..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
إحسان جواد كاظم
.
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سركون بولص يصل إلى مدينته الأخيرة

نوّارة لحـرش

سيزداد الخريف غيما وحزنا لرحيلك سيرتعش المطر أمام غيابك المرير
سيجهش الشجر العاري من فرحه في حضرة بهاءك العالي/ في حضرة الشعر ، ولا بهاء عال غير الشعر ...كم كان وقع خبر موتك / غيابك / رحيلك موجعا وحزينا ومؤلما
حين وصلني الخبر من صديقي كمال العيادي ..لم أصدق ...قلت ربما هو عنوان فقط لمقالة ثقيلة الدم وثقيلة التفاصيل ...لكن حين تمعنت في قراءة الخبر أدركت أن الأمر حدث فعلا و أن الموت سيد الحقائق المرة ...(إنا لله و إنا إليه راجعون) ...رحل الشاعر العراقي سركون بولص إذن ؟  هامة عالية في الشعر الذي كتب وفي الشعر الذي عاش. الآشوري الهارب من كركوك ليفتح العالم من سان فرانسيسكو ،كان من سادة قصيدة النثر و أعلامها الكبار ، بلا إدعاء أو تكلف أو طلب للشهرة كما فعل ويفعل غيره ،لذلك نزل خبر مرضه وموته في برلين على الأوساط الثقافية العربية التي أجمعت على أنه شاعر مفرد ،شاعر متفرد لن يتكرر في هذه السنوات العجاف التي تسقط على رؤوسنا ،فقال عنه سعدي يوسف أنه الشاعر العراقي الوحيد ، و كان حدث موت الشاعر طاغيا على الصحافة العربية التي غزاها العراقيون التائهون في العالم في رثاء هو أقرب إلى رثاء الذات منه إلى الإحتفاء بكبير رحل .  لكن هل مت حقا يا بولص ...؟ هل يموت الشاعر الذي ظل عمره كله وهو يحترف التغريد الرفيع النبرات ...؟
هل يموت الشاعر حقا ...؟ ...هناك مقولة مفادها : "حين يفرح الشعراء تكون الحياة إستثنائية ". فهل أقول أنا الآن : " حين يموت الشعراء تكون الحياة حقيقية "؟؟؟. إذن لا تحزن ، لأنك في الحياة الحقيقية الأبدية و نم قرير العين والشعر والبال ...نم قرير الغربة والمنفى والوطن .. نم قرير الحلم والأغنيات نم قرير الحياة ..أصدقاءك هنا تحت شرفتك يغنون لك بكل ألق الوجدان.

*:يجب التنويه هنا بأن بعض الشعراء قدموا نفس الشهادة إلى أكثر من جريدة عربية.

تحقيق / نـوّارة لـحـرش

  

  

 فاطمة ناعوت / شاعرة ومترجمة مصرية

   

يا سركون، مازلتُ أنتظرُ النبيَّ!

 

"هذه الساعة التي ستدنينا/ أو تفرقنا أو تذكّرنا بأن ليلتنا هذه/ قد تكون الأخيرة/ نعرفُ أنها خسارةٌ أخرى/ سيعتادُ عليها القلبُ مع الوقت/ فالوقتُ/ ذلك المبضع في يد جرّاح مخبول/ سيعلمنا ألا ننخدع بوهم الثبات." من ديوان "حامل الفانوس في ليل الذئاب" سركون بولص. وكان لقائي الأولُ به هو الأخيرَ فعلا.

 لم أترك بابَ صديق من الأدباء إلا طرقته بحثا عن وسيلة اتصال به من أجل مستر يان-فيليم آنكر. رقم تليفون. إيميل. عنوان بريدي. أي شيء! الكلُّ أجابني أن أرقامه سريّةٌ وأنه يحب عزلته التي اختارها لنفسه في سان فرانسيسكو منذ عقود.  فلماذا لا تدعوه وشأنه فحسب؟ لكنني يجب أن أتصل به، كيف أدعُ فرصةَ لقاءٍ به تفوتني؟! بعد دعوتي للمشاركة في مهرجان الشعر العالميّ بروتردام في دورته الثامنة والثلاثين هذا العام، راسلني آنكر، أحد مسؤولي لجنة المهرجان، قائلا إنهم كانوا يودون دعوة سركون بولص، الشاعر العراقي الكبير، لكن أعيتهم سبل الوصول إليه! لذلك ما باليد حيلة وسأكون وحدي العربية!  وأنا كذلك يا يان أعيتني الحيل. لكنني لن أيأس كما يئستم. فمَن أجملُ منه يمثّل شعراء العرب في مهرجانكم الهولنديّ؟  وحصلت بعد جهدٍ على إيميله من صديق استحلفني ألا أخبر عن اسمه كيلا يغضب سركون. وراسلوه. ومن طيب الظروف أن لبّى وشرّف المهرجان بحضوره الجد جميل.

مادام يحب العزلة، أقول لنفسي، فبالتأكيد هو شخصٌ باطنيٌّ غيرُ اجتماعيّ ولا يحبُّ الناس.ّ واللقاء به، فضلا عن مرافقته أسبوعا كاملا، سوف يكون عملا ثقيلا وصعبًا. واطمأننتُ لقراري بعدم الاقتراب منه، والكلام معه في أضيق الحدود. على أنني لم أعد أذكر هذا القرار إلا الآن فقط فيما أكتب رثاءه. إذ بمجرد لقائي به لم أجد إلا أحد أجمل من خلق الله من بشر. روحًا وبساطةً ورقيًّا وتواضعًا مشوبًا بنرجسية رفيعة تليق بالشعراء. لكن ثمة وعدًا لم يتم. فحين يعرف افتتاني بـ" نبيّ" جبران، يعدني أن تكون أول نسخة، من ترجمته العربية التي يتوفر عليها تلك الأيام، لي.

غير مسموح لك أن تدخن على مقربة منه، بسبب آلام حنجرته. لكنك لن تعرف هذه المعلومة منه، فهو أرقُّ وأرقى من أن يطلب هذا، بل من أصدقائه العراقيين الذين سيتوافدون من أنحاء أوروبا ليلتقوا بحبيبهم المهاجر إلى بلاد العم سام منذ عام 1969. لكي يتجمهروا حوله في مظاهرة حبٍّ تلقائية لا تخلقها إلا حالٌ حقيقية من الإكبار والمحبة والفخر بهذا الشاعر الذي أنجبه العراق ليعتلي قمّةَ الشعر العربي مع قلة ممن يشاكلونه قامةً وعلوًّا.

أمسيةُ الافتتاح كانت مبرمجة ليلقي فيها كل شاعر قصيدة حول "كلمة" يحبها وتتكرر في شعره ويعدّها ملهمتَه. وحده سركون بولص صعد المنصّة يقول: وماذا عن الكلمة التي "لا" أحبها؟ ثم قرأ قصيدة عنوانها: "الرئيس". لاعنا فيها كلَّ قامعٍ مستبدٍّ فاشيستي. وهل أسوأ من الرئيس لدى الشاعر؟ الشاعر الذي يؤمن ألا شيء فوق الشعر إلا الحرّية، وألا رئيس لدى الإنسان إلا نفسه وكلمته.

 

سعدي يوسف / شاعر عراقي مقيم في لندن

الشاعرُ العراقيّ الوحيـــد

 

 

في تمّوز ، هذا العام ، وفي الجنوب الفرنسيّ ، في مهرجان لودَيف تحديداً ، ألتقي سركون لقاءً  غريباً .

كنتُ أعرفُ أنه في لودَيف ، قادماً من لقاءٍ شعريّ بروتردام ، لكني لم  أجده في الأيام الأولى . انطلقتُ باحثاً عنه في الفنادق والمنازل ، بلا جدوى . أنا أعرفُ أنه مريضٌ ، وأنه بحاجةٍ إلى انتباه واهتمامٍ ... لم " أعثرْ " عليه في هذه البلدة الصغيرة التي لا تصلحُ أن تكون بوّابةً  حتى لنفسها ...

سألتُ عنه أصدقاء ، فلم يجيبوا .

عجباً !

وفي صباحٍ باكرٍ . عند مخبزٍ يقدم قهوة صباحٍ  . رأيتُ سركون جالساً  على الرصيف . كنتُ مع أندريا . قبّــلتُه : أين أنت ؟

كان شاحباً ، مرتجفاً من الوهَن ، محتفظاً بدعابته  : في الساعة الثالثة فجراً طردتْني  مالكةُ نُزْلِ الورود.

La Roseraie

 كانت تصرخ مرتعبةً  حين وجدتْني متمدداً على أريكةٍ في البهو . سهرتُ مع خيري منصور وغسان زقطان . هما ذهبا ليناما في غرفتَيهما . لا مجال لي للعودة إلى الغابة . قلتُ  أنام قليلاً هنا حتى انبلاج الصبح . لكنّ السيدة جاءت ...

سألتُه  : عن أيّ غابةٍ تتحدّث ؟ ( ظننتُه يهذي ) . قال بطريقته : إي ... الغابة التي اختاروا مسكني فيها . ليس في المسكن فراشٌ مجهّز . المكان مقطوع . هناك سيارة تصل إلى المكان مرةً واحدةً في اليوم !

أخبرتُه أنني بحثتُ عنه في كل فنادق المدينة ومنازلها .

قال إنه ليس في المدينة !

جلسنا معه على الرصيف .

فجأةً لمحتُ إحدى المسؤولات عن المهرجان تخرج من باب منزلها .

ابتدرتُها  بالفرنسية : Il va mourir dans la rue ...

سوف يموت في الشارع !

عواهرُ المهرجانات ، يستمتعن ، كالعادة ، في غرفاتٍ عالية ...

*

قلقي عليه ظلّ يلازمني .

حقاً  ، اشتركتُ معه ، في جلسة حديثٍ مشتركة ، أمام الجمهور ،  عن العراق  ، وكان رائعاً وراديكالياً كعادته ، ذا موقفٍ مشرِّفٍ ضد الاحتلال ، على خلاف معظم  المثقفين العراقيين . أقول إن هذه الجلسة المشتركة التي بدا فيها  أقرب إلى العافية ، لم  تخفِّفْ من قلقي عليه .

رأيتُه آخر مرةٍ ، في منزل الوردِ التعيس ، حيث جاء به أنطوان جوكي ومصوِّرُ سينما . قالا إنه سوف ينزل هنا ( المهرجان أوشك ينتهي ) . ظلاّ يرهقانه بمقابلةٍ تافهةٍ

ثم أخذاه فجأةً إلى خارج منزل الوردِ . سألتُهما : أين تمضيان به ؟ إنه مريض .

أجابا : هناك  إجراءٌ  رسميّ ( توقيع  أو ما إلى ذلك ) ينبغي أن يستكمَل !

قلتُ لهما : إنه لا يستطيع السير . دعاه يستريح . نحن نعتني به .

قالا : لدينا سيارة !

انطلقت السيارةُ به ، مبتعدةً عن منزل الورد .

في الصباح التالي غادرتُ لوديفَ إلى غير رجعةٍ .

*

قلقي عليه ظلّ يلازمني .

اتّصلتُ بفاضل العزاوي في برلين . ألححتُ عليه أن يتابع حالة سركون .

سركون في غُرَيفةِ مؤيد الراوي .

ثم اتصلتُ ثانيةً . قلت له إن سركون في المستشفى .

طمْأنني فاضل عليه .

لكني لم أطمَئِنّ .

*

هذا الصباح ، ذهب خالد المعالي ، يعوده ،  في المستشفى البرليني ، ليجده ميتاً ...

( التفصيل الأخير تلقّيتُه من صموئيل شمعون الآن ... )

*

ذكرتُ أن سركون بولص هو الشاعر العراقيّ الوحيد ...

قد يبدو التعبيرُ ملتبساً .

لكن الأمر ، واضحٌ  ، لديّ .

سركون بولص لم يدخل الشعر إلا من باب الشعر الضيّق .

بدأ في مطلع الستينيات ،  مجهّزاً ، مكتمل الأداة ، مفاجِئاً وحكيماً في آن .

لم يكن لديه ذلك النزق ( الضروريّ أحياناً ) لشاعرٍ شابٍّ  يقتحم الساحة .

سركون بولص لم يقتحم الساحة . لقد دخلَها  هادئاً ، نفيساً ، محبّاً ، غير متنافسٍ .

كان يسدي النصيحةَ ، ويقدم أطروحة الثقافة الشعرية الرصينة ، مقابل الخصومةِ ، والمشتبَكِ ، والادّعاء .

لم يكن ليباهي بثقافته ، وإن حُقّتْ له المباهاة .

هو يعتبرُ الشعرَ نتيجَ ثقافةٍ عميقةٍ وممارسةٍ ملموسةٍ  .

سركون بولص يكره الإدّعاء !

*

وأقول إنه الشاعرُ الوحيدُ ...

هو لم يكن سياسياً بأيّ حالٍ .

لكنه أشجعُ كثيراً من الشعراء الكثارِ الذين استعانوا برافعة السياسة  حين تَرْفعُ ...

لكنهم  هجروها حين اقتضت الخطر !

وقف ضدّ الاحتلال ، ليس باعتباره سياسياً ، إذ لم يكن سركون بولص ، البتةَ ، سياسياً .

وقفَ ضد الاحتلال ، لأن الشاعر  ، بالضرورة ، يقف ضد الاحتلال .    

سُــمُوُّ موقفِه

هو من سُــمُوّ  قصيدته .

*

لا أكاد أعرفُ ممّن مارسوا قصيدة النثرِ ، شاعراً  ألَمَّ  بتعقيدات قصيدةِ النثرِ ، ومسؤولياتها  ، مثل ما ألَمَّ سركون بولص . مدخلُهُ إليها مختلفٌ تماماً .  إنه ليس المدخلَ الفرانكوفونيّ إلى النصّ  الـمُنْبَتّ ، في فترةٍ مظلمةٍ من حياة الشعر الفرنسيّ :

رامبو  مقتلَعاً من متاريس الكومونة ...

مدخلُهُ  ، المدّ الشعريّ الأميركيّ . مجدُ النصّ المتّصل .

أطروحةُ تظاهرةِ الطلبة ، حيثُ القصيدةُ والقيثارُ والساحةُ العامّة .

قد لا يعرف الكثيرون أن سركون بولص كان يطوِّفُ مع فريقٍ ،  لإلقاء الشعر في البلدات الأميركية والقرى ...

طبلٌ وقيثارٌ وهارمونيكا ...

*

قصيدتُه عن  " السيد الأميركيّ " نشيدٌ للمقاومة الوطنية في العراق المحتلّ !

*

سركون بولص ...شاعر العراق الوحيد !

  

قاسم حداد / شاعر بحريني

سركون عليك السلام

أخشي أننا سنفقد نكهة كاملة في حركتنا الشعرية بوفاة الصديق الشاعر سركون بولص.

 ليس ثمة كهولة ولا شيخوخة، سركون بولص من الفتوة إلى الرحيل، كأن حياته هي الشعر الذي يكتبه، وليست الزمن الفيزيائي الذي يستغرقه، وهي ميزة لا تحدث كثيراً في الواقع، الشعراء فقط قادرون علي ذلك. سركون ظل الفتي الذي لا يكتهل ولا يشيخ. قصيدته حصنته ضد الزمن.
كان أحد الشعراء الذين لم يتوقفوا للانشغال بتوصيف ما يكتبون، فقط كان مؤمناً بشعر يذهب إليه بثقة الطفل في حلمته الأولى. يلثغ، يتمتم، يتلعثم، ينهنه، يشهق، وتعال اسمعه عندما يقهقه الطفل.
سركون بولص كان يفعل كل ذلك ليكتب شعراً من الطفولة.
لعله كان يشعر بأن أفضل طريقة لإقناع العالم بضرورة الشعر وجماله وجدارته، هي كتابة الشعر الجيد والجميل والصادق. سركون كان يفعل ذلك فقط، يفعله كمن لا يريد شيئا آخر.
بالرغم من ورشة الجدل والسجال واحتدام النقاشات التي اشتهرت بها جماعة كركوك ، ليس في أوانها فحسب، ولكن حتي سنوات قريبة حين دارت نقاشات حولها، بقي سركون بولص بعيدا عن الدخول في هذا السجال النقدي (أدبا وتاريخاً)، معتزلا في نصه الشعري فحسب.
المرة الوحيدة التي التقي فيها، قبل سنوات في مهرجان الشعر في مسقط، لم نتبادل كلمة واحدة عن الشعر، كان مأخوذا بالحياة أكثر عندما يتعلق الأمر بالعلاقة الإنسانية المباشرة، طفولته المسترخية منذ سنوات هي التي بقيت منذ ذلك اللقاء، وبعض اتصالات هاتفية قليلة يوم كان في أمريكا. صوته الرهيف حد التعب لم يكن يشبه صورته الشعرية الصارمة.
كلما غاب شاعر صديق فقدتُ جزءاً من نفسي.الآن، وحشة عميقة ستجتاح حركتنا الشعرية بغياب سركون بولص .وحزن عظيم، أعزي فيه جميع الأصدقاء لهذا الفقد الفادح.




 

اسكندر حبش / شاعر وصحفي لبناني

  

لا حدود بين الكلمة والحياة

كان من قلة قليلة أشعر بانتمائي إليه، إلى عالمه الشعري الذي سحرني ولا يزال. أشعر فعلا أني فقدت أحد آبائي الذين أدخلوني إلى القصيدة الجديدة وإلى الكتابة الشعرية في ما بعد. صحيح أني لا أنتمي إلى قصيدته كتابة، أي بمعنى استعادتها والنسج عليها، لكن هذه المخيلة النابضة التي كان يتحلى بها، كما لغته الجديدة البعيدة عن تهويمات شعر تلك الفترة، فتحتا لي آفاقا عديدة في الكتابة الشعرية. أعتقد أني جئت من هذا الاختلاف، من هذه المجموعة التي خرجت من كركوك وضمت كثيرين غيره. بمعنى آخر، تعنيني أكثر تجربة مجلة «الشعر» العراقية أكثر من نظيرتها اللبنانية، لأنها جعلت من الشعر قضية إنسانية بامتياز، بينما توقف الفكرة اللبنانية عند قضيّة اللغة. قول لفاضل العزاوي في كتابه «الروح الحية» (كتابه حول تجربة الستينيين العراقيين) ولا أستعيده هنا إلا للدلالة على هذه الحركة التي فتحت وعيا حقيقيا لم ينتبه له الكثيرون، بالأحرى لم يرغبوا في الانتباه إليه، إذ كانوا مهتمين بقضايا أخرى، غير شعرية بالدرجة الأولى.
سركون كان واحدا «من أولئك» الذين تقرأهم، ويبقون حاضرين معك طيلة حياتك. قرأته للمرّة الأولى في بداية الثمانينيات، يومها كنا نبحث عن مصادر شعرية جديدة، غير تلك التي تعرفنا عليها. حشريتنا هذه قادتنا إلى اسمه، وكانت الصعوبة أن نبحث في المجلات القديمة عن نصوصه الكثيرة، التي لم يجمعها إلا في الثمانينات، في ديوان أول، بعنوان «الوصول إلى مدينة أين». كتاب حقيقي لجيلي، في تلك الفترة (مع أشعار وديع سعادة وعباس بيضون)، اللذين قادانا إلى عوالم أخرى، بدت بهية بكل اختلافاتها التي صدمت وعينا بنص لم نكن على دراية به. صحيح أن القراءات استمرت وتعرفنا على أصوات أخرى، وأصبحت مصادر الشعر لدينا، تغرف من وجهات أخرى، إلا أنها كتب حفرت عميقا، وأظن أنها لا تزال.
قلة هم الذين جمعوا بين الحياة والشعر، كان يعيش شعره إلى أقصاه، ويكتب حياته إلى أقصاها أيضا. ألغى الحدود الفاصلة بين الكلمة والحياة. جعل من الأمرين منبعا واحدا، ليرسم عالمه الخاص، الاستثنائي.
لا أريد أن أرثي شاعري. صحيح أن فقدان شاعر بحجم سركون بولص، لا بد أن يترك فجوة ما، في الشعر، في الحياة، في اللغة عينها. وصحيح أن (الإيميل( الذي يصلني صباحا من خالد المعالي يدخلني في كآبة، لا أعرف كيف الخروج منها، إلا بليتر من الفودكا، إلا أنه يكفي أن نعود لنقرأ شعره، لنحس كم أن هذه الحياة تفقد الكثير من معناها. هذا ما سأفعله: سأقرأ شعره اليوم، وأمامي هذه القارورة. فقط لنقول كم كنا نحبك. لنقول كم أنت سمجة أيتها الحياة.

 

جمانة حداد / شاعرة وصحفية لبنانية

  

في رحيل أسد آشور

  

مات سركون بولص. مات ذاك الذي "باع حياته ليشتري عينين وفيتين".

مات شاعر شعر الليل. شعر الارتجاف. شعر المصير المعلّق تحت مقصلة سيف دائمة. شعر العزلة والهشاشة والعجز بمعناه النبيل. شعر ضرب الرأس بالجدار. شعر اللاضجيج والانتي ايديولوجيا. شعر الانتماء الى الانسان والتحرّر من أثقال الذات نفسها. شعر الوقوف على الحافة. شعر الحساسية العالية والنبرة الخافتة. شعر الشغف بالشعر. مات سركون بولص. مات بعدما قال إن "الموت سيدٌ عطشان/ سيشرب كلَّ ما في آبارنا من نفط، وكلَّ ما في أنهارنا من ماء". أمس كتبتُ أخبره أني أحيّيه لا أرثيه. واليوم، أيضاً، اليوم خصوصاً، أحيّيه لا أرثيه.

محطات كثيرة في حياة هذا الأسد الأشوري: ابن الحبانية هو، لكنه ابن بيروت ايضاً. لولب من لوالب "جماعة كركوك" العراقية بقدر ما كان وتداً من أوتاد "شعر" اللبنانية. كتب قصيدته الأولى في الثانية عشرة من عمره عن "الصياد"، وهو صيادٌ بامتياز. انتقل في الطفولة من الحبانية الى كركوك، وفي شبابه من كركوك الى بغداد، وبدأ في نشر شعره وقصصه وترجماته في مجلات وجرائد عراقية وعربية. عام 1963، وبعد رحلة مضنية عبر الصحراء العراقية - السورية، وصل إلى دمشق، ومن هناك تسلل في غفلة من حراس الحدود إلى بيروت. بيروت مختبر التجديد والحداثة والطليعية والفوران والحرية. بيروت الحرية أولاً. هنا عمل في مجلة "شعر" محرراً ومترجماً، وعندما ضاقت به السبل قرر أن يهاجر إلى أميركا. استقر به المطاف في سان فرنسيسكو، المدينة التي أحبها، وكتب عنها قبل أن يراها. هناك تعرف الى أشهر الأدباء الأميركيين، واحتكّ عن كثب بجيل "البيت" من أمثال ألن غينسبرغ، جاك كيرواك، لورنس فيرلينغيتي وسواهم. أما الرحلة الأخيرة فمن سان فرنسيسكو الى برلين، حيث أتى للعلاج، فوافته المنية صباح أمس في أحد مستشفياتها. مات سركون بولص. مات رغم أنف الشعر الذي لم يستطع أن يخلّصه. مات رغم أنف محبتنا له، نحن عارفيه عن كثب، ومحبّيه عن بعد. مات قبل أن تصدر مجموعته الجديدة "عظمة اخرى لكلب القبيلة". مات رفيق جان دمو وجليل القيسي وأنور الغساني ويوسف الحيدري وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي. مات شاعر الشعر بصفته شعراً معيشاً قبل أن يكون قصيدة مكتوبة. مات شاعر الشعر بصفته انتحاراً يومياً على الورق.

كتب سركون يوماً: "البضاعة الوحيدة التي تشبه الذهب هي الطريق".لا شك عندي في أن الطريق التي يمشيها الآن، ذهبُها من صنيع خطاه.

 

أكرم التميمي /كاتب وشاعر عراقي

سركون بين شموخ العراق و عناقيد الإغتراب

الحزن كان ضيفي المفضل وصور الذكريات تتمايل بين جدران مسامعي لأطعن بتلك المسافات  واخفف ثقل المعاناة على أروقة الشعر . وقبل أن تفيض متاهات الغربة وهي تطوف على ساحة الشعراء لتقتنص منهم ما أطاب لها فقد ذابت رصاصات الموت بين القصائد والدواوين .إرث من الشعر يحمله سركون بين شموخ العراق وعناقيد الاغتراب . وموجات الحنين تتحطم على حروف  قصائد ه  ./. غرفة مهجورة / شهود على الضفاف

أساطير وتراب /حامل الفانوس في ليل الذئاب . 

وبعد أن توقع ما يحدث في العراق قال الرجل : فات الأمل وزاد الألم/ شدوا الضحية بين أربعة  من الأفراس جامحة / جنود يسكرون جنازة عبرت وراء التل / هل جاء البرابرة القدامى من وراء البحر ؟ هل جاؤوا ؟/ و حتى لو بنينا سورنا الصيني سوف يقال جاؤوا

إنهم منا وفينا  جاء آخرنا ليضحكنا ويبكينا.

 فقد حمل مشروعه الشعري من العراق وإلى العراق فقد التحم بلغته رغم غربته

وبلهجته المتميزة ... فماذا  يقول الشعر ...

هو شاعر ستيني اقترن شعره بالحداثة لتواصله المستمر واعتزازه بلغة الإبداع

وتناول أكثر من قضية وأهمها رسالته الشعرية حين إعتبر الشعر مشروعا للحفاظ على اللغة والتعبير.من أجل الوطن .

 

نوّارة لحـرش


التعليقات

الاسم: نوارة لحرش
التاريخ: 18/11/2007 11:47:47
العزيز عقيل الجابري
فعلا الكاتب سركون قامة مهمة ومائزة في الشعر
وفي المشهد الشعري ليس العراقي فقط بل المشهد الشعري العربي ككل .. وهو أكبر من كل كلام و من كل احتفاء ..
شكرا لك عميقا لتواجدك الكريم ...

محبتي وتقديري
نوارة

الاسم: عقيل الجابري
التاريخ: 16/11/2007 12:15:14
الكاتبة المبدعة نوارة

كل ما كتب عن الشاعر الراحل هو جزء بسيط لايتعوض ومع ذلك فان اختيارك لهذا اللون من الكتابة هو قمة في الابداع وبارك الله فيك يا متألقة وصاحبة القلم الحر ..

عقيل الجابري

الاسم: نوارة لحرش
التاريخ: 13/11/2007 20:17:34
العزيزة وفاء عبد الرزاق
فعلا الشاعر ضوء وهو لا يموت ولا ينطفيء
لأنه أبدا على قيد الحياة الحقة وقيد النور وقيد الشعر
محبتي لك وامتناني
نوارة

الاسم: وفاء عبدالرزاق
التاريخ: 13/11/2007 18:07:39
عزيزتي نوارة

الشاعر ضوء كما هذه الاضواء التي مرت بسركون بولص
لولاها ليبس غصن الحياة . سيدتي ..الشعراء خبز ومن كان خبزا لايموت.

الاسم: نوارة لحرش
التاريخ: 13/11/2007 17:59:24
العزيز سلام مهدي هذاأبسط ما يمكن أن أقوم به تجاه قامة شعرية فاخرة وبهية ...وهو تكريم معنوي و وجداني للشاعر الكبير ولشعره ...
شكرا لك من القلب
مع خالص المحبة
نوارة

الاسم: سلام مهدي
التاريخ: 13/11/2007 16:48:54
الكاتبة الرائعة نوارة
ان اختيارك في تسليط الضوء على منبر الشعر الذي يحمل سركون هو اجمل اختيار وكان في محله ...
سلم قلمك وسلمت الاقلام التي كتبت عن سركون .
انه شاعر السحر والليل وشاعر الحب والامل .
سلام مهدي




5000