.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الصمت وديناميكيته في العرض المسرحي المعاصر

د. سامي الحصناوي

كان المسرح منذ نشأته يعتمد على التلاعب او التناسق بين مفهومي ( الخفي والظاهر ) التي شكلت جوهر العلاقات الانسانية بين شخوص العرض وذلك من خلال المباشرة عن طريق الوسائل المعلنة في الحوار او الجسد  او الايماءة , او عن طريق الرمز كأشارة تكمن فيها اساليب التخفي الحسية والفكرية والنوايا المبيتة او غير المدركة حيث يكون العرض المسرحي ساحة لها , اذ يبذل العاملون فيه اقصى جهد لاظهار احاسيس وافكار الانسان فوق الخشبة من خلال جملة وسائل اهمها ( اللغة ) التقليدية والصوت وحركة الجسد وعناصر العرض , ولكن الامر لم يعد كافيا ً اليوم , حيث باتت هناك وسائل اخرى لتجسيد الفكر الانساني ومعاناته النفسية والتى تلائمت مع التشابك النفسي المعقد وعقدته المصتعصية , وفشل الوسائل المتاحة عن سبر اغوارها , فكان احد هذه الوسائل الرامزة والمعبرة بصدق هو ( الصمت ) , كفعل تعبيري درامي صادق في بنيته ( سلبا او ايجابا ً ) ( نافعا ً او مضرا ً ) ( محبا ً او كارها ً ) فالعبرة بما يرميه من وراء م يحصل على الخشبة . ان العرض المسرحي ليس نصا ً مقروءاً بل تعبير حركي وصوتي اعيدت صياغته من جديد بفعل الازاحة في الشكل والمضمون وتضج فيه مختلف الوسائل البصرية المرئية والمسموعة بخلاف النص الذي يشغل فيه الخيال والتخيل الحيز الاكبر ومن ثم تلقيه عبر القاريء ووعيه وادراكه فان " قراءة نص مسرحي تكمن في انشاء المشهد التخيلي حيث يكون النص مدركا ً لدى القاريء على افضل وجه , اما المنصة لا تشرح النص وانما هي تقترح له تكملة مؤقتة " ([1]) . ان عجز الالفاظ او المفردةاو الحوار في حسم احداث العرض المسرحي بدقة بسبب عجز الشخصيات المتوترة وعلاقتها المتأرجحة في فض نزاعاتها بالطرق التقليدية قاد الى بروز فعل  ( الصمت ) في شكل يكاد يكون غير مألوف و قادر على احالة علاماته الى واقع له مفعول اكبر من الكلمة وحواراتها في فض ولو جزء مهم من تلك النزاعات , فالصمت فعل فيه من القوة والصرامة والثبات فان " تسلط اللغة هاجس كل المسرح المعاصر , وهو يتخذ اشكالا خاصة , تبعا ً لرجوعه الى الجزع من اننا نتحدث دون ان تقول شيئا ً , او دون ان نكون على وفاق مع انفسنا , او على مواجهة دوار الكلام دائما يؤوله من يسمعه , ان لغة هذا المسرح تقاس اذن بالنسبة الى الصمت بالطريقة التي يتحطم بها بالاعطاب المفاجئة التي عنها بالمعاني المضمرة التي يظهرها او بعدم القدرة على الكلام "([2]) .

   ان العرض المسرحي بؤرة الممثلين الذين لا هم لهم غير الثرثرة والتكرار هم لا يبتكرون غير طريقة اداء يعينها او استخراج المفردة وحواراتها حتى باتت حاجزا ً بين الممثل وشخصيته , وبين الممثل والمتلقي , وباتت الكلمة مشروعا ً اجباريا ً لتشكيل نمطية الصورة واستحداث معاني لا نملك التعبير عنها , فكان ( الصمت ) طقسا ً جعل من الممثل وشخصيته يبرعان في اتمامه من خلال سكونية الاجزاء وحركتها المتماهية الرامزة مع الرغبة لما يطلبه المشتركون بفعل الصمت هذا من معان من خلال العين او الحاجب او فتحة الفم , فان " الكلمة لم تعد تبين عن شيء , الكلمة  تلغو وتثرثر , الكلمة ادب , الكلمة هروب , الكلمة تحول دون ان يتكلم الصمت , الكلمة تضم بديلا ً من ان تكون فعلا ً تواسيك بقدر ما تستطيع لانك لا تفعل شيئا ً , الكلمة تستهلك التفكير , تفسده السكون من ذهب , , ضمان الكلمة يجب ان يكون الصمت "([3]) .ان العرض المسرحي جملة من الصياغات المرئية والمسموعة , تساند بعضها البعض في اتمام شكل ما يكون مقبولا ً لطرفي العلاقة ( الممثل / المتلقي ) واي اخلال بهذا القبول تجعل العلاقة غير ودية بينهما , وما دام العرض المسرحي ايضا ً جملة ايقاعات منفصلة في البداية ما يلبث يعود يتوحد ليكون ايقاعا ً حسيا ً جماليا ً عاما ً للعرض , فان الحوارات تكون مهيمنة على ذلك الايقاع , واي خلل فيه يعني فقدان السيطرة الميدانية على مجمل تواصل العرض وحتى على سينوغرافيته المرئية , وعندما جاء ( الصمت ) ليحل محل ايقاع ذلك الحوار ولو في اللحظات الحرجة والخطرة تشكلت معالم ايقاع مناويء او بديل لا يمكن للممثل الا ان يبتكر ايقاعا خاصا ً بذلك الفعل يتحدد بجمال ( فترته , موقعه , تأثيره , عمقه  ) , فالممثل في العرض " لا يستطيع توصيل المشاعر الى الجمهور الا من خلال تغيير الايقاع طبقا لدرجة الاحساس , وهذا التغيير لا يأتي الا اذا وظف الممثل لحظات الصمت والسكون توظيفا ً دراميا ً ينقل عدوى الاحساس الى الجمهور "([4]) .ان الممثل يعلن ان الخشبة لا تعني حوارا ً فقط بل هو الصمت وهمس الاعضاء ( عين -  ذهن - تخيل -  نظرة - ثبات ) حيث يتجدد ايقاع ذلك الصمت من ايقاع الحياة وفعلها الدرامي المبتكر فوق الخشبة " فالحياة الحقيقية التي تترك اثرا ً لا تصاغ الا من الصمت , صمت عميق , صمت الحياة الحقيقية , الصمت الذي تقابله الالوان البيضاء ,لا خور اللغة "([5]) .ان السكونية الرهيبة التي ترافق فعل الصمت تمثل موقفا ً فكريا ً وحسيا ً ازاء ثرثرة الكلمات التي تتواصل من الاخر , وهذا يعني ان الصمت هو رد فعل ذهني وحسي يعمل بسكونية رامزة ما يعني اشتغاله كلغة مهمة تقابل لغة الكلمة المهيمنة , ولما كان الصمت  يمثل حدسا ً فيه نظرة الى الامام فانه يمتزج قطعا ً مع الخيال في تكوين صورة مرئية مستقبلية داخل الذهن لما سوف يجري مرتبطة بسبب ذلك الفعل , فانه حتما ً ارتبط بالفعل الجمالي الخاضع لتشكيل الصورة المنبثقة من عناصر العرض فوق الخشبة , فالعرض المسرحي يحتمل شمولية زمانية ومكانية تمتزج فيها واقعية الصورة المرئية  والمتخيلة مستقبلا ً , وبذلك ينشأ انسجاماو تناقض تأويلي في شكل فكرة الصورة او في مجمل التكوينات المشهدية التي يرسمها المتلقي في العرض المسرحي والتي يكون احدى سماتها التحول فى اشتغال لغة غير مألوفة وهي الصمت كاحد القنوات التي تحدد مسار الفعل الفكري والنفسي والحسي للعرض " فالصمت منطقة حدس ينطلق بها الحس من الصور المتخيلة لهذا الصمت حسيا ً , فيظهر لنا ان الصمت متخيل , وكل ما هو متخيل           ( غائب ) هو صمت , اذا ً فاللصمت الاثر الجمالي الغائب "([6]) .اذا كان الصمت فعل فيه الجراءة على حسم الامور الصعبة في تصور البعض , هل يعده اخرون انهزاما ً اجتماعيا ً للهروب من المواجهة بالكلام مستندا ً على المثل الشعبي ( اذا كان الكلام من فضة , فالسكوت من ذهب ) وفي رأي الباحث نحن لسنا بصدد المواقف التي تحدد الشجاعة والجبن بقدر ما نحن بصدد صدق الحالة والموقف , فقد سأمنا من تعبير الكلام وتكراره وبالتالي لا اهمية للشجاعة في تحديد مسار البطولة من عدمها والاهم من ذلك يؤكد وجود الوعي المضاف في رسم مسار الصمت كشكل غير مألوف بمواجهة المفردة العاجزة عن وضعها في مسار التجسيد الصحيح , فالصمت في العرض المسرحي " يمثل منطقة الوعي الداخلي للشخصيات , اذ يؤكد عبر فشل اللغة , ويؤكد طبيعة القلق الوجودي المهيمن لانسان هذا العصر "([7]) .  ان العرض المسرحي , بمشاهده وفصوله يمثل لحظات حسم علاماتية قد تصل الى طريق مسدود , اذا لم تتدخل عوامل اخرى في فك شفرته هذا العرض بحاجة الى مشاهد علاماتية مرمزة بعيدة عن الايقونية , اكثر منها حواراتية تحدد دلالاتها لغة اخرى تدعم علاماتها بعيدة عن الحوار الا وهو الصمت فهو " يمكن ان يكون اداة فعالة لتقديم مشهد جديد او ابراز المشهد التالي او لقطع الحوار في لحظة حاسمة ذات دلالة , انها لحظة صمت تتكلم فيها تعبيرات الوجه وحركات الجسم كلاما ً يعجز عنه اللسان "([8])  فالصمت لحظة تأمل وانتباه لكل اطراف الخشبة والصالة معا ً , انها لحظة سكونية فيها طقس , يميل الى التوحد مع الذات في حالة انسجام العاطفة مع العقل او القلب مع الذهن لرؤية ان ما يشاهد خرج من السياق المألوف ما صبح ادراكا ً فيه غرابة التطبيق المحسوس , لذا فان " لحظات الصمت المسرحي تتيح الفرصة للجمهور لمزيد من التأمل باستيعاب الدلالة الكامنة وراء الكلمات التي ينطق بها الممثل , اما اذا استمر الكلام هادرا ً على منصة المسرح , فان هذا من شأنه ان يجهد الممثل والجمهور في ان واحد , وقد يؤدي الى السأم "([9]) . ثمة سؤال يطرحه الباحث , هل تأثير الصمت اقوى لو جاء قبل الحوار ام بعده ؟ والا رجح ان تأثير لغة الصمت اقوى عندما تأتي قبل الحوار , على اعتبار ان كلمات الحوار قد اتت ناضجة من فعل الصمت وتأمل ما سوف يقال او تأتي ابلغ تحت طائلة الحكمة والاتزان الذي يمثله الصمت بحدود المعرفة والصبرعلى الاقدام لفعل القول , فان " الممثل ذو الخيال الواسع الخصب يميل غالبا ً الى التعبير عن مشاعره وافكاره بالتمثيل الصامت اولا ً كما لو كان قد شعر بالدافع بحركة من الداخل , ثم يملي عليه الكلمات التي من المفروض ان ينطقها "([10]) , ومثلما كان الصمت هو حسم الامور الحسية لانها صادقة من خلال تجميد لغة الكلام مؤقتا ً , فانه قد يوحي بالغموض والحيرة في بعض الاحيان لغرابة تطبيقه , ولكنه لا يخلو من دلالة تتصل حتما ً بوعي المتلقي , فهو لا يبني رأيا ً سريعا ً ولكنه يتأمل بوعي دلالة هذا الصمت والمغزى منه والدافع من وراءه , فقد " يستخدم الصمت والغياب او الاختفاء اللامبرر عن قصد لخلق احساس بالحيرة والغموض "([11]) , واذا كان العرض المسرحي يتشكل من جملة ادوات ومنها اداء الممثل واداء مصمم السينوغرافيا او اداء المكياج والازياء والانارة , فان اداء الصمت يتحدد وفق عوامل املتها تنوعه الفكري والحسي ووفق الفهم الفني والفلسفى له من قبل الممثل ثم المتلقي حيث " ينقسم الصمت في العرض المسرحي الى نوعين , الصمت المحايد , والصمت المعبر , فصمت الجمهور عند اطفاء الانوار قبل رفع الستار صمت محايد لا يحمل دلالة خاصة , ويختلف تماما ً عن فقرات الصمت المشحونة التي تتخلل العرض , والتي تأتي بأثر  فريد في قوته "([12]) .  يتشكل في العرض المسرحي نوعان اخران من الصمت تتداحل فيها السمة الجمالية والحسية والفكرية والفلسفية مع الجانب الوظيفي , وهو اقرب الى تشكيل علاماتي له دلالات في تشكيل المعنى , حيث يأتي من تشغيل لغة تصور ما ورائية او متخيلة يأتي فعلها او اشتغالها بالحس الباطني او التأمل الذهني لتكوين صورة تبدو مغايرة عما يجري فعلا ً خلف الكلمات او بين الاسطر و " هناك نوعان من الصمت , صمت لا تلفظ فيه كلمة , وصمت فيه سيل من اللغة , يتحدث هذا الحديث عن لغة محبوسة تحته , وذلك هو المعنى المتواصل الذي يرجع اليه الحديث , ان الكلام الذي نسمعه هو مؤشر للكلام الذي لا نسمعه , عندما يخيم الصمت الحقيقي يظل معنا صدى ولكننا نكون اقرب للتعري "([13]) .  ان المزاوجة بين العرض المسرحي كحقيقة زمنية متخيلة لها عوامل تشكيلها تنتمي للصورة المرئية والصوتية الماثلة فوق الخشبة لحظتها وبين الجمهور كمتلقي يحاول ايجاد مخرج افتراضي لاحداث العرض الذي امامه , مما يحتم ان تصل له الصورة وفق قناعاته الحسية والعاطفية والنفسية , اكثر مما يكون العرض مجرد حوارات يكررها الممثل تصل في بعض الاحيان الى حالة السأم والملل , فالصمت لغة تخاطب الجمهور برقي المشاعر وصورته المتحدية لنباهته وفهمه في التأمل والانصات , فان العرض المسرحي بكل مكوناته معني بالصمت " المبني على اثارة الصورة التي تسمح للمتفرج ان يؤلف عرضه , فالعرض موجه لابلاغ المعنى , ولكنه في الوقت نفسه يمتنع عن الابلاغ المباشر , فهو سيماء تطبيقي يشير الى دلالات محددة , وفي الوقت نفسه يحتوي على رموزه ومغزاه وصوره المبطنة والمبهمة "([14]) .  ان الصمت في العرض المسرحي هو تجاوز للمسافات البونية من خلال استغلال المحيط الواقعي والمتخيل والزماني والمكاني للخشبة وتشكيلاتها بأساليب بعيدة عن التقليدية , واذا كانت البونية تعنى " بدراسة كيفية استخدام الممثل للفراغ المحيط به بصفة مباشرة "([15]) , فان الصمت معني بفهم ذلك الفراغ ودلالاته الحسية والحركية , المتضمن الفهم العام للاتصال اللفظي ونقله الى حواسي ولمسي وتجاوري من خلال انظمة عمل الدلالات والوسائل الاصطناعية على الخشبة ( ملابس , اكسسوار , ديكور ) وغيرها من العناصر المسرحية , وعليه فان لغة الصمت في العرض المسرحي لها تكوين مستقل بحد ذاته لانها تُركب بطريقة خاصة , اي لها خصوصيتها في المعنى والقرار والتطبيق بغض النظر عن طبيعة الحوار الذي قبلها او بعدها .ان الصمت يقرر ويضع بصماته بشكل حازم , ولهذا فانه يتخذ اسلوب الالغاء الذي يمارسه الممثل في حركته وصوته ،لانه معني باداء يتضمن خصوصية الشخصية وسلوكها الاجتماعي على الخشبة مثلما الحياة , لذا " فان حياة الممثل فوق الخشبة تعتمد اساسا ً على مبدأ هام هو مبدأ الالغاء حيث نبدأ في الغاء عناصر ما مرئية , اكسسوار مثلا ً او اداة موسيقية مما يجعل الفعل والوضع الجسدي مستقلان "([16]) . ان حوار الشخصيات على لسان الممثلين في العرض المسرحي مع جملة من عناصر العرض تعطي دلالات متوالية للمتلقي ولكنها قد تنحو باتجاه احادية تلك المرمزات العلاماتية سواء كانت ايقونية او اشارية او رمزية والتي تأتي حسب مصدرها في العرض , حيث ان هذه الحورات او العناصر المرئية او المسموعة قد لا تكسب العلامة فعاليتها , بل تقف عند الوميض الدلالي السريع , حيث تكتفي با ضيق الحدود في ايصال المعلومة للمتلقي , ولكن لغة الصمت , هي لغة زاخمة ومفعمة بسيل من العلامات كونها لا تكتفي بالمادة المجسدة على الخشبة , كالاكسسوار او الاضاءة او الموسيقة او حتى الممثل بل تنتقل الى طاقة مجسدة في الاشياء غير المرئية والمحسوسة حيث يفهمها الممثل ويشعر بها , ومن ثم المتلقي ودرجة وعيه فان " القدرة على التحكم بتدفق الاعلام وخطاب المقطع بطريقة ما للحصول على اقصى مستويات الانتباه تعتبر من اهم توابع الممثل والذي يخضع له , يشكل مجموعة من القواعد شبه اللسانية الالزامية والخاصة بهذا الفن "([17]) .  ان لغة الصمت هي ليست في طور الاستمرارية لفعل الحوار والحركة , بل هي فعل يكاد يكون مغايرا ً او بديلا ً او مستقلا ً , له توجه خارج منظومة الكلمة او الصوت وعناصرها , وعليه فالمشاهدة في العرض المسرحي تاتي بسياقات خاضعة للخطة التي تنطق بها لغة الصمت افعالها او دلالاتها المتواصلة , لذا فان فعل الصمت يأتي ثماره من خلال " المشاهد على قراءة العرض بطريقة متماسكة بلغة سياق بديل وضرورة تصور تطورات مستقبلية ممكنة للفعل وادخال المسببات والنتائج المحتملة "([18]) . وطبعا ً فان هذه القراءة المرئية من المشاهد لفعل الصمت لا تأتي من فراغ يقرر ما هو وجود علاقة بين المؤدي والمشاهد يحكمها الوعي والتجربة , فالمؤدي ممثل له طريقته في ايصال العلامات الى المتلقي من خلال وسائل عدة يمتلكها سواء كانت حسية او حركية او صوتية من خلال مصطلح الاداء اي التعبير والتجسيد الذي يعنى " بانه كل نشاط للفرد الذي يحدث خلال فترة ما متميزة بوجود هذا الفرد بطولها امام مجموعة من المشاهدين , وانه يترك اثره على هولاء المشاهدين "([19]) , فان فعل الصمت ليست مجموعة حوارات يتقن الممثل ادائها بقدر ما هو كيان له خصوصية ما يرافقه من تعبير حسي انساني مقرون بدرجة عالية من الحرفية في الايصال بلغة العيون او تعابير الوجه او الايماءة او حمرة الخدود , كل هذه الامور تستدعي من الممثل وعيا ً بالحرفية والتساؤل متى اصمت ؟ ومتى  انطق ؟ وكيف هل بعد او قبل الصمت ؟ وهل بكلمة واحدة ام سيل من الكلمات ؟ وهل اتمتم ام اتعلثم بالكلمات ؟ ام اتواصل بالحديث ؟ هل ابقى مستمرا ً في الصمت الى اخر حوار الاخر ثم انصرف من على الخشبة ؟ .... كل هذه التساؤلات هي افعال ادائية مستقلة للممثل فان " الممثل ذو الخيال الواسع يميل الى التعبير عن مشاعره او افكاره بالتمثيل الصامت اولا ً كما لو كان قد شعر بالدافع بحركة من الداخل ثم يملي عليه الكلمات التي من المفروض ان ينطقها , فهو قادر دائما على اعداد الجمهور لتقبل المواقف التالية دون اي احساس بالنشاز , فالصمت مرادف للاصغاء والاستيعاب والاستعداد للرد "([20]) , ومن هنا فان الممثل المتمكن هو الذي يحدد قيمة الصمت ومعناه وكيف ينفذه بوسائله المتاحة داخل وخارج منظومته الجسدية , ومن ابسط مكوناتها الصغيرة او الكبيرة , لذا فأن " فترة الصمت , تمثل اختبارا ً حقيقيا ً لقدرات الممثل الذي يمكنه الاحتفاظ بدوره حيا ً فعالا ً في مواجهة زميله المتكلم "([21]) , ولكن هل يستطيع الممثل الموهوب , ارتجال الصمت في مواقع ولحظات غير متفق عليها , كما هو الارتجال في الحوار والحركة او التعامل من الاكسسوار او المهمات المسرحية او مع ممثل ثان ٍ على الخشبة , على اعتبار ان الارتجال هي لحظة معرفية تتماهى مع التلقائية والبديهية , حيث يمارسها الممثل على انها " اللحظة التي نتحرر فيها لنرتبط ونتصرف ونشرك انفسنا مع العالم المتحرك والمتغير من حولنا , حيث من خلال التلقائية يعاد تكويننا داخل انفسنا , انها تخلق انفجارا ً يحررنا في اللحظة الراهنة من اطر المعارف التي وصلت لنا "([22]) , وفي رأي الباحث ان الارتجال يرتبط بالتجربة والمعرفة الدقيقة بالبيئة التي تقع بها , حيث يتواجد فيها الممثل الحرفي فى ان يجرب نشاط يولد التلقائية , اما الصمت فهي لحظة غير خاضعة للتجربة الميدانية او التلقائية للخطوبة المعرفية , بل هي لحظة حرفية لها خصوصية ذات وعي بأبعادها تتمركز في فترة محددة دون سواها , وتشترط التأثير الشديد والاحساس بوسائل وشروط نشاطها وفعلها , لذلك فان الممثل غير معني بان يجرب الصمت في هذا الموقع او غيره او في وسط هذا الحوار او اثناء تلك الحركة , لذا فهي تجربة بعيدة عن المزاجية او الانانية المسرحية بل هي علامة لا تأتي الا في محلها وفي سياق فترتها المتفق عليها , فالممثل هنا عندما يمارس فعل الصمت ارتجالا ً قد يقع في اشكالية كبيرة قد تأتي عكس النتائج المروجة منها , لان فعل الصمت مرتبط بأيقاع منظم بمجرد العبث فيه قد يأتي بسلبية على زمن العرض الداخلي وعلى سلاسة زمن المشهد او الحدث المرئي على الخشبة , لان كل ذلك خاضع لتوقيتات صارمة غير قابلة للتجريب " ففي اللحظة التي ينتهك فيها الممثل نقطة ما عليه ان يشعر بما يترتب على ذلك من ارتباك وكسر الوقت "([23]) . ان ذات الممثل هي التي تعمل بحواسها تجاه فعل الصمت والمقصود بالذات هنا عمل دواخل الممثل الحقيقية لا المصطنعة , فالصمت , فعل يأتي ضمن سياق التراكمات الحياتية الداخلية للممثل مضافا ً الى الرغبة في نقلها الى ذات الشخصية المستدعاة , لذا فان فعل الصمت ينطلق من ان " اداة الممثل هي ذاته التي تؤثر في عقله وجسده وملاحظاته وصراعاته , وكوابيسه ,كما تقوم بتبليغه هو نفسه كمواطن ينتمي الى زمنه ومجتمعه "([24]) . من هنا فان الممثل عندما يمارس صمته فهو يقوم بشيء غير مألوف على صعيد تطبيق الفعل على الخشبة في خضم تقليدية فعل الثرثرة في الحركة والحوار , لذا فان الجمهور احب هذا الفعل الصامت , لان الممثل شكلة على انه مخرج بديل لفض المشاعر او طرحها او وضع نهاية لها او مرحلة عتاب او اتهام او تجريم لذلك الفعل فان " ما يجذب الناس الى المسرح هو نوع من عدم الارتياح لقيود الحياة كما تعاش , لذا فنحن نحاول ان نبدلها او نعدلها من خىل شكل نموذجي , اننا نقدم ما نظن انه ممكن في المجتمع وفقا ً لما يكون ممكنا ً في الخيال "([25], وفي رأي الباحث ان فعل الصمت مفهوم غير طاريء ضمن سياق الفعل العام للعرض اما اختبار اللحظة المناسبة لحدوثه , بل ان الغرابة التي فيه في جدته وحداثته وشكل صياغته والاختزال والرقي التعبيري عن المشاعر في لحظة حاسمة من العرض , وعليه فان الصمت هو ليس خارج سياق الاحداث بل هو في صلب الوحدة الفننية لكل عناصر العرض , وهو منسجم مع كل الانساق الاخرى التي تتفق مع ردود فعل الشخصيات الواقفة على الخشبة , او الجمهور المتواجد في الصالة وعليه فان فعل الصمت قائم على الاتفاق على ضرورة وجوده في حيزه المختار , والا فانه " لا مجال لاخفاء عدم التناسق بين كل الممثلين او الحديث عن الوحدة الفنية في الوقت الذي تتصارع فيه اساليب متناقضة في بناء الشخصية "([26]) . فلابد ان الممثل الاخر قد اقتنع بفعل الصمت من الممثل صاحب فعل الصمت , والا فان رفضه او عدم اقتناعه اذا حصل قد يحدث التناقص بين الشخصيات ومن ثم داخل الحدث مما يؤدي الى خلخلة الوحدة الفنية للمشهد ثم العرض . ان فعل الصمت في العرض المسرحي هو فعل تفكيكي , اي بمعنى الوصول الى حالة التشظي العلاماتي ثم تجميع عناصر الوحدة الفنية وثيمتها في العرض باتجاه بناء الشخصية : بعد افتراض تحجيم او الغاء الذات وحلول صفات الشخصية مكانها , ليعاد صياغتها بتوافق مع سلوك تلك الشخصية المستعارة بمعنى " ان على الممثل ان يستبعد حجرا ً حجرا ً - كل شيء في عضلاته وافكاره وصور الكف التي تحول بينه وبين دوره حتى يأتي يوم يندفع فيه الدور مثل دفقة هواء ليتخلل مسامه كلها "([27]) . ولهذا كان اقتناع اداء الممثل للحظة الصمت مهمة لانها تشابه لحظة التطهير الارسطي في اختزالها للخوف والشفقة , كذا الصمت هو اختصار لتجربة المتلقي او الممثل الحياتية في لحظة شجن او عاطفة خائبة او موقف ثوري لا تستطيع الكلمة التعبير عنه , فاداء الممثل للحظة الصمت اساس امتاع الجمهور بان ما يشاهده هو معبر حقيقي عن ما يريده فاذا ً " نحن تلقينا انطباعا ً مقنعا ً بان لحظة من لحظات الحياة قد تم افتتاحها بتمامها على المسرح , فما ذلك الا لان قوى مختلفة صادرة عن الجمهور , والممثل معا ً قد تلاقت عند نقطة بعينها في ذات الوقت "([28]) .  ان فعل الصمت في العرض المسرحي كالطاقة تعبيء الفجوات التي تحدث لعدم قدرة الكلمات والحوارات على ملئيها , وعدم تمكنها من اشباع حاجة الجمهور المتعطشة للمزيد من الايحات والعلامات لا الكلمات التي طالما سمعها خارج المسرح , بل يطلب المزيد لرؤية عرض خارج سياقات رؤيته التقليدية , عرض فيه لحظات يسد له فراغه العاطفي والحياتي , فان الصمت " تلك الطاقة يجب ان تدخل الى الفراغ النصي بين العبارات تتم عبر تلك الفجوة , بسبب بسيط ان المركب الجسدي لا ينكسر , حيث يحدث الانكسار اللفظي , وان التنفس يستمر ويبقى حضور المشاهدمتعطشا ً ويريد الارتواء , واخيرا ً ان ظروف الحديث اقل قدره على التحديد بطريقة موحدة من العلامات الرابطة التي تكونها داخل الاقتصاد النصي "([29]) . ولكن هناك علاقة مهمة ما دمنا في منطقة التمثيل بين الصمت كفعل انفجاري وبين الاداء كونه يشكل مرحلة الدعم الاولى للعرض المسرحي على اعتبار ان التمثيل هو " القدرة على الاستجابة لمحرك تصوري " ([30]) , وما دامت هذه القدرة تستمد وسائلها من قدرات الممثل الذاتية وادواته والعناصر المسرحية المساندة ( اضاءة , ديكور , ازياء , الخ ) فان اي فعل مساند اخر كالصمت مثلا ً بالتاكيد يساند ويساعد بل يحفز الممثل على ابتكار اللغة المثالية لتثبيت الموقف ودفعة الى الامام على اعتبار ان الحافز هو " اي ظاهرة يمكن ان تغير حالة العضو "([31]) , وبالتالي سوف تشكل الاستجابة لكلا الطرفين المؤدي والمتلقي على اعتبار ان الاستجابة تعني التغير الفعلي والتعبير بدرجات متنامية وفعالية مع مزاوجتها بوعي الطرفين .

ً  تحليل العينة .

مسرحية دزدمونة .

تأليف يوسف الصائغ .

اخراج إبراهيم جلال .

  

غالبا ً ما يرتبط مفهوم الغيرة القاتلة كاحدى ثيمات مسرحية شكسبير الاصلية ( عطيل ) وما جرته على عطيل من مآسي وتدمير لذاته وكل ممن حوله , ولكن المؤلف ( يوسف الصائغ ) قد نأى بنفسه واحجم عن تكرار ذات الثيمة القديمة من خلال اعداده لمسرحيته الجديدة ( دزدمونة ) واثر عدم الخوض بنهج الغيرة السابق , بل توجه الى ربط مفهوم الغيرة كمبرر نحو المزاوجة بين الخيانة والعقم , فمشكلة عطيل وهواجسه ليس غيرته وحدها نحو ( دزدمونة ) بل كونه عاجزا ً جنسيا ً على ملاقاتها في فراشه مما يربطها بفعل الخيانة الحتمية من اول اشارة عليها والتي فجرها فعل المنديل المشهور , تبدأ المسرحية من لحظة قيام عطيل بقتل ( دزدمونة ) حيث يدخل المحقق العدلي , مثله الفنان ( جواد الشكرجي ) ومساعدوه ليبدؤا تحقيقهم لاكتشاف اسباب الجريمة مثلت الفنانة ( ليلى محمد ) دور ( اميليا ) وصيفة دزدمونة , حيث تبدوا باردة الاعصاب وهي تحدث ( المحقق ) عن حالة ( عطيل ) النفسية وشروده وصمته الغريب .

اميليا : ويحي عليه .

عطيل : الى من تتحدثين ايتها المرأة .

اميليا : للضيوف يا مولاي .

وهنا تبدأ فترة الصمت الطويلة الموحية لشرود عطيل , وقوله كلمات بعيدة عن مسايرة الاحداث الجارية في حينها , حيث يتحدث الى نفسه بعد طول ( صمت ) وكأنه يلقي موعظة الى اميليا او الى اشخاص في خياله .

عطيل : ( بعد صمت وكأنه يتحدث الى نفسه ) , شيء عجيب .... أ يستوجب على الرجل ان يكون رجلا ً وعلى المرأة ان تكون امرأة ؟ .

وهنا يخلط عطيل بين اميليا وبين دزدمونة مما يجعل من الممثلة ( ليلى محمد ) في دهشة شديدة حيث تكون حواراتها مشبعة بفترات من الصمت لغرابة ما تسمع من عطيل , غير مصدقة ما نشاهده من انهيار لقواه العقلية , وحيث تستمر في ترديد الجمل مثل ( انا لست دزدمونة انا الوصيفة ) و ( وافضيحتاه ) .... ويبدوا ان فعل الصمت لديها كان تعبيرا ًعن الموقف بين اتجاه عطيل نحو الجنون والانفصام وبين رغبة اميليا الابتعاد عن حرج الموقف وما كان يكنه عطيل نحوها من رغبة كبديل مصطنع لدزدمونة في محاولة لسد عجزه الجنسي او محاولاته امام المحقق كشف جوانب من علاقة فراش تبدو خائبة هي الاخرى بينه وبين الوصيفة ( اميليا ) , وهنا تسترجع ( اميليا ) جزء من عذاباتها عندما تلتقي بـ ( دزدمونة ) , حيث تكشف لها عن معاناتها نتيجة للعلاقة غير الطبيعية مع ( عطيل ) , ولكن ( اميليا ) تجفل وتتوتر عندما تهمس

  

لها ( دزدمونة ) بالسر وهو عجز ( عطيل ) الجنسي , ولكن لا تفصح تعبيراتها حقيقة عجز      ( عطيل ), في هذه الحوارات تلعب لغة الصمت اهمية كبيرة في التعبير عن خفايا واسرار تتعلق بخصوصيات نفسية دفينة غاية في الحراجة لكلا ألامرأتين , مما يستدعي وجود لحظات من التأمل قبل ان تجيب احداهن على الاخرى لانهما قد ناما مع عطيل , مما يشكل حرجا ً في تقييم مفهوم العجز الجنسي لعطيل ذاته وهكذا تعود ( اميليا ) تسرد على المحقق كيف تخلصت من الحاحات دزدمونة عن عجز ( عطيل ) .

المحقق : لماذا لم تصدقيها ؟ .

اميليا : ( بعد صمت ) , لانني اعرف جيدا ً ان مولاي ليس عاجزا ً .

المحقق : عجبا ً وما ادراك ِ انت ِ ؟ .

اميليا : ( صامته ) ادري .

المحقق : ما الذي تقولينه يا أمرآة .

اميليا : اجل ادري ولك تفسير قولي بما تشاء , ليس ( عطيل )  عاجزا ً وانا الشاهدة .

والمتأمل برودة اعصاب شخصية ( اميليا  ) يدرك قدره الفنانة ( ليلى محمد ) على تنفيذ فترات الصمت للتعبير عن رجحان العامل النفسي في استخدام الحوارات بطريقة متأنية بعيدة عن استعمال الإلقاء , حيث ان حراجة الوضع يستدعي ان يكون الصمت مفتاحا ً لحكمة اكثر صرامة في وضع الكلمات في مكانها مبتعدة عن الثرثرة او طغيان الالفاظ بلا مسوغ , فالقضية شائكة وموت دزدمونة والعلاقة بين عطيل واميليا الجنسية والشك بعجز عطيل على لسان دزدمونة ووجود محقق كلها عوامل جعلت من مفهوم ( الصمت ) في هذه المسرحية عاملا ً مهما ً لبيان ردود الفعل او استقبال معالمها او انتظار الخطأ في الرد مما يؤدي إلى وضع الأمور في إشكالية الشك او المؤامرة , مما حدى بالممثلة ( ليلى محمد ) ان تؤدي فعل الصمت بوعي في بناء علاقتها الجديدة والحرجة مع المحقق في لحظات الاستجواب او سردها الهادئ له عن العلاقات القديمة مع دزدمونة او مع عطيل .

وعندما يستوجب المحقق ( كاسيو ) الذي قام الممثل ( رياض شهيد ) بتمثيله ليسأله عن حكاية المنديل .

المحقق : كاسيو ايها الفارس الطيب ..... دونك تهمة يوجب عليك شرفك ان تتقها  بلغتك حكاية المنديل .

كاسيو : بلى سيدي .

المحقق : فدافع اذاً عن نفسك .

            ( صمت )

كاسيو : ( بعد برهة ) يا لها من تهمة ..... كيف للمفتري عليه ان يدافع عن نفسه سوى ان يصف الكذبة بانها كذبة .

المحقق : فان لم يكن ذلك .

             ( صمت )

كاسيو : فالصمت عند ذلك اكرم .

ان قدر الممثل ( رياض شهيد ) في محاولة ابعاد التهمة عنه بختمها عبارة ( فالصمت عند ذلك اكرم ) قد اقترنت مع صمته اصلا قبل النطق بهذه الجملة المهمة , وعند ذلك فهو يخضع لوعي متجانس مع الرغبة في الخلاص من مأزق فـُرض عليه, وبالتالي فان هذا المشهد يتضمن وقفات صامتة لكشف التعري الفاضح في عدة علاقات مشبوهة افضت الى هذا الوضع , وبذلك يحاول كاسي وان يقول المعنى بالصمت قبل ان يعبر عنه بالكلمات محاولا ً استجلاب ما وراء ذلك المعنى من امور مستورٌ عنها في الحقيقة بلا كلام او لفظ او صوت , وهنا يتطابق فعل الدفاع الذي يغلفه الصمت بين ( اميليا ) وبين ( كاسيو ) من خلال التقاء اداء فترات الصمت بين الممثلة ( ليلى محمد ) وبين الممثل ( رياض شهيد ) على محاولة الارتفاع بفعل الصمت بحدود تغليب المعنى وكشفه قبل البوح به مع الادراك ان الممثلة ( ليلى محمد ) كانت اوفق في التعبير الواعي عن فعل الصمت بطريقة اكثر هدوءا ً من الممثل ( رياض شهيد ) لاسيما في لحظات الاستجواب على عكس الممثل ( رياض شهيد ) الذي كان يغلب على اداءه التوتر في حين ان طبيعة دوره لا تصل الى هذه الحدة من العصبية مما يدل على ان الممثلة ( ليلى محمد ) درست المواقف واستنبطت لغة الصمت من خلال وعيها بطريقة الرد المقنع بعد فترة سكون عرفت موقعها وطول الفترة الزمنية لها دون ان تثير شبهة السكون بهذا المعنى , ودون ان يتخلل الايقاع  زمنه في انسحاق المشهد نحو الركود والملل , وبذلك فان الفنانة ( ليلى محمد ) قدمت ( الصمت ) كلغة مستقلة بعيدة عن الحوارات التي قالتها لاحقا ص بعد فعل الصمت ذلك , ولكن مع ذلك ورغم تفوق الفنانة ( ليلى محمد ) في استغلال لغة الصمت على حساب الفنان ( رياض شهيد ) , فان الاخير لم يكن سيئا ً في الاستخدام الا اذا اخذنا مفهوم المفاضلة بين الاثنين , فهو عندما يتحدث مع المحقق حول دزدمونة يرجع مرة ثانية الى هدوءه المشوب بالحذر , حيث يتهم دزدمونة بالخيانة .

كاسيو : خائنة ..... هذا الجواب يلغي كل أسئلتك وبما عداه ستجد عند كاسيو لسانا ً من حجر .

المحقق : لا تغال يا صاحبي ..... اني اتحسس تحت لسانك قلبا ً ينبض لأسئلتي .

                ( بعد فترة صمت طويل )

كاسيو : فالتفت اذن .....وصدقني ..... خائنة ..... ها انا اقولها للمرة الاخيرة .

وقد برع الفنان ( رياض شهيد ) في صمته الطويل هذا , مازجا ً عدة علامات في سكوته للدلالة على خيبة الامل والانكسار من مما هو عليه وكشفه المستور على خيانة دزدمونة محاولا ً ايصال هذا الانكسار الى الجمهور برقي المشاعر مجددا ً استفزاز وعيه في تأمل ماذا يحدث , مختصرا ً العرض للمسافات البونية في تقريب المعنى بين تشابك مصالح الافراد من خلال استغلال لغة الخطاب السردي وتخيل الرجوع الى الخلف على لسان الشخصيات مما يوحي بتشكيل لغة غير تقليدية قادرة على ملء الفراغ الدلالي المسبب له ثرثرة المفردات وجاعلا ً الدلالات الحسية والحركية تنتقل من جمودها الالي الى شكلها الديناميكي الحواسي واللمسي والتجاوري , صانعا ً من هذه اللغة تأثيرا ً على المتلقي لانها لغة تعمل خارج السياق او المألوف الحياتي باستغلال لحظة مناسبة ما تنطق بها هذه اللغة افعالها او دلالاتها ونلاجظ ان كلا الممثلين , قد وصلا في ادائهما للصمت الى لحظة التطهير الأرسطي لانهما في موقف لا يحسد عليه من الخوف والشفقة ليس من المتلقي كما هو معروف بل من خوفهما وشفقتهما على الحال الذي وصلا اليه شخصياتهمامن حراجة الموقف وسوداويته , وبذلك فهما يفجران الصمت للتعبير عن الانكسار وخيبة الامل اللتان يحسان بها وكذلك الخوف من مصير مجهول في لغة تعجز الكلمات عن ادراكها .

  

الاحالات

  


 


 

([1]) وينجير , جان بيير : قراءة المسرح المعاصر , تر : حمادة ابراهيم ( القاهرة , وزارة الثقافة , مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي , 2004 ) ص35 .

([2])المصدر نفسه , ص203

([3]) المصدر نفسه , ص203

([4]) راغب , نبيل : فن العرض المسرحي , ( القاهرة : الشركة المصرية العالمية للنشر , 1996 ) ص148.

([5]) رينجير , جان بيير , مصدر سابق , ص206 .

([6]) الميالي , سافرة ناجي : الصمت في نصوص اللا معقول , اطروحة دكتوراه غير منشورة , بغداد : جامعة بغداد , 2004 , ص40 .

([7]) المصدر نفسه , ص45 .

([8]) راغب , نبيل , مصدر سابق , ص148 .

([9]) راغب , نبيل : مصدر سابق , ص148 .

([10]) المصدر نفسه , ص148 . 

([11]) هلتون , جوليان , نظرية العرض المسرحي , تر : نهاد صليحة , ( القاهرة : هلا للنشر والتوزيع , 2000 , ص183 .

([12]) هلتون و جوليان , المصدر نفسه , ص214 . 

([13]) هيمن , رونالد , قراءة المسرحيه , ص45 .

([14]) البياتلي , قاسم : دوائر المسرح , ( بيروت : دار الكنوز الادبية , 1998 ) , ص48 . 

([15]) باربا , اوجنيو , مصدر سابق , ص20 . 

([16]) المصدر نفسه , ص66 . 

([17]) إيلام , كير , سيمياء المسرح والدراما , تر : رئيف كرم , ( بيروت : المركز الثقافي العربي , 1992 ) , ص128 .

([18]) المصدر نفسه , ص156 . 

([19]) كارلسون , مارفن : فن الاداء , تر : منى سلام , ( القاهرة : وزارة الثقافة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي , 1999 ) , ص63 . 

  

([20]) راغب , نبيل , مصدر سابق , ص150 . 

([21]) المصدر نفسه , ص150 . 

([22]) سبولين , فيولا : الارتجال المسرحي , تر : سامي صلاح , ( القاهرة وزارة الثقافة , مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي , 1999 ) , ص40 .

([23]) دين , الكسندر : اسس الاخراج المسرحي , تر : سعدية غنيم , ( القاهرة : وزارة الثقافة , الهيئة العامة للكتاب , 1975 ) , ص54 .

([24]) شايكين , جوزيف : حضور الممثل , تر : سامي صلاح , ( القاهرة : وزارة الثقافة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي , 1999 ) , ص33 .

([25])المصدر نفسه , ص51 .

([26]) بوبوف , الكسي : التكامل الفني في العرض المسرحي , تر : شريف ساكر , ( دمشق منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي 1976 ) , ص35 .

([27]) بروك , بيتر : النقطة المتحولة , تر : فاروق عبدالقادر , ( الكويت , المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب , سلسلة علم المعرفة ( 154 ) , 1991 ) , ص19 .

([28]) المصدر نفسه , ص26 .

([29]) ملروز , سوزان : اتجاهات جديدة في المسرح ( علامات النص الدرامي ) , تر : ايمان حجازي , ( القاهرة : مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي , 2000 ) , ص354 .

([30]) جوردن , هايز : التمثيل والاداء المسرحي , تر : محمد سيد , ( القاهرة : وزارة الثقافة , مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي , 1999 ) , ص21 .

([31]) جوردون،هايز،مصدرسابق , ص21 .

 

 

د. سامي الحصناوي


التعليقات




5000