..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أمين الريحاني نصوص وآراء

مهدي شاكر العبيدي

أمين الريحاني

نصوص وآراء

  " حقوقُ الطبع محفوظة ، لا يسمحُ بإعادةِ إصدار الكتاب ، أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات ، أو نقله بأيِّ شكل كان ، أو بواسطة وسائل الكترونية ، أو كهروساتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسـائـل ميكانيكية ، أو الاستنسـاخ الفوتوغرافي ، أو التسجيل وغيره ؛ دون إذن خطي من الناشر " .

       وأحمد الله أنـَّني وجدْتُ نفسي مستطيعا ً بغيري في التعامل مع هذه الأجهزة العجيبة المبتدَعَة منذ أخريات القرن العشرين أو قبلها بزمن يسير وغير يسير ــ لا فرق ــ منذ درج رهط من الأناس المجبولينَ على التفكير في ما من شأنه تخفيف أوزار الحياة عن كلِّ محييها أو العائشينَ فيها ، وجعلها ميسَّرة ومحتملة على أيِّ وجهٍ شئتَ ، فوضعُوا بينَ أيدينا ما أسموها وسائل الكترونية أو كهروساتية وما يقوم بنفس وظيفتها من أشرطة ممغنطة ؛ فكلُّ هذه المسمَّيات والمصطلحات لا أفقهها وأعي أصلها كبقيَّة مجتلبات العلم ومآتي الحضارة .

       هذا ما اجتليته يتصدَّر الصفحة الرابعة لكتاب ( أمين الريحاني / نصوص وآراء ) ، وهو محض تجميع لنصوص وشواهد ومقتبسات من كتب أمين الريحاني ، الكاتب اللبناني المعروف بصداقاته الحميمة لملوك العرب الذين عاصر حقبتهم إبَّان العقود الأوائل من القرن العشرين ، وانعقدَتْ آصراته ببعضهم ، ولعب دورا ً ملحوظا ً ومؤثرا ً في تسوية خلافاتهم وحسم المعضلات الشائكة التي تقوم بينهم وتحول دون تآلفهم واجتماع شملهم ، هذا إلى استيحائه من زياراته المتواصلة لهم في دياراتهم ــ بعد أنْ يحلَّ في ربوع منطقتنا من المشرق العربي آيبا ً من أقصى أطراف الدنيا ، حيث مهجره النائي في الولايات المتحدة الأمريكية ــ قلتُ : يستوحِي من إلمامه بهم وبمَن يدينُ لهم بالولاء من مواطنيهم المرتضينَ ما تتسم بهم معيشتهم من تدن ٍ وتخلفٍ ، وذلك قبل أنْ تكتشَف في أنحائها المنابع النفطية التي تفجـَّرَتْ معها منابع الرفاه والخير والانتقال التدريجي بهم صـوب الأخذ بقسـطٍ مـن التحضُّر الحديث ، محفزات ودوافع ليطلع على جمهرة القارئينَ لذلك الزمن المنطوي بكتاباتٍ مفصحة عمَّا ساور نفسه من مشاعر وخواطر لدن غشيانه تينك الكيانات والمرابع وطوافه في جنباتها ، ووقوفه على ما بلغته من ازدهار ورقي على صُعُد التعليم والصحة العامة ، ومنبية عمَّا أوفتْ عليه من الاهتمام بالثقافة ولواحقها من تعدُّد وسائل النشر المتمثلة في إصدار المطبوعات من جرائد ومجلات وكتب شأنها أنْ ترتفع بالأذهان والعقول من الاتـِّضَاع والخمول والركود والغفلة والجهل بما يجري في العالم من متغيِّرات وتحولات ، إلى معنى أنْ يثق الإنسان بنفسه ويعرف لها قيمتها ، ويدرك ما هو منوط به تحقيقه من كريم المطامح والآمال ، فكانتْ تآليف الريحاني : ( قلب العراق ، ( ملوك العرب ) ، ( قلب لبنان ) ؛ نتاج هذه الزيارات المستديمة التي لم تتوقف ، بل يستأنفها متى سنح له الوقت  حين أوبته من المهجر حتى وفاته في ( الفريكة ) بلبنان في الثالث عشر من أيلول 1940م .

 

أمين الريحاني

 

       وأرجو ألا ينسيني مَا انسقتُ فيه واسترسلتُ مـن هـذا الاستطراد الطائل المفيض ، اسم معدِّ هذا السفر القيِّم المتضمِّن لقياتٍ ونماذج ممَّا كتبه الريحاني على امتداد حياته ، أتى فيه على نقد أحوالنا الاجتماعية وظروفنا السياسية ، وشرح ملابسات واقعنا الثقافي ، متمثلا ً في الأدب وما يحوجه من جدَّة وازدهار وانطلاق وتمرُّدِ منتجيه على أساليبه المتوارثة وصياغاته القديمة ، وضرورة انفتاحهم على ما بلغته الشعوب من حولنا ، من ثورة فكرية وتجديد في الأغراض والمقاصد التي باتتْ تشغل الأدباء وتستأثر باهتمامهم ، قلتُ : إنَّ معدَّه هو الدكتور ميشال خليل جحا ، الذي لا أدري كيف سوَّغ لنفسه أنْ ينسب له كلَّ ما احتواه من نصوص وآراء وفي موضعينَ منه : الغلاف الخارجي وثاني ورقةٍ منه تليه ، يوشِّحهما بكلمتين ِ ، هـما : ( الباء كحرف معنوي لا هجائي ) , و ( قلم ) ؛ ويوصي بطبعهما قبل اسمه الكريم ، وما هذا جائزٌ في عالم التأليف ، إنـَّما ينعتُ بالتصنيف والتبويب والتنسيق والإعداد ؛ وقد صدر هذا السفر بطبعة أولى عن دار صادر ببيروت في العام 2002م .

       ولعلَّ الأمين هو الأديب العربي الوحيد الذي بَذ َّ نظراءَه من المبدعينَ في إطباق شهرته في محافل الدنيا لأنـَّه كاتبٌ مجيدٌ في غير لغته التي لمْ يفرِّط بما أنشأه بوساطتها من نصوص ، بخصوص صوغها ، من ناحية فصاحتها ورشاقة ألفاظها وسلامتها من أيِّما نبو ٍ وابتذال وركاكةٍ ، فتوجُّهه واندفاعه للكتابة باللغة الإنجليزية والانتهاء منها ببضعة كتب وعيِّناتٍ من الشعر المنثور ، لم يكن مبعثه عجـزا ً وضعفا ً في سليقته ، هو الذي عبَّر عن إعجابه واعتزازه غير مرَّة بروائع الأدب العربي في مختلف عصوره ، ودلل على اهتداء نبغاء العرب لأسمى المعاني واحتواء نتاجاتهم فلسفات راقية لا يدانيهم فيها الملهمونَ والمبدعونَ في الأمم الأخرى ، وكان معوَّله الأساسي في إذكاء فهمه وشحذ قابليَّته وتدريب سليقته ، اطلاعه الواسع الجمِّ على هذا الركام الهائل من ضروب التشوُّفات الفكرية والتطلعات الوجدانية والأشواق الأدبية .

       غير أنـَّه راجَتْ في آونة متأخـِّرة شائعات وأراجيف في الأوساط الثقافية عن اشتغاله بالجاسوسية والعمالة لدول أخرى ، وأنـَّه لم يكنْ صادقا ً في رسالته التي صدع بها بين قومه ، من دعوته إيَّاهم للتشبُّث بسيادتهم واستقلالهم وتمسُّكهم بنزوعهم المشروع للحياة الكريمة ، وإنَّ جميع ما لهج به من تشدُّق بعدم انضوائه في حزبٍ وانتمائه لشُلـَّة ، فضلا ً عن استهجانه لشتى أشكال التعصُّب الذميم لديانة ومذهب ، ممَّا يفرِّق بين الناس ويبذر الشِقاق والبغضاء بينهم ، وهذا ما يتمنـَّاه أعداؤهم من الطامعينَ بخيراتِ بلادهم ، كلُّ هذا يخاله مروِّجو هذا الأقوال والأكاذيب من قبيل ذرِّ الغبار في العيون ، لكن سرعان ما طويَتْ هذه المفتريات بمجرَّد أنْ كفـَّتْ بعض الفضائيات وأقلعَتْ عن تلهية مشاهديها وإشغالهم بالملابسات المثيرة التي حفـَّتْ بحيوات بعض أدباء العرب وأقطاب الثقافة العربية في القرن العشرين .

أمين الريحاني في الوسط وعلى يمينه فليكس فارس وعلى يساره معروف الرصافي‎

 

       وفد أمين الريحاني إلى بغداد عام 1922م ، واحتفى به أدباؤها ، وأقِيمَتْ له الحفلات التكريميَّة بهذه المناسبة ، حيثُ تصدَّرَتْ قصيدة الرصافي المشهورة في بثـِّه شكاته الموجعة وتبيانه المفارقات التي تطغى على حياة الناس ، والدولة العراقية في عهدها الأوَّل من نشوئها وتأسيسها ، وما في نفسه استعدادٌ للتصَبُّر وإتاحة الفرصة والمجال للمتنفذينَ فيها كـي يبادروا لمـمارسة واجباتهم وتنفيذ مشروعاتهم الإصلاحية ، حتى يحقَّ آنذاك أنْ يتنظـَّرَ نتيجتها ويتبصَّرَ في أمرها ويرسل حكمه على ختامها .

       وفي نفس هذه الوفادة ، زار الريحاني مدينة النجف الأشرف ، ولم يمكث في رحابها غير ساعتين ِ ، اجتمع خلالهما بالمصلح الشهير الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، الذي سيساجله فيما بعد بشأن ما ورد في كتابه ( الريحانيَّات ) ، من فحاوى ومدَّعيات بخصوص قضايا مذهبية ، وانتوى الشاعر محمد مهدي الجواهري ــ وكان يومها في عزِّ شبابه ــ تحيَّته بقصيدةٍ من شعره ، نسجها لوقتها أسوة بما اعتزم أخدانه أدباء ( الغري ) وشعراؤه إلقاءَه من كلمات وقصائد ، لكن حال دون انعقاد الحفل الموعود تفضيل الزائر الريحاني العودة لبغداد ، فطوى الجواهري قصيدته التي احتوتها الطبعات المتعدِّدة لديوانه في معظمها :

 

لـِـمـَـن الـمـَحـَـافِـلُ جـَـمَّـة الـوُفــَّـادِ       جـَـلَّ المُـقـَـام بـهَـا عـَن الإنـشـَــادِ

مَن زَانَ صَدرَ المَجلِس الأعلى وَقد       طفحَ الجَلالُ بحيثُ فــَاضَ النادِي

مَـن صَاحِبُ السِمَةِ الـتي دَلـَّتْ على      أدَبِ الحَضَارَةِ فِي جَمَـال البادِي ؟

يـَـا نــَجـْـلَ سـُـوريـا وَتِـلـكَ مـَـزيَّة ٌ       شـَهــِدَتْ بـِـهـَا بـِـمـَـهـَـارة الأولادِ

فـِــــي كـُلِّ يـَـوم ٍ لِـلـمَـحَـافِـل رَنـَّة ٌ       لــَــك  مـِـن نيويورك إلـــى بغدادِ

مـَـا قـَدْرُ هـــــذا الاحـتِـفـَال وإنـَّمَـا        كـُلُّ الــزمـَـان مَـحـَافِـلٌ ونوادِي ؟

تـَعـدَادُ فـَضْـل المَـرءِ مـَنقـَصَة ٌ إذا        فـَاقـَتْ مـَـزَايَـاه عـَــــــن الـتـَعـدَادِ

 

................

 

       والبيتُ الأخير في هذه القطعة طالما تمثل به مارون عبود في أحاديثه عن أدب الريحاني معجبا ً ، هو الذي قلب ظهر المجنِّ لقائله غداة قدومه إلى لبنان عام 1951م ، بدعوى موجَّهة له من قبل  لجنة الاحتفال لتأبين رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق عبد الحميد كرامي ، وعلى رأسها رياض الصلح رئيس الوزراء يومها ، وهوَّن من قصيدتهِ في رثاء كرامي وانتقص مـن شاعريَّته بانتقاده لقيمتها الفنية ، علما ً  أنَّ الشاعر عبَّر عن استنكاره فيها تعريس الأسطول الأمريكي يومَذاك بالقرب من السواحل اللبنانية المطلة على البحر الأبيض المتوسِّط ، وحصل ما حصل من تنصُّل الداعينَ من دعوتهم ، وقِيام الدرك اللبناني بالطلب من الشاعر الضيف أنْ يُغادر البلاد خلال أربعة وعشرين ساعة في هذا العهد الاستقلالي .

       وكأنْ بلغتْ أسماع الجواهري أنباء عن جسامة المهمَّة التي يضطلع ( فيلسوف الفريكة ) الريحاني بتأديتها في الأنحاء العربية التي يتردَّد عليها ويزورها ، فيحضُّ مَن يقطنها من قبائل وطوائف متنابذة على التعاضد والوفاق ، وعِيَاف ما يسودهم ويتفشَّى بينهم من ضغائن وأحقاد ، فاستوحى من هذا الواقع المرِّ المعاني الإنسانية التي هي قوام قصيدته الثانية المرصودة لاستقباله وتحيَّته أيضا ً ، وربَّما تكون هي السابقة على تلك أو تالية بعدها ، إنـَّما المهمُّ أنْ يعِيَ الشاعر ويتفهَّم حقيقة ما تكتوي به المجتمعات العربية من مصيبات ورزايا تعوقها أنْ تتطلع لحال من صلاح شأنها وتجاوز ما يفتك بها من السخط والتذمُّر :

 

وَحـِّـدْ بـِـدَعـوَتِـكَ القـَبَـائِـل إنـَّهُ       ألـقـَى إلـَيْـكَ زمـَـامَـهُ الـتِـبْـيَـانُ

كـَيفَ التآلـُفُ والقـُلوبُ مَـوَاقِـدٌ       تـَغـلِي بها الأحْـقـَادُ والأضْغـَانُ

أنر ِ العُقـُولَ مِن الجَهَالةِ يَسْتبنْ       وَضَحُ السَبيل ِ وَيَهتدِي الحَيْرَانُ

 

................

 

       ويُقالُ أنـَّه بطريقة من الطرق انتهتْ كلتا القصيدتين ِ ــ لا سِيَّما الأولى منهما ــ إلى علم أمين الريحاني الذي لمْ تفته الفطانة المضلة أنـَّه يحتذي في تنسيقها وصياغتها منوال أحمد شوقي ، ويضارع قصيدته ( على سفح الأهرام ... وتحية الأدب ) ، التي كرَّم بها الريحاني عند زيارته مصر  :

 

قـُمْ نـَاج ِ أهـْـرَامَ الـجَـلال ِ وَنـَادِ       هَلْ مِن بَناتِكَ مَجْلِسٌ أو نادِي

 

 

       فاستبعد أنْ يكون الجواهري ناظمها ، ولا بُدَّ أنْ يكون قائلها شخصٌ آخر شاء أنْ يتخفى وراءه لسببٍ وآخر ، متجاهِلا ً ما يمكن أنْ تجودَ به المواهب الطالعة في حالات استثنائية ، من نتاجات تشأى لِمَا تسخو به القرائحُ والملكات التي جازَتْ مرحلة النماء والصقل ، وتعدَّتْ طور المِرَاس والتجريب إلى التولي عن الشواهد الرائعة والنماذج القوية المصوِّرة لأعمق المشاعر والأحاسيس ، فضلا ً عن اكتنازها بالمعاني المبتكرة التي تهفو لها النفوس وتصبو لتجسيدها في دنيا الواقع بكلِّ ما تومِئ له ويكمن خلفها أو تنطوي عليه من كريم الطمحات والرغائب ، ومتغافلا ً عن السمة الملحوظة والغالبة على المحيط النجفي ، من أنَّ أناسه درجوا من أقدم عهودهم على تداول الشعر وتوارثه من جيل إلى جيل ، فلا يُستبعَد أنْ يكون للاستحسان والتشجيع المتوالي أثره في تفجير القرائح والمواهب وذكاء العقول .

       ومن يومها اشتدِّي يا عداوة ، واشتجر ياخِصَام ؛ رغم اعتزاز الجواهري برائعته ، بدليل أنـَّه يؤثرها كلَّ مرَّةٍ على ما سواها بترجيحها وحشدها في سياق ما يختاره من قصائده لطبعها في ديوان ، ثمَّ ينقطع عنه ولا يُثنـِّي بأجزاء أخرى قبل أنْ يُشترَع ويُصَار بحكم الضرورة أو لا مندوحة عنه في السوق الثقافي من ظهور المجموعة الشعرية الكاملة لأيِّ شاعر ! .

 

       حتى إذا وفد أمين الريحاني للمرَّة الثالثة إلى بغداد عام 1936 ، إثر وقوع انقلاب ( بكر صدقي ) ، وحصول تغيير ما في سياسة الحكم ، وكان هدفه من الوفادة استطلاعيا ً وتغطية لِما أسفر عنه الانقلاب العسكري الأوَّل في المنطقة من تغيُّر أو تبدُّل في الأوضاع ، تجهَّز له الجواهري الصحفي في مثل هذا الحال من التقاطع والتدابر وسوء العلاقة بين الاثنين ِ بما يُستطاع من الجَنفِ والإعراض ، فنشر في جريدته ( الانقلاب ) مقالة عنوانها : ( جاسوس خطير ومخيف في أوتيل تايكرس بلاس ) ؛ فما كان من الرجل إلا أنْ زمَّ حقائبه وارتحل إلى حيث جاء من ديار ، نافضا ً يده من أيِّما محاولةٍ لتسوية الأمر بالتشفع لدى جهةٍ لها اتصال يومها بالشأن الثقافي ، ويروي الشاعر الكبير في ذكرياته ــ الجزء الثاني ــ عن اصطفاف الريحاني وانضمامه إلى جانب ساطع الحصري في قضيَّة العنصرية والجنسية المعروفة ؛ والجدير بالذكر أنَّ وفادة الريحاني الثانية إلى بغداد كانتْ في العام 1932م .

 

       وكان الريحاني قد انتقص من شاعريَّة الجواهري ، وكالَ له من القدح والطعن في كتابه ( قلب العراق ) على غير ما خصَّ به نظراءه الرصافي والزهاوي وأحمد الصافي النجفي ومحمد رضا الشبيبي ؛ من الإعلاء والإشهار والإطناب في قابليَّاتهم وملكاتهم ، وتفننهم في البوح عن خلجاتهم وأشواقهم ، متجافيا ً عن مضامين أقواله في موضوعة ( مبدئي ) المودعة بكتابه ( التطرُّف والإصلاح ) ، إذ يقول :

 

       ( لي مُنيَة غير الشهرة والمجد ، غير الثروة والغنى ، غير السرور والسعادة ، مُنيتِي الأولى أنْ أكون بسيطا ً في أعمالي ، صادقا ً في أقوالي ، مستقيما ً في آرائي ، طبيعيا ً في تصرُّفي ، وبكلمةٍ أنْ أكون نظيف العقل والقلب والجسم ، بعيدا ً عن التصنـُّع والصَلف والزخرفة ، بعيدا ً عن الخوف والجبانة والخجل ، بعيدا ً عن الرياء والتدليس والكذب ، أريدُ أنْ أقتبلَ كلَّ ما يقابلني من الصعوبات في طريق الحياة بثبات وصبر . أودُّ أنْ أعيشَ دون أنْ أبغض ، وأحبَّ دون أنْ أغار وأرتفع دون أنْ أترفـَّع ، وأتقدَّمَ دونَ أنْ أؤخـِّر مَن هم دوني أو أحسدَ مَن هم فوقي ؛ هذه هي سنتي وللغير أنْ يتخذوا لهم سنة توافقهم ، للغير أنْ يتخذوا نفس الخطة إذا شاؤوا أو استطاعوا ، ليس من شأني أنْ أتدخـَّلَ في شؤونهم ، أو أنْ أعظهم متهدِّدا ً ، أو أرشدهم منذرا ً . عليَّ أنْ أعيشَ صادقا ً مسالما ً مستقيما ً ، وعليهم أنْ يعيشوا كما يطيب لهم ، ولكنَّ الواجبات التي أطلبها لنفسي هي واجبة لكلِّ فرد على الإطلاق في كلِّ مكان ؛ وكما إنـَّني اعترف للغير بهذه الحقوق والواجـبات أحبُّ أنْ يعترف ليَ الغير بها أيضا ً ) .

       هذا كلامٌ مليح ، لكن لم يلزمه الريحاني تصرُّفا ً وتعاملا ً حِيَال الجواهري ، ذلك أنَّ ما تكشَّف عنه الأمين الجاحد من مواقف ودوافع واستجابات يتنافى ويتناقض تماما ً وعلى طول الخط وصعيدٍ عملي أيضا ً هو وهذا الكلام الجميل ، ثمَّ إنـَّه كان على درايةٍ بما كان لمَن يوافقه على آرائه من دور في إشاعة الفرقة بين العراقيينَ بتسعيره نائرة الطائفية في البلاد ، فكيف يقبل بهذا مَن يدَّعي اقتفاءَه شرعة المسيح عليه السلام ، ويتبع نهجه في نبذ الكراهية والتعصُّب ، ولم يمسك بالشاعر المغبون أيُّ اعتبار ونظر بعين الأهمية لارتباطاته المتينة بشقيقي الشيخ العلامة محمد رضا الشبيبي ــ وهما : الشيخ باقر والمربِّي محمد حسين ، وكلاهما شاعر أيضا ً ــ الذي كتب مقدِّمة للطبعة الثانية لكتاب ( قلب العراق ) عام 1957م ، وقيَّمه على ( أنـَّه من أمتع ما طلع به الريحاني في كتبه ) ، ففي مثل هذه الأمور التي تتصل بتقرير الإنصاف والحقيقة ودمغ البهتان والتخرُّص ، لا يعرف للتردُّد والخجالة والإحجام عن الإفحام معنىً ، ولا ننسى أنـَّه سبق له التوقيع على إبعاد ساطع الحصري من العراق وسحب الجنسية العراقية منه ــ هي الممنوحة له من قبل ــ وذلك تضامنا ً مع وزراء الحكومة المشكلة في أعقاب حوادث 1941م .

 

 

 

 

 

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات

الاسم: imvu credits hack
التاريخ: 06/03/2018 16:19:44
مرحبا هناك انها، أنا أيضا زيارة هذه الصفحة
يوميا، وهذا الموقع هو جيد حقا والزوار في الواقع تقاسم الأفكار الجيدة.

الاسم: budtrader
التاريخ: 26/02/2018 15:00:29
شخص ما أساسا تقديم اليد لجعل وظائف حاسمة وأود أن أذكر.
هذه هي المرة الأولى التي يرتاد فيها صفحة الويب الخاصة بك
وحتى الآن؟ فوجئت مع البحث الذي أجريته لجعل هذا تحديدا
تقديم لا يصدق. مهمة رائعة!

الاسم: sniper x cheats
التاريخ: 17/01/2018 03:53:08
أنا حقا أحب موقع الويب الخاص بك.. لطيف الألوان والموضوع.
هل قمت ببناء هذا الموقع بنفسك؟ يرجى الرد مرة أخرى وأنا أخطط لإنشاء بلدي بلوق الخاصة جدا
و أحب أن أعرف أين حصلت على هذا من أو بالضبط
ما يسمى الموضوع. في صحتك!




5000