..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


هذا هو بودليرنا : حوار مرجعيتين وأفقين

د. فاتحة الطايب

يبدو لنا أن بعض حقيقة  ترجمة مصطفى القصري1 لقصائد من ديوان

" mal du fleurs Les  "

للشاعرالفرنسي شارل بيير بودلير2،  يمكن أن تنجلي من خلال البحث في العلاقة بين اللغة والهوية عبر التفاعل مع الآخر ،ولمقاربة هذه الترجمة نتبنى منهجية أنطوان بيرمان كما ناقشناها - بمراعاة متطلبات النسق الثقافي العربي والكتابة بالعربية - في كتاب : "الترجمة في زمن الآخر" 3، مما سيسمح لنا بدراسة مشروع وأفق الترجمة في علاقتهما بالإنجاز الترجمي ، ويجنبنا تتبع الأخطاء المتوهمة أو تخطيء الاختيارات الجمالية و الأسلوبية المبررة   .

1 - الأفق والمشروع :

ترجم القصري  قصائد من ديوان بودلير  المذكور،ما بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين، أي في ظل سيادة حساسيتين فكريتين مختلفتين شكلتا معيار اختيار النصوص المترجمة إلى العربية تعميما .

ففي سنة 1964 أصدر القصري ترجمته ل53 قصيدة من ديوان بودلير،و 13 قصيدة نثرية من كتابه " proses en Poěmes" ، تحت عنوان : "الشاعر بودلير، حياته ، زهور الألم ، قصائد نثرية."

و إذا كان هذا العنوان الطويل يوحي بانخراط القصري في سياق تقليد عربي ،اهتم بالتعريف بالشاعر وترجمة حياته قبل ترجمة شعره 4، بصفة بودلير متصلا أوثق اتصال  بديوانه .... إلى الدرجة التي تم فيها اعتبار" كل لفظة من قصائده قطعة من قلبه ، وفلذة من كبده ، وقطرة من دمه ..."5 ، فإنه يؤشر في المقابل إلى عدم انخراط ترجمة القصري ضمن أفق الترجمة الذي ساد  في مغرب الخمسينيات والستينيات وإلى حد ما السبعينيات من القرن العشرين ، والذي تميز بسيادة وعي إيديولوجي حاد ساهمت في تشكيله عوامل سياسية داخلية وخارجية.6

ذلك أن ترجمة القصري ،وهي تنقل القارئ المغربي من أجواء الشعر الرومانسي والواقعي -التي جعلته الترجمات الشعرية التي انطلقت في الثلاثينيات من القرن العشرين  يلجها - إلى أجواء الشعر الرمزي ،خلقت أفقها الخاص الذي لم  يتصادم مع الأفق  السائد ، بخلاف النص الأصلي  الذي تعرض للمصادرة في حياة بودلير(1857) وبعد وفاته(1868) بسبب صدمه لأفق القارئ البورجوازي !

إن اختيار القصري ،الذي زاوج بين الإبداع والترجمة، لشعر بودلير بالذات في هذه الحقبة ، يجعل ترجمته استثناء من بين استثناءات أخرى خضعت لقانون مختلف هو قانون التواطؤ الجمالي والمعرفي مع المترجم  له ، كما تؤكد ذلك مقدمة الترجمة التي ضمنها المترجم تفهمه وإعجابه الكبير بالموهبة الفذة لصاحب ما أسماه "بالصرح المتين "،والتي انتقد فيها انتقادا شديد اللهجة موقف الأكاديمية الفرنسية منه7 .وقد اختارالقصري ترجمة شعر شاعر الحداثة ،الذي غير معالم الشعر الفرنسي والأوروبي تعميما ،بهدف الرقي بالشعر المغربي الحديث والمساهمة في حل أزمة التحديث التي يعيشها : ففي زمن كانت فيه حركة التخلص من قيود  القافية والعروض التقليديين قد بدأت تفرض وجودها في الساحة الثقافية المغربية ، متأثرة في ذلك بحركتي الترجمة والتجديد في المشرق العربي ، أصابت النتائج مترجمنا بخيبة أمل : "ما عليك سوى فتح جريدة أو مجلة ما ( يقول)، لتقرأ أشياء لا تفهمها على الإطلاق " 8 .

وإذا كانت سنة الترجمة هي نفسها السنة التي عرف فيها الشعر المغربي الحديث ،تراكما نسبيا على مستوى الكم مقارنة بسنوات الخمسينيات التي كان فيها الإنتاج ضئيلا وتقليديا في المجمل رغم مضامينه النضالية ، فإن هذا التراكم لم يفرز بالفعل سوى بعض الشعراء الجيدين الذين أثروا بأصالة إنتاجهم المجدد في المشهد الشعري المغربي ،من قبيل: محمد المجاطي ، محمد السرغيني ، ومحمد الخمار الكنوني  .   

 و تجدر الإشارة  ، في هذا السياق  ، إلى أن ترجمة القصري جاءت بعد عشر سنوات من ترجمة الشاعر المصري إبراهيم ناجي(1954) ،مما يطرح سؤال علاقة اللاحق بالسابق  ومبرر تعدد الترجمات للنص الواحد ، في نسق متعطش للتلاقح مع الآخر عبر تنوع نصوص الترجمة تداركا للتأخر التاريخي؟

يبدو من خلال إشارة القصري لترجمة إبراهيم ناجي ،في مقدمة ترجمته ، أنه غير راض عن هذه الترجمة 9.وإذا كان  " بيان الترجمة "- حسب تعبير سعيد علوش 10 - لا يسمح للقارئ بأن يجزم بقراءة القصري لترجمة سابقه أو باكتفائه بالسماع عنها وبعنوانها ،كشأنه مثلا مع ترجمة أدونيس لسان جون بيرس ،  فإنه يكشف في المقابل إحاطة القصري  بالروح البودليرية ومعرفته الموسوعية، ليس فقط باللغة والثقافة الفرنسيين وبالاتجاهات الشعرية والفنية الفرنسية ،وإنما بالثقافة العربية الكلاسيكية والإنسانية كما توحي بذلك المقارنات التي يعقدها في مقدمته والتي يستحضر فيها رباعيات عمر الخيام و مدارج السالكين لابن القيم الجوزية ، وسير حياة الحسن بن هانئ وصيحة المعري ..... ، والتي استنادا إليها  أي( المقارنات ) يمكن استخلاص موقفه الترجمي .

هكذا، يعلن القصري نفسه مؤسسا "محترفا" للمدرسة المغربية في ترجمة الشعر، والتي ظل رائدها البارز  ، في مقابل المدرسة المشرقية التي ستتجاهل بداية جهده الترجمي التأويلي لتصفه بعد ذلك بالتجزيء دون القدرة على مناقشته 11، أو لتهاجمه هجوما نرجسيا تفاديا للإحراج ،عندما وجدت نفسها في موقف دفاع عن النفس 12  .

في سنة 1981 أعاد القصري نشر ترجمته لبودلير، بعد أن أضاف إليها عشر قصائد تحت عنوان: "بودلير ، زهور الألم ، قصائد نثرية "13 . وقد صدرت الطبعة الثانية المزيدة في زمن تزايد فيه وبشكل ملحوظ  نشر الدواوين الشعرية ( قصيدة التفعيلة والقصيدة النثرية) ، و ظهرت فيه أسماء شعرية جديدة إلى جانب الأسماء القديمة  دون أن يتغير تقييم القصري للكيف . كما جاءت هذه الترجمة في ظل سيادة حساسية مختلفة عن الأولى ، لا نستبعد أن تكون ترجمات القصري( بودلير /  سان جون بيرس / فاليري ) قد ساهمت مع ترجمات أخرى  في تشكلها ، وتتسم هده الحساسية بأسئلة وتوقعات مختلفة تكاد أن تشكل قطيعة مع الأسئلة والتوقعات السابقة .... مما اقتضى بالضرورة تحولات في أفق الترجمة حيث الانكباب على نصوص الطليعة الأدبية 14. لقد ترجم القصري إذن،  63 قصيدة من مجموع 157قصيدة من طبعة ديوان "أب الحداثة "الصادرة سنة 1861 ، والذي اكتسب ، أي الديوان، شهرة عالمية ليس فقط بفضل قيمته الجمالية العالية وخلخلته للمعايير السائدة في عصره ، وإنما أيضا بفضل حياة صاحبه المتقلبة .

كيف اجتازهذا المترجم المغربي امتحان  الغريب إذن؟

كيف واجه النص الشعري حيث لا انفصام بين الدال والمدلول ؟ وعوالم الشاعر الصادمة والمخلخلة لأفق انتظار معاصريه ؟ ولغته التجريدية المكثفة بصورها الجديدة والغريبة ؟ في مقابل : أفق المتلقي العربي للترجمة ، وخصوصيات لغته والنسق الثقافي الذي ينتمي إليه ؟

أسئلة سنحاول الإجابة عنها، إجمالا ، بالتركيز على نماذج دالة من القصائد المختارة للدراسة، وهي : نشيد حزين ، نشيد الجمال ، النعمة الإلهية ، الشرفة ، الصدى ،عروس الشعر المرتزقة ، السم ، الجيفة .وتندرج أغلب هذه القصائد ضمن القسم الثاني من الديوان (قلق وجودي ومثل عليا )، كما تمثل مرحلتين زمنيتين مختلفتين من حيث الترجمة ، حيث حرصنا على الجمع بين القصائد التي ترجمت سنة 1964  وتلك المترجمة سنة.1981

                 2- الإنجاز ( الروح البودليرية / خطاب الهوية)

لو كان بالإمكان تصنيف ترجمة القصري لأشعار بودلير ، ضمن فهرس كتاب بيرمان " امتحان الغريب" لوضعناها بدون تردد ضمن عنصر" الوطني و الأجنبي".لأن ترجمة القصري، تعكس بشكل متكامل تصوره الخاص للغة والشعر ولعملية التثاقف مع الآخر : فإذا كان مشروع الترجمة يتلخص في المساهمة في تكوين ذائقة عربية شعرية حديثة راقية ،عبر نقل قمم الحداثة الشعرية الغربية ، فإن تحقيق هذا المشروع يستند إلى قناعتين راسختين :

-قناعة الانتماء إلى ثقافة لها وزنها ، قادرة على الدخول في حوار بناء مع الآخر في حالة وجود محاور موسوعي .

-وقناعة امتلاك لغة "هي اليوم ،خلافا لما يدعي البعض ، أداة سليمة (كما كانت من قبل أداة سليمة ) لترجمة أعمق المشاعر وأرق الإحساسات" 15، ووظيفة المترجم حمايتها من الدخيل . مما يحيل على  نوع من الخطاب النهضوي العربي (البستاني مثلا )،الذي يترجم في العمق واقع الحال بين الماضي والحاضر .

وتتجسد العلاقة المتشعبة والمتكاملة بين الوطني والأجنبي في ترجمة القصري لقصائد بودلير ، في حرصه على الحفاظ على" الروح البودليرية "، في مقابل  تحاوره مع هذه الروح بالارتكازعلى القرآن وعلى التراث الثقافي والشعري الإسلامي، إضافة إلى التراث المسيحي والثقافي العربي ما قبل الإسلامي :

2-1 الروح البودليرية :

..." وها هي بعض القصائد الشعرية.....ترجمناها إلى العربية عن ديوان بودلير .... وحاولنا كل جهدنا أن نضفي عليها تلك الروح البودليرية الخاصة ،وذلك العطر والنغم والنور الذي يشتم أو يسمع أو يرى من خلال ديوان الشاعر الرجيم "16 . بهذه الكلمات ينهي القصري تقديمه لترجمته ، مهيئا القارئ لتلق خاص لترجمة تواجه فيها ذات  حاملة لإرث الجماعة التي تنتمي إليها، نصا أجنبيا حاملا لهوية مختلفة مع ما يمتاز به هذا النص من ابتكار وتجديد .

وقبل أن نتوقف عند  مفهوم الروح البودليرية ، نشير بداية ونحن نتأمل كلمة "النغم" في كلمة القصري  إلى إجماع النقاد الذين تناولوا ترجمته  لبودلير،على محاولته خلق جو شاعري 17 وإيجاد موسقة معجمية 18، باستثمارالنظام الصوتي العربي فنيا "كآلية من آليات الإنقاذ والتعويض عن الخسارة  "(العروضية ). 19

أما  الروح البودليرية فيمكن تلخيصها تعميما في رؤية بودلير الجديدة للعالم، التي تترجمها حدة انتقاده للايديولوجيات السائدة ،والتي كون من خلالها خطابا شعريا جديدا يتميز باختلاف استعماله للغة وهو اختلاف يرتكز على الابتكار الصادم لأفق متلقيه ابتداء بالمعجم وانتهاء بالصور والتيمات .

 ولا نظن أن أحدا ممن قرأ قصائد بودلير سيتيه عن الروح البودليرية في ترجمة القصري، ولكن في مقابل هذه الروح التي تسكن الترجمة  ستواجهه الروح" القصرية "إن جاز التعبير . حيث يجد قارئ ترجمة القصري نفسه أمام شعر يمتح من الإرث الاغريقي /اللاتيني/ المسيحي،  بنفس القوة  التي يمتح بها من الإرث العربي الإسلامي وما قبل الإسلامي، في لغة عربية رصينة تحيل على مشروعه الترجمي . وبهذا المعنى تصبح الغيرية محك الهوية ، والترجمة المجال المميز لملاحظة الكيفية التي تعرف بها  الذات الجماعية نفسها تجاه وضد "ما ليس هي تماما ".

2- 2 الغيرية محك الهوية :

2-2-1-ذاكرة اللغة :

حينما كتب بودلير قصائده لم يكن مشكل الهوية بصفتها ظاهرة لغوية يقض مضجعه ،فباريس آنذاك كانت عاصمة العالم والفرنسية سيدة عصرها . إن ما كان يشغله ،كما أسلفنا، هي الفكرة التي تتشكل داخل الخطاب بصفته لغة مضافا إليها تميز استعمالها ، أي العلاقة بين الخطاب والثقافة .

وبما أن ديوان " زهور الألم"  شاهد قوي على محاولة إخراج الذات من القوقعة الرومانسية السوداوية النزعة  ، ومحاولة جادة لجعل الشعر يستوعب ما هو محرم ومكبوت ، فهو يعتبر،حسب فالتر بنيامين ، أول عمل يوظف كلمات ذات مصدر ليس فقط  نثري، وإنما أيضا مديني/ حضري في الشعر الغنائي ،دون أن يتحاشى بالمناسبة التعابير المبتكرة والتي كانت تثير الانتباه بوهجها الجديد العاري من  الطلاء الشعري الموروث .

وبهذا الشكل ، حسب بنيامين دائما، تم  ابتداع معجم غنائي انبثقت داخله فجأة  أليغوريا غير متوقعة ،وجد كلوديل  الصياغة المناسبة للتعبير عنه ( أي المعجم ) في قوله : "بودلير  خليط رائع من الأسلوب الراسيني  والأسلوب الصحفي لزمنه "20 . وينقسم هذا المعجم الغنائي المحدود بالنظر إلى كلماته المفاتيح إلى ثلاثة أنواع :معجم مجرد ، ومحسوس، وغرائبي .21 وكل هذه الأنواع من المعجم ، مع سيطرة المعجم المجرد ( إثم ، سأم ، ....) كما هو الحال عند الشاعر ،نجدها حاضرة في ترجمة القصري .

 إلا أنه  في مواجهة الذات للغيرية ، تطرح الترجمة مسألة اللغة بطريقة غير ملتوية ، فالعلاقة بين اللغتين الفرنسية والعربية حديثا علاقة قوة تعميما، أي علاقة سيطرة وتبعية. والمترجم واع بوضعية لغته وثقافته على مستوى الواقع ، وبوضعية اللغة والثقافة التي يترجم عنها.

حيث لا يسع المتأمل في ترجمة القصري - الذي يشكل رابط القوة بين اللغة والهوية هاجسه الأساس  وهو يبحث عند الآخر عما ينقصه( شعر حديث جيد  ) - (لا يسع المتأمل) سوى ملاحظة مدى رصانة اللغة التي كتبت بها ، في نفس الآن الذي يلاحظ فيه استعمال وحدات معجمية مستوحاة من ذاكرة اللغة :

 نقع ، ......،القصيع ،....(النعمة الإلهية):

Puisque tu m'as choisie entre toutes les femmesوبما أنك اخترتني يا رب من بين نساء العالمين

Pour ȇtre le dégout de mon triste mari,لأصبح مصدر سخط زوجي المسكين   

Et que je ne puis pas rejeter dans les flammes,وبما أنني لا أستطيع أن ألقي إلى النار

Comme un billet d'amour , ce monstre rabougri , بهذا الوحش القصيع ، كما يلقى برسالة الغرام

...................

ولا يعتبر توظيف القصري لهذه الوحدات المعجمية الكلاسيكية وليد فترة الستينيات حيث كان الشعر يحن إلى عهده القديم ، فالقصائد التي درسناها مزيج من ترجمته الأولى والثانية ، كما أن هذا التوظيف لا يقتصر على ترجمة شعر بودلير لأن تجديد وجه اللغة القديم يطالعنا في جميع ترجماته الشعرية ، التي تعود إلى الماضي الذهبي للغة في سبيل إنجاز خلق شعري رفيع .

ويهدف  البحث الواعي في أعماق اللغة ، وتحميل الفكر البودليري في قوالب لفظية تبعث فيها الحياة من جديد ،إلى حماية الذات باستعادة قوة اللغة  ، كرد فعل تجاه الغزو الذي تتعرض له العربية في قعر دارها .وبهذا تربط عملية التحصين هاته ، التي يوحي مظهرها بأنها ذات بعد سلفي ،بين قوة الثقافة وقوة اللغة .ولعل المفارقة تكمن في تحميل الألفاظ القديمة بالدلالات الجديدة ، أي في الخضوع لامتحان الأجنبي عبر تأصيل الكيان !. 

2-2-2 - سلطة القرآن:

يرد الإرث الديني الإسلامي بكل ثقله في ترجمة القصري، على مستوى المعجم و الأساطير خاصة ،كما سيتضح من هذه الأمثلة التي سلكنا فيها طريق الانتقاء :

  1- تتميز قصائد بودلير بتداخل النص الإنجيلي عبر توظيف معجمه الخاص مع المعجم الوثني، وإذ يعبر هذا التداخل الذي أثرى لغة الكتابة الشعرية عن الجذور الثقافية للشاعر ممثلة في الإرث الإغريقي/ اللاتيني / المسيحي ، فإن طبيعته تعكس رؤية الشاعر المتميزة و عالمه المغلق المفتوح ، فوجود الإله في مقابل الآلهة ،والمسيح والراهب في مقابل الكاهنة ، وجود للوحدة في مقابل التعدد ،وللحاضر المسيحي الممتد في الزمن ، إلى جانب الماضي الوثني الحاضر في الذاكرة بشكل مخلخل وصادم لأفق انتظار القارئ.

هذا النوع من  التفاعل بين الإرثين المسيحي والوثني نجده حاضرا أيضا في الترجمة، في محاولة من المترجم لنقل الجو الشعري البودليري إلى القارئ العربي . إلا أن وجوده تضاءل عما هو عليه في الأصل ، ليفسح المجال لحضور أقوى في لغة الترجمة هو حضور الإرث الديني الإسلامي عبر توظيف بلاغة القرآن، حيث يمتص المترجم  النص القرآني  ليعبر من خلال وحداته عن معنى من معاني النص الأصلي  ،وقد شمل هذا الأسلوب أغلب القصائد التي ترجمها لبودلير ليصبح فيما بعد أسلوبه الخاص في الترجمة الشعرية .

2- ويتخذ استحضار المترجم للنص القرآني طابعين ، كما سيتضح من الأمثلة الآتية التي تعتبر نماذج شاهدة على كيفية توظيف القصري للنص القرآني في الترجمة :

أ-استبدال وحدات معجمية مسيحية بوحدات قرآنية ( النعمة الإلهية):

Je sais que vous gardez une place au Poȇteأعلم يارب أنك أعددت مكانا للشاعر             

 Dans les rangs bienheureux des saintes Légions,  في صفوف السعداء من أصحاب الميمنة،

في مقابل الوحدة المعجمية المسيحية المركبة " Lėgions saintes "، وتعني الأفواج المقدسة التي اختارها الله لدخول الجنة ، وظف المترجم الوحدة القرآنية أصحاب الميمنة  (الآية8/ سورة الواقعة) ،وتعني:" قوم عن يمين العرش وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم وهم جمهور أهل الجنة ". وقد حقق هذا الاختيار للمترجم نقل كثافة الحمولة الدلالية للبيت الشعري الأصلي،  في تواصل مع أفق المتلقي العربي المسلم .

 ب-اقتباس وحدة معجمية قرآنية لتحل محل وحدة فرنسية لاتحيل على أية دلالة دينية، وهذا هو الطابع الغالب على ترجمة القصري الذي يوظف البعد السيكولوجي والسوسيولوجي للترجمة وهويدخل في حوار مع النص الأصلي لصالح ثقافة الترجمة وقارئها  ،وتتم هذه العملية على الشكل الآتي :

-استحضار سورة واحدة في القصيدة المترجمة ، كما في قصيدة" الشرفة  " التي وظف فيها الوحدة المعجمية "الكوثر"، التي تحيل على سورة الكوثر المكية لتكثيف دلالة النص الأصلي ، حيث تؤدي هذه الوحدة التي تدل على نهر في الجنة معنى الرقة والعذوبة التي تؤديهما كلمة  "douceur " في الأصل:

Et je buvais ton souffle , Ô douceur ! Ô poison !فارتشفت الكوثر والسموم من زفراتك ،

- استحضار سورتين وأكثر في القصيدة الواحدة ، كما في قصيدة "الصدى"، التي وظف فيها  قالبين استنساخيين  ( الميسر والأزلام (سورة المائدة)، وتبت يداك (سورة المسد) ) خالقا بدلك انزياحا ثقافيا - وليس دلاليا -عن النص الأصلي:

-Infâme à qui je suis lié  أيتها الماكرة التي ربطت بها مصيري  

Comme le forçat à la chaîne ,كالسجين بالأغلال

comme au jeu le joueur tȇtu,كالمقامر العنيد بالميسر والأزلام

Comme à la bouteille l'ivrogne,كالمدمن بالمدام

Comme au vermines la charogne,كالجيفة بالهوام،

-Maudite, maudite sois- tu !تبت يداك ، تبت يداك .

•-                                        2- الأسطورة :

يعثر المتأمل في  شعر بودلير على توظيف هام للأساطير اليونانية كأسطورة بان وبوري وشارون ، ولأساطير مستمدة من التوراة كأسطورة قابيل وهابيل،  بالإضافة إلى أساطير أوروبية كأسطورتي دون جوان الإسبانية ومصاص الدماء الاسكندينافية ، وقد أدى هذا التنوع في مصادر الأسطورة إلى تكثيف  لغة بودلير الشعرية وإغنائها .

ومن بين الطرق التي سلكها القصري لترجمة الأساطير الموظفة في الأصل ، استبدال الأسطورة بما يعادلها دلاليا  في القرآن ، كما يتضح من المثال النموذجي الآتي المقتطف من قصيدة " النعمة الإلهية " :

Et dans tout ce qu'il boit et dans tout ce qu'il mange ويجد في كل ما يأكله ويشربه

Retrouve l'ambroisie  et le nectar vermeilطعم المن والسلوى. .

من أجل تصوير النعيم الخاص بالطفل / الشاعر ، شبه  بودلير مذاق طعامه وشرابه بمذاق طعام وشراب الآلهة الطيب ، من خلال توظيف الأسطورة اليونانية التي تقول إن آلهة الأولمب جعلوا من "nectar " ،  وهو سائل لذيذ قاني اللون ، ومن "vermeil" ، وهي عشبة رحيقية تفوق العسل حلاوة ، طعامهم وشرابهم حتى يضمنوا لأنفسهم الخلود  .

وقد  استبدل القصري في ترجمته المرجعية الثقافية التي تستند إليها الأسطورة  الغربية ، بمرجعية ثقافية مغايرة عبر توظيف مستنسخ قرآني يؤدي معنى تقريبيا  : "المن والسلوى" (الآية 55 من سورة البقرة )، فبدل طعام وشراب الآلهة يجد القارئ نفسه أمام طعام وشراب اختارهما الله الواحد، حيث تدل  "من "على الطعام الذي اختاره الله لبني إسرائيل تكريما لهم ، في حين تدل السلوى على العسل .

ج - التراث الديني المسيحي والثقافي ما قبل الإسلامي:

   رفد القصري أيضا من التراث العربي ما قبل الإسلامي  لأداء بعض الصور وتقريب بعض الأساطير :

- فمن بين أساليبه في ترجمة الصور البودليرية ، استبدال صورة بأخرى في اللغة الهدف متعارف عليها ، موليا بذلك اهتماما كبيرا لثقافة القارئ  ووسطه ، مع الإشارة إلى أن قارئ القصري الضمني قارئ واسع المعرفة و متجذر في تربته العربية /الإٌسلامية قدر انفتاحه على الثقافة الإنسانية ( عروس الشعر المرتزقة ):

Il te faut, pour gagner ton pain de chaque soir ,حومي بالمبخرة كالعبادي الصغير،

Comme un enfant de chœur , jouer de l'encensoir, ورتلي آيات لا تؤمنين بها،(.......)

Chanter des Te Deum auxquels tu ne crois guère, !إذا أردت اكتساب رغيفك اليومي.

ترتبط الصورة المتحققة في النموذج الأصلي -عبر تشبيه عروس الشعر بصبي جوقة -ارتباطا وثيقا بالديانة المسيحية ، حيث يعني صبي جوقة الصبي الذي تكون وظيفته خدمة الراهب أثناء الحفلات الدينية . ومن أجل تقريب الدلالة الدينية  للصورة من القارئ العربي ، بحث القصري في أعماق التراث الديني العربي عن مقابل يؤدي معناها فوقع اختياره على "العبادي" ،وتدل كلمة عباد التي اشتقت منها عبادي على " قوم من قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية ، فأنفوا أن يتسموا بالعبيد وقالوا: نحن العباد والنسب إليه عبادي كأنصاري" .22

والملاحظ أن الترجمة المغربية ،وإن اختلفت عن الأصل في التفاصيل المتعلقة بطقوس كل ثقافة على حده ، احتفظت بالدلالة الدينية للصورة الشعرية المتمثلة  في ارتباط المشبه به الوثيق بالنصرانية مع تحقيق التواصل مع القارئ العربي المسلم والمسيحي على السواء بتذكيره بجزء من ماضيه . -أما بالنسبة للأسطورة ، فمن بين أساليب القصري في ترجمتها استبدال أسطورة غربية بأسطورة عربية عبر التنقيب في التراث الأسطوري العربي ، كما سيتضح من هذه الأبيات المأخوذة من قصيدة " الصدى "،والتي استبدل فيها المترجم الأسطورة الاسكندينافية " Le  "vampire ، التي تفيد أن شبحا يخرج من قبره ليلا ليمتص دماء الأحياء ، بالأسطورة العربية "الصدى" التي نشأت عن اعتقاد يقول :" ليس من ميت يموت ولا قتيل يقتل إلا ويخرج من رأسه هامة ، فإن كان قتل ولم يؤخذ بثأره ، نادت الهامة على قبره : اسقوني ، اسقوني فإني صدية "23 :

Imbécile !- de son empireأيها الأبله البليد    

Si nos efforts te délivraient ,لو أعتقناك من سلطانها

Tes baisers ressusciteraient  لبعثت قبلاتك من جديد    

Le cadavre de ton vampire ! جثة صداك الذي يستسقي دمك

ومن الملاحظ أنه باختلاف المرجعية الثقافية  للأسطورتين ، اختلفت دلالتهما الاجتماعية ، إذ تحيل الأسطورة العربية على مجتمع قبائلي جاهلي حكمه قانون الثأر قبل الإسلام ،في مقابل الأسطورة الاسكندينافية التي تحيل على مجتمع قروسطوي تهيمن عليه  الكنيسة وتحكمه الخرافات والأساطير  .

د- التراث الشعري :

في مقابل التراث الديني والثقافي يحضر التراث الشعري في ترجمة القصري، مراعاة لذوق القارئ  كما سيتضح من هذا المثال/ النموذج المقتطف من قصيدة "السم ":

Tout cela ne vaut pas le terrible prodigeكل هذا لا يساوي المعجزة المهولة

De ta salive qui mord, معجزة ريقك الأخاذ

في البيتين الأصليين شبه بودلير ريق ماري دوبران ،المرأة  الثالثة في حياته بعد جين ديفال ومدام ساباتيي ،  بسم أفعى -كما تدل على ذلك القرينة "لسع "- ويستجيب هذا التشبيه للتسلسل الدلالي للقصيدة المعنونة ب "السم "، والتي وصف فيها بودلير معشوقته قائلا :

كل هذا لايساوي السم الفاتك

المتقاطر من عينيك الخضراوين ، من بحيرة مقلتك 

إلا أن القصري ضحى بانسجام المعنى العام للقصيدة  باقتراحه " ريقك الأخاذ"  بدل "ريقك الذي  يلسع" ، مستهدفا بذلك القارئ العربي الذي لن يستسيغ كثيرا تشبيه ريق المحبوبة بسم أفعى وهو الذي ألف تشبيهه في التقليد الشعري العربي بطيب الأشياء  : الخمر / العسل ...

في هذا السياق، نتساءل" إلى أي حد يخدم إبداع النص بالمقاييس الجمالية التي يتقبلها .... الذوق في اللغة المترجم إليها عملية التفاعل بين ثقافتين ؟"24، وخاصة عندما يتطلب ذلك أحيانا خرق المعنى العام للقصيدة  المترجمة . مع العلم ، أن مراعاة ذوق القارئ على حساب النص لم تكن قانونا يحكم ترجمة  القصري - وإنما كان القانون إجمالا المساهمة  في تأسيس ذوق جديد بمراعاة العمق الثقافي العربي - والدليل على ذلك ترجمة القصري لقصائد تشتمل على صور صادمة ليس فقط للقراء الفرنسيين زمن بودلير، وإنما أيضا للقراء المستقبلين للترجمة بمن فيهم كاتبة هذه السطور في الألفية الثالثة !

 

ولعل أوضح مثال  على ذلك ترجمة الصور الموظفة في قصيدة "الجيفة " ، وهي من أكثر القصائد التي جعلت الناس "يعيبون على بودلير النتونة التي تتبخر من شعره"25 ، والتي دافع عنها القصري (أي القصيدة ) قائلا : "ولكن بودلير فنان أراد عن طريق فنه  أن يرسم صورة مرة،  ولكنها واقعة، لما يؤول إليه الجسم من فناء وتلاش ولو كان في أحسن تقويم"26 .

3 - تركيب

استنادا إلى ترجمة القصري لقصائد من ديوان بودلير( بل وإلى كل ترجماته الشعرية ) ، يمكن أن  نؤلف كتابا يكون عنوانه:" حضور المترجم " لنعارض به العنوان:" اختفاء المترجم" الذي وسم به لورانس فينوتي  كتابه المشكك  في مدى شرعية الهامشية المفروضة على الترجمة بالتركيز على الثقافة الأنجلو- أمريكية .27 ولا شك أن منظري وممارسي الترجمة "ما بعد الاستعمارية "، سيهللون وهم يقرؤون الكتاب المزمع تأليفه- بالعربية أو بلغات أجنبية - لإنجاز القصري الترجمي، الذي يعارض بواسطة الفعل اختفاء المترجم وينتقد هامشية الترجمة في مقابل سطوة "الأصل" ، مركزا بذلك على تساوي الثقافات واللغات مبدئيا وعلى ضرورة التفاعل وإمكانيته على قدم المساواة .

 وتحيلنا هذه الترجمة  ،التي يمكن تصنيفها في خانة الترجمة التواصلية / التناصية ، والتي تم فيها ربط القارئ العربي  بالشاعر الفرنسي وربط الشاعر الفرنسي بالقارئ العربي بشكل مثير للسؤال أحيانا  ،( تحيلنا )على أن الترجمة عملية معقدة تتوسل بكل الأبعاد المعرفية ، السيكولوجية والسوسيولوجية لتحقق الحوار مع" الأصل" والتواصل مع القارئ الهدف في سبيل الاندماج في النسق الأدبي والثقافي المستقبل الذي تسعى إلى تطويره وإغنائه.

الهوامش

 1-1923/ 2009 .

2-1821 / 1867.

3- المركز القومي للترجمة ، القاهرة، 2010

4 -سعيد علوش ، شعرية الترجمات المغربية للأدبيات الفرنسية ، منشورات جامعة المالك السعدي  ،1991، ص222

5-  مصطفى القصري ،مقدمة الطبعة الثانية للترجمة ،ص39

6 -.انظر :رشيد بنحدو ،بين الترجمة والحساسية الفكرية أو حين تصبح الصدفة ضرورة ، ضمن الترجمة في المغرب: أية وضعية ؟ وأية استراتيجية ؟ ، منشورات وزارة الثقافة ، 2003، سلسلة ندوات ،  ص 117 

7- التقديم ، ص28

 8-                        kamel El Fazaa : Cultivons notre sensibilité ( Entretien avec ElKasri ) , le Maghreb , n 22, 1981,p 53

9- التقديم ،ص40

10 - سعيد علوش ، م.س .

11 - خليل خوري  كمثال ( شعرية الترجمات المغربية ، 224ص ).

12 - رد فعل أدونيس (نفس المرجع ، ص307)

13 -الدارالتونسية للنشر ،1981

14 -رشيد بنحدو ،م.س.، ص118

15 - مصطفى القصري ،التقديم ، ص45

16- نفسه، ص45

17- حميد لحميداني ، الترجمة الأدبية التحليلية (ترجمة شعر بودلير نموذجا )، منشورات مشروع البحث النقدي ونظرية الترجمة ، ط1، يونيو ،2005،ص100

18 - سعيد علوش ،ص223

19 بول ريكور، عن الترجمة ، ترجمة حسين خمري ،الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ،2008 ،ص16

20- Antoine Berman,Pour une critique des traductions,Eds Gallimard, 1995,  p209

21 -Marcel Galliot, les Fleurs du mal  poèmes choisis, Librairie Marcel Didier ,Paris, 1961, P6

  22- ابن نظور  ،لسان العرب المحيط، دار لسان العرب ، بيروت ، المجلد الثاني ، ص 665

23 - محمود شكري الألوسي ، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب ، شرح وتصحيح محمد بهجت الأثري ، مطابع دار الكتاب ، مصر ، الجزء الثاني ، ط3،ص 311

24 - نذير العظم ، الماسة وإزميل الترجمة ، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق ، 2004 ، ص4

25- تعقيب القصري على بعض القصائد، الطبعة الثانية من الترجمة، ص259

26 - نفسه ، ص259

27 - لورانس فينوتي ، اختفاء المترجم( تاريخ للترجمة)،ترجمة سمير طلبة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2009 ، ص7.

 

 

د. فاتحة الطايب


التعليقات




5000