..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تحليل قصيدة يحيى السماوي (حين تكونين معي)

عصام شرتح

تحليل قصيدة يحيى السماوي  (حين تكونين معي)

من كتاب "أساليب الشعرية و تشكيلاتها الفنية عند يحيى السماوي"

قيد الطبع

 

بقلم : عصام شرتح / سوريا

 

قبل الدخول في فضاءات القصيدة الجمالية و الدلالية؛ نتساءل ما الذي يجعل بعض النصوص الشعرية عالية الجودة؛ شاعرية في أفقها و فضائها الدلالي و بعضها الآخر دون ذلك؟ و نتساءل لماذا بعض القصائد تكون مسكونة بهواجس الإبداع و مسكونة بهواجس التجاوز؛ و مسكونة بهواجس الإدهاش و الخرق و الإبتكار؟ و إننا دون أدنى شك عندما ندخل عالم الشاعر يحيى السماوي ندخله و نحن متأكدون بأن هذا العالم سيبهجنا و يمنحنا دفئاً يؤنس روحنا و يكسر حاجز الجليد و الصقيع الذي ينتابنا في حياتنا الروتينية؛ إن الشاعر يحيى السماوي يكوينا بمعاناته لنحسّ بنبض كلماته و هي تخترق أعماق قلوبنا بقشعريرة الإبداع و دهشة التأمل و بعد الرؤيا؛  إن الشاعر في هذه القصيدة الموسومة بـ "حين تكونين معي" يأخذنا في فضاء صوفي من الإحساس و التأمل و الإبتكار يجعلنا نتنفس كلماته و نحن مؤمنون أن هذه الكلمات ستخرجنا من قوقعة الجزئي إلى الكلي؛ و من السكون إلى الحركة؛ و من الألفة المعتادة إلى اللمعة و الدهشة التصويرية الخارقة و اللامعتادة؛ فحين نفتتح القصيدة نفتح معها قلوبنا لتسكر أرواحنا برفيف كلماته التي تأخذنا إلى فضاء التميز و الإبداع؛ و ما يدهشنا أن الجملة تخلق إثارتها من حرقتها الشعورية أولاً؛ و من إيقاعها الصوتي المتناغم ثانياً؛ و من بكارة الصور و كثافة الرؤية ثالثاً؛ و من حيوية التمركز الفني في التلاعب بالأنساق اللغوية لتحرك في داخلك إبداعاً في اللغة، و إبداعاً في الرؤية، و إبداعاً في التشكيل التصويري الجميل؛ و إبداعاً في المشهد الشعري الذي يخلقه بكلمات سهلة مأنوسة قريبة من روح القارئ و إحساسه؛ و لهذا سنقف على أبرز مظاهر الإبداع في هذه القصيدة و هي:

1 - جمالية الإلفة اللغوية:

و هي الإلفة التي يخلقها بين الكلمة و الكلمة؛ و الجملة و الجملة، و الصورة و الصورة، لتأتي القصيدة عبارة عن نسق متناغم يبث حركة الذات و إحساسها بعمق و تآلف فني عجيب و مثال ذلك فاتحة قصيدته المدهشة؛ إذ يقول فيها:"

حين تكونين معي

يبردُ جمرُ ال " آهْ "..

ويفرش الرّبيعُ ليْ سريرَهُ

فينثرُ الوردُ على وسادتي

شذاهْ

وتنسجُ الضفافُ ليْ

ثوباً من المياهْ

ومن حرير عُشبهِ

تنسجُ ليْ حقولهُ مَلاءةً..

ويضفرُ الصّباحُ ليْ

أرجوحةً ضوئيّة َ الحِبالِ من ضُحاهْ

والليلُ

يغدو ضاحِكاً دُجاهْ

فيجلسُ الطيرُ إلى مائدتي

مُنادِماً هوادجَ الغناءِ في

قوافلِ الشّفاهْ"

إن أجمل ما يميز هذا المقبوس قدرة الشاعر على خلق الكلمة الشاعرية التي تبث عواطفه المتقدة سمواً و صبابة و وجداً و عشقاً ؛ و هذا العشق يذكرنا بعشق المتصوفة الكبار؛ ليخلق لنا عالمه الشعري بكثافة جمالية يأخذها النسق الشعري على مستوى الصور؛ لخلق الألفة اللغوية الجذابة التي تنقل النص من الألفة المعتادة إلى الدهشة أو الصدمة التصويرية اللامعتادة؛ كما في قوله:

" تنسجُ ليْ حقولهُ مَلاءةً..

ويضفرُ الصّباحُ ليْ

أرجوحةً ضوئيّة َ الحِبالِ من ضُحاهْ

والليلُ

يغدو ضاحِكاً دُجاهْ

فيجلسُ الطيرُ إلى مائدتي

مُنادِماً هوادجَ الغناءِ في

قوافلِ الشّفاهْ"

إن هذه الألفة التي يخلقها بين لفظتي "أرجوحة - و ضوئية الحبال" و لفظة "الليل" و لفظة "دجاه" يخلق دهشة نسقية تزيد درجة غرابة الصورة من جهة؛ و درجة دهشتها من جهة ثانية خاصة بالقفلة الجمالية النسقية المدهشة " قوافل الشفاه " و "هوادج الغناء"؛ و هذه الألفة حركت النسق الشعري و أعطت القصيدة دهشة في المدلول و دهشة في الإيحاء الشعري و دهشة في الحيّز التصويري و دهشة في الحيّز الإيقاعي التناغمي الصوتي؛ و هذا ما تفشى كذلك في باقي الأسطر الشعرية؛ و للتدليل على ذلك نأخذ قوله:"

حين تكونين معي

يهربُ من فصولِنا الخريفُ

ترتدي الرّباباتُ المواويلَ

يُقيمُ العشقُ مهرجانهُ..

فكلُّ خِلٍّ

يلتقي خليلهُ..

وكلُّ صبٍّ

يلتقي نجواهْ..

يُطِلُّ " قيسٌ " راكباً جوادَهُ

وخلفهُ " ليلاهْ "..

و " عروةُ بن الوردِ " يأتي راكباً سحابة ً

تقودُها " عفراءُ "..

و" الضِّليلُ " يأتي شاهراً منديلهُ

و " العامِريُّ " يلتقي " بُثينةً "

ويلتقي رُباهُ

صبُّ الفراتينِ الذي شيَّعَ

في منفاهْ

طفولة َ النخلِ

وشيَّعَ الهوى صِباهْ!"

إن ما يدهش القارئ هذا الخلق الإبداعي المتنامي على صعيد الصورة و الألفة النسقية بين الصور الجزئية و القوافي الشطرية و الكلمات المتناغمة المتفاعلة في بنيتها الصوتية؛ لخلق ما يسمى بـ النغم المدهش أو النغم الشاعري الذي يفجّر حركة النسق ليولد الجناس الصوتي المنسجم مع حركة الكلمات و إيقاعاتها الصوتية كذلك؛ بمعنى أن الشاعر يخلق الألفة الإيقاعية التي تنساب مع الأصداء الدلالية و البؤر التشكيلية لإدهاش القارئ و نقله من الألفة المعتادة في التشكيل إلى الدهشة و التبئير في الدلالة و التعبير و مثالنا على ذلك قوله:

" حين تكونين معي

يهربُ من فصولِنا الخريفُ

ترتدي الرّباباتُ المواويلَ

يُقيمُ العشقُ مهرجانهُ..

فكلُّ خِلٍّ

يلتقي خليلهُ..

وكلُّ صبٍّ

يلتقي نجواهْ.."

إن هذا البث الجمالي الذي يخلقه الشاعر بين لفظتي "فصول" و "الخريف" و "الربابات" و "المواويل"؛ و "خل" و "خليل" و "نجواه" يخلق دهشة في الانتقالات اللغوية لإثارة القارئ و قلقلة توقعه و زحزحة تصوره لإدهاشه و نقل الصورة المثيرة التي تفجر كامل النسق الإبداعي؛ و هذا ما يجعلنا نحكم على شعريته بأنها شعرية الألفة و الدهشة اللغوية و التصويرية التي تحلق بفضاءات القصيدة لدى يحيى السماوي.

2 - دهشة التصوير و الفواصل الشطرية المتناغمة:

إن هذه القصيدة تؤكد ما قلناه من سابق: " إن شعرية السماوي شعرية متناغمة متماوجة كتموج البحر هدوءاً حيناً؛ و ثورة و هيجاناً حيناً آخر؛ و هذا الأسلوب ينقل صوره من الألفة المعتادة إلى الدهشة اللامعتادة في خلق لغة تصويرية مثيرة و فواصل شطرية متناغمة؛ تثير القارئ و تحلق بالنسق الشعري؛ و مثالنا على ذلك قوله:

" حين تكونين معي

يجيئني البستانُ

يسْتحْلِفني باللهْ

مُلتمِساً فسيلةً جديدةً

تحفظُ نسْلَ البَلَحِ الصّوفِيِّ

لو أقفرَتِ الحياهْ

حين تكونين معي

تكشفُ عن أسرارها الأسرارْ

ويفتحُ القميصُ ليْ بوّابة َ الفردوسِ

عبرَ فتحة الزّيقِ التي

غادرَها الخِمارْ

نسْتبدِلُ الأدوارَ:

شهرزادُ تسْتلقي على سرير صدري

وأنا الراويةُ الساحِرُ شهريارْ

أقصُّ ألف قبلة ٍ وقبلةٍ عليكِ

حتى يطلعَ النهارْ

فأقطف القرنفلَ ..

البنفسجَ..

السَّفرجَلَ..

التفاحَ..

والجُمّارْ..

وأجمعُ الفِضَّة َ..

والياقوتَ..

والسُّنبلَ

في كأسِ فمي ..

يسيلُ من أصابعي الضوءُ

ومن حنجرتي الأشعارْ

حين تكونين معي

تفيقُ من سُباتِها

الأمطارْ

تُخرِجُ ليْ لؤلؤها

البحارْ

وتُصْبحُ الضحكةُ قنديلاً

يُضيءُ الدارْ"

إن الشاعر يخلق الصورة الدهشة التي تتبدى في جاذبية النسق؛ و جاذبية الإيقاع و جاذبية الأصوات المتناغمة على مستوى الجملة؛ فالسماوي لا يخلق الصورة المثيرة فحسب؛ و إنما يخلق الإيقاع المتناغم مع أصداء الذات و رؤاها على المستوى الدلالي؛ بمعنى أن السماوي يُفاعل الصوت؛ و يفاعل الحركة؛ و يفاعل الدلالة، و يفاعل الحدث؛ و يفاعل الرؤية؛ و يفاعل المشهد الكلي بشكل عام؛ و لو دققنا في مثيرات البداعة التصويرية لديه في النسق التركيبي السابق كما في قوله:

" حين تكونين معي

تفيقُ من سُباتِها

الأمطارْ

تُخرِجُ ليْ لؤلؤها

البحارْ

وتُصْبحُ الضحكةُ قنديلاً

يُضيءُ الدارْ"

إن الشاعر يفاعل النسق اللغوي و يثيرنا بهذا التمازج التصويري بين حركة الأفعال التالية: "تكونين - تفيق - تخرج - تصبح - يضيء" يؤكد هذا الإبداع التصويري الذي ينساب مع الحركة الصوتية للكلمات لتبث دلالاتها المشحونة بقلق الذات المبدعة و سعيها إلى الإنصهار في بوتقة الأنثى "الأنثى الخالقة / أو أنثى الخلود"؛ و لهذا فإن قارئ هذه القصيدة يعجب أولاً بإيقاعها الصوتي ثم بانسجامها التصويري ثم بلغتها الممزوجة بالحرقة و التوق للوصال؛ بلغة ذات شحنة صوفية تخرج من وميض الكلمات و جراحها على فرن الذات القلقة المتسائلة التي تخرج من باطن روح اغترابية حزينة كروح يحيى السماوي.

3 - جمالية العاطفة و سموها الروحي:

قد يتساءل البعض هل يمكن للعاطفة أن تكون ذات جمالية بحد ذاتها؟! و هل يمكن للعاطفة المنصهرة عشقاً و توقاً للأنثى أن تخلق شعراً؟! و هل يمكن لمن عشق و امتزج العشق بروحه أن يصبح شاعراً؟! أقول نعم يصبح شاعراً ليس باللغة و إنما بالروح و المشاعر و من يعشق فهو شاعر و من لا يعشق لا يمكن أن يكون شاعراً حقيقياً؛ و إن العاطفة أحياناً تصنع شاعراً يفيض بروحه و لا يهمّ إن كان يفيض بكلماته؛ إننا نلحظ أن شعرية السماوي كانت حصيلة المثيرين الإبداعيين معاً : العاطفة المتقدة الجياشة التي تفيض عشقاً و وجداً و اغتراباً؛ و اللغة الإبداعية المتقدة بحنكة الكبار و العظام من الشعراء؛ ليخط اسمه ببريق كلماته على جدار الإبداع بمثير عمق التجربة أولاً و جمالية اللغة الشعرية ثانياً؛ يضاف إلى ذلك بريق الكلمات و الصور الغزلية و سحرها كما في قوله:

" سيّدتي البتولَ

يا مُسرفة َ الدَّلالِ:

لا تأخذي بما يقولُ عاشِق ٌ

في لحظةِ انفعالِ..

قلبي وإنْ أغْضَبْتِهِ لمّا يزلْ

طفلاً بريءَ القوسِ والنِّبالِ!

لستُ الذي يُمكِنُ أنْ ينتهِرَ النهْرَ

وأنْ يغضبَ من تشبُّثِ الجبالِ..

هل يزعلُ العصفورُ من سماحةِ البيدَرِ؟

والزَّهرُ من الرَّبيعِ؟

والصّقرُ من الأعالي؟

لا تأخذي بما يقولُ عاشقٌ

أغْضَبَهُ أنّ التي هامَ بها

عصِيَّة ُ الوصالِ!"

إن انسياب العاطفة و اتقادها يجعل من الصور ذات إيقاع جميل ينساب من عبير الروح و شذا المشاعر؛ فالجملة لديه حصيلة انسياب روحه و تموج عاطفته الغرامية التي تتقد وجداً و عشقاً إلى أنثى الحلم / أو أنثى الخيال؛ فالشاعر لا يولد إلآ من رحم الأنثى؛ و المبدع لا يولد إلا من رحم المعاناة؛ و شاعرنا ولد من الاثنتين معاً؛ و هنا يولد المبدع الحقيقي؛ و السماوي في صوره شاعر حقيقي أحس بالأنثى فأسطرها؛ و أحس بالأنثى فعشقها و كانت ملحمته منذ البدء و ملحمته قبل مغادرته قطار الحياة؛ إننا في المقطع السابق نلحظ سمواً في حيوية النسق التصويري؛ و انسياباً جمالياً في إيقاعية الكلمة و الجملة؛ كما في قوله:"

" يحدِثُ أنْ أشيدَ في خيالي

منارةً فرعاءَ مثلَ جيدِكِ النائِمِ

خلفَ بُرقع ٍ وشالِ!

يحدِثُ أنْ أجعلَ من عينيكِ

قنديلينِ

في مُعْتكفِ ابتِهالي..

يحدِثُ أنْ

أزرعَ

في خيالي

حديقةً فوق سهولِ الخصْرِ ياحبيبتي

يُحيطها بُستانُ بُرتقالِ..

يحدثُ أنْ أنسجَ

في خيالي

ثوباً من العشبِ..

ومنديلاً من الهدبِ..

وشالاً مُزهِراً من ورَقِ الدّوالي.."

إن المتأمل في هذا النسق الشعري يلحظ شاعرية الرؤية و عمق المشهد الشعري و فنية الصورة و درجة التهاب الرؤية و اشتعالها العاطفي بالعشق و التصوف و التأمل و التناغم الروحي؛ كما في قوله في هذه الصور المثيرة :

" يحدثُ أنْ أنسجَ

في خيالي

ثوباً من العشبِ..

ومنديلاً من الهدبِ..

وشالاً مُزهِراً من ورَقِ الدّوالي.."

فما أجمل انسيابية هذه الصور و ما أجمل اشتعالها العاطفي و سموها الروحي؛ فالسماوي كل يوم يؤكد شعريته؛ و يؤكد سموه كشاعر و كإنسان و كعاشق عشق الحياة؛ فرسم عشقه في كلماته؛ و رسم إخلاصه في أفعاله؛ فجاد علينا بروائح شعرية عطرة تنساب كل حين؛ فما أجمل انسياب هذا المقطع الذي يذكرنا بشعرية "بدوي الجبل"؛ و شعرية "شوقي بغدادي"؛ إذ يقول فيه:

" يحدثُ أنْ أجعلَ من يديكِ

في خيالي

سوراً

يقيني من ذئابِ وحشةِ الليالي..

يحدثُ أنْ أسوقَ نحوَ بيتِكِ

النُّوقَ العصافيريَّة َ..

الغزلان َ..

والهوادجَ التي تئِنُّ تحتها جِمالي..!

يحدثُ أنْ تُسافري يومينِ عني

فأحَطِّم الكؤوسَ كلها

وأعلِن الإضرابَ عن كتابةِ الشعرِ

وعزفِ العودِ

والجلوسِ في حديقتي الوارفةِ الظِلالِ..!

يحدثُ أنْ تزفَّكِ البحارُ ليْ حوريَّةً

يرمي بها الموجُ إلى

رمالي.."

إن سحر الكلمات و بريقها الأخاذ يأخذنا إلى عالم شاعري بريء؛ فيه من الشفافية و العشق و التوق للأنثى ما يجعله يسبح في بحر الإبداع؛ و سحر النغم الذي ينساب عشقاً بين كل كلمة و صورة قد بثها في المقطع السابق؛ فما أجمل قوله:

" يحدثُ أنْ أجعلَ من يديكِ

في خيالي

سوراً

يقيني من ذئابِ وحشةِ الليالي..

يحدثُ أنْ أسوقَ نحوَ بيتِكِ

النُّوقَ العصافيريَّة َ..

الغزلان َ..

                                                                           " والهوادجَ التي تئِنُّ تحتها جِمالي..!

إن أجمل ما في هذا النسق الشعري توالي القوافي وفق فواصل متقطعة؛ مما يجعل الصورة المدهشة تخلق درجة إدهاشها من المباغتة التشكيلية الإضافية أو المُضافة أو الوصفية كما في الأنساق التالية:" النُّوقَ العصافيريَّة / وحشةِ الليالي" و هذا ما يجعل لغته الشعرية تنبض حيوية على صعيد التشكيلات اللغوية و درجة إبداعها و هذا ما نلحظه كذلك في قوله:

" يحدثُ في خيالي

أنْ تزعلي مني

لأني لمْ أقبِّلكِ مساءً

غيرَ ألفِ قُبلة ٍ..

يحدثُ أنْ أكتبَ في خيالي

قصيدةً

تعجزُ أبجديّتي عن نقلِها

من مرجَلِ اشتِعالي ...

يحدثُ أنْ يُجْلِسَني خيالي

عرشَ المُنى ..

يجلِسُ عن يمينيَ الأطفالُ والطيورُ

والملوكُ عن شمالي..!

وكلّما صفقْتُ كفي

يقِفُ الماردُ مابين يدي

مُلبِّياً سؤالي!

يحدثُ في خيالي

أنْ أهزمَ الطغاةَ..

والعُتاةَ..

والأباطِرةْ

وكلَّ ما في الأرضِ

من جبابرةْ

يحدثُ أنْ أطهِّرَ الحقولَ

من كلِّ الجَرادِ البشريِّ

في بساتينِ الفراتينِ

وفي " الجليل "..

" يافا "..

وحقولِ " الناصرةْ "

وأسْرجَ الخضرة َ في القفارِ

حتى تسْتحيلَ جنّةً أرضِيَّةً

ضاحِكة َ السِّلالِ..

يحدثُ أنْ أقيمَ جسرَ الودِّ

بين الشّاةِ والذئبِ

وبين النسرِ والعصفورِ

بين الضّبعِ والغزالِ..

يحدثُ في خيالي

أنّ الطّواويسَ التي تسلّقتْ

سقيفة النِّضالِ

تخرجُ من كهفِ التنازلاتِ

نحو شُرفةِ النِّزالِ.."

إن الشاعر يخلق جمالية النسق من خلال جمعه المتضادات اللغوية؛ لإثارة الحركة الشعرية؛ و إثارة المشهد الشعري؛ فالشاعر لا يولد من التآلف و الوحدة؛ و إنما يولد من الشك و الجدل و التأمل و الاستغراق؛ فلهذا أثار الشاعر المتضادات اللغوية ليتعرف على حقيقة الأشياء و مظاهر كنهها؛ فالشاعر يأخذنا إلى عالمه عبر تفعيل المتضادات التي تحكي اغترابه في هذا الواقع المتناقض الذي يغصّ بالمعكوسات و المتنافرات؛ كما في المتضادات التالية:" الشاة و الذئب - النسر و العصفور -  الضبع و الغزال" و كأن الشاعر يريد أن يجعل الكون كله متآخياً متحاباً؛ ليعيش الناس بأمان؛ و المجتمع كذلك بأمان؛ و هذا ما يجعل رؤيته إنسانية سامية؛ تشمل الوجود؛ و لا تقف حيال حاجز الذات و معاناتها فحسب؛ و قد جاءت القفلة النصية بغاية الدهشة في هذا المقطع التالي:

" يحدثُ أنْ أموتَ

في خيالي

لكي أرى دمعَكِ

حين يحفرُ الرِّفاقُ ليْ

حُفيرَة َ الزّوالِ..!!

يحدثُ أنْ أفيقَ

في خيالي

على صِياحِ دِيْكِ جُرحي

وصدى سُعالي

أو عطشي

لمائِكِ الزُّلالِ!!"

إن الشاعر يحن إلى الأنثى التي تمثل له الوطن؛ و يحن إلى الوطن الذي تمثله الأنثى؛ بهذه المعادلة يختتم السماوي هذه القصيدة؛ ليقول للقارئ إن اغترابي اغترابان؛ اغتراب عن أنثى الروح / أو أنثى الحلم؛ و اغتراب عن الوطن؛ و ما أصعب هذين الاغترابين؛ لأنهما يؤثران على مسار الذات و نمط تفكير و سلوك الشخصية الإبداعية؛ و قد استطاع السماوي بحنكة الشعراء العظام أن يمتعنا بجمالية هذه العاطفة التي تفيض إحساساً و شعوراً عاطفياً من جهة؛ و شعوراً إنسانياً عاماً من جهة ثانية؛ و هذا يؤكد لنا أن قصيدته "حين تكونين معي" تموج بسحر الكلمة؛ و تموج بجمالية العاطفة و سحرها الأخّاذ، و تموج كذلك بحيوية المشهد و الإيقاع الصوتي المتناغم من جراح الذات و أنينها و اغترابها، و معاناتها أيضاً.

أخيراً:  إن هذه القصيدة تطرح نفسها لتكون من روائع شعر السماوي؛ و ليست فقط قصيدة مطرزة في دواوينه؛ إنها شعلة من الإتقاد و التوهج الشعري؛ و الهيجان و التوتر و الفوران العاطفي؛ إنها تخرج القارئ من رحم الخمول و السكينة إلى جوهر المعاناة و الإحساس و الشعور؛ و هذه هي وظيفة الشعر؛ و هذه هي بذرة الشعرية و مكمن دهشتها و خلودها؛ التي يطالعنا بها السماوي في هذه القصيدة.

 

 

 

عصام شرتح


التعليقات

الاسم: عصام شرتح
التاريخ: 03/12/2011 16:33:24
تحية طيبة و بعد؛ إني أشكر الجميع فهم أصدقاء الروح و الكلمة الصافية و الإبداع الصادق؛ أشكر أخي العزيز الشاعر يحيى السماوي على إبداعه الصادق و كلمته الخصبة بالحس و الرهافة و الإنسانية؛ كما أشكر كل من الأستاذ فائز الحداد؛ و جواد الحطاب؛ و أشكر كذلك كل من رأى في بصيرتي إحساسه و مشاعره؛ محبتي الحارة للجميع...

الاسم: فائز الحداد
التاريخ: 18/11/2011 11:39:45
فائز الحداد
التاريخ: 18/11/2011 03:58:23
قراءة جميلة تستحق الوقوف عندها بثناء ومحبة ..
دام إبداعك أخي الناقد عصام شرشح ..
وتحية لأخي الشاعر القدير يحيى السماوي .

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 18/11/2011 09:56:30
أخي الناقد القدير عصام شرتح : أهدي مائدتك خبز محبتي ...

أشكر لك قنديل بصيرتك وأنت تضيء به مفازات قصيدتي ، بعد أن أضأت تجربتي الشعرية المتواضعة في كتابيك النقديين الثرّين " موحيات الخطاب الشعري عند يحيى السماوي " و " آفاق الشعرية / دراسة في شعر يحيى السماوي " ..

شرف لبصر مثلي أن يهتدي ببصيرة مثلك .

كما أشكر لأخويّ الشاعرين الكبيرين جواد الحطاب وفائز الحداد حسن ظنهما بأخيهما .

الاسم: فائز الحداد
التاريخ: 18/11/2011 03:58:23
قراءةجميلة تستحق الوقوف عندها بثناء ومحبة ..
دام إبداعك أخي الناقد عصام شرشح ..
وتحية لأخي الشاعر القدير يحيى السماوي .

الاسم: جواد الحطاب
التاريخ: 18/11/2011 00:15:32
بوركت يا اخي يا عصام
و( نفس عصام سوّدت عصاما - وعلمته النقد والالهاما)
فقد وقعت على النبع حقا؛ واينما مددت يديك واغترفت ستعود اليك ليس بالعذب الزلال فحسب وانما بالدر واللآليء

الشكر لابداع السماوي فلولاه لما انتبهنا الى قلم يعد بالكثير .. واماانت ايها النبيه المبدع فلك الامنيات كلهامقرونة بالودّ.




5000