..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رواية ضفاف البوح - 1 -

غريب عسقلاني

 إهـداء إلى

 امرأتين تتوسدان ذراع البحر 

وردة وشمس

هما أصل وصورة..

وربما أصل وأصل

 والسر يسكن مرايا ماريا التي أرضعت الفتى خريستو

 الذي فجأة ضحك.. فجأة مات.

 غريب

تنويه

سكنت شمس الرواية بناءً على رغبتها، واختارت مطارحها في الفصول، وكل ما يرد على لسانها هو من كتابتها, وقد كتب بخط مائل لدواعي التمييز فقط.

  

  - 1-

 

لو تعلمين يا امرأة..

يبدأ السؤال وشوشة خجولة.

يصبح السؤال طفلا مشاكساً يدق على قشرة الدماغ، يكبر السؤال يفترش المساحات، يتسرب إلى الخلايا، يسكن روابي الأمكنة، ويناوش هامات الأزمنة.

يصير السؤال الجغرافيا / التاريخ / الوطن..

 الجغرافيا كما الحقيقة لا يمكن غيابها، يمكن تغريبها ولا يمكن تغييبها.

 والتاريخ أجندة, دفاترها الأعراس والأفراح والنوائب التي سكنت فينا حتى ذروة اللهيب، فهل سكن الوطن فينا وأصبح ذاكرة؟!

 وهل يغادرنا يوما لأننا عاقبناه بالجحود، فلجأ طريداً إلى ذلك البرزخ السرمدي بين الأجندة والخارطة، ينعى تلوث الأيام، ويخلص لذكرى الخارطة المؤجلة بفعل فاعل على مرأى وسمع الأب والأم والأخ والصديق والعشيق..

 الوطن كالقمر، لا يخطئ مداراته، يختفي ليعود أكثر بهاءً ذاكرة يتوارثها الأحفاد عن الآباء والأجداد, فكيف يمكن إنتاج الذاكرة من جديد، في زمن كل شيء فيه معلب ومصنع لدرجة الاستنساخ وإنتاج النظائر والأشباه، وقذفها في الأسواق سلعة الحقيقة البديل.

فهل تدخل الذاكرة في معمل البدائل؟!

 ما الذي يحدث من حولنا، ونحن العراة إلا من أردية الحلم. وهل يتحول الحلم من قميص نتجمل به إلى وطن بديل، على أحدث مواصفات تكنولوجيا العصر؟

السؤال يسكننا وجعا، ونسكنه وطنا..

هي الورطة يا شمس.

هل تدركين؟!

يكبر السؤال يا امرأة.

السؤال الحارق مثل لسعة النار على بياض العين.

الواضح مثل دمعة الديك عند مولد الفجر.

المؤلم مثل خازوق يعبرنا ولا نملك غيره، نشكله عمود خيمة، ونحوله إلى بندقية تأخذنا إلى الموت في رحلة وجد, وقد نلفه حزاما ناسفا نتشظى معه لنحتل الحقيقة, نقف من الدنيا مبهوتين موهومين زادنا ممارسة الحضور، تمطرنا لعنات العالم، وتمطر علينا سحب الرغبة فنعبر/ الخارطة إلى الأرض..

 السؤال الذي بدأ وشوشه يتحول إلى أجوبة تتناسل منها ملايين الأسئلة. نحن أبناء الورطة والورطة ما زالت قائمة.

 فكيف نلملم الأسئلة في ضفيرة نتباهى بها، ونغترف إجاباتها من بطن الحقيقة؟

 مهمة صعبة دروبها شائكة والإحباط ثعلب يتربص بنا عند الزوايا, خلف المنعطفات وذئاب الكون تتحفز للانقضاض, ونحن من أخذنا على عاتقنا الرواية تسكننا الحقيقة لعنة جميلة, تميزنا لنعيد الأسئلة روايات وقصص مساحتها الوطن، وزمانها الحياة.  فكيف نقدم الواقع كما نشتهي، لا نفتات عليه كي لا نسقط في مرجل الصراخ، نرسب في الاختبار.. فالإبداع لعبة صارمة الشروط، يدركها كل من مارس الخلق بعد الخالق وقدم حياة من بعض معطيات الحياة، واستدرج الناس إلى غواية اعتماد الافتراض حقيقة مثل الحقيقة أو تزي د..

يا لها يا شمس من أسئلة تنقر على رأس الدماغ، فالكتابة في نهاية الأمر وجهة نظر..

وأنت من نظر طويلا قبل أن يدخل اللعبة على بياض الورق.

ما الذي يشغلك يا شمس عند دخولك في المقام؟

ما الذي يحتل أعماقك يأخذك إلى رهان الأجوبة؟

كيف تروحين إلى طقس الكتابة، كيف يأتيك مخاض مولود جديد، وأنت من خبر الولادة مثل جميع الأمهات.

هل هي تخليص روح من روح، عند شهقة وداع ولقاء؟

 

أي الشياطين يحاصرك وأي الملائكة تأخذك إلى بوابات العبور؟

كيف تشتعلين مع فيض الكتابة؟

وكيف تتجلى فيك الأفراح والانتصارات والهزائم على الورق؟

كيف يصير تدفق الأحزان وتفتح نوارة الأحلام..؟

إني رأيتك قبل أن آتي إليك تعبرين الوقت..ناقة تعبر الربع الخالي هودجها مزدحم بأصناف البضائع، شغلك الشاغل الوصول إلى أقرب واحة، تعرضين ما فزت به في الرحلة فصولا ًوحكايات سفر، زادك ذاكرة مضيئة تختزن تفاصيل البراءة، طفلة تعشق, تتذكر, تضخم الغربة في الغربة، تضرب هاجس النسيان خوفا من خيانة المواعيد وميراث المواسم.

إني قرأتك فيما كتبت على الورق في الأزمنة والأمكنة..  فالمكان ما زال لديك الوطن، والزمان إشارات ورموز ودلالات مفاتيح العتبات عند مدارج الأبواب الغريبة والبعيدة، كيف أنت مع الرواية؟ هي لعبة للتسلية أم غواية، أم هي الغربة في الغربة تعتصمين فيها من التيه.

هل أنت مثلي؟ وأنا الغريب لا أرى في الأفق غير مسقط رأسي عسقلان، حيث ولدت أو وجدت، عسقلان الآن تستر عريها بأردية مزيفة, مثلي غريبة مصنعة تفقد شهواتها، وتسكنها شهوات البارود، يرتع في ملافيها قوم من يهود.. صارت تسمى أشكلون، لا ظل يفترش الأرض تحت داليتي هناك.. وداليتي مازالت ترصد موج البحر عناقيدها حصرم يختزن الحموضة تأبى النضوج..

قد نلتقي يا شمس في تلك المدينة عند مائدة الأسئلة.

ربما أنظر في عينيك امرأتي التي بقيت في شرفتها تنتظر، وأنا قررت أن أسري إليك يحملني قطار لا يضل طريقه إليكِ, إنني أبحث عن بعض راحة.

****

صدفة كان اللقاء

  كل ما يعرفه، ما قرأ لها، إنها امرأة معبأة بالألم. تدخل مدار الفقد مزحومة بالغربة تلوذ بالكتابة سبيلاً للبقاء.. تتنفس الغربة للوصول إلى اندماج وتوحد مع وطن يقف في وجه التغريب، تكتب بلهفة عاشقة لدفء حضنها الأول، دار ما زالت باقية في غزة.

  على الهاتف جاءه صوتها على بحة غير ظاهرة، تسللت فيه مثل جيش نمل مهاجم، امتطى دمه نشوة عذاب، أطلقت فيه خيول هاجعة منذ زمن الشباب البعيد..

واظبت النشوة تحضر كل يوم وفي ذات الميعاد.

في الصباح يصحو على مساحة شوق، يتهيأ له بكامل الانتباه بكل البهاء..

 تأتيه امرأة على الهاتف.. ويطول الحديث.. بحة صوتها تجدل الوقت حكايات وفصول.. امرأة راغبة تنثر في دروب الكلمات أشواقاً ولهفة, كم يعذبها الحنين، كم يعذبه السؤال.

لم لا تعود المرأة شمس إلى الوطن؟

ذات صباح شهق الهاتف شهقة موت:

 كانت تحاصر نهنهة دمعة قبل السقوط.. فاع جيش النمل فيه، أخذ القطار إلى مدينة غادرها قبل ثلاثين سنة أو يزيد، تاركا بعض شبابه وحبيبةً/ صديقة الدراسة, تصحو على وشيش الموج تنتظر عودته إلى الشاطئ مع ريح الصباح مع الصيادين, لا تصدق أن المنافي طيرته غرّبته عن غربته بعيداً.. فهل تأخذه الرحلة هذه المرة إلى شرفتها، هل تعرفه بعد الغياب، وترى وجهها على ذراعه، وترى الوردة في كفه كما كانت تقول؟

قال لها ذات مساء بعيد:

- أحملك وشما على ذراعي يا وردة حتى أعود.

- إنني أسكن فؤادك يا فتى، أرقد في كفك وردة.. أنت ستعود..

القطار يغادر باحة رمسيس إلى امرأة لم يقابلها من قبل، ولا توسدت يوما ذراعه، كل ما بينهما بحة صوت وأحاديث حول الأشواق والاغتراب وهموم الكتابة، لم يرها في صورة على ظهر غلاف أو على صفحات جريدة.. كلما استدعى صورتها تطل عليه فتاته الأولى تلوح من شرفتها، يحمل وجهها كل البهاء.. شمسها في صدره دفئا يضيء.

القطار يركب القضبان لا يتوقف عند الأرصفة، وهو مع الكلمات يرشق سطر أثر سطر يلهث في بحر الورق حتى الغرق.. ينزف دون أن يدري ذهول الفيض، فبقايا العمر أقصر من ربيع الشهوات, غادره الوقت دخل الخريف أقرب المواعيد إلى الأفول..

 وعلى الورق لملم الأسئلة، ضفيرة، وصل القطار عبر المدنية. والنساء على الرصيف في انتظار القادمين.. طائر يأتيه من خلف الغمام يهمس ثم يطير:

- امرأة بانتظاركَ إن أخطأتها أخطأت قلبكَ.

 اندفعت امرأة من بين النساء المنتظرات على الرصيف قبل أن يهتف "هي هذه.." بادرته:

- أهلاً غريب.

 كفها نامت في كفه..هجعت بعد لهاث، فيض الجلد على الجلد بحة تأخذه إلى رجفة.

 لم يتحاضنا، لم يأخذها إلى صدره، وقفت خلف نظارتها صامتة، كان جيش النمل في دمه يفوع, طلب النجدة، رغم تزاحم الناس في محطة سيدي جابر، لم يكن غيرهما لاذ بها:

-  اسعفيني..

في كفها دس الورق ضفيرة أسئلة قال:

-  نلتقي مساءً قبل غياب الشمس.

****

هي محطة الرمل لا شيء تغير.

لا شيء اليوم فيها يعرفني.. كل ما فيها تغير.

إنها مثل عجوز تعشق البحر.. ما زالت مثل الصبايا الراغبات تتجمل.. أنتعل قلبي، اقطع الميدان اشتياقاً لماريا. هل تأخذني إلى حضنها تدفن رأسي في لحم صدرها الوفير..هل تحضّر لي حمام المساء كما كانت تفعل.. نشرب الشاي معا في شرفة حجرتي، نرصد أضواء المدنية، ومراكب الصيادين في صدر البحر بعد قلعة قيتاباي، تشكو لي أحوال زوجها خريستو الذي بات يقذعها سبابا في النهار ثم يرقد في حضنها آخر الليل كما الطفل الرضيع, يبحث عن شبع.

هل أمازحها اسحب منها لذة الأيام البعيدة:

- لا تبخلي يا ماريا أرضيعه.

 تشرد المرأة بعيداً ربما تلحق أهلها الإغريق عند طرف البحر البعيد، ربما تسمع صراخ الطفل يشهد كيف ذبحوا أباه، خريستو نجا من مذبحة الأرمن طفلاً وأتت به مراكب الفارين إلى الإسكندرية.. كبر خريستو، كان أجمل فتيان المدينة، عمل مع عائلة صيدناوي الكبير مرافقاً للمدام، عندما كانت ماريا في معية صاحبة الشأن وصيفة.

- ثم ماذا بعد يا ماريا؟.

- اصطحبتني المدام إلى مائدة القمار تلعب كالعادة مع صاحب البلاد الملك فاروق، يومها حدق جلالته في ولاعة سجائرها العجيبة ثم حدق فيَّ.. ربح الملك، وأخذ مع غنائمه الولاعة شيئاً من أثر المدام, وعندما حدثت خريستو ركبته الشياطين صار ينزف كالذبيح:

- غداً نترك خدمة هذه العائلة..وغدا نتزوج لا حل غير ذلك يا ماريا..

- حيرني الأرمني فتبعته، كنت على يقين أنه إذا ضاع مني سأضيع، فاشترينا البنسيون.

قلت:

- لماذا فعل خريستو ما فعل؟

- حدثني فيما بعد كثيراً عن خبث اليهود.. ورأى ما لم أرى، قال لي إن القداحة أول الهدايا ربما أنت هديتها القادمة على فراش الملك..

-  هو يحبك يا ماريا.

 ضحكت ماريا برقت عيناها الخضروان مثل زبرجدتين في صبح بريء.

- يحبني طبعا حتى الجنون..

 وأنا يحيرني، خريستو النادل العجوز، يُسكر رواد البار طول الليل ويأتي ماريا صاحيا، يتوهج جوعا يبحث عن شبع..

                       

                              ***

 لا ماريا في الإسكندرية، والبنسيون تحول إلى فندق به بعض أثاث ومرآيا من بقايا ماريا, أخبرني بائع أوراق اليانصيب، الذي كان يأتيها بأول ورقة تشتريها منه على حظ خريستو, أن الأرمني مات في البار قبل الفجر فجأة.. وأن ماريا سألت:

- كيف مات ؟

أخبرها من حمل النبأ.

- كان يضحك. فقط. شهق ومات.

رسمت المرأة شارة الصليب على صدرها، رجفة أخذتها، أغلقت عليها باب حجرتها، دخلت في الصمت أياما.. باعت كل ما تملك في المزاد، تركت صورها المعلقة في البهو وعلى جدران بعض الحجرات، تزينت مثل أميرة وغادرت المدينة..

وقيل إن صحافياً يرطن العربية كالببغاء زار الإسكندرية بعد كامب ديفيد، مكث أياماً في الفندق، اختفت بعد زيارته صور ماريا اليونانية، وكذا بعض المرايا.. ربما سرقها أو اشتراها. لكن الصحافي نشر في الغرب كتاباً عن سيرة فاروق الملك، ظهرت فيه صور ماريا ومدام صيدناوي وحكاية الولاعة العجيبة مع قصة ربما كانت ملفقة عن غضب الملك على المدام بعد اختفاء ماريا من حاشيتها..

 أين أنت يا ماريا إنني عدت؟ أين خريستو الطيب يشاكس وردة؟

- إنتِ حلوه بنت ورده .إنتَ مش لازم يحب الولد غريب.

 تضحك وردة، ملئ شدقيها تضحك، تقبض على كفي ترفعها في وجهه:

- أنا بحبه يا خريستو.

- انت غلطان بنت وردة.

- ليه يا خريستو.

- غريب بلده ضاع، غريب يروح مش بيرجع.

- بيرجع علشاني يا خريستو.

- انت بنت حلوه، لكن هو مش بيرجع.

تدفعه ماريا بعيدا عن وردة، تأخذ فتاتي إلى حضنها:

- هي بتحبو.. هو بيحبها انت مالك؟

- طز.

 عدت أنا، لا ماريا, لا خريستو, ولا وردة تأتي في المكان..

جرس التليفون.. ينادي:

-  أنا في الصالة يا غريب.

- اصعدي يا شمس إلى الشرفة إني انتظر..

 معلقان على شرفة نركب الشاطئ في الطابق الرابع. نرنو إلى البحر تحت أضواء المنارة. القاطنون قد عادوا إلى مهاجعهم بعد أن نفضوا تعب النهار.. والمدينة امرأة لعوب تتهيأ لليل العابرين، وأنا والليل وامرأة في عمر ماريا الجميلة قبل ثلاثين سنة، وأنا في عمر خريستو ربما أكبر قليلا إن لم تخونني الذاكرة.

المرأة شمس تنظر في الدنيا فينداح المدى، وأنا أتسلل خلف نظارتها يشاغلني بؤبؤ العين يأتي ويروح، وأرى لحمها تحت جلد الوجه حياً يرتجف. بحة صوتها غابت وصار الصمت أبلغ من كل الكلام.. وحبيبتي وردة تحضر على خجل حزين تعبر في المقام.. من أرى؟ أشمس أمامي أم وردة تأتي من خلف الغمام..؟

بيننا الشاي مع النعناع يعبق مع ريح المساء، أرشف الصمت بصمت ينحبس في صدري اللهاث.. قلت أعبر مسام الوقت إلى صلب الحديث:

- هذا أنا جئتك يا شمس..كيف رأيتني؟

هربت إلى الشاي.. قالت:

-  أنتَ أنتَ يا غريب.

كدت أصرخ لائذاً منها إليها، هل أنت وردة الطيبة، أم أنت ماريا عروس الإسكندرية، لِمَ تواريتِ طويلاً، وخرجتِ الآن عن المدار، إني رأيتكِ ما بين السطور، رسمتكِ من بحة صوت يحمله حبل الهواء إني رأيتك دفق حنين في الحنين..عرفيني بكِ، أنثري ما ترغبين, واحتفظي بما لا يمكن البوح به..

رشفت شمس آخر ما تبقى من الشاي استعجلت ساعة يدها:

-  هيا إنهم ينتظرون.

-  من ينتظرني غيرك في الإسكندرية؟

-  ستراهم في الندوة في قصر الثقافة ثلة من كتاب المدينة.

 أردفتني إلى جانبها في سيارتها الصغيرة، قطعت طريق البحر إلى حيث كانت تسكن وردة بالقرب من حلقة الأسماك عند رأس التين تنتظرني عند شباك الصيادين، نذرع الدرب كفها في راحتي وشوشة، هل تدرك شمس خدر الوشوشة.. قلبي الآن عصفور تعرى من ريشه.. يرتجف.

 في القصر يأخذني دفء المكان، يدثرني من في صدورهم حلو الكلام، وأنا من يجد الألفة مع عشاق الكلام، يعبرني هيام الكتابة أنزع عني غربتي.. أغترب في بحر الأدب..

 بعد الندوة تسامرنا مع الكتاب، كاتب يحترف الحكاية يزعم أنه رأى في المدينة امرأة تشبه شمس، تكبرها عشر سنين كأنها وشمس مثل توأمين.. قاطعته شمس توقفه عن الاسترسال في الوهم, تحذره أن يدخلها فيما بعد مع حكاياته الغريبة.. لكن الرجل قطع وعداً أنه سيجوب المدينة طولاً وعرض، حتى يلتقي بالمرأة ويثبت للحاضرين أن من رآها ليس وهم خيال, بل يقين.

طائري من خلف الغمام يعود يهمس لي:

-  الرجل على صدق..قل لشمس لا تظلميه.

قلت أفض الاشتباه:

- أنت على صدق يا صديقي، وهي على حق أيضاً.. هل نسيتم أننا معشر الكتاب نقف على خط التماس بين الحقيقة والخيال..

غادرنا المكان..

سألتني أن نقضي ما تبقى من مساحات الليل. قلت:

- أنا الضيف الأسير, حبذا لو نحاذى البحر إلى أقصى المدينة. 

ضحكت شمس مثل مهرة:

-  لك ما تريد.

                           ***

عدت إلى الفندق، أنظر وجهي في مرآة من بقايا ماريا، أيا إلهي كم هي المرآة صافية لم تلوثها السنين، عبأتني بالحكايات، وقطعت الليل اجمع ما تساقط بيننا من أحاديث.. لا تفارقني دمعة غارت في بلورة عينها تأبى السقوط..

 وأنا تدميني الدموع عند تخلقها في العين وكذا عند السقوط, ما الذي غربك يا شمس؟ ولماذا تحملين على هودج ظهرك أحمال العذاب؟

 هل تعودين إليَّ الليلة ماريا الجميلة، أم أنت وردة..وأنا الليلة أخشى الضحك مثل خريستو فأموت كما فعل غريباً، فأنا لم أعمل يوما نادلاً في الحانات مع كؤوس العابرين، ولا عاشرت السكارى, ولكنني على مدار الوقت ثمل بألوان العذاب, وما زلت أمارس الحضور منفيا في بطن الغياب.

 في الليل بالقرب من قصر الملك يهجع البحر على لسان المنتزه، جالستني عند حرف الماء، ثالثنا قطها الأبيض يرقد في حضنها يتلو بعض آيات الأمان، ينظر إليَّ هكذا تخيلته..جاءت بالقهوة طازجة.. عادت بحة صوتها قنديل توهج:

-  أهلاً بغريب..

 غادر القط حضن شمس، اعتلى كرسي راح ينظر إلى البحر.. يتأمل، نزعت نظارتها, وجهها رائق كان, قلت:

-  حدثيني..

دفء قهوتها يسري في دمي مثل النسيم..ضحكت وانداح على شفتيها الكلام..

 في الصباح أول من طالعني عند باب الفندق بائع اليانصيب العجوز:

-  خذ أول ورقة فأل خير.

اشتريت ورقة، قلت هذه على حظ شمس.

                          ***

رجفة عند زاوية الفم مازالت تقف، زغب رهيف ينبت على شفتها العليا يشرئب، هل هو الليل غبشني أم ضوء القمر، ما الذي تضخم في عيوني.. في البصر.. لا حجاب بيني وبين دمها غير جلد أملس يغرق في البهاء، هل أصابني العمى، أم هو شجن بعيد أطل علّي من وجه امرأة..

 نبض الفم وانداح من شفتيها الكلام، مثل فيض يعرف مجراه، يصبح سيلا يخب إلى المصب..نهرها سار طويلاً في الصحاري يجتاز آفاق الزمن مع سيرة بنت من غزة تسكن بيتاً في حي الرمال، عن عريشة دالية تكسو ممراً طويلاً، عن أب يختال في قاعات المحاكم ينتصر لقضايا المعتقلين الغارمين في حب الوطن، لكنه دوما في البيت ينهزم في مواجهة زوجته الجميلة.. أمها امرأة تتطلب تنشد الرغبات/ الشهوات مثل أميرة، تنعي على مدار الساعة حظها العاثر مع رجل لا يعرف من فنون العشق أبعد من عشق الوطن, تصرخ فيه، تطلق رغبات تمور:

- أو ليست المرأة للزوج وطن ؟!

 الأب المرجوم يحلم، ينشد الرجعة إلى مسقط رأسه في حضن الجبل، يعلن الهدنة مع زوجته، يغرق في ورق القضايا، يبحث في فشل التهم، يتناسى ما يتصارع في رأس زوجته الجميلة فهي تراه دوما متهم..يهمس في أذن ابنته الصبية شمس.

- أمك لا ترى أبعد من رحيق الشهوات، هي لا تدرك أن عشقي للوطن أبعد من عشق البدن.

يهمس الأب بعيداً عن ابنته:

"ربما كانت المرأة على حق، فهي في فيض الشهوات أحق"

تأخذ البلبلة الصبية، يؤرقها السؤال بين رغبات الوطن وشهوات البدن، وهي من تنملها كف الفتى يوسف عندما تقبض على راحتها، ودبيب اللهفة يسري في دمها عندما ترجع من درب المخيم، صدرها عامر بالمنشورات تحمل أخبار الوطن، تمضي إلى المدرسة مبكرة توزعها في زوايا الفصول, قبل أن تأتي البنات.

الأم في الدار بين المرايا تتأفف، تقطع الوقت بين روايات العشق ولهفات الجسد، ترهف السمع في المجالس لأحاديث النساء الراغبات، تكظم غيظها من جوعها..إنما هي بنت الأصول تتحمل/ تتجمل..

 أرهف السمع، أسأل نفسي، لِِمَ لم تفعل أمها ما فعلت ماريا مع خريستو؟ لِمَ لم تلقمه ثديها ترضعه حتى الشبع ليفيض..يدرك أن العشق مهما تقلب هو في الأصل واحد..فجأة فقز السؤال إلى فمي:

- هل في أمك شيء من مهر حرون يجفو صاحبه؟

- ربما ولكن لم هذا السؤال؟

- لست أدري.

قالت شمس كمن أمسك طيف:

- كنت أختلس النظر إليها عارية بين المرايا، تتأمل لحمها بطنا وظهر.. يأخذها الخدر إلى الإيهام فتغيب في طقس عجيب، عندما تخرج من طقس المرايا تدخل في طقس الغضب!!

 قطها الأبيض، يلعق ساقها يخربش جلدها، يدميه يلعق دمها، يأخذه الإغماء يموء، وأنا يأخذني العجب استغرب حالة القط، فهل دخلت شمس معي حديثا في اللامباح من الكلام..

هل شاغب القط، ليضع حداً للكلام.. قلت:

-  عودي بي إلى الفندق يا شمس قبل أن يدركني التعب.

 شمس تتوقف عن الكلام فجأة.. الصمت تربع بيننا، والمكان هجع في السكون، وأنا المبهوت أبحر فيما سمعت..أمتطي فصلاً من رواية أركبها سفينة ترسو بي على شط مدينتي.

 كنت مشتاقاً إلى حضن ماريا، ما الذي سأراه في مرآتها قبل أن أغفو..من سيزورني الليلة في المنام, وردة في شرفتها، أم ماريا ترضع الطفل خريستو.. هل يحملني النوم إلى غزة وأنا عند لسان البحر في الإسكندرية.

عند باب الفندق ودعتني قالت:

- عم مساءً يا غريب.

دست بعض وريقات في يدي قالت:

- إنها بعض ما كتبتُ عند ما كنت تأتيني على حبل الهواء.

 

                         ***

 "أخاف من عقارب الساعة أن تتوقف عن الدوران، فأسقط في زمانها الذي كان.. الوقت زاحف يسحبني إلى الوجع، وأنت من أخبرني أنني امرأة من شوق، وأنك تراني امرأة صوتها ليلك طعمه رائحة الياسمين..

 لِمَ، يستعجل الوقت وأنا ما خشيته إلا حين سمعتك، أنت من أنساني زماني.. تذكرني بأزمنتي هناك.. فهل ما نسكب من مداد أرواحنا على الورق يقف في وجه الزمن؟

إنني الآن أعترف.

أني أرك رجلاً في كل الفصول.

 وأنا يسكنني البرد، الهاتف يفيض اشتعالاً على جلدي، الجماد يحس كلماتك.. تسألني أن تغادرني الليلة لتعود الليلة القادمة.

إني أستحلفك. لا أقوى على الكلام.. أن تبقى معي فالهاتف في يدي يتوهج بك.. وحيد قلبي مثل صوتي، فهل سمعت أصواتا وحيدة ينقلها الفضاء.. يسقط ندى الصبح من دمعها..يلتقي صوتك بي يلملم الندى فيزهر ربيع صوتي.

يموت حبل الهواء بيننا وتضيء الكلمات..

 اسحب أوراقي.. أكتب.. أبحث عن نظارتي قبل أن أخط الكلمات.. استعين بكل الموجودات تؤازر كلماتي قبل أن يوهنها الحنين، يأتيني صوت صديقتي من بعيد, وهي من خبرت العشق العميق  تقول:

- هي لحظات نعيشها/ نكتبها.. انقلي كلماتك إليه انقشيها عيشي العمر ولو لحظة.

 وصديقتي شاهد حالي، تستعجلني أن أكتب ما تبقى من زماني، تسألني دوما إذا ما زاراني النوم أو هجعة النعاس.. سأنام الليلة ملئ جفوني.. السعادة الليلة تحملني إلى قلب النوم لأحلم..

 صديقتي تعرفني ربما أكثر من نفسي.. تضحك على الهاتف، وأنا في فراشي أستند على ساعدي، ثقل رأسي على راحتي أكتب، لم ينقر النوم زجاج نافذتي..

 يا ترى ماذا تفعل عندما يصمت الهواء بي

 

 

 

 

 

 

 

 

!

غريب عسقلاني


التعليقات




5000