هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سيدة المخلوقات (الجمـيـمـة) سيدات الخريف الأخضر(4)

فيحاء السامرائي

              

غروب متخثر آخر يندلع حولها وفيها بعيونه وعيوبه، تنسلّ من أحشائه كائنات دميمة  بذيول وذبول سحيق، تدبّ نحوها بلجاجة ولزوجة أينما تذهب...حين تروح للمطبخ، تتعثر خطاها بأشواك وحشة رمادية، حين تمشي لغرفتها، تستبقها تكشيرة  جزع أزرق، وحين تروح للصالة يجلس جوارها جسد خيبة بارد...تتمادى مخلوقات غريبة في استباحة حياتها، فتنبري مرارة مضنية لإطفاء أضواء الدار، وتقفل لاجدوى جهاز تلفزيون، كما وتُصمت عزلة هاتفها...ولدهشتها وعجزها، تنفث تلك المخلوقات غير المرئية هواءً إبرياً مسنوناً، يشقّ طريقه نحو روحها بمضاء، ويتحول صوته من حسيس الى هسيس، يخرق لفح أخطبوطي له قلبها ويستوطن فيه، بعد أن يعطل يديها عن كل فعل، بل ويستلب بفظاظة رحم تفكيرها لتكون عقيمة من كل أمل في أي عمل، وفي حالة فقر في قفر...

و بدون سابق نيّة، وعلى نحو سريع ، ترتدي معطفها، تستنجد بالباب وتعدو خارج دارها، تاركة وراءها جوقة عاوية من خبوّ وخذلان وخدر وخمود، صاحبتها طوال يومها.

ريح ناعقة ناخرة، تتسلل الى الريق والطريق...ومن تحت مصابيح الشارع، يتكشف بجلاء نثار رذاذ هميم، وعلى الأرض، تختلط أوراق شجر حمراء وصفراء بأوراق يانصيب غير رابحة وبراز حيوانات بيتية وبقايا قيء لمخمور متشرد...يتعالى من دار قريب نباح كلب عنيد وصوت بكاء صبي، يتداخل مع لهجة حادة لأمرأة، ربما أم  تؤنب، ومن شباك مفتوح على الشارع، ترتفع عقيرة رجل بزعيق عارم وكلمات بذيئة حانقة على شخص لا يرد عليه.

ما لا تعقله، كيفية احتلال مخلوقاتها الدميمة بصرها وسمعها وروحها ومتى...لعلّ  أمضى سلاح لمناجزتها، ترانيم أثيرة تستلّها من حنجرتها، وتنكّه بها وقت كربها، (يا حبيبي كل شيء بقضاء، ما بأيدينا خلقنا...)...نغمة كانت على وشك أن تفلت من فمها، لكنها تعدل عنها وتغصّ باللحن المتغضن...تدرك أن احساسها الجميل صار مستعبداً وغير مستبعد عن بشاعة وشناعة تلك المخلوقات...وهاهما قدماها تتجهان صوب أكثر مكان كانت تفضل الابتعاد عنه، وتعلقان في نسيجه.

حول قبور قديمة في مقبرة تحاذي دور سكنية مجاورة، يتعرش نبات علّيق ولبلاب على أشجار بتولا وزان نفضية عارية، وأمام بصرها، تمتد شواهد رخامية بيضاء ورمادية، ومزهريات مفجوعة بموقعها وبزهور بلاستيكية محشورة فيها دون أنفاس، ينعكس عليها ضوء مصابيح بعيد، فتبدو وكأنها آخر لوحة لرسام يودع بها الحياة...مشهد يذكّرها بأشدّ ما تخشاه، أن تموت وحيدة...على شاهودة قريبة مكتوب: السيد جيـ...من سنة كذا الى سنة كذا...ربما مات هذا السيد وحيداً دون أن يفهم الآخرين أو يفهمونه...السيدة أسـ...ترى ما سبب موتها؟ ربما خديعة وغدر لمعشوق...السيد أج، الآنسة آر، السـ... أمر شائع هنا أن نجد في بعض الشوارع قطعاً مخطوطاً عليها: (هنا عاش فلان الفلاني المشهور بكذا، من سنة كذا حتى سنة كذا)... وللحيوانات الأليفة نصيب من التخليّد بمخطوطة: (هنا عاش القط بوكي من سنة...).

يخطر في بالها قول أحد الأدباء " الجثمان وليس الانسان من يحتاج الى جدث"...قد يحتفظ الناس بذكريات مادية للجسد وإرث بهكذا حرقة وحرافة للذكرى، ليقولوا لمارة عابرين، هيا عيشوا حياتكم، ستكونون يوماً ما هنا، كما لوح أو حجر، فما سرّ غرائز منسوجة فينا كحب حياة وخلود؟ وما نفع خلود بعد فناء جسد؟ كيف نعلم وننشرح بإشادة الغير بنا بعد زوالنا مادياً؟ الحياة  أقصى ما يهمها الآن.

لا ريب هناك راهناً، ناس يفقهون مصير حتمي للبشر، غير أنهم يعيشون حياتهم بسعادة حتى نهاية يستقبلونها غير نادمين، يحثون خطواتهم نحو سعي لا نعي...وهناك من يعرف هذه الحقيقة ويتجاهلها، واضعاً أياها في مؤخرة رأسه، ويدَعون الحياة تسير بهم بلا أدرية وبدون تفكير وتعكير، وهناك أيضاً من يلغي حياته ويجلس مع مخلوقاته الدميمة بانتظار لحظة النهاية...وهناك من وجد هدفاً لحياته واستخدمها بصورة حسنة، ومنا من لم يلمسها وتركها كما هي...من منهم ينعم بحياة أفضل، ويسلك صواباً وحكمة؟ هل بمقدورنا امتلاك إرادة قادرة على دحر وهن وإخفا ق، وتسرّب لآمال وأحلام تنسكب من ثقوب حياتنا سدى؟ كيف نتحكم بمصائرنا ورغائبنا وصيرورة حياة جئنا لنحيا بها، لا أن نفنى فيها؟...كيف يمكن أن نقلل من نسبة خساراتنا ونخفف من ثقل فقداناتنا؟ ما هو صمغ الحياة الذي يشدّنا اليها؟ هل هو حبنا لحياتنا ولأنفسنا وللغير ومبادلتهم حباً ممائلاً لنا، كما يجزم كثيرون سعداء لم يستسلموا لما يسوء الحياة؟

تتعالى أصوات ضحكات من دار تسير أمام بابه، وترأف هدأة ريح بما تبقى من ورق تعلّق بأغصان شجرة، تستريح عليها عصافير صغيرة وتنفض أجنحتها...تكفّ غيوم عابرة عن إنجاب مطر، فيطلّ بزهو فوق رأسها، قمر أشيب مهيب...لليل محامده أيضاً، فلولاه لما لمحنا ضوء القمر.

تتوقف في دائرة الضوء، تحدّق في ظلمة دجى هامد، وفي سطوع سراج نيّر...تتمعن بحقيقتين موجودتين على الدوام...عتم وضياء، مرارة وهناء، عسر ورخاء، قنوط ورجاء، قبح وبهاء، انحدار وعلاء، خواء وامتلاء، هبوط وارتقاء، حياة وفناء.. ومثلما هناك مخلوقات دميمة تحضرها، هناك في النفس العجيبة أيضاً، مخلوقات جميلة تعادلها، حين تسحب طرفي فمها ابتسامة جذلة، وتسيل ذكرى في روحها  كقطعة حلوى، ويقفز بانشراح الى سمعها، لحن يبعث على ابتهاج.

قد تحضر مخلوقات (جميمة) في يوم واحد، فتكون جميلة ودميمة في آن واحد، تشكّل سر الحياة وحقيقتها وعظمتها في تكويناتها وسيرورتها، من خلال تناقضاتها وتنوعاتها وتلاوينها وتعثراتها وصراعاتها...لا تشك الآن في، أنها هي، من تصنع مخلوقاتها بنفسها، وأنها، من يستطيع محو ذلك الفارق الشاحب الرحيب، بين الملاحة والدمامة...ومثلما هناك غروب وغربة وغدر وغل، هناك أيضاً غبطة وغناء وغزل وغفران...و(القلب نفسه تستهدفه الرصاصة والوردة، والوجه نفسه تأتيه الضحكات والبكاء، والشفاه نفسها تذوق العسل والسم).

 

 

 

 

فيحاء السامرائي


التعليقات




5000