هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أوديب ألكترونياً

فيحاء السامرائي

 

ليس بخافٍ دور مؤثر للتكنولوجيا وتجليات عميقة لها، تترك بصماتها على كل مجالات حياتنا في عالم اليوم، ولا بغريب أن تصبح الثقافة التكنولوجية الرقمية وتقنية المعلومات والإتصالات أحد أهم سمات عصرنا، ولايزال التقدم العلمي والتقني متواتراً، فنكاد نجد كل يوم موقعاً جديداً وخدمة جديدة ومعلومة جديدة...ولا يمكن للمسرح أن يكون معزولا عن البيئة الثقافية والاجتماعية والتطور العلمي والتكنولوجيا الغازي لمجمل ميادين الحياة.

( أنتم يا من أرهقكم الجسد، وأحرقكم المرض...من تمتلكون قلباً ضعيفاً في أحشائكم...انظروا...أنا أطير...أنا سأترككم...أرفعوا رؤوسكم...ستجيء سماء ألطف حين أرحل عنكم...ومع ذلك، من يدنو من الموت أو من لازال يحتفظ بحياة واهنة، يمكن له أن يسحب قدر ما يستطيع من نشقات الهواء...هيا اذهبوا...امنحوا مساعدتكم للذين تُركوا للموت... سآخذ معي كل وبال الأرض...مصائركم ذابلة ورعب مزلزل بالأرض ويباب ومهالك سوداء ويأس مجنون...)

 

تلك ترتيلة من تراتيل أوديب، يرددها ممثل بصوت ألكتروني، لا على خشبة مسرح تقليدي بصالة وستارة، بل في رواق من أروقة صالة (تيت برتن)، ولا تنطلق من معبد أغريقي في بلاد طيبة، بل من خلال جهاز عرض مسلط على جدار صالة  في أحد أروقة تيت بريطانيا، وفي استخدام صادم وعصري للتكنلوجيا الحديثة بشتى المؤثرات الصوتية والبصرية المصاحبة للمسرح الألكتروني...جلس جمهور (تيت) على الأرض*، بعد أن ارتدوا فوق ملابسهم أردية بيضاء تشبه الأكفان، تغطي رؤوسهم أعطاها إياهم طاقم العمل الفني، ليكونوا امتداداً لممثلين تماهوا مع الجمهور في اللباس، واعتمدوا تقنية تعبيرية إيمائية للأداء الجسدي كفنّ البوتو، يستعيونون بها لتفجير طاقة كامنة للروح من خلال الجسد، ترافقها موسيقى ألكترونية وسينوغرافيا حديثة مبهرة، تمنح المشاهدين أكثر من مفتاح للتفسير وللفهم.

سبق أن قدمت جامعة غرينتش المسرحية، حين أقامت ورشة عمل فنية  خاصة بالمسرح الألكتروني، درّس فيها المخرج الصربي (فهرالدين سالحبيغوفتش ننو) فن التقنيات البصرية، وحاضر عن الاخراج المسرحي فيها، المخرج العراقي (حازم كمال الدين) المقيم في بلجيكا، والذي تمتد تجربته في المسرح لسنوات طوال، منذ أن كان في مدينته الصغيرة الحّلة في منتصف السبعينات، مروراً بتجربته مع فرقة المسرح الفني الحديث، واليوم، وهو يمارس الاخراج والتمثيل المسرحيين، ولدية أكثر من 25 عمل مسرحي تجريبي، إضافة الى الكتابة المسرحية لأكثر من عشرين نص، وأخيراً محاولات لتحويل بعضها الى نصوص سردية، كروايتي (أورال- شفاهيات) و (عند مقام السيدة). 

يعرّفك بالمسرحية مخرجها حازم كمال الدين: (نحن الآن في (تيت)، في صالة فنية معروفة بـإسم (الديوفينز)، وفي عام 2027...في حدث مستقبلي يصّور ما بعد الرؤيوية، حيث يصبح الجميع من ممثلين ومشاهدين في معسكر كبير لللاجئين. ويُحكى أن هناك رجلا يدعى أوديبس، رفض الانحياز الى أي طرف من أطراف النزاع في الحروب الدائرة، وحاول الهرب عن طريق التغلغل الى برنامج كومبيوتري اسمه (دخول) ، هذا البرنامج يتيح لمعرفة عالم الكومبيوتر، حيث أنه عالم يخلو من الشرور والكراهية والأمراض والموت...وبعد فترة وجيزة، يتمكن أوديبس من حل سر شفرة تحمي البرنامج وهي كلمة (انسان)...فتنقل شخصيات المسرحية الى عالم الكومبيوتر، كما يعتقد أوديبس، لكنهم يدخلون من برنامج فيروسي اسمه أبو الهول أو الـ (سفنكس)، والذي يحاول منع أوديبس من الوصول الى كلمة ( دخول)  في برنامج يؤمن السماح بالدخول...وهكذا بدأ حكم أوديبس، لنرقص...)

 

في أسلوب تغريبي جديد، يلجأ مسرح الخيال العلمي (ساي فاي) أو ، أو المسرح الرؤيوي السايبري* في الارتكازعلى  دمج مستحدث بين أنظمة ميكانيكية وعضوية مع نظم اصطناعية وألكترونية، في تحديث للرؤية الفنية ومواكبتها لمحور العصر الحالي والمستقبلي الزاخر بتقنيات تكنلوجية حديثة في شتى صورها،  كمؤثرات صوتية وبصرية وكوريوغرافية وامكانيات ليزرية ورقمية مرئية وسمعية عالية، وبتصميم حركات متوالية للجسد وتكويناته ونقلاته الراقصة ومرونته  وآليته بطريقة ينعكس عبرها الفكر والوجود الانساني، في نزعة ترمي الى كسر التقليد وخلق مهارات جديدة، تمسك مفتاح العصر القادم المتواتر السرعة والتغيير وترتكز على التكنولوجيا، باعتبارها الأداة والمنفذ الرئيسي لتحقيق رؤى الفنان المسرحي ذي المخيلة النافرة من المعتاد السائد والمألوف الشائع.

يعلن المذيع في الجهاز التصويري العاكس والمبثوث على حائط الصالة، وعبر تلفزيون بلدة (تي بي) أو (طيبة):

(ماهو سبب الوباء في (تي بي)؟ من سمح لهذا الكرنفال المجنون لعديمي الضمير والأخلاق ليحكموا ويسيطروا ويحطموا هذه الدولة؟ من هو الملوّث ومن هو الناجي؟  من تمثيل سفنكس الرقمي، يتألق أوديبس باحثاً عن المعنى الحقيقي المختفي وراء الشفرة السايبرية (انسان)، وبعد جهد جهيد يجد بأن الشفرة (الخلود) ليست كلمة ( انسان) وانما ( الإله).  

عمل  كلاسيكي ذائع كأوديب، كتبه الأغريقي سوفوكليس، يقيناً، يحظى بعشرات نصوص مماثلة يكتبها عشرات من المؤلفين من زمن سينيكا حتى فولتير وكوكتو وجيد وكورناي وتوفيق الحكيم وعلي سالم ولويس عوض ومصطفى عبد الله وغيرهم، وتجسّده معظم الأعمال الأدبية والفنية في العديد من المسارح والصالات في كل العالم، ويمثّله كثير من المبدعين بمختلف الرؤى الفنية، أبرز تلك الأعمال على سبيل المثال، كانت على مسرح الفضاء الفارغ عام 2005 في أمريكا، و في المسرح الوطني البريطاني، أداء رالف فينس عام 2008 ، و برؤية اخراجية أخرى متميزة على مسرح خارج المسرح في استراليا عام 2009 ...ويساهم الكثير من الادباء والفنانين على إضفاء رؤية معاصرة على تلك الاسطورة التي تنسلّ من رحم  فكرة قلق انساني موغل في العمق، وقسوة مصير لا فرار منه يتربص بالانسان وقدره (مثلما يتربص بنا الموت بعد الحياة وتتكون البذرة في الثمرة، ويتشكل الطابع الحتمي لقوانين الشرط الانساني)، مروراً بتصدعات سايكولوجية ناجمة عن شخصية تراجيدية للبطل (مذنب وبريء في الوقت ذاته)، وما تطرحه في عقل ونفس المتلقي من شفقة وخوف حول الانسان، الذي عبّر عن جوهره سوفوكليس ببالغ دقّة، حين كتب: ( ليس هناك أجمل وأفظع من الانسان)، وفي النهاية يتحقق مفهوم الـ (كاثارسس) أو تطهر البطل بقدره المأساوي وتقدمه بصورة آلية نحو كارثته، فيتجسد هنا في موقف أوديب حين سمل عينيه قائلاً: (حتى لا ترى الشمس انساناً دنساً فعل أكثر الجرائم شناعة)، ويقصد بذلك، جريمتي قتل أبيه والزواج من أمه، تدقّه بقسوة وبقوة مطرقة القدر كمسمار مستقيم نحو نهاية مرسومة لا صدفوية.

و من هنا، تناول المفكرون والفلاسفة والأدباء فكرة، هل الانسان حر، أم هناك قوى عظمى تحدد وتشكّل مصيره؟ وتساءلوا كذلك، هل يسلك سبيلا نكوصياً باتجاه القدر الأزلي المقرر له؟ وماهو دور الكهنة آنذاك، وصانعي القرارات اليوم في إطلاق نبوءات وأفعال غرضها بسط سلطان الدين أو السياسة والاقتصاد على كل مظاهر الحياة؟...فكما نعلم، تقف الحضارات المتنوعة اليوم عند مفترق الدروب بين الدين والعقل، أو بين قوى شريرة وعنيفة وبين الانسان الذي لم يعد حرا لأن تقرير مصيره يكمن في أيدي تلك القوى، فلا غرابة أن نرى صورة الرئيس الأمريكي بوش معكوسة على الحائط عبر جهاز العرض السينمائي (البروجكشن)، واقفاً معه المخرج كمال الدين في رؤية اخراجية متميزة وناقدة ولافتة للملاحظة والتساؤل، تخلق في الاذهان فكرة أن النظام العالمي اليوم لا يهتم بنوايا وإرادة الأنسان ومصيره، قدر اهتمامه بالحفاظ على ذلك النظام، حتى لو اضطر الى سحقه وبناء صرحه على شقاء وتعاسة بني البشر.

في نهاية العرض، يبدي شاب يجلس على يساري رأيه بالمسرح الألكتروني والمسرحية:

- (واو...كول)...أنه مسرح العصر، مسرح متحرك وسريع التأثير وفعال وجريء، فيه جمالية عالية وتقنية مدهشة صادمة، أنه دراما  مواكبة للتطور خلصت من شرك وقت محدد وانبثقت من زمن آخر وبقيمة شمولية...سئمنا المسرح الحواري الخامل...لقد أعجبتني، هذا هو مسرح المستقبل، من خلاله وصلتني الرسالة سريعاً وبشكل أتقبله ويناسبني، لأدرك تالياً بأن العالم الحالي يسوده فقر أخلاق لسياسيين يؤثرون مصالحهم على مصالح ومصائر غيرهم، وينثرون فوضى وخراب، ويتحكمون بأقدار بشر يسيّرونهم بقراراتهم، فيمسون قدرنا في واقع عصرنا، كما كان قدر أوديبس المأساوي محصوراً بيد الآلهة.

أما آخر، أكبر سناً، تململ قليلا قبل أن يقول باسماً:

- رغم أنني لست محافظاً الى حد كبير، لكني لا أدعّي بانني أتقبل كل جديد بسهولة، أجد حالياً عيناي قد تشوشتا، وانخرمت طبلتا أذني...لا أدري، أظن أن هذا ليس مسرحاً بل ضجيجاً مرتجلاً، بالغَ في الحماس والاعتماد على توظيف تقنيات رقمية حديثة بشكل ربما عشوائي وغير مستقر، أنه إعلان ضوئي أو كافيه سايبري في أحد مقاهي لندن الشبابية، ولو كنت أنا أحد الممثلين، لوجدتني  الآن على نقالة في طريقي الى المستشفى، أعاني من خلع في فقرات ظهري من كثرة التلوي والزحف على الأرض...لم يشف هذا النوع من المسرح غليلي، كما شفي القدر غليله من أوديب.

 ويبقى المسرح الألكتروني في الواقع، يمور بصراعات متباينة لوجهات نظر مغايرة وأخرى مرحبة، ويثير الكثير والعميق من الجدل، ويمكن أن يتقبله المشاهدون ويكسب شرعيته إذا ما يتفاعل مع الواقع بمستوياته الانسانية والجمالية والحرفية والثقافية، وينتج ذائقة فنية وثقافية نائية عن تقنيات  وبهرجة اعلانية مستهلكة، ويصير ضرورة فنية ترتقى بالمتلقي، ولا تجرّد عملية الابداع الفني من المشاعر والأحاسيس والعواطف الانسانية، كما لا تجملّها بزخرفة ألكترونية ترفيهية.

 

 

_________

 متحف مخصص للفنون في لندن، تأسس في سنة 1897 بإسم (المتحف الوطني للفن البريطاني) وتبدل اسمه عام 2000Tate Britain*

* عرضت المسرحية في 4 نوفمبر 2011

(ACT) Apocalyptic cybernetic Theatre *

 

 

 

فيحاء السامرائي


التعليقات

الاسم: ناهض عبدالصاحب البلداوي
التاريخ: 2011-12-06 15:38:52
الزميلة فيحاء السامرائي تتحدثيين عن تكنلوجيا يفتقدها العرب وخصوصا نحن في العراق فالمسرح يعتبر من اهم واجرء الفنون لانه تصوير حي ومباشر امام الجمهور ولكن في العراق الى الان نستعين بالراقصات لجلب الجمهور لمشاهدة المسرحية وهناك كلمات تخدش الحياء ولكن لا من رقيب فالتكنلوجيا الرقمية لم تدخل العراق الا بعد تغير كامل وفرمتة لعقول تحجرت في حب المادة




5000