هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


استذكارات (1_3): حدود النص.. حدود الواقع

عدنان الصائغ

ما أوطننا - نحن مثقفي العالم - إلا منافٍ كبرى.

حسب الشيخ جعفر

 

وتعهدت المرضى فتكشف لي من المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف.

ابن سينا

 

ما يعذب حياتك يُعذب كذلك أسلوبك في الكتابة.

فلوبير

 

بمجرد التحديق في السقف يمكنك أن ترى الكون.

ليوناردو دافنشي

- من مفكرته -

 

 

في بداية التسعينات،

بعد نهاية حرب الخليج.

والوطن محاصر من أقصاه إلى أقصاه، بين مجنزرات النظام أرضاً، وطائرات الحلفاء جواً، وشعارات الأحزاب بحراً. وبينهمم تعبر حياتنا المدمّاة، رتيبة، مثخنة بأنينها المكتوم. ونعبر نحن يائسين من كل شيء، نحاول أن نؤسس يوتوبيانا الشعرية على أنقاض ما خلفته أخطاء الحروب الخاسرة، والدكتاتورية، والخطب السياسية البلهاء.

لكن هل يستطيع الشعر أن يزيح كل هذا الركام المهول من حطام وطن ترك نثاره على كل شيء، نصاً وحياةً وأحلاماً ورؤى.

ثم إذا استطاع الإفلات من هذا الحطام، هل يستطيع أن يفلت من قيود الرقابة الصارمة ومن هيمنة الخطاب الرسمي الذي يريد لنصوصنا جميعاً أن تلبس "الخاكي" زي الخدمة الإلزامية في قانون الوطن العسكري. كأن لم يكفهم أعمارنا الناحلة التي ساقوها إلى الثكنات والخنادق طيلة ثلاثة عقود: حرباً تجر حرباً.

كانت نصوصنا تتململ داخل المنطقة المسموح بها.

تشاكس، فنلجمها - أو يلجمها الأهل والأصدقاء حرصاً - وخوفاً على حياتنا، حياتهم.

تحاذي الممنوع، تقفز على أسيجة الخطاب الإعلامي، وحين تجد نفسها وحيدة في العراء، ترتد إلى الداخل، المسيّج بالأسلاك الشائكة، خشية من رصاصة طائشة لغم مخبوء أو تقرير مخبر.

صيف عام 1992 دُعيتُ مع مجموعة من الشعراء والأكاديميين، إلى النجف للتحكيم في مسابقة مهرجان الشعر العربي الأول للشباب من كل محافظات الوطن.

جلستُ في قاعة فندق السدير الذي بني على أنقاض المقهى الذي كنا نرتاده أيام "ندوة الأدب المعاصر"، في منتصف السبعينات.

حدقتُ عبر النافذة إلى شوارع المدينة الشاحبة، وحركة الدوريات الأمنية التي كانت تمشط ليلها الطويل. كان الشعراء في ضجيجهم الجميل وتنافسهم المحموم يحاولون أن يضفوا شيئاً من السعرات الشعرية لهذه المدينة التي كانت ذات يوم مهوى الأنظار، بما ضم إرثها الضخمٍ من فقه وتراث وأضرحة وشعر يمتد إلى ما قبل زمن المعلقات. والتي تنام اليوم مثخنة بجراحاتها وصمتها القاتل.

عيون الشعراء والشاعرات تتلصص حولنا وكأنها تريد استبطان النتائج من نظراتنا وأحاديثنا الجانبية وذائقاتنا الشعرية المختلفة. أعرف ذلك بحدس المجرب. لكنني كنتُ أبحثُ بفرح خفي خلف نصوصهم المعلنة عن خطابهم المستتر الذي أخفوه بين جوانحهم المتململة، منتشياً بالضوء المقدس المتراقص في عتمة المشهد.

 بعد قليل كان صديقي واستاذي القديم، الشيخ الشاعر عبد الصاحب البرقعاوي([1])، يخترق القاعة بلحيته الضوئية التي تتحلق حولها الفراشات والقصائد، ووراءه يجر خيبات وطعونات بطول قامته الشعرية.

ارتقى المنصة - وهو القول الفصل في كل شيء - ليعلن النتائج وسط جو صاخب بين مهلهل وفرح وقانع ولامبالٍ وآخر ساخط يرى إن اللجنة لم تنصف شاعريته أو إنها انحازت إلى آخر.

تركت المعمعة ودلفتُ إلى أعماق الليل.

قادتني الشوارع إلى ميدان الباصات ومنها انسللتُ إلى بيت أهلي في الكوفة، [للمبيت والعودة إلى بغداد صباحاً]. كان التيار الكهربائي مقطوعاً والجو ساخناً، تمددتُ متعباً في فراشي القديم على سطح بيتنا المرشوش [الذي تركته قبل نهاية الثمانينات]، ناسياً صخب الشعراء والمهرجان.

لكنني لم أكن أعلم ما كانت تخبئ تلك الليلة الصافية التي تحاذيني بنجومها اللامعة.

...........

.......

في الصباح كان الكراج مزدحماً على عادته، لكن الغريب أن لا حافلة تتحرك من مكانها. وسرعان ما تعالى الهمس بأن طريق "النجف - بغداد" مقطوع!!.

ووسط الصمت المتوجس والترقب والتلفت أعلن أحد السائقين أنه ذاهب إلى بغداد عن طريق آخر، فهرعنا نحوه بحقائبنا وهواجسنا.

وبصعوبة بالغة وجدتُ مقعداً. وما أن تحركتْ الحافلة حتى استسلمتُ كعادتي ليوتوبياي، تاركاً الركاب يضربون بأحاديثهم أخماساً في أسداد.

بعد ساعة من السير وعلى مشارف كربلاء، أوقفتنا سيطرة التفتيش بسؤال مفاجيء، جاف تماماً كالصحراء التي تمتد حولنا: من أين جئتم؟ والى أين تقصدون؟

قال لهم السائق ببساطة وبهدوءٍ مرتبك: جئنا من النجف، في طريقنا إلى بغداد.

زعق الحارس: ممنوع دخول كربلاء، اليوم. عودوا من حيث جئتم!!.

لمْ ينفع جدلنا العقيم ولا احتجاجاتنا المكتومة أمام بنادقهم المشرعة. فعاد السائق بنا ثانية قاطعاً الطريق الصحراوي نفسه، متمايلاً برأسه الأشيب مع صوت "الطويرجاوي"، وصخب الركاب الذي تعالى أكثر وأكثر..

وحين وصلنا إلى مشارف النجف حيث قَدِمنا، أوقفتنا سيطرة تفتيشها أيضاً بسؤال حاد وجاف: من أين جئتم والى أين؟

شرح لهم السائق لاهثاً بأننا كنا هنا في النجف و.. و.. إلى آخر الحكاية،..

لكن الحارس قاطعه ببرود أكثر جفافاً وحدّة: لا يهمني ذلك. الأوامر.. هذا اليوم، تقول ممنوع دخول.. أو مرور حتى الطير إلى النجف!!..

عدْ من حيث أتيت!!!..

وشرع بقية الحرس بنادقهم اللامعة اللاهثة في وجوهنا..

استدار السائق المذهول عائداً بنا إلى من حيث أتينا!.. إلى المجهول!!..

..........

لكن إلى أين..!!!؟

......................

.......

يا لسخرية المفارقة وغرائبيتها ورعبها في آن.

تذكرت كوخ "دريد لحام" الذي بناه في عراء الطريق حين فقد جوازه  أثناء اجتيازه الحدود بين دولتين عربيتين منعتا دخوله. كما تصوره أحداث فيلمه الكوميدي "الحدود".

لكن القضية هنا أكثر التباساً وكوميدية وهلعاً. فنحن لم نفقد جوازاتنا أولاً.. كما أننا ما زلنا داخل حدود الوطن، وهذا هو الأفجع في الأمر!.

......

..........

في اليوم الثاني، عرفنا أن جنازة "آية الله أبو القاسم الخوئي"، كانت في طريقها سراً إلى مقبرة النجف، وأن الحكومة قطعت جميع الطرق، تحسباً لهياج الجماهير، التي رأته قبل زمن قصير، عقب سحق انتفاضة آذار - على شاشة التلفزيون - مرتعشاً، محني الظهر، بسنواته الثمانين، أمام الديناصور المكشّر عن قواطعه ومجنزراته....

..........

....................   

كيف يقول النص الشعري كل هذا؟ كيف يستوعبه؟ كيف يعبر عنه؟ كيف يلمُّ بأطرافه؟ كيف يؤسس مشهده؟

قد يحتاج الكاتب إلى خيال مضاعف ليضخّم أحداث واقعه (مجزرة الموز في رواية ماركيز "مائة عام من العزلة"، مثلاً).. لكن ماذا يفعل الكاتب إذا كانت أحداث واقعه أكبر من مساحة الخيال والتضخيم والكتابة.

وتلك مفارقة نصية أخرى تأتي انعكاساً لمفارقاتنا الحياتية، ما زالتْ نصوصنا تعانيها - ولنعترف - حتى هذه الساعة.

 

15/11/1998 مالمو

*             *             *

ـــــــــــــــــــ

(*) من كتاب "في حديقة النص - مدارات الإبداع والتجربة الشعرية" يصدر قريباً.

عدنان الصائغ


التعليقات

الاسم: علاء الصائغ
التاريخ: 2010-10-04 13:44:14
حينما أقرأ لعدنان الصائغ احتاج من يخرجني بقوة من سطوره
فتقبل مروري الثقيل يا سيدي الجليل




5000