراطية والنور، وساندت في احايين ، القومجية والبعثفاشستية ، وعملاء الاستعمار والشاه الأيراني الفارسي ، ورغم كل هذا وقفت قيادة ثورة تموز بكل احترام واجلال من اجل ان تكون الحوزة تجانب الحق وتنصر الفقراء والكادحين ، لكنها لم تفعل ذلك بل بالعكس اصدرت فتاويها بتحريم الاصلاح الزراعي وحرمة التوظيف في دوائر الدولة ، وكفرت الوطنيون والاحرار والتقدميون ورواد الثقافة والتقدم وخاصة (الشيوعيين واصدقائهم) ورغم ذلك كان الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم يستمع ويستفسر ويصغي لرأي الحوزة ولم يقف ضدها ، وهو صاحب (عفى الله عما سلف !؟) ولكن ؟ مابعد انقلاب البعث
1968 تغير الحال واخذت قيادة البعث ، بالهجوم على الحوزة الدينية المذهبية ، ولها عبرة بذلك ، من مواقفها من ثورة 14 تموز1958وكيفه جابهتها واشتركت باسقاطها الدموي في 8 شباط 1963 الاسود ، لذلك شنة حملة تسقيطية على رموز الحوزة ، وتصفية رجال المدرسة البارزين ، وأخيرا مراجع الدين الكبار ولكن الأحداث تشير إلى أن هذه المواجهة كانت خفية قبيل ثورة 14 تموز ، وقد تصل إلى أحداث عام 1920 يوم قادت النجف جماهير العراقيين للثورة على الإنكليز ، وكان للمرجعية الدور المتقدم في هذه الثورة وبعد تأسيس الحكومة الملكية عام 1921 م تحت اشراف السلطة البريطانية أخذت بالتصدي لأعلام الثورة من رجال العلم ، بعد أن كسبت بعض رجال العشائر إلى جانبها ، فكان التسفير إلى خارج العراق تحت غطاء العناصر الأجنبية أو الفارسية ، وكان على الحوزة العلمية منذ ذلك التاريخ أن تخطط للحفاظ على وجودها وعلى هيكلية مدرسة النجف بما يناسب مقامها العلمي ، ولكن الأمر كان على العكس وكلما تعالى صوت الإصلاح في هذه المدرسة ، تعرض إلى صوت أقوى منه لإخماده ، ولا نستعبد وجود عناصر زرعتها السياسة في أرضية المدرسة النجفية ساعدت على إخماد أصوات الإصلاح ، وقد أشارت الوثيقة الصادرة عام 1351 هـ / 1933 م إلى أهمية الإصلاح في إيصال صوت النجف إلى العالم بأسره ، وقد جاء فيها
" كان من الواجب بالضرورة أن يتدارك كبراء العلماء وأهل الدين هذا الخطر العظيم على الدين ( المذهب الجعفري ، الشيعي) وأهله بأن يتجمعوا ويفكروا ثم يعملوا لإصلاح الهيئة العلمية على الموازين الشرعية ، بحيث ينتظم بها شؤون تحصيلهم وتأمين طرق معاشرهم حتى يتفرغوا للتحصيل ويقروا منهاجا دينيا علميا بأن يكون التدريس فيها للفقه الجعفري ومبادئه في الأصول والنحو والصرف والتفسير وأصول العقائد ويكون ذلك بنظر هيئة ممتحنة من أخيار أهل العلم ليجعلوا المناهج الصحيحة ويقوموا بهذا المشروع الجليل مع أشراف كبار العلماء ومراجعتهم في المهمات من دون مداخلة أي سلطة فيها لغيرهم " ، وقد عدت هذه الوثيقة أولى بوادر الإصلاح كما ورد فيها " حياة هذه الأمة وقد أوشكت على الموت " ، وقد وقع على هذه الوثيقة أعلام من اسر علمية نجفية معروفة . وقد تابعت جمعية منتدى النشر منذ تأسيسها عام 1353 هـ / 1935 م حركة الإصلاح في المدرسة النجفية ، وأرادت تحقيق ذلك بصورة واقعية ، وخطط العلامة الشيخ محمد رضا المظفر إلى إصلاح المنبر الحسيني كما يؤدي وظيفته الإرشادية وفق أسس علمية رصينة ، لكن صراع الحوزات كان سبب تآخر هذا الاصلاح المنشود ؟ ففي الوقت الذي بدأ السيد محمد الشيرازي ينشط في كربلاء لتأسيس حوزته ، في الخمسينيات من القرن المنصرم ، كان هناك مرجع اكبر منه ينشط في النجف ، هو السيد محسن الطباطبائي الحكيم ، الذي اصبح المرجع الأعلى للشيعة في العالم ، ومع ان السيد الحكيم لم يكن يحمل برنامجا سياسيا واضحا ، ولم يكن يؤمن بالنظام الديموقراطي ولا بنظرية ولاية الفقيه ، الا أنه كان يعتقد بإمكانية قيام الفقيه ( الشيعي ) بدور الزعامة الدينية ، ولعب دور ما في الحياة السياسية . كانت حاشية السيد الحكيم منقسمة بشأن العمل السياسي إلى فريقين : فريق يؤمن بضرورة العمل والتنظيم ، والدخول بقوة في الحياة السياسية ، كأبنيه ( سيد مهدي وسيد محمد باقر الحكيم والسيد محمد باقر الصدر) وفريق آخر يؤمن بنظرية الإنتظار وتجنب السياسة ، والقتصار على الشؤون الدينية ( من باب التقية ) كالشيخ حسين الحلي والسيد يوسف الحكيم ولده والشيخ محي الدين الممغاني والشيخ محمد الرشتي ( مدير مكتبة الحكيم العامة) وقد أثر ذلك الموقف الضعيف من التدخل في الشؤون السياسية العراقية ، على دور الشيرازي في كربلاء والعراق ، من حيث تحجيم مرجعيته الدينية ، ومن حيث قدرته على التصدي ضد الحكومة العراقية ، حيث لم يكن الشيرازي يتمتع بخلفية مرجعية قوية تسانده في حركته السياسية ( مذكرات السيد مهدي الحكيم ) . وكان السيد محسن الحكيم قد أيد في البداية ثورة 14 تموز 1958 ، ثم سحب تأييده لها بعد إقرار قانون الاحوال المدنية ، وقانون الاصلاح الزراعي ، وأفتى بكفر الشيوعية ، وفام بتأييد انقلاب 8 شباط 1963 ، ثم سحب تأييده للنظام الجديد ، بعد ارتكاب البعثيين والقوميين لعمليات قتل وتعذيب . وقد انصب اهتمام السيد الحكيم في عهد ( عارف ) على تشكيل لجنة مشتركة (سنية ، شيعية ) تكون مسؤولة عن التشريع ووضع قانون جديد للأحوال الشخصية ، ينسجم مع الشريعة الأسلامية ، وأبلغ الحكومة العراقية : انه يترك الحرية للسلطات السياسية ان تقرر ما تشاء من قوانين . لم يطالب السيد الحكيم ، بشكل واضح بإجراء انتخابات او بناء المؤسسات الدستورية للدولة ، بالرغم من ان السيد مهدي الحكيم ، يتحدث في مذكراته عن رغبة والده بإقامة حكم مدني وطلبه من ( البزاز ) بعد مقتل عارف تشكيل مجلس قيادة ، والعمل من أجل حكم برلماني . وربما يفسر الحوار الذي جرى بين ( السيد الحكيم والسيد الخميني ) في النجف بتاريخ ( 19 / 10 / 1965 ) بعض أسرار الموقف المتردد للسيد الحكيم ، من خوض الصراع بقوة من النظام العراقي ! حيث كان يشكك في طاعة الناس له ، اذا أعلن الثورة أو سالت الدماء ، المهم هذا مختصر من حدث تاريخي ندونه في بحثنا في هذا المقهى الذي يعنينا ، قراءته بما ينسجم مع مدونتنا ، بكل حيادية كما أظن .

مسك الختام لهذا القسم اقول :

الشيوعيون الان هم أنزه من في العراق شئنا أم أبينا, حقيقة ملموسة بالوثائق والأدلة الدامغة لا يشك ببياضها أحد رغم كل ماتعرضوا له من التشويهات طوال تاريخهم.
وان الوطني الحريص على العراق امام امتحان لضميره مهما كان انتماؤه أو عقيدته - اقول هذا رغم ملاحظاتي الكثيرة على الأداء السياسي للشيوعيين وملاحظاتي على بعض قادتهم- إن العراقي الذي يحاول الالتفاف على حقيقة نزاهة الشيوعيين لن يكون حبه خالصا للعراق الذي لابد من انقاذه من الفساد وخراب الذمم قبل كل شيء.

 

( يتبع )

ذياب آل غلآم


التعليقات

الاسم: ذياب آل غلآم
التاريخ: 22/02/2015 02:42:20
حبيبي واثق لك والى عائلتك احترامي وتقديري وخاصة الراحل الكبيراستاذ مكي زبيبة كان عنوان نجفي يشار له بالبنان هذه الحديقة التي كانت زاهية ولنا ذكريات فيها مسحها النظام البعثي الفاشستي وحولها الى قاعات وابنية اجتماعية رائعة لكن هؤلاء حولوها الى مكان للطم وللهذيان ... اسمها كان فيها قبور للسادة البو كشكول وجدهم الكبير سيد كشكول له عند الله كرامة وكانت هذه القبور في وسط المتنزه الكبير وكان متنفس للعوائل ولنا نحن الشبيبة مكان للقراءة وللمتعة ايضا .. شكرا لك

الاسم: السيد واثق زبيبة
التاريخ: 21/02/2015 03:43:18
احسنت استاذ بحث واستعراض للاحداث جميل وروعة
لكن اسأل سؤال لماذا سميت الحديقة هذه بحديقة ابو كشكول؟
شكرا جزيلا

الاسم: ذياب آل غلآم
التاريخ: 20/03/2012 22:06:06
العزيز ابن الغالي الراحل رفيق النضال وصديق الناس محمد حسين عوينه مؤيدالحبيب تحياتي العبقة واشكرك ولقد كنت قبل هروبي من العراق التقي والدك حيث كنت مدرسا للتربية الفنية في متوسطة الكاظمي في خان النص وانت لاتتذكرني طبعاوعائلتكم له صلة رحم مع عائلتنافعمكم مسلم هو زوج خالة زوجتي ومن ثملنا صلة قربا معكم من الشامية والنجف والى بغدادشكرا لضيافتك ونحن نكتب تاريخ مدينة ورجالهاالذين ساهموا في صنعه ومنهم والدك رحمة الله عليه ولك مني الاحترام والتقدير سلفا

الاسم: مؤيد محمد حسين
التاريخ: 20/03/2012 11:06:16

اشكرك استاذ ذياب على هذه المقاله الرائعه مقهى عبد ننه- إرث عراقي حضاري ....القسم السابع
وهي تاريخ للعراق واشكرك على جهودك الرائعه في جمع هذه المعلومات
بالمناسبه اني ابن المرحوم محمد حسين عوينه وكم اتمنى ان اكون على اتصال دائم بك
استاذي الكريم أني ابنك المخلص مؤيد عوينه من المانيا وكم اتمنى ان تزورنا في يوم من الايام في المانيا فبييتي لك مفتوح حيث انت من رائحة الوالد
هذا واتمنى لك الصحه والموفقيه الدائمه لتخبرنا بما كانت عليه اخلاق وشجاعة وكرم اهلنا ولتذخرنا بالقديم الجديد ابنك المخلص مؤيد عوينه
moaeed99@hotmail.de

الاسم: مؤيد محمد حسين
التاريخ: 19/03/2012 21:22:05
اشكرك استاذ ذياب على هذه المقاله الرائعه وهي تاريخ للعراق واشكرك على جهودك الرئعه في جمع هذه المعلومات
بلمناسبه اني ابن المرحوم محمد حسين عوينه وكم اتمنى ان اكون على اتصال دائم بك استاذي الكريم ابنك المخلص مؤيد عوينه من اللمانيا

الاسم: ذياب آل غلآم
التاريخ: 12/03/2012 13:53:45
البروف والاخ والرفيق جعفر ابو الصوادق لتلك الايام الخوالي ؟ لك العز وهذا وسامك لي هو وسام نجفي في العراق الأشرف قلتني آياه وانت نبض في العشق العراقي اتذكرك ايها الرفيق والأصيل والنجف عنوان وهكذا ندون تاريخ يتجاهله الآخرين !؟ المهم لك محبة القلب والاشواق وللنجف هذه الرفقة وهذا العناق وسامك في الصدر باعتزاز دمتم لنا وللمحبة عنوان وصداقة ورفقة أبدية وعشق عراقي شكرا ايها البروف جعفر على وسامك

الاسم: أ.د. جعفر عبد المهدي صاحب
التاريخ: 12/03/2012 08:40:47
لله درك يا آل غلام وانت تستعرض احداث بتفصيلات متشعبة تهيج فيها ذكريات مدينة تنبض بالحياة وكأنك تنفض غبار النسيان وتزرق المضادات الحيوية المقاومة لداء الشيخوخة وتلعب دور ألويس ألزهايمر في تشخيص العلة والسعي لتجديد الذاكرة. نعم ان تفاصيل من هذا النوع قد رقيت بها يا ذياب الى مستوى المؤرخ الحصيف الذي يسعى الى حفظ تراث مدينته بكل اصرار وحيوية. وهكذا جاءت سطورك حول مقهى عبد ننه كمحفظة للتاريخ في موضوعك الذي ظهر بصيغة روائية رائعة.
لا فض فوك وسلمت اناملك...مع خالص معزتي.
اخوك/ جعفر عبد المهدي




5000