..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جعفر الخليلي جهاد موصول في ميدان الثقافة والصحافة

مهدي شاكر العبيدي

http://almarayanews.com/new/thumbnail.php?file=________________________3_0001_306453211_332747396.jpg&size=article_large

مثلما يُؤثر عن عباقرة الإنسانية من الكلمات الخالدة التي نطقوا بها عن مراس وخبرة بالناس والحياة ، وظلت متوارَثة من جيل إلى جيل ، ومتداولة بين المفدوحينَ والمرزوئينَ بوقع البليَّات والمصائب ، ويلجأونَ إلى التعلل بها عسى أنْ تنجدهم ببعض الغِياث منها ، وتسلِمهم إلى حال من الصفو وهدوء البال ، أثِرَ عن قلة من جهابذة العقل العربي وأساطين الثقافة العربية ــ في غير عصر ومرحلة من تاريخها ــ لقياتٌ حقها تمثيل عصارة وخلاصة لمجمل ما أوفوا عليه من نتاج فكري وخلصوا له من دروس وعظاتٍ ، جرَّاء امتحانهم بالشدائد والصعوبات ، وبالإمكان سلك الكاتب العراقي الراحل جعفر الخليلي في عداد هذا النفر المتفتح الذهن ، والذي يوجز ما تعلمه طوال عمره واستقاه من عبر نتيجة ما مرَّ به من محن ٍ وعرض له من خطوب ، واستفاده وتأسَّى به من فجائع ومآس ٍ تنوب حياة الآخرين ، قلتُ يوجز كلَّ هذه المخاضات ويودعها كلماتٍ قليلة غير أنـَّها وافرة المعنى ومكتنزة بالمقصد الدال والوثيق الصلة بما ابتعثه وحُمِلَ عليه من موحياتٍ وواع ٍ ، ومن قبيل ذلك قوله أو بما معناه : إنَّ المرء يحوجه عمران ، عمرٌ يمضيهِ في تجارب واختبارات ، وآخر يختصُّه بالعيش ، وتخلو حياته فيه من الكدر والهم ، وتنتفي منه الأتراح والأحزان ، ويقطعه بنجوةٍ من التعرُّض لشرور بني الإنسان جهد ما يستطيع .

 

قد لا تكون عبارة الخليلي ــ المركزة والمستوفية لغرضها ــ منسكبة ومجراة بنفس ألفاظها الدقيقة كما في قولنا المفترض ، لكن بوسعي الإحاطة بما تبغيه من معنى وترمي إليهِ من غاية ، وعاذري أنـِّي أرجع إلى الذاكرة وأتوسَّل بها ــ قدر الإمكان ــ في الكتابة ، فمراجعي ليستْ بيدي في ديار الغربة التي استدعتني لاستذكار جعفر الخليلي الذي ابتلي بها في الشوط الأخير من حياته ، حتى قضى فيها ورحل عن هذا العالم ، مستريحا ً من أوصابه ومناكداته ، هو الذي حيي مجانبا ً للبشر فيما ينخرطونَ فيه من جمعياتٍ وأحزاب ، ويشتجرونَ حوله من أفكار ومبادئ ، ويغرقونَ في قعره من لدَدٍ وخصومةٍ في سبيل ترجيح رأيهم على رأي نظرائهم ، وإثبات أنـَّه أنصع وأفيد لترقية مجتمعهم ، وأنَّ عامة الناس ترنو لوضعه موضع التطبيق ، كي تستقيم حياتها ويتحسَّن وضعها المعيشي ، ويُستهَل هذا السجال الكلامي في البدء بأناةٍ وتؤدة ، وبمبعدة عن الخدش والتجريح وإيذاء الشعور ، ثمَّ يعدوها إلى التراشق بنابي الألفاظ ، فيمسك المتناظرونَ والمتناحرونَ من كلا الطرفين ِ عن لياذهم بالحجج والدلائل ، ويغادرونَ موضوعيتهم وترصُّنهم إلى الوقوع بشيءٍ من الإسفاف واللغو ، لا فالخليلي اتخذ لنفسه موقفا ً متحفظا ً محترسا ً من الانتماء إلى الجمعيات والاتحادات الأدبية والأحزاب السياسية أيضا ً ، والتي يصدع بتعليماتها ويستهدي بإرشاداتها رعيلٌ من منتسبي تلك الهيئات والتشكيلات الثقافية ، وآلى على ذاتهِ من يوم أنْ مارس المهنة الأدبية والصحافية أنْ يتباعد عنها ، ليقينه الشخصي بقلة جدواها في معاونة الأدباء على تذليل العوائق والمثبِّطات التي تعترضهم وهم في أوَّل الطريق من مزاولتهم أو ممارستهم الأدبية ، وإلا فــ ( جمعية الرابطة الأدبية والعلمية ) التي تأسَّسَتْ في النجف الأشرف في بداية ثلاثينيات القرن المنصرم ، وتنادى للانضمام إليها سائر الكـُتـَّاب والشعراء المعروفينَ ، وعُهدَ عنها نشاط أدبي فائقٌ وجمٌ ، وانعقدَتْ بفضل مؤسسيها الأوائل محافل ثقافية عديدة ذات أصداء مدوية في البلدان العربية كافة ، على سبيل الانتصار لفلسطين والجزائر مثلا ً ، أو الاحتفاء بقدوم بعض رموز الثقافة وأعيان الفكر وأعلام السياسة وإلمامهم بأرض الغري ، كانتْ على مقربة منه ، وتعاصى على أنْ تحتويه لا سِيَّما أنَّ صلاته وأواصرهِ بأقطابها وأركانها ووجوهها الأماثل على تمام الاستحكام والوثاقة .

 

لكن ذلك لا يعني بحال أنـَّه عَدِم المبادئ ، والمبادئ السياسية هي ما نقصد ، وهذا قد يذكرنا بما اشتجر بينَ الأفراد غبَّ يوم تموز 1958م ، من شجار وعراكٍ أثناء تجمُّعهم واحتشادهم في المنتديات والمقاهي ، فهذا يدلُّ بمعارضته للنظام المُدَال منه ، ويفتخر باستهدافهِ في السابق للسجن وفصلهِ من الوظيفة أو انقطاعه عن الدراسة ، وذاك مُلجَمٌ لا يحيرُ جوابا ً لتعييرهِ بخنوعهِ وإذعانهِ للسلطات في كلِّ ما تشاءَهُ من تدابير وإجراءات ، إلى أنْ حسمَتْ جريدة ( الزمان ) ــ لصاحبها الموصلي توفيق السمعاني ــ هذه المنازعة المحتدمة حول لا شيء ، بأنْ قالتْ كلمتها الفصل بأنَّ الفرد الذي كان مؤدِّيا ً لواجباتهِ بنزاهةٍ وتجرُّدٍ ، وينجز العمل المنوط هو به بإخلاص ٍ وكفايةٍ وتعففٍ عن الارتشاء والارتزاق ، يستوي في مواطنتهِ هو والذي شاركَ في التظاهرات الوطنية وقاومَ رجال الشرطة ! .

 

ويبدو أنـَّه حسنا ً فعل بمجانبته الأوساط الأدبية وما يدور فيها من مزايداتٍ بخصوص الاستئثار بالنبوغ والألمعية والصيتِ الأدبي ، حيث يصطف مَن يُدعَونَ أصحاب المواهب في شُلل تجمع على تزكية نتاج هذا الروائي أو ذاك ، وترشيحه لاستحقاق جوائز العالم ، ومقاربته في تصويره للميول والعواطف ، وتساميه في تعبيره المصقول ومتانة لغته وسلاستها معا ً لتضاهي أعمال أشهر الروائيينَ إنْ لم تبذها أو تتفوق عليها ، ومقابل ذلك تتواطأ نيَّاتهم وأهواؤهم على إخمال سواه وتجاهله وغضِّ النظر عنه ، لتجافيه وإحجامه عن المثول في ملتقياتهم ، وعدم استدلالهِ بأسمائهم وترَّهاتهم وأدوارهم في الحياة الأدبية الراهنة ، حينَ تطلب منه وسائل النشر حديثا ً أو تضيِّفه ، فيعقب ذلك أنْ يشتطوا أكثر ويدنـِّسُوه .

 

وكان الخليلي متعدد الاهتمامات ، متوزع النشاطات في الحقول الأدبية والتاريخية ، فقد عُرفَ بكونه كاتب قصَّة ورواية ، شأنَ أنداده من الأدباء المشغوفينَ والكلفينَ بهذا الفنِّ الأدبي ، الذي يخاله بعض الدارسينَ طارئا ً وجديدا ً في اهتماماتنا الأدبية ، قبسناه من أوربا القرن التاسع عشر أو قبله ، إثر انفتاحنا على ثقافتها ومأثوراتها في هذا الباب ، ولم نتحَرَّ أنَّ له أصولا ً وجذورا ً ما في موروثاتنا القديمة ، لكن حسبه أنْ ترسَّم التقييدات والمراسم  التي يلتزم بها سواه من كـُتـَّاب ما بين الحربين ِ في البلدان العربية ، قبل أنْ تتسلل إلينا موجات الحداثة فيهرُفُ مثقفونا ونقدتنا بـ ( الدايلوج ، والمونولوج ) ، ويسهونَ عن أنَّ لهذا الضرب من الصنيع الأدبي أصولا ً وقواعدَ ومواصفات لا محيص من رعيها والإذعان لشرائطها ومقتضياتها ، فلا يحسن أنْ نغفل البداية والعقدة والنهاية المؤذنة بالانفراج ، ونفرِّط فيها جميعا ً .

 

وكانتْ لغته في منجزاته وأعماله القصصية والروائية متدفقة وسلسة ورشيقة ، بحيث لا يدانيه أحد في تشويقِهِ القارئ واجتذابه لينهمك في اجتلائه وقراءَتهِ ومتابعته خواتيمَ ما يصنعه أو يتصوَّره للأفراد من مصائرَ ونهايات ، ولا نقول ( الأبطال ) خطأ ً ، كما يعمد لذلك مَن ينتحلونَ الدراية والمعرفة بأسرار الفنِّ القصصي ونقدهِ ، ويجيزونَ وسم الإنسان المحبط والمنكسر والمخفق الفاشل في جميع مشروعاته لتكوين نفسهِ وصنع مستقبلهِ بالبطل .

 

وأذكر أنـِّي وقفتُ فيما مضى عند رواية منسيةٍ له بعنوان ( الضائع ) ، ومدارها على امرئ افترق عن ذويهِ وغاب عنهم زمنا ً وجاب بعض الجهات والمناحي ، فحسبوه ميتا ً ويئسوا من عودتهِ واستئناف صلته بهم ، لكنـَّه ظهر بينهم فجأة أو استدلوا على مكانه بطريقة ما ، واستغربْتُ وقتها ــ وكنتُ في سن غريرةٍ ــ أنْ يحيط الكاتب بمعلم تاريخي في مدينتنا ــ طويريج ــ يدعى ( خان الوقف ) ، أويَ إليهِ بطل الخليلي المخيَّب المضيَّع إذا جاز لنا مجاراة النقدة ومشايعتهم في نعتِ الحزانى والمخيَّبين بالأبطال ، وزايلني الاستغراب حين علمْتُ بعد سنين أنَّ الخليلي اشتغل ع فيها معلما ً في مدرستها الابتدائية في بداية تأسيس الدولة العراقية ، وكانتْ له يد في رعي أبناء بعض الأسر التي ضيَّفتها المدينة بحكم توظف أربابها في دوائرها ، ويفع أولاء الفتية وصاروا من أصحاب الشأن في الجيش وغيره .

 

كما وقفتُ أيضا ً على روايةٍ ثانيةٍ له طويلةٍ ومشهورة هي ( في قرى الجن ) ، وفيها من الخيال ما لا يُصدَّق أو يتصوَّر وقوعه أحد ، غير أنَّ الراوي يلقي في روعك أنَّ كلَّ وقائعها حدثتْ فعلا ً ، ويوهمك باستطراده السلس وأدائه القوي والنضَّاح بالجدية والصدق أنَّ فصولها جميعا ً أبعد عن الاختلاق والافتعال والزعم ، ومدارها حول رجل تسلل رهط من الجنِّ إلى مخدعهِ عشيَّة عُرسِهِ ، واختطفوه وواروه في عالمهم ، وترك زوجه تتلهَّف عليه وتأمل عودته في يوم ٍ ما ، ومن هناك ــ في عالم الجن ــ يوافي بعض محبيهِ برسائله ، ذاما ً فيها أحوالنا الاجتماعية ، وما يسودها ويتفشَّى فيها من غمط الحقوق واختلال القياسات في كلِّ شيء ، خلافا ً لما ينعم فيه ساكنو عالم الجن من حياة موفورة سابغةٍ ومفعمةٍ بالسواء والعدل ، ولا يفوته أن يعرِّج على أوضاعنا الأدبية والثقافية ، وما يطغى عليها من المؤثرات والعلاقات الشخصية في تبريز هذا الكويتب الماحل الجديب وتلميع صورته للتصدُّر على رأس الحركة الأدبية ، فهذا الصنيع الأدبي يندرج في قبيل النقد الاجتماعي ، والمعني بتشخيص ما ابتلينا به جرَّاء كوارث الأمس ، وما أجلبتْ به علينا الحقب التاريخية الماضية من الويلات والمآسي ، وكأنـَّه ينحي باللائمة على المسؤولينَ والقابضينَ بالزمام لتوانيهم في تقديم الإصلاحات والتصدِّي للآفات الثلاث : الفقر ، والجهل ، والمرض ؛ بالاستئصال والاجتثاث إنْ لم يكونا بصورة كلية فليحدُّوا منها ويحجِّموها ، فدعوته لتضافر جهود الأكثريات من أبناء الوطن المبتلى بالسوءات والكرائه ، والمنكوب بما تمتلئ به صدور قاطنيهِ من الإحباط واليأس ، كي يفعلوا شيئا ً على سبيل تخليصه وإنقاذه من وهدته التي ترامى إليها وارتكس فيها ، هي دعوة قديمة تبنتها الأحزاب ، وصدع بها أقطابها على اختلاف مشاربهم ونوازعهم ، يستوي فيها مَن كان جادا ً ومتفانيا ً دونها ، ومَن خفَّ لها قناصا ً جاريا ً وراء طريدته كي يحوز الوجاهة ويظهر في المحافل ، لكنَّ الخليلي صدف عن مشاكلة رجال الأحزاب وما يأخذونَ به أنفسهم من المسالك والتصرُّفات ، وإنْ غشي مجالس نفر ٍ منهم ، وحاور بعضهم بصدد قضايا فكرية صرف ، ومن ذلك حضوره المتكرر مجلسَ السياسي الوطني كامل الچادرچي أثناء سني انقطاعه عن العمل الصحفي بعد الـ 54م ــ أو قبيلها ، وتهيُّؤ الچادرچي لتأليف حزب المؤتمر إثر اصطفافه بأركان حزب الاستقلال ، وفي هذا المجلس اكتشف الخليلي ولع الچادرچي بهواية الرسم لحدِّ البراعة والتفنن في تلوين لوحاته وتجميلها وتقشيبها .

 

وهناك حكاية قد تناقض في واقعيتها علاقته بالچادرچي ، غير أنـَّهما قد تتماثلان في الوصول لنفس النتيجة ، وهي جنفه وزهده في غشيان محافل السياسيينَ وتجمُّعاتهم ، إذ لم يرَ ولا مرَّة واحدة في حياته السياسي العريق ورئيس الحكومة العراقية جميل المدفعي ، واتهم في عهد وزارته في العام 1934م ، بتأليبه العشائر على الانتفاض عليها ، على نحو ما جرى وقتذاك من تبادل الأدوار بين بعض السياسيينَ لزرع الفتن وخلق المشاكل ، ويقول الخليلي : إنَّ ذلك الاتهام كان ظالما ً وملفقا ً ومجحفا ً بحقه ، غير أنـَّه فوجئ بعد ثلاث وعشرينَ سنة مرَّتْ على هذا الحادث بمكالمته له بواسطة الهاتف ، إنـَّه شديد الإعجاب بما احتواه كتابه ( كنتُ معهم في السجن ) من شروح لحال ثلةٍ من المساكين أودى بهم سوء الحظ وأسلمهم إلى السجون ، وهذا يستدعينا أنْ ننوِّه أو نفصِّل في تطوع الكاتب الخليلي لزيارة سجن بغداد المركزي في موقعه القديم من الباب المعظم ، ولبثهِ فيه مدَّة متنكرا ً بعد استئذان إدارتهِ وحصول الموافقات ، فاكتنه أسرار ساكنيه ، ونفذ إلى دخائلهم ، وتعرَّف على ألوان من أطوار حياتهم ، وعكف من بعد على روايتها وتدوينها ، وهم موطنونَ ذواتهم على اجتياز محنتهم ، وتحمُّل هذا الضرِّ القاسي ، والاصطبار عليه بانتظار الفرج ، فلا غرو أنْ استهوَتْ فصول هذا السفر الممتلئ بالكروبِ والأشجان نفس ذلك السياسي الداهية ، والذي يُجَاءُ به ليرأس الحكومة كلما عصفتْ بها الهزاهز والخطوب ، على أنـَّه مهدِّئ الأوضاع والداعي لإسدال الستار على حوادث الماضي ، لولا أنـَّه لم يتوانَ في استعمال البطش والقوَّة حيال الرهائن السياسيينَ صيف 1953م ، لكن حسبُنا أنْ ننصَّ على أنَّ كلَّ إنسان لا يخلو من دلائل الانتخاء والمروءة ! .

 

ومن بين مأثوراته القمينة بالإعجاب تلك الأجزاء المتعدِّدة من كتابه ( هكذا عرفتهم ) ، بخصوص أشخاص اتصل بهم وأعجب بسيرتهم وحسن تعاملهم ، وأنـَّهم عاشوا لغيرهم أكثر ممَّا عاشوا لأنفسهم ، إلى أنْ غيَّبهم مفرِّقُ الأحباب وهادم اللذات ، فندبهم وظلَّ يبكيهم ، منهم مَن شَهُر بدعوته للتجديد في تدريس العلوم الدينية والفقهية ، ومَن أجمع الناس على تمسُّكهِ بأفكارهِ السياسية وأعجبه منه مرونته واعتداله وتجرُّده من المغالاة والتطرُّف ، وكذلك منهم الذين نبغوا في الأدب والطب واستكبروا على المراتب والمناصب إنْ لم يوقفوها ويطوِّعوها لخدمة الآخرينَ ، وتناولتْ هذه الفصول المنزوعة من أمكنتها في الصحف والدوريات لتنتظم في كتبٍ تصدر متتابعة ، سِيَرا ً وحيوات ومواقف ممَّا يستجدُّ في بيئاتهم من صروفٍ ودواهٍ ، أمثال : السيد ( أبو الحسن ) الأصفهاني ، عبد الكريم الجزائري ، محمد حسين آل كاشف الغطاء ، هبة الدين الشهرستاني ، محسن الأمين العاملي ، محمد رضا الشبيبي ، مصطفى جواد ، محمد جمال الهاشمي ، محمد رضا المظفر ، كاظم الدجيلي ، توفيق الفكيكي ، سعد عمر ، محمد علي اليعقوبي ، محمود الحبوبي ، أحمد سوسة ، عباس الخليلي ، إسماعيل ناجي ، يوسف يعقوب مسكوني ، نظير زيتون ، وجورج صيدح .

 

ولعلي أكتنه السرَّ في انتقال الخليلي إلى بغداد أواخر عام 1949م ، وموالاته إصدار جريدته ( الهاتف ) فيها ، واتخاذه مقرا ً له في منطقة ( الحيدر خانة ) ، محولا ً إيَّاها سياسة وليسَتْ أدبية ، غير أنـَّه لم يغامر بتصييرها ناطقة بلسان أحد الأحزاب المعروفة ، وأبقاها محتفظة بمسافة من الجميع ، ومخصِّصا ً لها يومها الأدبي ، إذ يُضَيِّف في يوم ٍ من الأسبوع أعيان الأدب والثقافة المعروفينَ آنذاك ، أمثال : الشيخ علي الشرقي ، الحاج عبد الحسين الأزري ، مصطفى علي ، محمد علي كمال الدين ، محمد صالح بحر العلوم ، موسى كاظم نورس ، جهاد العبايچي ، عبد المجيد لطفي ، محمود شوكت ، وغيرهم ؛ ويضع بين أيديهم موضوعا ً يستحق النقاش وتبادل الآراء حوله ، وينبري بدوره لإجمال ما دار في الندوة هذه من وجهات نظر شتى ، ليطلع به ريبوتاجا ً على قرَّائه في اليوم التالي ، قلتُ بوسعي استجلاء الباعث على مغادرتهِ النجف ، فألفيهِ ماثلا ً بما منـِّي به من بعض الإيذاء وتجريح الشعور لتأييدهِ نداء المصلح محسن الأمين العاملي ، وإهابتهِ بالناس أنْ يطرحوا بعض العادات التي يعيبهم بها الأغراب من لطم الصدور بالأيدي وضربها بالسلاسل في يوم عاشوراء ، فهذا الطقس لم يأتِ به الإسلام ولا يجبرهم على إلحاق الأذى بنفوسهم ، هكذا بهذه البسائط من الجمل التي ساقها الخليلي في غير مقالةٍ ، حصلتْ المنافرة بينه وبين الوسط النجفي ، الذي يستفحل فيه نفوذ المحافظينَ وتعلو كلمتهم ، فباينه ! .

 

وأخيرا ً فلنحط بمحتويات أثرين ِ نفيسين ِ ومنسيين ِ لجعفر الخليلي ، أولهما كتاب ( حولية الهاتف القصصية ) الصادر صيف عام 1949م ، يضمٌّ قصصا ً وحكايات شتى كتبها : عبد المجيد لطفي ، صفاء خلوصي ، شالوم درويش ، محمود تيمور ، يوسف السباعي ، جميلة العلايلي ، سعيد عبدة ، وغيرهم من أعلام هذا الفنِّ الأدبي في العراق والوطن العربي ، وهو في الحقيقة العدد الخاص السنوي المكرَّس للقصة ، لكن شاء هذه المرَّة أنْ يخرجه كتابا ً ، وتروقني منه هذه الصور القلمية الرشيقة التي سطرها قلمه للتعريف بشخوص المسهمينَ بهذا لكتاب .

 

وثانيهما عن التمور وتاريخ النخلة العراقية التي تشتمل ترابة هذه البلاد العدد الأوفر منها دون بقية الأمصار ، كلفته بتأليفهِ ( جمعية التمور ) في غضون عام 1957م ، جاعلة منه محض إعلان ٍ ودعاية لما تتاجر به وتبيعه للدول ، وما درَتْ أنـَّه غدا سِفرا ً متداولا ً بين الدارسينَ ، ومصدرا ً معتمدا ً للوقوف على تاريخ زراعة النخيل في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية التي حظيَتْ هي نفسها باحتوائها لمجلدات جريدة ( الهاتف ) كاملة بعدد السنوات العشرين التي صدرَتْ أثناءها ، فقد ابتاعتها منه مكتبة ( الكونجرس ) بمال ٍ مجز ٍ ، استعان به في تصريف شؤونهِ وتلبية حوائجهِ خلال سنوات مكثهِ بدول الخليج ، حيث أوصى أنْ يُدفنَ في أيِّ بقعةٍ من بلاد المسلمينَ ، كما أفضى لي بهذا الأديب الراحل محمود العبطة .

 

 

.................................

 

 

ملاحظة : هذه المقالة منشورة قبلا ً بمجلة نادي الصيد العراقي العدد ( 5 ) السنة الثانية / 2011م ، برعايةٍ من مدير تحريرها الأستاذ الصحفي الشاعر مثنى محمد نوري .

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000