..... 
.
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø§Ø¯Ù‡Ù… ابراهيم
.....
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الدور الإصلاحي للثورة الحسينية

النور

لقاء أجرته قناة الفرقان الفضائية صباح يوم الأحد 18/12/2011 مع الكاتب والباحث في الفكر الإسلامي الأستاذ صالح الطائي

* من قناة الفرقان الفضائية قناة كل العراقيين نرحب بالباحث في الفكر الإسلامي فضيلة الأستاذ صالح الطائي لنتحاور معه في أبعاد الدور الإصلاحي للثورة الحسينية، ويسرنا أن نرحب به باسمكم جميعا، فأهلا ومرحبا به.

وعليكم السلام وأهلا ومرحبا بكم وبالمشاهدين الكرام

* أستاذنا الفاضل دعونا نعود بداية إلى الساعة التي قرر فيها الإمام الحسين مغادرة مكة والتوجه إلى العراق لإعلان الثورة على النظام الأموي وحكومة يزيد الجائرة، ونتمنى أن تجيبوا على سؤال طالما سمعناه من المؤيدين للثورة الحسينية والمعترضين عليها وهو: هل كان الحسين (ع) يعلم بما سيئول إليه مصيره عندما بدأ مسيرته إلى  كربلاء، وإذا  كان يعلم ذلك كيف جاز له الشروع  بمسيرة تؤدي به إلى القتل خلافا لقوله سبحانه تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام أجمعين. أجيب بداية على الشق الثاني من سؤالكم وهو موضوع (إلقاء النفس إلى التهلكة) المحرم شرعا، فهو فعل كبير لا يرضى الله عنه ولا يبارك بفاعله إلا في استثناء معروف، وللوصول إلى هذه الحقيقة أقول:

أولا: نحن نؤمن أن الحسين عليه السلام إمام معصوم ولذا ليس من حقنا امتحان مواقف الإمام المعصوم فهو أدرى بقراراته من غيره طالما أنه مسدد من السماء.

ثانيا: جاء في الحديث الشريف المتواتر المتفق على صحته في المدارس الإسلامية كلها [من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان]  والإمام الحسين فضلا عن تكليفه الشرعي كونه إمام الأمة  لم يكن عاجزا ولا ضعيفا لذا توجب عليه أن يغير بيده، والتغيير باليد يعني الثورة حتى ولو أدى ذلك إلى الموت، بل إنه بشواهد حراك الثورة استخدم يده ولسانه وقلبه لتغيير المنكر.

ثالثا: كلنا نتذكر تحبيب رسول الله (ص) لقول كلمة الحق عند سلطان جائر، ونعرف أن كلمة الحق هذه ممكن أن تؤدي إلى القتل، ولو كان في قول هذه الكلمة ما يخالف الشرع تبعا لعمومية نظرية إلقاء النفس إلى التهلكة ما كان لرسول الله (ص) أن يخالف الشريعة ويحث الناس على قول كلمة الحق عند السلطان الجائر دون النظر إلى النتائج المترتبة على هذا القول بما فيها القتل.

رابعا: يتهم التشيع عادة بأنه مذهب التقية، ذلك الحكم الشرعي والعقلائي الذي يعمل به الآخرون أكثر مما عمل به التشيع رغم فسحة الحرية التي يعيشون فيها على مر التاريخ، ولكنهم يستكثرون على التشيع المحاصر أن يحمي نفسه بالتقية، وأنا لا ابغي مناقشة هذا الأمر هنا ولكن أقول: إن من يتفحص أحكام التقية في الفقه الشيعي يجد أن العلماء الأعلام يحرمون العمل بها في مواضع عديدة منها تعرض الإسلام والمسلمين إلى الخطر. وأسألك: هل من خطر أكبر من خطر حرف الإسلام يوجب على الإمام المعصوم، بل على المسلم العادي أن يخرج ويضحي بنفسه وعياله نصرة للدين؟ ولهذا السبب أجاز العلماء للإنسان المسلم أن يلقي  بنفسه  في التهلكة إذا ما كان الإسلام في خطر دون النظر إلى تداعيات هذا الموقف مهما كانت خطورته.

أما الشق الأول من السؤال فجوابي عليه:

إن غالبية علمائنا أكدوا بما لا يقبل الشك أن الإمام الحسين كان عارفا بكل جزئيات حراكه الثوري بدأ من الخطوة الأولى من المدينة إلى مكة وصولا إلى كربلاء حتى ساعة الشهادة، وكما يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه (ثورة الحسين) : "إن ما بأيدينا من النصوص دال على أن الحسين (ع) كان عالما بالمصير الذي ينتظره وينتظر من معه" وهذا استنادا إلى ما ورد من أحاديث نبوية نقلها المؤرخون ومنهم الطبري في تاريخه وابن الأثير في تاريخه فضلا عن روايات مدرستنا.

وعليه لو لم تكن لدى الإمام الحسين (ع) روايات موثقة عن أبيه عن جده النبي الأكرم (ص) ما كان ليقول لابن الزبير الذي طلب منه إعلان الثورة في مكة: "وأيمّ الله لو كنتُ في جحر هامة من هذه  الهوام لاستخرجوني  حتى  يقضوا  بي حاجتهم،  والله  ليَعْتدُنَ عليّ  كما أعتدتْ  اليهود  في السبت" فالحسين لا يمكن بل يستحيل أن يحلف بالله كاذبا!!!

وقوله الآخر لمن اعترض على خروجه: "والله لا يدعوني  حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي  فإذا فعلوا سلط الله عليهم  من  يذلهّم  حتى يكونوا أذل من فرام المرأة"

وقوله لـ(عبد الرحمن بن الحرث) الذي طلب منه البقاء في مكة: "جزاك الله خيرا يا أبن عم فقد والله علمتُ انك مشيت بنصح. وتكلمت بعقل،  ومهما يقض الله من أمر يكن أخذتُ برأيك أو تركته" أي أنه عليه السلام كان عارفا بأمر الله وحكمه وما كان يبغي سوى التنفيذ!!!

ولذا نجد له جوابا آخر أكثر وضوحا من هذا الجواب وفيه قال الإمام لمن طلب منه البقاء: " قد غسلتُ يدي من الحياة، وعزمتُ على تنفيذ أمر الله"

ومثله قوله (ع) لـ(عبد الله بن عباس) الذي طلب منه عدم الخروج: "يا ابن عم، والله اعلم انك ناصح مشفق ولكني قد أزمعت وأجمعت على المسير"

وقوله لآخرين طلبوا منه البقاء في مكة: "لأن اقتل بمكان كذا وكذا أحبُ إلي من أن تُستحل حرمتها بي"

والحسين (ع) يؤكد هنا أن الأمويين عازمون ومصممون على قتله سواء بقي جالسا في بيته بالمدينة أو مقره المؤقت في مكة أو في أي مكان آخر من الأرض!!!

والحسين حينما خرج من مكة قاصدا كربلاء لقي الشاعر الفرزدق ببعض الطريق فسأله عن أهل الكوفة، ولم يكن سؤاله سؤال جاهل بل سؤال واثق من أمر الله وما سيلقاه من الناس؟ فأجابه الفرزدق: "قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية"

ولذا قال الحسين ليؤكد علمه بجواب سؤاله أكثر من المجيب: "صدقتَ، لله الأمر، والله يفعل ما يريد ما يشاء الله وكل يوم ربنا في  شأن ، إن نزل القضاء بما نحب، فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعانُ على أداء الشكر، وانْ  حال القضاءُ دون الرجاء  فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته"

ومنه يتأكد لنا أن الإمام الحسين عليه السلام كان يعرف أصغر جزئيات حراكه لحظة بلحظة، بل إن بعض من رافقه من أهل بيته كانوا يعلمون مصائرهم مثله، وفي الروايات أن الإمام علي عليه السلام دخل يوما البيت فوجد الحوراء زينب تقرأ القرآن فجلس قربها يستمع إليها وهي تسأله عما يمر عليها فأغتنم الفرصة وأراد أن يخبرها بما خبأه لها الزمان، وحينما بدا بالكلام لم تندهش ولم تتغير أساريرها فسألها عن السبب فقالت: بلى أنا ادري بما ينتظرني في غدي فقد أخبرتني أمي فاطمة لكي تهيئني لذلك اليوم، كما أن باقي أهل بيته وصحابته الأقربون كانوا يعلمون بكل ما سيجري عليهم بالحرف الواحد، وهذا يعني أن ما سيقع لهم إنما سيقع بأمر الله سبحانه وتعالى وما عليهم إلا الرضوخ والطاعة لأمر الله، ومن يطع أمر الله لا يلقي بنفسه إلى التهلكة.

* أستاذنا الباحث الجليل، بالعودة إلى إصرار الحسين (ع) على المسير رغم المخاطر الأكيدة قد يقول قائل: إن الحسين كان واثقا من النصر ولذا لم يرجع عن قراره ولم يرضخ لتوسلات محبيه، وأنه لو علم بما ينتظره ربما كان سيرجع، فماذا نجيب هؤلاء؟

هذا سؤال بمنتهى الأهمية لأن جوابه يؤكد يقينا أن الحسين كان عارفا عالما بكل ما ينتظره في كربلاء وفق كثير من الدلالات ومنها:

الأول: انه حث الطالبيين على عدم الخروج معه لأنه يعرف المصير الذي ينتظره ولم يرغب بالتفريط بهم لأنهم عماد الدين.

الثاني: انه يوم أتاه خبر قتل (مسلم بن عقيل) و(هانئ بن عروة) وهو بـ(الثعلبية) أهاب به بعض أصحابه  بالرجوع، فأبى وأصر على إكمال الرحلة رغم غياب عنصر المفاجأة وعدم وجود من يمهد له أرضية الكوفة وباقي الأمصار.  

الثالث: أنه عليه السلام عند وصوله إلى (زبالة) وهي موضع بين مكة والكوفة أتاه خبر مقتل  أخيه من  الرضاعة (عبد الله بن يقطر) فخرج إلى الناس وقال لهم: "أما بعد فأنه قد أتاني خبر قتل  مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة،وعبد الله بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا [[أي مؤيدونا من أهل العراق وليس الشيعة الخلص كما يعتقد من يؤمن بنظرية المؤامرة]] فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج،  ليس عليه منا ذمام" فتفرق عنه الناس يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة فقط، وإنما فعل ذلك لأنه يعرف إنما اتبعه الأعراب لأنهم ظنوا انه يأتي بلدا قد استقامت طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون، وقد علم إنهم إذا بين لهم الحقيقة كما يعرفها لم يصحبه منهم إلا من يريد مواساته والموت معه، وهذا اكبر دليل على انه كان يعلم ما ينتظره ويعرف انه مقتول مع من سيبقى معه من صحابته وأهل بيته، وألا فالمنطق والعقل يأبيان أن يبادر القائد الحكيم إلى تفريق الناس عنه وهو أحوج ما يكون للنصرة. وعليه يجب أن نثق بان إصرار الحسين على المسير إلى كربلاء إنما كان طاعة خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى

* أستاذ نفهم من حديثكم هذا أن الإمام الحسين عليه السلام كانت له مبررات للخروج، هل ممكن ذكر بعض هذه المبررات؟

نعم. فضلا عن المبرر الأعلى الذي تمثل بمجموعة الأحاديث النبوية الدالة عن حتمية ولابدية خروج الإمام الحسين ومقتله في كربلاء، هناك مبررات أخرى منها:

أولا: الحسين (ع) كان يدرك أن الإسلام يقف أمام امتحان عسير قبالة النهج الأموي وان خير ما يمكن أن يتصدى لهذا النهج والتحريف هو الدم ولاسيما دم حفيد الرسول نبي الأمة (ص) التي يريد الأمويون حرف رسالتها. وهذا مبرر مقبول عرفا وشرعا.

ثانيا: كان الحاكم الأموي مصمما على قتل الحسين وبأي ثمن لقناعته بان بقاء الحسين حيا يشكل خطرا كبيرا على كيان الدولة الأموية، ولذا أراد الحسين لمقتله أن يكون محفزا للمسلمين يستنهضهم للثورة على الظلم. وهذا مبرر لا ينكره إلا جاهل بحقائق التاريخ.

ثالثا: عمل الأمويون على تسبيت الأمة وسلب فكرها وصحيح عقيدتها ولاسيما بعد حرب صفين ومقتل مئات الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وتعيين يزيد الفاسق الفاجر ـ باتفاق الأمة ـ واليا للعرش الكسروي العربي المبتدع في أمة الإسلام ومن ثم استلامه لمقاليد الحكم وتفشي ثقافة الأحكام السلطانية التي أرادت تسويق نمط جديد من الإسلام  يقر الظالم على ظلمه ويحابيه على فسقه وجهله وضعف إيمانه، يعد من اكبر مبررات الثورة والرفض، ولم يكن غير الحسين مؤهلا للعب هذا الدور العظيم لأنه الإمام القيم على الدين والأمة أمام الله تعالى، ويقين الإمام أن الأمة لا يمكن أن تستعيد وعيها وتنتبه لدسائس الأمويين ومحاولتهم حرف الأمة عن إسلامها هو الذي جعله واثقا تماما أنْ لا أمل في تحريك الأمة إلا بعصف ذهني كبير وهذا العصف لا يمكن أن يتحقق إلا بالثورة، والثورة لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا بتقديم تضحية تهز الوجدان الإنساني، ولا أكبر من تقديم الحسين نفسه الطاهرة قربانا.

* أستاذنا قد يرى البعض فيما ورد في إجاباتكم أنكم تضْفون على الإمام الحسين وثورته مسحة أسطورية أو ربما خرافية، فما ردكم على من يدعي ذلك أو يتهم الشيعة بأنهم أختلقوا الأساطير والخرافات للثورة الحسينية؟

نعم هناك في قصة ثورة ومقتل الإمام الحسين ومواقفه كلها ما يبدو وكأنه حديث خرافة أو نوعا من الأسطورة الشعبية التي لا تجد سندا من آية أو حديث وألا ما كان "حابس" ليجن بحب الحسين فيخرج لمقابلة الأعداء دونما درع أو لامة حرب.

وسبب ذلك أن كل قصص الثورة الحسينية بما فيها الإعجاز الغريب الذي رافق بعض مواقفها يبدو لمن يؤمن أن للحياة سليقة تسير عليها بعيدا عن الإعجاز، وأن الإنسان الطبيعي لا يمكن أن يأتي بالمعجزة لانتفاء الحاجة لذلك، أو أن الله سبحانه لا يجري المعجزات لغير المكلفين بتبليغ رسالاته، يبدو غريبا وربما مصطنعا بدافع الغلو، ولهذا السبب وأسباب كثيرة أخرى لا نريد خوض غمارها أخذ المناوئون للثورة الحسينية بعض أخبار الثورة الإعجازية لتوظيفها للطعن بالتشيع، مثل:

قولنا بمعرفة الحسين بأنه سوف يقتل في كربلاء وتُسبى نساؤه وحرمه. وقولنا أن رأس الحسين المقطوع والمرفوع على القنا كان يقرأ القرآن بصوت مسموع. وقولنا أن السماء أمطرت دما يوم قتل الحسين (ع). وقولنا أن حركة الإمام الحسين كانت مقدرة من قبل الله سبحانه وبالتالي هي حركة مقدسة، وأمور أخرى، فادعوا أنها مخالفة للعقل والمنطق وأنها من غلو الشيعة.

وكما لاعتقادنا ويقيننا بصحة هذه الأخبار استنادا إلى النقل والعقل، ومنها على سبيل المثال قول الله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا اللهُ ثم استقاموا تتنزلُ عليهم الملائكةُ ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم بها توعدون* نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرةً ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم} كذلك تجد لاعتقادهم القاسي أسبابه ولكنها بعيدة عن النقل والعقل، وهي بالواقع وليدة:

أولا: التحشيد السياسي، أي تحشيد الجانب المنتصر لقوافل الإعلام للتأثير على رأي الشارع وبسطاء الناس من خلال طمس المعجزات الربانية، لأن اعتقاد الناس بصحة تلك المعجزات الإلهية يجعلهم ينحرفون عن الحكام ويعادونهم.

ثانيا: التنافس الطائفي كان يدفع من لم يؤيد الحسين في ثورته، أو من كان يؤيد الأمويين بموقفهم إلى البحث عن تفسيرات وتأويلات لهذه المعجزات بهدف إخراجها من جانبها العقدي وحشرها في الجانب الخرافي لتبدو للناس وكأنها محض خرافات.

وأقول ردا على أصحاب هذا الرأي: لماذا يقبل العقل المسلم بالكرامات التي وقعت لأنبياء الأمم الأخرى ولا يؤمن بكرامة للحسين بن علي وهو الإمام المعصوم، والعالم العلم الذي ينطبق عليه قول رسول الله (ص): "علماء أمتي أفضل، أو مثل أنبياء بني إسرائيل"؟ ألا يؤمن العقل الإسلامي بـقصص:

·       النار التي أصبحت بردا وسلاما على إبراهيم (ع) رغم انه بقي فيها أربعين أو خمسين يوما كما تقول الروايات.

·       انفلاق البحر لنبي الله موسى (ع) وقومه ليعبروا.

·       تكلم رأس النبي يحيى (ع) المقطوع في الطست.

·   وتكلم نبي الله عيسى (ع) في المهد ومعجزاته الأخرى مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.

ألم يضعوا القاعدة الفقهية التي تقول: "إن كل ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، إلا انه يشترط بالمعجزة ادعاء النبوة وليس للكرامة هذا الشرط"

فلماذا تستسيغ عقول بعض المسلمين التصديق بقصص هي أقرب للخرافة منها للعقل والمنطق لمجرد أن أصحابها من غير أئمة أهل البيت ثم يرفضون التصديق بوجود كرامات لأفضل خلق الله وهم ذرية الرسول (ص)؟

وأنا هنا لا انكر أن تكون للأولياء والصالحين كرامات، فذلك ليس عصيا على الله سبحانه، ولكني أرفض أن يكيل الناس بمكيالين، وأرفض أن يأتي من يكذب روايات مبنية على أحاديث نبوية ولها شواهد في القرآن، ثم يؤمن ويثق بروايات لا سند لها مجرد أنها وردت في بعض كتب التاريخ، تدعي خوارق لنواميس الطبيعة وقعت على أيدي بعض الأولياء.

فإن قالوا: إن تلك معجزات خصها الله بالأنبياء، وكلام الرأس المقطوع للنبي يحيى لا يعني أن رأس الحسين يجب أن يتكلم مثله فيحيى نبي والحسين ليس نبيا!!

أقول: قال "علي فرج العبد الله"  في كتابه (معجزات الأنبياء كرامات الأولياء) عن معجزة نار النبي إبراهيم: "فهذه المعجزة لسيدنا إبراهيم يشابهها قصة الشيخ الجليل "أبي مسلم الخولاني" عندما حرّقه الكذاب الأسود العنسي في اليمن فجعلها الله بردا وسلاما عليه" مع أن الخولاني أسلم في عام حنين على بعض الروايات، بل ويعده البعض من التابعين لا من الصحابة، وهو القول المشهور.

ومنها قوله: أن الخولاني كان ضمن غزاة بأرض الروم فبعث الوالي سرية ولكنها لم ترجع بموعدها، فبينما أبو مسلم يصلي إلى رمحه إذ جاء  طائر فوقع على سنان الرمح وقال: إن السرية قد سلمت وغنمت وسترد عليكم في اليوم الفلاني، فقال أبو مسلم: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا مذهب الحزن عن قلوب المؤمنين. وعادت السرية في اليوم المحدد!!

بل ونسب إليه مثل ما قدر الله لنبيه عيسى أن يسير على الماء، وقال: "إن الخولاني كان يمشي على وجه الماء وقد تكرر له ذلك أكثر من مرة" وانه كان يسير أمام الجيش ويسير الجيش خلفه على الماء فلا تبتل أقدامهم، وأنهم إذا فقدوا شيئا من متاعهم في العبور يعود إليه مشيا على وجه الماء فيجده في مكانه ويأتيهم به!!

 أكرر القول بأني لا أنكر كرامات الأولياء ولكن أسأل الم يكن الحسين بن علي عليهما السلام سيد الأولياء؟ فلماذا ينكر البعض كراماته؟

وعليه أجد أن كلامهم عن الخرافات والأساطير مردود ولا يؤخذ به ولا يعتد به.

* الأستاذ الباحث الطائي، نعود الآن إلى عنوان حلقتنا لنتحدث قليلا عن دور الثورة الحسينية في إصلاح المجتمع المسلم، وأنتم تعرفون أن الإمام الحسين عليه السلام قال عن خروجه المبارك: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" فهل تحقق الإصلاح المرجو في حينه، وكيف يمكن توظيف دور الثورة الحسينية الإصلاحي  في العالم الإسلامي المضطرب اليوم؟

في جوابي عن الشق الأول من السؤال أقول: من المتسالم عليه أن الإسلام تعرض على يد الأمويين إلى نكسة كبيرة ولاسيما بعد تجييشهم الجيوش العظيمة لمحاربة جيش الخلافة الإسلامية في زمن خلافة الإمام علي عليه السلام ومن ثم في زمن خلافة الإمام الحسن عليه السلام بدعاوى العصبية الجاهلية التي أحيوا مواتها وأعادوا لها هيبتها واستعانوا بمواريثها، وخاضوا تحت رايتها غمار حروب امتدت زمنا طويلا أحرقت نيرانها خيرة الأجيال الإسلامية، الجيل المثالي، جيل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وزرعت فتنها بين المسلمين العداوة والبغضاء بعد أن كانوا جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهي الفتنة الجبارة التي شتتت جمع المسلمين وابتكرت أنواعا جديدة للإسلام فأصبح الإسلام الواحد  اسلامات عدة لكل منها منهجه ورؤاه وقواعد عبادته وطرائق فتواه، ثم عم الانحلال سائر بلاد المسلمين وفشا بين الناس حب الدنيا والبعد عن الدين.

في هذه المرحلة كان هناك ما يستوجب الإصلاح، فالإصلاح نقيض الإفساد، وقد وردت مفردة الصلاح في القرآن الكريم في سبعة أوجه كما يقول المفسرون، هي:

الإيمان، كما في قوله تعالى: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين}

الأمانة { وكان أبوهما صالحاً}

الرفق، كما في قوله تعالى: { أخلفني في قومي وأصلح}

الإحسان، كما في قوله تعالى: { أن أريدُ الا الأصلاح}

الطاعة والعمل الجميل كما في قوله تعالى { والذين آمنوا وعملوا الصالحات}

تساوي الخلق، كما في قوله تعالى: { لتكونن من الصالحين فلما أتاهما صالحاً }

عظم المنزلة، كما في قوله تعالى: {وأنه في الآخرة لمن الصالحين}

والإصلاح واجب شرعي وعمل مشترك بين الراعي والرعية كما في قول الإمام علي عليه السلام: "أيها الناس، إن لي عليكم حقاً ولكم عليَ حق، فأما حقكم علي، فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم فهو الوفاء في الحقوق والواجبات ومصلحة الأمة والصدق في القول ومحاربة الفساد والحرص على أموال المسلمين فهي مال الله المصون" 

ومتى ما وقع الإفساد توجب على المصلحين التحرك لاحتوائه والقضاء عليه ولاسيما إذا ما كان أحد طرفي المعادلة هو المسئول عن هذا الفساد كما هو يزيد، ولذا خرج الإمام الحسين (ع) مدفوعا بالواجبين الديني والأخلاقي تحت شعار "هيهات منا الذلة" لإصلاح الأمة، وقد شاء الله سبحانه أن يجعل من ثورة الحسين واستشهاده وسيلة الإصلاح الأنجع لأن نتائج الثورة أحدثت حراكا مجتمعيا نبه المسلمين إلى المؤامرات التي كانت تحاك ضدهم، وجعل الكثير منهم يترفعون عن إطاعة السلطان ويتمسكون بما يريده الرحمن، فحفظت ثورة الحسين للإسلام ديمومته واستمراريته وبقائه، وهذا يعني أن الإصلاح المرجو قد تحقق حتى وإن لم ينتصر الحسين عسكريا.

اما بخصوص جواب الشق الثاني من السؤال فأقول: خاطب الحسين جموع المحتشدين لقتاله بقوله: " كونوا أحرارا في دنياكم" أي انه عليه السلام كان يريد لكل المسلمين بكل فئاتهم وفرقهم ومللهم ونحلهم أن يعيشوا أحرارا في دنياهم، تنطبق عليهم كل مواصفات الإنسان الحر بما فيها الحرص على وحدة الإسلام والمسلمين ووجوب الدفاع عن بيضة الإسلام وأرض المسلمين والعمل على توحيد كلمة الأمة ولم شملها على كلمة سواء بعيدا عن الولاءات الطائفية والمذهبية والعرقية والسياسية. ونحن إذا ما أحيينا ذكرى الثورة الحسينية بروحها النقية البعيدة عن التحريف والإضافات إنما نعيد لها مكانتها بما يجعلها قادرة على إحداث الإصلاح في مجتمعنا

وإذا آمنت فرقنا الإسلامية بنقاء وحقيقة هذه الثورة، وأعطتها بعدها الحقيقي بعيدا عن تهويمات الحاقدين وتحريض النفعيين وخبث المأجورين ودوافع المصلحيين ومزايدات السياسيين ممكن أن نستلهم من روحها كل شرائط الإصلاح المطلوب للدين والأمة، فالحسين لم يكن محسوبا على فئة من المسلمين بل كان يمثل الإسلام كله، وليس من حق أي فئة أن تدعي تمثيلها لثورة ومباديء الحسين من دون المسلمين الآخرين، كما ليس من حق احد يدعي الإسلام أن لا يعترف بثورة الحسين وشرعيتها.

ونحن متى ما أيقنا بوجود هذه المشتركات بيننا ممكن أن نبدأ بتطبيق الشعار الإصلاحي الحسيني لإعادة بناء الأمة كما يريدها الحسين لا كما أرادها يزيد وأتباعه.  

* أستاذ كيف يجتمع المسلمون على مناهج الثورة الحسينية وهناك يرى في بعض الشعائر الحسينية ما ينتقد نهجهم التعبدي بما يشكّل عائقا يحول دون التوحد على كلمة الحسين فما رأيكم في ذلك؟

أنا أرى أن بعضا من الشعائر الشعبية الحسينية الطارئة يحتاج إلى المراجعة وهذه ليست دعوة إلى تغيير الحقائق أو التخلي عنها، وإنما هي دعوة للتخلص من الإضافات غير المستحبة. كما أني أتوافق كليا مع من يدعو إلى تنقية ذكرى الثورة الحسينية من الطواريء المبتدعة ولكني في ذات الوقت ارفض أن يختزل البعض هذه الثورة العظيمة بشعارات طائفية فيها تطاول على الحسين وتكذيب للكرامات، وإذا كان هناك من يدعي أن بعض الشعائر الحسينية تفرق الأمة فعليه أولا أن يؤمن بأن ثورة الحسين جاءت لتوحد الأمة بدلالة قوله عليه السلام: "أني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا ولكني خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص)" ولذا يجب على من يؤمن أن الحسين قتل بسيف جده أن يغير هذه القناعة الساذجة بكل ما تنطوي عليه من تحريف، فالإيمان بمثل هذه الخرافات هو الذي يدفع المحبين للحسين ليبتكروا كل ما يؤكد حبهم للحسين وتعلقهم به تماما كما لكل فعل رد فعل.

وأنا أدعو إلى تحويل مناسبة استشهاد الإمام الحسين إلى مناسبة للوحدة الإسلامية

وأرفض البدع كما رفضها علماؤنا الأجلاء، ولكن أذكر أن البكاء على الحسين ليس بدعة واستذكار ثورة الحسين ليس بدعة والتعلق بنهج الحسين ليس بدعة والسير على خطى الحسين ومحاربة الظالمين كما حاربهم الحسين ليس بدعة.

إننا جميعا بكل أطيافنا ممكن أن نحول المناسبة الحسينية إلى ساحة لتلاقح الأفكار وترديد الأذكار والتخويف من النار والإسهام في بناء ثقافة الإنسان المسلم وفق ما يبتغيه الإسلام المحمدي، وقد آن لنا أن ندرك أن التطور والتبدل لا يمنع أن تتنوّع المواقف أحياناً تبعا للتطور المحلي والعالمي بما لا يخل بروح العقيدة، والعقيدة تصبح أقرب إلى قلوب الناس متى ما تساوقت مع الطبيعة السوية للإنسان.

إن من العار على المسلمين أن يتحدوا على تشجيع فريق كرة قدم أجنبي لا ناقة لهم ولا جمل في خسارته وفوزه ولكنهم لا يجتمعون على حب ابن بنت نبيهم ولا على شعارات ثورته الإصلاحية، بل من العار أن يجتمعوا على تشجيع فريق كرة قدم محلي ويختلفون بشأن أحقية الحسين بالثورة على الظلم.

إن فوز أو خسارة فريق كرة القدم لا علاقة لها بحسابك يوم الدين ولكن موقفك من الحسين هو الذي يحدد نوع الحساب والامتحان الأخروي الذي تواجهه ولذا أذكركم بقول الإمام علي عليه السلام: " خذوا من مقركم لمستقركم"

إن المخاطر التي تحيق بالإسلام كله والتطاول الذي يصدر من هذا البلد أو ذاك بحق سيدنا النبي الأكرم (ص) وباقي رموزنا الإسلامية، والأفلام والصور الكاريكاتيرية المسيئة، والدراسات التي تصور الإسلام بأنه الخطر الأكبر وبأنه عدو التحضر والتقدم وتصور المسلمين بأنهم جميعهم إرهابيين قتلة وتدعي بأنه لا يوجد جناح معتدل في الإسلام توجب علينا أن نقف وقفة واحدة كما وقف المسلمون مع النبي، ولتكن الثورة الحسينية مفتاح هذا الجمع وسبيل هذا اللقاء.   

* اعتاد مقدموا البرامج أن يطلبوا من الضيف كلمة أخيرة، وفي الكلمة الأخيرة التي أطلبها منك أتمنى أن تبين لنا ماذا عنى الحسين بالأمس وماذا يعني الحسين اليوم؟

هذا سؤال كبير يمتد كبره ليغطي مساحة التاريخ الإسلامي كله بدأ من أولى مراحل الخلاف الإسلامي الإسلامي وصولا إلى خلافات يومنا الحاضر.

·       الحسين بالأمس: كان مشروعا بنائيا يقف قبالة مشروع تخريبي

·       كان أمة تريد الحفاظ على قدسية المباديء التي جاءها بها رسولها

·       كان أنموذجا للإنسان العقدي الكامل المستعد للتضحية بنفسه وأهله وماله وكل ما يملك نصرة للدين الحنيف

·       كان مدرسة أبوابها مفتوحة للجميع لينهلوا مما فيها من معارف وعلوم

·       كان امتدادا لخط النبوة وممثلا لفكر الرسالة

·   الحسين كان بالأمس عنوان كرامة أمة أراد الله لها أن تعيش كريمة، وأراد الطغاة لها أن تركع لهم حتى ولو أوسعوا ظهرها وسلبوا مالها وعبثوا بأعراض شريفاتها

والحسين كما هو بالأمس هو اليوم، كل ما في حسين الأمس باق إلى يومنا الحاضر سوى أننا اليوم أشد حاجة للحسين منا في أمسنا، فبالأمس كان الخطر الذي يتهددنا داخليا وكان الخلاف محصورا بين الأخوة وأبناء العمومة، أما اليوم فالمخاطر التي تتهددنا أكثر من أن تحصى والمؤامرات التي تريد القضاء على ديننا أكبر من نقدر عليها بدون الدعم الحسيني، نحن اليوم بأمس الحاجة لحسين يقودنا، لحسين يتقدم صفوف، ولو كان إيماننا كاملا وإسلامنا صحيحا لتمكنا من خلق حسين جديد يوحد كلمتنا.

النور


التعليقات




5000