..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عودة النهر الذي كان مهموم - من مذكرات قرية جنوبية / 1

جواد المنتفجي

ربما سنلتقي مجددا..إذ ذاك سنرى من ذا الذي يستقبل الاخر بحرارة ؟ 
لأسابيع خلت ، والحركة كانت غير اعتيادية في القرية الواقعة بأطراف إحدى المدن الجنوبية ، فمنذ الصباح الباكر والكل هناك راحوا يتسللون إلى الجانب الأخر منها عبر جسر المشاة الوحيد الذي يربط نهايات مسطحات الاهوار بمشارف البيوت العائمة ، وبحركة دائبة اخذ الفرح الممزوج بهالات النصر يكلل هامات الجميع لابتهاجهم بعودة الماء إلى مجرى النهر الذي جف لسنين مضت .. أما البيوت الجديدة التي كان قد ابتناها ممن عاد إلى القرية مؤخرا ، فقد كانت اغلب جدرانها مصنوعة من البردي المضغوط والموشاة سقوفها بالسعف والقصب ، ولذا فلا عجب من أن تجد دهشة فوق وجه ناظريها بعد أن اتخذت لها امتداد جديد لتصف وبشكل جميل على طول خاصرتي النهر وكأنها أرجعت أليه انبهاره الأزلي الذي كان قد اختفى فترة ليشع مرة أخرى متباهيا بنسوغ البردي الآخذة أفول أزهاره بالتنامي والممتشقة طبقات الأعالي باطراد ، حيثما كان المحبين ومنذ سالف القدم يركبون زوارقهم ليلتقون عند حافات ممراته المائية ، مترنمين بأصوات الناي ورجع هديل قطيع الطيور القادمة من باقي أصقاع المعمور ليزرعوا بين حزمه بذار التلاقي وفسائل عشقهم المفتون بالأرض.
تململ ( احمد) كثيرا من مكابدات جلوسه بين تكيتي عربته التي آلمه مكوثه الطويل فيها ، فهو وبعض المقربين من عشيرته كانوا قد اتفقوا على عدم مغادرة القرية رغم ما عانوه من مضايقات في أزمنة قحط العيش وعصي الكلأ الذي أصاب المنطقة نتيجة لما كانت تمارسه الزمرة الظالمة عندما قامت بتجفيف جميع روافد الأنهار والجداول الواصلة لتلك المناطق بغية إجبار ساكنيها على النزوح قسرا إلى الأماكن المجاورة بعد أن انتشرت هناك شائعات شتى عن قيام عناصر من المقاومة بالتوافد عليها ومن ثم اتخاذهم غابات الاهوار ومرا تعه الخفية كقواعد كانوا ينطلقون منها ليشنون عملياتهم الكفاحية المسلحة، وهكذا ومنذ الوهلة الأولى كانت تتوارد على باله في كل يوم فصولا من بطولات تلك الحكايات النضالية كلما كان يستوقف عربته ليستفيء تحت ظلال ما تبقى من جذع نخلة تفحمت من ظمأها الشديد ، والتي باتت بقايا إطلالتها شامخة على قارعة الطريق المؤدي ما بين القرية والنهر ليستريح هناك هنيئة .. النخلة التي حبي فيما حولها في عهد طفولته ، ثم ما فتئا ألا أن يشب ليتأرجح بسعفها أيام الصبا ، قاطفا عناقيد من عذوقها الطيبة لـ ( رحاب) محبوبته التي أعرضت عنه في أواخر سني العمر .. النخلة التي لا زال كربها يحمل حفر لرسوم قلبه وقلبها الذي تركه بدون عودة ، وها هو ألان يقضي معظم ساعات نهاره منذ مجيء الشفق إلى أن تسدل عليه ريح الليل نسائمها لتنث على ما يبس من أيامه الحلوة المرة ، منبهرا بهرج الأطفال الذين كانوا يتقافزون فرحا على زغاريد وهلال جمهرة النسوة اللواتي تجمعن بين أخاديد النهر بطوابير عفوية وهن يتمازحن بنثر الماء على وجوههن من قيعانه الباسطة ، وفجأة وعلى حين غرة ، داهمته كلمات ندية انبلجت آهاتها من بين ثلة تلك الحشود المحتفلة، وكأنها أيقظته من وهد غيبوبته بعد أن ترجلت من نادته بها من ديم سنواته المنسية ، وفي أولى خطواتها باغتته ( رحاب ) بمد يدها لتصافحه طاوية بذلك بقايا اشتياقه المعسول الذي سال لعابه من أطراف أناملها المزركشة بالحناء الجنوبية..
وكسالف أيامهما، بدأت روحيهما تنتشي حينما أضحيا يضمدان ما تيسر لهما من تباريح جراح محبتهما المطوية.. المحبة التي بدا يتهجيان مدخرات ما اجتز منها طيلة اغترابها وضياعها في زحام مدنها القصية، منذ أن حملها قطارها لينأى بها مسرعا قي أخر مرة توقف عند تلك المحطة التي كانت تقلع في منتصف مركز قريتها.. المحطة التي لطالما لعبا بين قببها سوية ، والتي لم تجد لها هي الأخرى أي اثر لحظة رجوعها مرتدية ثوب الندم بعد عذاب تلك الغيبة الطويلة، ومن يعلم ربما لم تغادره هي بعيدا، فهي كانت دوما على باله ؟ ومن ذا الذي يدري ربما كانت لحظتها قريبة منه ولكنه لم يشعر قط بوجودها ؟ وهكذا تدرجا باستفساراتهما عن أحوال بعضهما ! عن نضح فوانيس عشقهما الذاوية ، والتي أطفأتها رياح المصادفات وعلى غفلة منهما !
وعلى سالف ما تبقى من تراتيل عشقهما.. وبين الفينة ولأخرى، كانا يتهامسان بوجد بعضهما عن هواجس ابد البعاد الذي أضاع برجيهما بين مدارات أسفار لا حّد لـها غير أنات ودهما المبتور.. الود الذي بانت سحب شكوكه كالطلع على شيح شفتيها متى ما نادمها عن خيبة فخامة حبهما الميئوس منه ، وعن شطط مقايضة استسلامها لأول عابر سبيل مر بحياتها ، وما عاناه من لوم غيره من العشاق حين اصبح مهووسا ببحثه عن عناوينها من بعض معارفها الذين كانوا يراسلونها خلسة بعدما سكنت ذليلة في يباب منفاها ..
ومثل ما مضى من سالف أوانهما .. اخذ يغض لجة نظره عنها خجلا، مكتفيا بارتشاف لهفته المتناثرة عليها عندما سألته:
- عن مكائد توأم الغول الذي سوى بالأرض كل ما كان يمتشق القرية من سحر خلاب مدمرا بذلك عشش عصافير وبلابل القصب ؟
- عن من اغتالت غممه الزهور المائية التي لم تقطف بعد ؟
- عم من ذبح طيوره الصداحة بعد ما اقتنصتها الرصاصات الخائبة وقذائف المدافع الهمجية ؟
- عن أسباب خفوت مد النهر القابعة عليه ضفافه مساكن عشرتهما ، والتي لم يتبقى منها غير هياكل أبت أن لا تحني قاماتها للريح والشمس ، فامتلأت أواوينها بجماجم الحيوانات النافقة التي كان قد تركها مالكيها بعد أن هجروها عنوة ؟
وبغتة اتخذ من وطأة مسح حبات ملح دموعها الفياضة التي تزنرت بخدودها الوردية سببا للتهرب من سعير جمر ما أرادت معرفة مصدر أواره ..
ومثل باقي الأيام .. أي مثلما كان يحدث في نهايات اللقاء ، وفي اللحظة التي كانا يحسان بلظى حمتها وهي تتجمع بأوصالهم ، أفلتت راحتيها من بين كفيه بحياء لتلقف بهما حجرة راحت تمررها على متناهيات النهر لتشكل أدراجها دوائر وهمية غالبا ما كانت تلتقي دوائرها في منتهاها ، وعلى اثر ما فعلته جلست ملهوفة إلى تكية كرسيه لتكن اشد قربا منه ، وبعد مرور برهة صمت دامت طويلا ، وبشغف غير متناه سرعان ما تبادر إلى ذهنهما تراتيل بعض الطقوس وبعض عرّف وميض كنه شموع النذور اللذين كانا يمارسانه عندما كانا يصومان من مبتدأ فجره إلى أمسياته العابرة ، فيستعينان بقرابينه لنسج تمنياتهما بعيدا عن تلصص عيون العذال والأهل .. العذال الذين كانوا يعبثون فيما حولهما من اجل أن يخطفوا سرا مناديل الفتهما من غسيل حبل الهمس خلسة ليفككوا في النهاية عرّين وثاقهما ، وهكذا راحا يضحكان كثيرا حينما تذكرا كيف كانا يتبادلان بعض الأحاجي عن عبث كل ما كان يحيكونه الشماتة من مؤامرة حولهما ، إذ ذاك أعاد هو على أذهانها ما قاله لها أخر مرة :
- رغم كل ما أشيع بأخبارهم عنا.. هل ستكونين لي أبدا العمر ؟
وكسالف عهدها ردته بضحكتها الندية ، والإصرار يتدفق من ينابيع شفتيها :
- بل سأضيء لك العمر كله ، رغم انف كل ما يشيعونه القوالين عنا .
وفجأة ، وبدون أن يدريا تنادما عن كيفية انهمار شلالات عشيهما اللذين كانا مزدهيين بربات الحب الجميل بعد أن أطالتها انشطار نار قذائف المدفعيات التي باتت الليل كله تقصف القرية بلا هوادة يوم أعلنت أخر انتفاضاتها ضد ما تبقى من تلك الزمر الخائبة ، لحظة ائذ وفي أولى ساعات فجر اليوم التالي كانت( رحاب ) قد توارت عن أنظاره لترحل بعيدا عنه، مخلفة ورائها لوعة كل ما هو حزين ، وفي ذات عصر نفس اليوم ازداد الأمر سوء عندما اخفق برؤيتها في المكان الذي كانا يتوعدان فيه حيثما هي واقفة ألان ، وهذا ما أخبرته به إحدى صديقاتها المقربة لهما والتي كان قد سألها عنها لترده بحزم :
- كفاك البحث عن وهمها ! وحاول منذ هذه اللحظة نسيانها فقد رحلت راضية مع من سرقها منك عنوة !
حاول أن يغلق عينيه لينام قليلا بهدوء، إلا انه عاود ليفتحها، ثم قال لها قاطعا سلسلة أفكارها التي سرحت بها بضع ثوان:
- وماذا حل بزوجك؟
ردته بآهة طويلة، بعد أن رمت إحدى الحجارات التي كانت قد تلقفتها من الأرض فوق أمواج النهر المهموم:
- في يوم مطير .. انتحر تحت ركبتي فرسه الذي غشه عندما كان يلوذ في أحد مراهناته عليه.
- وماذا عنك أنت ؟
- فكرت بالعودة مرة ثانية إلى هنا لابني دكان أبي الذي وجدته مهدما، حيث سأعاود العمل بسف الحصير لأعيش على موارده مع صغيرتي بعدما تكبدت الكثير من العناء في حياتي الماضية، وماذا عنك أنت ؟
- كما تريني، حيث تزامنت بجذوة مقعدي بعدما اقتلعت ساقيّ أعمدة بيتنا المتساقطة على اثر قذيفة إحدى المدافع التي قصرت في مدياتها.
نفضت يديها من ما تبقى من غبار البعاد، ثم ما لبثت ألا أن تهم مترنحة بقنوطها، متسامية بكلماتها المطعمة بالوصل قبل أن تودعه:
- لنعمل سوية على أن نرتب لقاءاتنا مجددا كما فعلنا ذلك مسبقا ، فربما أفلحنا باحتمالات صومنا من جديد لنمهر بلسم فرقتنا التي يبدو أنها قد شاخت كثيرا !
قالت هذا ، واتجهت صوب الجانب الأخرى من القرية وهي تودعه بإيماءات من أطراف أصابعها ، إما هو فقد عاد مأخوذا بفرحه ليرمي بما تبقى بين يديه من حجر نحو قاع النهر.. النهر الذي دبت الحياة فيه، حيث أصرت أمواجه الرجاجة على أن تزيح الكثبان التي خلفتها غياهب رمال السنين ليزهو بعنفوان أعشابه من جديد. 

 

جواد المنتفجي


التعليقات




5000