..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مقهى (عبد ننه) آرث سياسي ، أجتماعي وأدبي ، نجفي عراقي ...... القسم الخامس

ذياب آل غلآم

أستهلال   

متى يستريح قلبي العاشق للعراق وللنجف ؟ قال : دعه يستريح ! حتى يستطيع ان يحكم غابة أشواقه وذكرياته ؟ لو فاز بالوصول لشغفه ، حيث الحلم والأمل بعراق حر وشعب يرفل بالسعادة فهذه من عادة آفق أمله ونضاله ، لو خسر فشيمة الابطال العشاق المسير ، ولا بد لهم من كبوة ، وهي شيمة العمل ، فالنهر في مسيره يكتسح الحدود ، والقافلة لايهمها في سيرها عواء ولا صدود ؟  الحوار بيني وبين النجف يتواصل منذ عقود من الزمان ، بوتيرة مستمرة تارة ، ومنقطعة تارة اخرى ، لكن هذا الحوار العفوي لم يكن بلا نظام ، أنه يأتي أحياناً مكثفاً بصور متناسقة ، وأحياناً أخرى مفاجئاً بصور متنافرة ، لكن النجف منسجمة فكراً ولوناً ، متجانسة حتى باختلافها وتنوّع طيفها الأدبي والفني والاجتماعي ، ياقلبي : إن أسعدتني فليس بالجديد عليك ، أنه النجف عشقي الأبدي ، وكم أحزنتنا ياعراق ! ونتشرف بالأنتماء إليك ، قلبي فراتي نجفي هو العراق ، كنا ورائك في كبواتك ، فمتى تهدينا انتصارا !؟ ياعراق : أنت مصدر السعادة لقلوبنا وأكثر ما ننتمي له في حياتنا ، لأنك في قلب الشيخ منذ كان رضيع ، وفي قلبي قبل أن أضيع ، ستظل دوماً يا نجف في العلى والعراق الأشرف فوق الجميع ، فأرجوك ياعراق : إن لا تميت مافي داخلي في حياتي !! ؟  

 من مقهى عبد ننه ، النجف عاصمة للثقافة الأنسانية

أتخيل افتراضا بأن أهلنا في النجف سوف يبنون مقهى على غرار مقهى عبد ننه القديم ويضعون به ما كانت النجف تضعه وتشغله في هذا المقهى وحتى نقلد اصوات من كان عامل بها ؟ ولوحة بخط الثلث المشق لحكمة الأمام علي (ع) ، ((الناس صنفان اِمّا اخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)) معلقة في الواجهة ، وهذه القاعدة هي مقياس المعاملات من واجب وحقوق ومقياس القيادات في أصل كلّ من العدل والحرية والسلام ، وليكن موقع لجلسات بعض المتحدثين عن تاريخ النجف ، من دكة المقهى او بكرسي قرب " الوجاغ " يتحدث اي متداخل او محاضر منه ، والجلساء على قنفات وكراسي هي تقليدا لما كان في مقهانا هذا ؟ أقول :
قليلة هي المدن التي تأخذ طابعاً ثقافياً في حراكها الاجتماعي ، بحيث تصبح مدينة ثقافية ، أو أن الحركة الثقافية تختلف فيها عن غيرها من ناحية الكم على الأقل إذا لم يتوفر الكيف المطلوب في  الاقتصادي بالطبع (المقابر والنذور... خاصة) هو ما يعطي المدينة قيمتها الثقافية المختلفة عن المدن الأخرى المشابهة لها في حراكها الاقتصادي والثقافي ، فكثير من المدن قد تكون ذات حراك (اقتصاثقافي) لكن هذا الحراك لا يصاحبه حراك على المستوى الثقافي أو الاجتماعي كما كان الحال لدى الكثير من المدن ، إذا كان البناء على المستوى العمراني لم يوازه بناءٌ على المستوى الإنساني ، تكون تلك المدينة جدران وصمت وديكور ومن فيها اشباح او من اشباه البشر؟  وهذا ما جعل الحداثة التي مرت علينا حداثة شكلية في مجملها لم تؤثر في البنية الذهنية لدى القطاع العريض من الناس (بعد 2003 والى الآن) كنموذجا لما نريد قوله "استثناء ليس قاعدة .  
كما أنه من الطبيعي جداً أن تكون في المدن الكبرى حركة ثقافية بحيث تمر عليها فترة تصبح فيها عواصم ثقافية أحياناً كونها أصبحت مركزاً ، وكونها أصبحت مركزاً فإن عمليات الهجرة إليها تصبح مكثفة ، ويخلق هذا نوعا من التنوع الثقافي والاقتصادي ، بل إنه من غير الطبيعي ألا تصبح المدن الكبيرة مدناً ثقافية ، وهنا يصبح السؤال عن كونها لا ثقافية مشروعاً من خلال محاولات البحث عن مكامن الخلل ، إذ إن كل المقومات الثقافية لديها ثم لا تستطيع أن تشكل حركة ثقافية...؟! لكن أن تتميز النجف بطابعها الثقافي المتحرك ، فهذا هو السؤال الثقافي الذي يمكن أن يطرح من خلال القراءة الاجتماعية لهذه المدينة ومن خلال مقهى عبد ننه . لقد وجدنا للنجف حراك ثقافي تاريخي والأسباب الموضوعية من وراء وجود هذا الجو الثقافي العام ، كونها مدينة قائدة لمذهب اسلامي ، ولوجود قبر الأمام علي (ع) فيها ، وفيها اكبر مقبرة للأموات ، ولتوافد عليها الزائرين من شتى بقاع العالم للدراسات الدينية والفقهية لذلك اصبحت مدينة المرجعية والحوزاة الدينية لأحد المذاهب الأسلامية (الشيعة ) فكان هذا تيار ضغط تقليدي للثقافة ، واما التيار الصحوي زمنذاك فكان تياراً سابحاً في الفضاء الأجتماعي مابين تحرره من الانغلاق الفكري اللاهوتي المتزمت و بين انتصار الافكار والقيم الجديدة بالروحية العقلية المادية (الشيوعية والتقدمية والوطنية) وهذا حس عام لدى الكثير من المثقفين من جلساء ورواد مقهى عبد ننه ؟ ولا نبالغ انه موجود لدى جل قطاعات المجتمع ، مما أعطى هوية تمايزية للنجف ، لو أن الأمور بقيت كما هي ! ولم يتدخل التيار المستبد والمنغلق ووقوفه ضد التيار التنويري المنفتح وخاصة بعد ثورة 14 تموز 1958 لكانت النجف الآن شيء آخر في السيسيوثقافي خاصة . ان النجف رغم طابعها الديني ومرجعيتها للمذهب الأسلامي (الشيعي العراقي) لها وجه ثقافي تمثل في الحركة السياسية والفنية والأدبية وكذلك لوضوح المجال الفكري في النضال والمقاومة (ضد الاحتلال البريطاني والحكومة المستبدة المستورد مليكها ) لكن حراكها الثقافي المتميز لايزال الى الآن له خصوصيته ونكهته ؟ كالفنون الكتابية ؛ الشعرية والسردية ، ولا ننسى ان الجانب الفني للنجف خاصة الحس الغنائي له خصوصيته وذائقته ايضاً ، فأهلنا من الذواقه للطرب وللاصوات الجميله فالترانيم الدينية في المناسبات الرمضانية و العاشورية والافراح الخاصة في الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية خلقت عندهم هذا الابداع والتذوق والجمالية في الطرب والتطريب ، ولقد وضحنا هذا في ما سلف من بحثنا .

 وايضا من اجاباتنا حول سؤال كيف للنجف هذا التمايز الثقافي في زمن الاحتلال البريطاني والحكومة العملية له ؟ أحد الأجابات عن كون هذه المدينة لديها أمتداد تاريخي ضارب في العمق ومتعدد المشارب فالأمتداد المسيحي كان فيها وبعد الغزو الأسلامي البدوي الذي تصارع مع الفكر الحضري للعراقيين مما همشهم ؟ وبالسيف حولهم من دين الى آخر ومن هرب أسلم ! ومن ثم أتخذت الكوفة عاصمة اسلامية وجعلها الخليفة علي (ع) عاصمة له والى اتباعه ولحد الآن . ورغم من تواجد واندماج قبائل وشعوب مختلفة فكان التواصل ، انتج لنا التعددية الفكرية والدينية كخيار اجتماعي طبيعي إلى المجاورة في السكن والعادات والتقاليد الاجتماعية ولاتفرقه ؟   
برأيي أن العمق التاريخي، وقابلية التعددية الثقافية، والتواصل مع الآخر، هي ما جعل من هذه النجف مدنية ثقافية ، ولولا هذا التواصل لكان الانغلاق الفكري والثقافي هو المسيطر على الآخر.

كلمة سيسيوثقافية في مقهى عبد ننه    

في مقهى عبد ننه ، ينقلنا تاريخ "النجف" بين موضوعات متنوعة المضمون ، تتماس مع العابر اليومي ، وتتداخل مع الماثل من الأتجاهات والممارسات والأفكار المختبئة في لجة الاعتياد . تلك المستجدات العصرية (زمانذاك) الغائب عنها الرصد التحليلي لمكوناتها وتفاعلاتها وتأثيراتها على أوجه الحياة المختلفة في النجف ، "كلامي نسبي" لذلك أتخذت من مقهى عبد ننه مكان لطروحات متفردة بعد أن وضعتها تحت مجهر التشريح النابه ، متيحاً بذلك النظر إليها بعين المتأمل والناقد السيسيوثقافي عبر كتابة استنباطية مصاغة بلغة جاذبه تستمد جماليتها من قوة دلالاتها ووضوحها ، وتبتعد جذرياً عن الأنا والذاتية الضيقة ، لتخاطب الوجدان والعقل البشري الجمعي بحس شمولي يمثل ضمير المتكلم الكلي للإنسان المعاصر في النجف حينذاك ، خاصة وتتماها مع الوطن كوحدة للنسيجه الاجتماعي الثقافي والسياسي العام " زماكانية " مرة على الوطن ، وبحثي هذا صغته وفق أسلوب أدبي يراوح بين السبب والنتيجة ، دافعاً بالقارئ لمطالعة ، وللبحث والتنقيب عن مظمون النجف وتاريخها في حقبة حاول بعضهم طمسها ؟ طمس حقيقة النضال التقدمي وتفرد النجف في هذا الأنفتاح الفكري نحو آفاق أعلى وأشمل ، لكن هذا البعض ؟ بسبب تعصبه ربما ، او تبعيته الى ما وراء دول السور ، أو أبعد من ذلك ؟ ومن ثم مصالحه الشخصية والحزبية ؟ والعمالة ايضا لها دور بذلك الطمس ؟ ولا ننسى الأنوية الذاتية ، تم عرقلة هذا الحراك التقدمي والريادة الثقافية التنويرية . فقررت أن ابحث في تلك الفترة التاريخية للنجف من خلال مقهى عبد ننه العلي بعناية وتمعن ، وحاثا لكل نجفي على الغوص بين صفحات ومدونات الغري ، مقالة أو فكرة أو نظرة نقدية ، كاشفة تتلألأ بين ثناياها رؤى فلسفية وأخرى فنية شاعرة ، من أجل التماهي مع تاريخ مشرف للغريين ، انها النجف في العراق الأشرف ، علما أن بحثي هذا لم يكتب خصيصا لينشر في كتاب بتفكير وتخطيط مسبق ، بل والسبب هو لفت أنظار القراء إلى التفكير في مرجعية (الفكر اليومي) والتحريض على التأمل في الظواهر التي تبدو عابرة وهامشية لكنها مقيمة ومتسربه ضمن منظومة الحياة المعقدة ، إذ لا تكتمل شعرية شاعر ولا بلاغة مفكر ولا فنية رسام إلا بربطها بمجريات الحياة اليومية وطوارئها في تلك الأيام النجفية ، التي ندونها من خلال مقهى . ودوماً هناك سبب آخر لتحقيق النتيجة المطروحة أو الفكرة المبثوثة في كل موضوع ، هو بالتأكيد مخالف للسبب الظاهر ، ومحقق لما اومئ إليه ؟ وأحرض عليه القارئ "النجفي" نحو التمعن والتمحيص وسبر أغوار الأفكار اليومية للخروج ولو بجزء من الحقيقة العميقة الباعثة للمستجدات والمتغيرات الحياتية . الأشياء البسيطة ... أكثرية صامته ! فثمة إيحائية يبثها الكاتب المثقف النجفي ، تفضي إلى أن إشباع الإنسان لاحتياجاته الاستهلاكية والروحية إنما يأتي من أبسط الموجودات المتاحة من دون الحاجة للتعقيدات المضافة .

 فما الذي يحتضن رأسك وقد أضناه عمل يوم شاق ، خير من وسادة بسيطة ومريحة ، وقد تمر بك عشرات الأقلام الفاخرة بأشكالها وأنماطها ولا يبقى في يدك إلا قلم الحبر الجاف المخلص البسيط ، قلم عملي يحمل كلماتك إلى الورق بمنتهى اليسر والكفاءة . فالمتأمل في سلوكية الطفل مع اللعب يجد أن تقديم بالون له يسعده كما لو كان أغلى لعبة رائجة . أن ربط البساطة بالعملية الديناميكية ، لتفضيل الوسائل ، للتدوين التاريخي ، فالوسيلة العملية تطاول أمور حياتية كثيرة ، إذ يرضخ الإنسان أحياناً لما هو غير مستحب لأنه عملي وبسيط ؟ بمثل هذه البساطة في الكتابة عن مقهى نجفي درس الآن ، ولم يبقى له آي أثر ! لكي أستنفر ذهنية القارئ النجفي لأقوده إلى تحري الجوهر الكامن في وعن ما أحدثته المعاصرة والسعي للأزدهار غد البشرية الخلاق ، وخاصة ما مر به تاريخ النجف وكل أمر عام شامل ؟ أقول : بأن المعاصرة غيرت وجه العالم كما لم تفعل أية حركة حضارية سبقتها ، جعلت التغيير نفسه أرفع مبادئها وقيمها ، فكل شيء ينتج عن فكر الإنسان وتصنعه يداه قابل لإعادة النظر والتطوير بلا تردد أو أنتظار ، وأصبح التغيير هاجسا والجرأة على التغيير حقاً ، وأصبح السباق الوحيد الممكن هو بين تغيير وتغير ، وبين معاصرة ومعاصرة ، إذ المضمون هو القيمة الفصل في التدوين السيسوثقافي ، وفي ذات المخاض آرى أن الفن المعاصر قد غير مفهوم اللوحة المرسومة مما أبعد الناس عن فهمها وأصبحت الدعوة لحضور معرض في (غاليري) قاعة تحمل في طياتها تخوفين : الأول  الظهور بمظهر من ليس لديه القدرة على التذوق وفهم الفن ، والثاني من ليس لديه القدرة على شراء اللوحات الباهضة الثمن ، وهكذا كانت النجف في تلك السنوات من تاريخ تأسيس مقهى عبد ننه في بداية العشرينيات حتى يوم أغلاقها من قبل السلطة (آواخر حكم الشهيد عبد الكريم قاسم ) في ستينيات القرن الماضي ، ولقد تطرقت لهذا سلفاً .

أن الأصالة في كتابة التراث النجفي إشترط الى تحقيقه اكتشاف عمقه وشموليته ، ولا يأتي ذلك اعتباطا ، بل عبر معرفة في الذات من خلال ما تثمره إنتاجية الذاكرة وصحائف التاريخ المدونة ، اما إذا بقينا عاجزين عن ذلك الإنتاج العملي ليكون منظار الماضي بقدر ما هو شق لطريق المستقبل ، فهذا يعني أننا لانستحق أن ندعي النتماء الى ذلك النجف وتاريخه القريب ! ؟ نحن لا نرتبط  بالزمن فقط بل بالمكان أيضاً ، أنه تاريخ وجغرافية يمتلك من طاقة الدفع الذاتي بقدرته الأقتصادية وعلومه الحياتيه البسيطة او المعقدة في زمنذاك وكأن تاريخ الغري يخضع بدوره الى النظرية النسبية . أن الحاجة الى الملل في زمن مزدحم ومنضبط توقيته ربما ضروري ؟ أن العفوية لا تحدث وفق عفو الخاطر إنما يتم استقاؤها من مخزون حسي ثري ومعقد داخل النفس البشرية . وفي الشعور بالخوف القديم نتيجة العجز في مواجهة الظواهر ، فعاد الانسان ليقف أمام البحر ويسأل عن مصيره ؟ وعن إيقاع الصمت ، أن من يستمع إلى الموسيقى في أشكالها الراقية ، يلاحظ أحياناً توقف العزف بقصد من الملحن ليجعل للصمت وقع اللحن ، بل ليجعل لحظة الصمت تواكب لحظة اللحن كي يعزز موقعها . هكذا أخذ القارئ في رحلات تأملية لاتنتهي ، في الذاكرة النجفية ، لقد دجنا على خطء ؟ كأننا نقول أن العصر الذهبي قد ولى ! لكن العالم الحداثاوي يفكر ويعمل من أجل الوصول الى العصر الذهبي ؟ كم هو الفارق مابين تفكيرنا والآخر؟ من هذا المعنى تبدأ طروحاتي لتتوالد وتتشظى وتنقسم وتتفرع وتقود العقل والذائقة والبصيرة إلى تخوم الاستشراف والاستلهام والتنبوء والنقد والتعريف ... الى آخره ، سعيا للوصول الى الأسباب الأخرى المكونة للحقائق والواقع التاريخي للنجف من خلال مقهى ، هي نموذج مصغر عن مكان يمثل مدينة تأخذ طابعا ثقافيا ، نضاليا ودينيا في حراكها الاجتماعي .       

في مقهى عبد ننه كلمة وموقف بحق المرأة

هنا في الثقافة العراقية الإسلامية يمكن القول إن الموقف من المرأة وقدراتها لا يزال هو موقف العصور القديمة التي تنطلق من مقولات نقص المرأة الطبيعي . ولا تزال المرأة تعامل باعتبارها قاصراً تحتاج إلى مراقبة وإشراف ، مازلنا ندرس أبناءنا في المدارس أن المرأة يجب أن تراقب لأنها إن تركت دون رقابة ستَضِل وتُضِل ، وأذكر ولازلنا نجد عناء كبيرا في محاولة لفت انتباه الطلاب حين يتحدثون بنظرة احتقارية للمرأة أن حديثهم ينطبق أيضا على أمهاتهم اللاتي سخّرن حياتهن لتربيتهم . لا تزال الغالبية في الثقافة الإسلامية العراقية ، على هذه المواقف والتغييرات الحديثة في هذه النظرة ، تأتي أساسا بفعل التأثير الخارجي بحكم الاتصال السهل والمفتوح اليوم بالعالم .
أن المرأة مثلها مثل الفئات المهمّشة الأخرى سلبت على طول قرون من الزمان حريتها ، وأن هذا الفعل هو الذي حرمها من أن تمارس دورا كبيرا في مجالات عدة من ضمنها الفلسفة . يوضّح هذا الأمر مثلا أنه لا يوجد فيلسوف (عبد) وكيف لمن فقد حريته أن يتفلسف كما أنه لا يوجد فيلسوف عسكري بسبب المنع التاريخي للعسكر من المشاركة الفكرية . كان هناك فلاسفة تطوّعوا في بعض الحروب ولكن لا يوجد فيما أعرف فيلسوف نشأ وعاش عسكريا . هذا التفسير يقطع مع التفسيرات المختلفة ويعيد الإمكانية والحركة لنشاط المرأة من جديد .
ومن المهم هنا أن نشير إلى أن بعض الآراء التقليدية أصبحت تقدم نفسها من خلال أشكال علمية حديثة استغلالا وامتهانا . من هذه الآراء القول إن العلم الحديث أثبت أن هناك فروقاً بين المرأة والرجل في القدرات العقلية وبعضهم راح يستدل بحجم جمجمة المرأة الأصغر من الرجل ، وهذه التفسيرات الاستغلالية للعلم يمكن محاورتها بأكثر من وجه . فأولا وجود فروقات لا يدل بالضرورة على عجز المرأة عن الإبداع ، فاليوم نعلم أن عدداً من المبدعين يعانون من مشاكل في قدراتهم المتنوعة ، بل إن هناك كثيراً من الفلاسفة كانوا يعانون من مشاكل كبيرة ، وأذكر في هذا السياق أن عالم الفيزياء الكبير (هايزنبرغ) الذي أسهم في صناعة القنبلة الذرية كان يعاني من صعوبات في التعبير حتى إنه دخل يوما إلى مكتب الرئيس الأمريكي ليقنعه بعدم استخدام القنبلة الذرية وخرج دون أن يفهم الرئيس ما يريد بسبب ارتباكه وفقدانه التركيز ، كما أنه من المهم القول إن تركيبة الإبداع في أي مجال هي تركيبة معقدة ولا يمكن اختزالها . فليس كل الأذكياء مبدعين بالضرورة ، فليس الفلاسفة أكبر أدمغة من غيرهم ، ولا يملكون قدرات فطرية مفارقة بدليل أنه لا يوجد فيلسوف واحد معتبر لم يدرس على معلمين ويتعلم منهم الكثير، لا يوجد سوبرمان في الفلسفة بل هو اهتمام بغرض بقضايا معرفية لها طابع التجرد والعمومية، يتأسس على حرية الفكر وجرأته بدون علاقة ضرورية بجنس أو أصل أو غيره . 

تاريخيا هناك إجابات مؤثرة على سؤال لماذا لا توجد فيلسوفة ؟ ويمكن لي هنا أن أضع فاصلا تاريخيا منهجيا يعطينا قدرة على القراءة التاريخية لفهم قضية القدرة العقلية للمرأة ، هذا الفاصل هو فترة العصر الحديث التي انطلقت من أوروبا في القرن الثامن عشر بما يعرف بعصر الأنوار ، قبل هذا العصر كانت الإجابة ذات السيادة تقول إن المرأة أقل درجة من الرجل عقليا . إذن كان جواب سؤالنا هنا قديما هو أن المرأة ناقصة عقل ؟ هذه المقولة رسّخها الفلاسفة ودعاة الدين على حد سواء في غير مدلولها الحقيقي ، وإن كان دعاة الدين أكثر أثرا بحكم الانتشار واستخدام الوعظ ، ولذا نجد أن سقراط مثلا يقول "المرأة... مصدر كل شر" متأثرا بعلاقة سيئة جدا مع زوجته كما نجد أن أرسطو يرى أن المرأة هي رجل ناقص ؟ ومن العصر الوسيط يقول توما الأكويني" المرأة إنسان ناقص التكوين وكائن عَرَضي" !؟
في هذا الإطار جاء الفكر الديني أيضا باعتباره المرأة كائنا أقل مكانة من الرجل ! والشواهد على هذا كثيرة من كل الاتجاهات والتجربة التاريخية تقول إن المرأة في هذه العصور كانت تابعة لرؤى ومقولات الرجل ، ففي اليهودية مثلا تمنع المرأة من دراسة التوراة وفي المسيحية نظر للمرأة على أنها منبع الشرور وفي الإسلام تحذير مستمر من الوقوع في حبائل المرأة ، لا يعني هذا بالضرورة موقف الأديان ذاتها من المرأة بقدر ما هو الموقف التاريخي الذي تمت ممارسته من قبل أشخاص على أرض الواقع خضوعا لتفسير الرجل وقراءته للنص .
استمر هذا الوضع على ما هو عليه حتى بدأت أفكار التحرر والعقلانية تسود في أوروبا ، هذه الأفكار التي كانت تقوم على مبدأ المساواة ونبذ التهميش والاستبداد والاضطهاد . ومن هذه الأفكار التي تحولت إلى واقع مع الثورتين الفرنسية والسوفيتية ، انطلقت كل الفئات المهمّشة في المجتمعات للحركة وتحقيق الذات ، إحدى هذه الفئات هي المرأة التي أخذت تتحرر شيئا فشيئا وإن كان ببطء بسبب ثقل الإرث الماضي ، قامت هذه الثورات على فلسفات إنسانية لا تميّز بين الرجل والمرأة ، بل هي تنطلق في تأسيس الحقوق والدعوة لها من حق الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن جنسه أو أي شيء آخر .
مع هذا التحول بدأت المرأة في الدخول إلى المجالات التي كانت محرومة منها ، أصبحت المرأة معلمة وطبيبة وقاضية ومحامية ورياضية وعالمة وفنّانة وسياسية .... وغيرها من المجالات التي كانت حكرا على الرجل ، أضف إلى القائمة السابقة أن المرأة دخلت مجال الفلسفة واشتغلت به وأصبحت هناك فيلسوفات مشهورات من أمثال الألمانية ( حنّا أرندت والفرنسية سيمون دي بوفوار ) وغيرهن من المتخصصات في المجالات النظرية ، ومع هذا التحول اليوم أصبحت حجة العصور القديمة ، الحجة الجنسية ، مرفوضة علميا . بمعنى أن القول بأن المرأة لا تستطيع أن تشتغل بالمجالات النظرية والعلمية ، راجع لكونها أنثى ناقصة القدرات أصبح تفسيرا مرفوضا على المستوى العلمي باعتبار أن نماذج واقعية أثبتت العكس . وإن كان هذا التفسير لا يزال يلقى قبولا اجتماعيا في بعض البلدان وعند بعض العقول وخاصة في نجفنا العراقي !؟    

حوارية في مقهى عبد ننه حول المرأة  

اهتم رواد وجلساء مقهى الحاج عبد ننه العلي بالعديد من القضايا الأخلاقية والأجتماعية والتربوية وقضايا المرأة . وقد سلط بعضهم الأضواء على قضايا غسل العار والتعجل فيها حيث " قتلت الفتاة من قبل أخيها لارتكابها جرما مخلا بالشرف وبعد وفاتها أجريت الفحوصات عليها فظهر أن الفتاة لم يعتد عليها ، فقتلها كان بسبب وشاية " هكذا تحدث المحامي جواد عبد الحسين ، وحاول المحامي موسى صبار ان يلوم المقصرين الذين إهملوا تربية المرأة ؟ وعرج بالقول : ومن الغريب أن الصحافة النجفية هاجمت ظاهرة تحديد النسل التي شاعت في الكثير من الأسر النجفية والعراقية ، ولا سيما المثقفة منها ، وعدت ذلك ( وأداً اجتماعياً ) لا يختلف عن الوأد الذي كان سائدا في زمن ما قبل الأسلام  ؟ تصوروا الى اين وصل تفكير بعض ممن تحرضه عمائم الوهم لغاية ذاتية ، مع جمود فكري سلفي في الأفتاء ! ولقد كان الأستاذ صفاء خلوصي في ضيافة للنجف ، ومن المتواجدين في المقهى وهذا الحديث الشيق فقال : اسمحوا لي ان اوضح شيء من التاريخ ، أن أثر المرأة في الأدب العربي والأدب الغربي له دلالة وعمق ،وضرب امثال كثيرة ، ومضى في سرد الحقائق التاريخية لماضي العرب ليدرك " أن العراقيين إذا أرادوا التقدم عليهم أن يعيدوا للمرأة مكانتها بمزاولة الأدب في الشعر والقصة والفلسفة " ، أحتسى شايهه الشيخ الأديب علي الخاقاني ملتفتا لجلاسه وقال : لقد كتبت مناشدة في مجلة البيان ، ناشدت الكاتبات الأديبات ، ولا سيما المعلمات في المدارس العالية والأبتدائية الذين يشعرون بتأخر المرأة وضرورة تعليمها وتثقيفها ، أحثهم على نشر ثقافة الوعي من اجل إنقاذ المرأة من ظلمتها ، لنور البصيرة ، فالمرأة في النجف والعراق مهمشة وعلينا نحن الألتزام في تحررها بما متاح لنا من فسحة لذلك . عقب رضا عبد ننه وطالب " أن تنال المرأة قسطاً من الحرية الأجتماعية التي تعيد للمرأة مكانتها ، وأن تحدث في العراق نهضة نسائية جبارة تقوم بأعباء ما يلقى عليها من مهام مالها وما عليها ، تجاه الوطن  " وتدخل الحاج عبود مرزه المختار ، بعدما رفع كشيدته ومسح العرق من تحتها وأعادها لموضعها على رأسه ؛ فقال محدداً أهم (الواجبات المفروضة) على المرأة بتصوره :

 " إن على المرأة المهذبة أن لا تغتر بمظاهر الغرب ، وأن لا تتبرج كتبرجهن ، وعليها أن تتقيد بقيود الحشمة والأدب ولا تخرج عن تقاليد الشريعة والمجتمع  وأن تقتدي بالعربيات اللواتي خلدهن التاريخ وأن تكافح ما أفسدته التيارات الأجنبية والمبادئ الهدامة ! " تنحنح جواد عبد الحسين وغمز ولمز لموسى صبار بهمسه (ابوفلاح مشتم ريحه من الليوان)؟ تبسم موسى صبار وندس صفاء خلوصي ليستفهمه مما طرحه الحاج عبود المختار ؟ قال صفاء خلوصي : لقد كتبت سيدة عراقية بأسم مستعار ، وجهت نقداً لاذعاً إلى التيار المحافظ ورجال الحكومة المستبدة في البلاد ، بأنهم أهملوا حقوق المرأة وأهمها حقوقها في المساواة مع الرجل ، وكان الرد منصب من قبل الأخرين سيء للغاية وفيه حقد دفين وربما كانوا يستهدفون به القوى التقدمية والوطنية وأفكارهم التنويرية التي سادت في الشارع العراقي والنجفي بالذات ، وتقبلها الناس برحابة الصدر . لكن الكاتب " شامل الحاج داوود"  وهو أحد المحافظين رد رداً قوياً وقارن فيه بين المرأة الغربية التي طالبت بحقوقها العمرانية والأجتماعية والأقتصادية والسياسية ، والمرأة الشرقية التي لم تحسن حتى إدارة الشؤون المنزلية - وفق تعبيره -  وأخيراً وصف المساواة مع الرجل بأنها " مظهر من مظاهر الترجل ! " سحب نفس طويل من ( ناركيلته ) شاكر وعدالله ومن ثم نفثه عاليا وأعدل من جلسته ، حيث كان (منسدحا) على القنفة المجاورة وقال مداهراً : صبحكم الله بالخير ، يعني بكلامكم هذا تريدون تقلبون الدنيا علينا ونحن في النجف !؟ كيف نساويهن معنا ؟ وبمزحة مبطنة " طرادنا راح يصير واهليه " ضحك الجميع ، وفي إلاثناء دخل الدكتور خليل جميل وبعد التحية والسلام و(الله بالخير أغاتي) طلب تجديد شرب الشاي ، ومن بعد كلام وحديث وترحيب كثيرا بالأستاذ صفاء خلوصي لزيارته للنجف ومن ثم عرف أن الحديث يدور حول المرأة النجفية خاصة والعراقية عامة ،

وكيف ان تتعلم وتخرج من قوقعة الجهالة والأمية الى التعلم والنور والمساواة ؟ فنقل لهم حديث نشرته مجلة " العقيدة " كان مقابلة مع الصحافية المصرية المعروفة ( أمينة السعيد ) أثناء وجود الكاتب محسن جمال الدين في لبنان ، وكان من رأي السيدة أمينة السعيد " أن من الواجب دخول المرأة معترك السياسة ، وطالبت بإعادة النظر في مواضيع عديدة تخص شؤون المرأة كتعدد الزوجات والطلاق بما يتماشى مع المدنية الحاضرة ، وأشارت في حديثها إلى تمتع المرأة المصرية بخقوقها أكثر من باقي البلدان العربية زمنذاك " . أنتبه الشيخ علي الخاقاني : نعم ولقد رديت عليها في مجلة " البيان " مؤكد " أن على كل من المرأة والرجل واجباً في الحياة ، يجب ألا يتجاوزه كل منهم ، وبخلاف ذلك تضطرب شؤون المجتمع " . ومن جديد (دردغها ) شاكر وعد الله  " عمي هذا كلامكم من علامات الظهور ! " فعقب الحاج عبد ننه العلي الذي كان صامتا مستمعا مصغيا طوال الوقت في الحديث الشيق ، ومجاوراً له كان الشخصية الكادحة ومن مناضلين النجف " سهل مالك أبو الزرازير الخياط " يسترق السمع كذلك ، تكلم الحاج عبد ننه :- أن من حق المرأة أن تتعلم وتكتسب الثقافة بشرط أن لاتخرج عن التقاليد الحسنة والأعراف الأجتماعية . وافقه الجميع بهذا الطرح " ومن يريد غير ذلك الآن يا أبا رضا ؟ " ومن جديد تكلم الأستاذ صفاء : ناقل ما كتبه " يوسف سلمان كبه " عن سلبيات حياة المرأة الأوروبية في ظل المساواة مع الرجل ، حيث استشهد بآراء بعض علماء النفس "يونج " في نقد نزول المرأة إلى ميادين العمل . ومما جاء في مقال الأستاذ يوسف كبه " من آراء العلماء أن المرأة الإ نجليزية عندما شاركت الرجل في جميع الأعمال تغيرت صفاتها النفسية ! وأما العلامة "يونج " فيقول أن لا شيء يضر بطبيعة المرأة نفسياً أكثر من قيامها بأعمال الرجل ؟ ويقرر يونج أن المرأة الحديثة في حاجة ماسة إلى وعي أوسع مدى في حياتها الحاضرة ، لتعرف هدفها كأنثى " هذا رأي الكاتب قال صفاء وتحدث : ان كل الطروحات وكل ما نتكلم به الآن هو كلام نسبي في حق المرأة ؟

فلقد تناولت مجلات وصحافة النجف عموماً هموم المرأة النجفية والعراقية ، منها قضايا الطلاق والزواج والمشاكل الأرثية والأسرية في المحاكم ، وأكدت بعض الصحف في على ذلك وجريدة الهاتف نموذجا في مقال بعنوان " كنت قاضياً " أن الكثير من حالات الطلاق وراءها أسباب تافهة يمكن تلافيها بوقت مبكر " فأكد رضا عبد ننه أن طروحات التحرر والتحولات الأخلاقية شغلت كتاب الصحف النجفية . حيث حذر الكثيرون من تردي الأخلاق العامة وبروز مشاكل لا حصر لها ، فيما تولى آخرون التحذير من مثل هذه المبالغات ، فتدني الأخلاق عندنا مبالغ فيه كثيرا ، ومن الإنصاف أن نذكر ما لنا وما علينا " وكتب الشيخ عبدالحليم كاشف الغطاء في مقال بعنوان " نقد أخلاقنا " بأنه لا يزال أثر الأخلاق العربية الحميدة باقياً في النفوس كالشجاعة والصدق والكرم والإباء والوفاء والتضحية والقناعة " وسأل جواد عبد الحسين عن الشيخ عبد الحليم كاشف الغطاء وسبب تأخره بالحضور للمقهى اليوم ؟ ( الغائب حجته معاه ) قالها الحاج عبد ننه صاحب المقهى ، فعقب الشيخ علي الخاقاني متواصل بالحديث عن المرأة : لقد نشرت مجلة " الغري " مقالات لكتاب متحررين مصلحين ، ممن تأثروا بالآراء الجديدة سواء أكانت عربية أم أوروبية . ولقد أستمد الكتاب أفكارهم وخواطرهم من الرقي الأجتماعي والعلمي والعقلي الذي ساد الغرب ، فأصبح التجديد لازماً ومهماً لمختلف شؤون الحياة بما ترجم من نتاج فكري وأخلاقي . نهض الدكتور خليل جميل وطلب من الجميع وعلى شرف زيارة الأستاذ صفاء خلوصي  بالقيام بجولة نجفية ومن ثم الذهاب الى البيت للأستراحة ولتناول الغداء ونكمل الحديث هناك  (بسرداب السن) وبمزحة نجفية ألتفت شاكر وعدالله ووجه كلامه الى صفاء خلوصي " استاذ : الحجية مسويتلك فسنجون تكرط اصابيعك وراه " ضحكوا جميعا وطلب منه ان يرافقهم ، أعتذر وقال : ننتظر رزقنا وبيعة على باب الله ، بس اذكرونا بالخير ؟ كان يمتهن تجارة (القجق) وتشكر منهم ، بروح ابوك حجي أبو رضا اذا جاء الشيخ عبد الحليم كاشف الغطاء قل له ان يلتحق بنا او يعرج على بيتنا نحن بنتظاره . قالها الدكتور خليل جميل ، الكل مع السلامة وفي آمان الله .

  وشوشة روحية من أحد رواد مقهى عبد ننه

في بحثي عن مقهى عبد ننه النجفي ، المتواصل في الاتصال مع من عاصرها وعاش تلك الحقبة من سنوات الجمر ، سنوات الحب ، وعشق النضال النجفي ، العراقي ، سألت الكثير واستفسرت من الكثير وبرغم ما تخزنه ذاكرتي عن هذه المقهى التي عاصرت ايامها الأواخر قبل اغلاقها من قبل السلطة . لازلت طمحا في ان اجد من يعيني اكثر في تدوين ما فاته الزمن ، على صحائف للنضال وللفكر التنويري الريادي ، التي كانت للنجف خصوصية التمايز والاسبقية فيه ، من عدم تدوينه ؟ ولا مغالاة في ذلك هكذا أظن واعتقد وكلامي نسبي على كل حال ؟ وخلال بحثي المتواصل أرفدني الدكتور عبد الحسين شعبان ؛ وهو من رواد مقهى عبد ننه في ريعان شبابه وحين اتقاد جذوة الحب والعشق للناس وخاصة للكادحين والشغيلة ،  " حسوني شعبان " هكذا كان يسمى في تلك السنوات ، للتحبب او هكذا عادة (المشاهده ، أهل الغري) وكذلك العراقيين في تدليع ابنائهم والزهو بهم . وحسوني من اصدقاء عبد الجبار رضا عبد ننه ، حفيد الحاج عبد ننه ومن ثم رفيقا في طريق ولده رضا عبد ننه ، ومن بعدها كان في سوح النضال النجفية ، العراقية ، " طلبة أوشبيبة " ومن بعدها في صفوف حزب الشعب والحب والفقراء الشيوعيي العراقي ، ومن ثم حمل أعبائه لوحده منفردا لكنه متجانسا مع الناس كل الناس ومتماهيا مع حقوقهم وواجباتهم ومستمر في احترام قانون العدل الأنساني والدفاع عنه ، ومتسق في الدفاع عن حقوق الأنسان ، لايكل ولا يتعب ، تعلمها من النجف الأسهل والأصعب ومن الأمام علي (ع) ، هذا حسوني النجفي ...... الدكتور (عبد الحسين شعبان)  حين توشوشه النجف ، ليحاكيها من دواخله ومن احاسيسه الدفينه ، فكيف يخرج النجف التي تكونه وهو من مكوناتها ؟ لذلك كتب كأنه يطالب نفسه

(( لإخراج النجف التي في داخله ، بصورتها المرئية وصورتها اللامرئية ، إلى حيث المعنى والدلالة . هكذا كنت أشعر أن النجف متغلغلة في داخلي ، لكأنني عاشق لا يروي ظمأه إلى معشوقته شيء ، في فضاء من الحب واللانهايات الأبدية .
العلاقة بيني وبين النجف يتعذّر تفسيرها ، هي علاقة أبعد مما تراه العين أو تتخيّله ، هي علاقة ترتبط بالذكرى والذاكرة والرغبة المستمرة والصيرورة والحلم المتصاعد، لذلك ظلّت النجف تسكن مخيلتي ، كنص شامل أقرب إلى سبيكة ذهبية وقصيدة متواصلة الابداع ولغة غير قابلة للانقطاع
كنت باستمرار أتحدث مع النجف التي أعرفها ، أتحدث معها بصفة الحضور رغم الغياب ، كنت أريدها دائماً حاضرة ، حتى لو كانت على صورة برقٍ أو شعاعٍ، بإيحاء وإيقاع سرعان ما أدرك كنهه ، بإشاراتها الغامضة المحببة، اللذيذة .
ألتجئ إلى النجف كنص أدبي وقراءة جدلية، لقبابها الذهبية ، للحكمة والفلسفة المزدانة، لصوت المواكب الهادرة ، والنساء الجميلات ، والمناشير السرّية والجنائز المستوردة والعمائم المصدّرة ، حسب الشاعر أحمد الصافي النجفي . بسرعة أستطيع أن أعرف الباطن من الظاهر والخفي من المكشوف والغامض من الواضح ، حين تلتبس فيها بعض الأمور ويستشكل الفكر والدين والجمال والأمل .
متعتان للجمال في النجف ، متعة العقل ومتعة الشعر ، حيث الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق ، حسب تعبير السيد مصطفى جمال الدين ، والانغلاق الظاهري ، يحمل تحت ثيابه انفتاحاً وتطلعاً للتغيير والتجديد وحركة تمرد وانعتاق وتوق للحرية بلا حدود ، ولعل هذا التجلّي ليس سوى ما تختزنه النجف من طاقة إبداعية عقلية خلاّقة ، ووهج شعري متدفق مثل شلال !!
لا يمكنني أن أغلق باب النجف في رأسي فقد ظلّت مشرعة تدخلها الريح من كل الاتجاهات ، عند كل قراءة نقدية وضعية، تتجاوز الآني إلى المستقبلي ، والماضي إلى الحاضر . وهي قراءة أبعد من حدود السلطة والسياسة بمعناها الديني - الثيوقراطي والآيديولوجي . ويخطئ من يتوهم أن بإمكانه حصر النجف بقالب أو مجموعة أو فئة أو طائفة ، فالنجف هذا المعهد الدراسي المفتوح ، ظلّت تتوالد فيها منصّات الفقه والفكر والفلسفة واللغة والأدب والشعر بشكل خاص أكثر من ألف عام ، منذ أن جاءها الإمام الطوسي هارباً من بغداد العام 449 هجرية ، حيث نظّم حوزتها العلمية وأضفى على منهجها الدراسي حركية ودينامية ، احتفظت بها رغم محاولات تقييدها وتجميدها أو حبسها بأطر معينة .
وقد تركت المدرسة النجفية تأثيراتها العلمية والثقافية والأدبية على مختلف الأوساط والحقول والفئات ، وكانت ملتقى الأعراق والقوميات ، فيها تتفاعل الثقافات وتتداخل الحضارات ، في إطار إنساني وبُعد إسلامي وهوية عربية ، وفيها يتعايش المتدين وغير المتديّن ، اليساري واليميني ، ولكل رافده ولونه وطيفه الذي أضفى على النجف هذه الفسيفساء المتحدة - المتناسقة - المختلفة في إطار مؤتلف .
علّمتني هذه النجف كيف أوالف بين الحجر والشجر، وبين الماء والهواء ، وبين المادة والخيال ، وبين الشعر والواقع ، فصرت أشعر أنني أولد فيها من جديد ، بل كل يوم ، إنها تعيد خلقي ، وكأنني موجود بفضلها ، أي مستمر بواسطة ذلك الحبل السري الذي مازلت مرتبطا به .
لا أنظر إلى النجف كماض ، بقدر ما هي مستقبل ، حتى إن كان الحاضر ملتبساً ، حيث تتشوّش المرآة وتضطرب الرؤى وتتلبّد الغيوم ، لكن النجف استعصت وظلّت مكابرة حتى كادت صداقتها مع التمرد تصبح تاريخية .
هذه النجف التي تُعيدُني إلى طفولتي ، لاتزال تجرّني إلى الأمام وتحركني باتجاه القادم ، المفاجئ ، الجديد ، الذي كان وجهاً من وجوهها المُدهشة ، المفعمة بالحيوية !
لعلي كلّما ازددت غوصاً في النجف ، ازددت قدرة على التواصل مع الآخر ، وقدرة على تفهم وقبول التعايش ، وحين تكون الهوية من القوة والفاعلية تكون مفتوحة وحيوية وقابلة على التلاقح مع الغير .
هذه النجف ظلّت تفتح ذراعيها مثل البحر، للفكر الجديد ، ولحرية الجدل بلا قيود ، للبشر الأحياء مثلما للاموات ، حين يسكنون في مقبرة «الغري» - وادي السلام - التي لا تعيد أحداً ، وفي فضاء فضي مفتوح وسراب لا متناه ، فليس للصحراء من حدود .
لا أنظر إلى النجف كمدينة أو مكان أو جغرافيا ، لكنني أراها أفقاً يعيد خلق نفسه باستمرار ، وهي صيرورة تنتج نفسها وتبتكر العلائق والروابط مع الآخر، بحب متبادل وبثقة بالنفس وقدرة على إثبات «الأنا» من خلال الآخر أيضاً ، بالتسامح في أحيان كثيرة وبغيره حيناً آخر عندما تقتضي المواجهة والاقتحام .
بيني وبين النجف يحدث نوعا من الفراغ أحياناً ، أو قلْ مسافة لا أحاول ردمها ، إذ إنني أشعر برغبة غامضة على إبقائها ، وهي رغبة ناجمة في عدم التطابق أو التماهي ، فالمسافة تتجسد أحياناً بين الإنسان وذاته ، وإذا ما التقت ذات الإنسان مع روحه تتحقق تلك الكينونة الرمزية الخاصة ، ليكون الإنسان مائزاً رائزاً ، هو ذاته التي لا تشبه شيئاً آخر، عندها تسهل عليه العلاقة مع الآخر، وإذا كانت المسافة تتمثل في شيء من البعد المكاني ، فهي لا تعني الابتعاد الزماني -الرمزي ، وإذا كانت في المسافة ثمة تباعد ، فهي ذاتها ما يجمّع وما يوحّد، حيث تتمفصل في هوية التكامل الجامعة ، لكنها متنوعة وكثيرة ، وكأنها حسب أدونيس «تتعدد فيما تتوحد وتتجمع فيما تتفرد» .
النجف توشوشني ... أسمع همسها وأسئلتها الطافحة «أناها» وكينونتها وتعلقها وتفاعلها مع الآخر، تخالقها وابتكارها مثل الموسيقى ذات الأصوات المتناغمة ، المختلفة ، المؤتلفة ، كأن كل صوت جاء من وترٍ له مكانه الذي لن يتحقق التناسق (الهارموني) إلاّ بوجوده ، ومن دونه سيكون العزف نشازاً .
لا يمكن إلغاء تعددية النجف ، فلن تكون نجفاً بدونها ، المعرفة تعددية والعلم ، تعددي والشعر تعددي والفلسفة تعددية والفن تعددي والسياسة تعددية ، والانسان تعددي ، والذوق والجمال والأمل تعددي أيضاً .
في مدرسة «الأخوند» كانت ثلة من المتمردين الأُوَل : باضت بيضتها بعد المشروطة وصراعها مع المستبدّة ، في «معقل الاحرار» الوكر السرّي بلغة السياسة والمحفل الفكري بلغة الثقافة ، كانت حلقة تمرد ، ضمت سعيد كمال الدين وعباس الخليلي وسعد صالح وعلي الدشتي وأحمد الصافي النجفي ، ولعلها هي البؤرة الاولى للتمرد في القرن الماضي ، وكان أحد رواد المدرسة الفقهية النجفية محمد سعيد الحبوبي ، الشاعر والثائر والعاشق للجمال والحرية ، ثم جاء جيل التمرد فشمل إضافة إلى أسماء الاعلام في أعلاه ، الجواهري وآل الخليلي ، عباس وجعفر وبعدهما عبدالغني ، وكانت هذه البؤرة تجمع حولها : حسين مروة ولاحقاً محمد شرارة وآخرين ، هؤلاء الذين انتقلوا من الفقه الديني إلى الفكر والفلسفة ، ومن الإيمانية العقائدية التبشيرية المستقرة ، إلى التساؤلية العلمانية التفكيرية النقدية القلقة .
ولم تقتصر المسألة على النخب الفكرية التي تجاوزت حدود المدرسة الدينية التقليدية التي طلّقتها متجهة إلى مدرسة أخرى ، بل شهدت المدرسة الدينية ذاتها ، رغبة في التجديد ومحاولة في نفض الغبار الذي علق بالفكر الاسلامي ، لاسيما هيمنة المدرسة التقليدية التي تركت المعاني وجوهر الدين ، لتتمسك ببعض الشكليات وتقتصر على النقل وتُهمل العقل .
وشملت المدرسة التجديدية السيد محمد باقر الصدر الذي أسس لتيار إسلامي فكري جديد ، رغم أنه لم يستكمل تطوره ، الذي انقطع حين اختفى قسرياً العام 1980 وهو في أوج عطائه ، وكذلك محمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله ومحمد بحر العلوم ومصطفى جمال الدين وآخرين ، الذين كانوا يمثلون الحلقة الاولى في الجيل الثاني للمجددين من داخل المدرسة الدينية.
لا يمكن اختزال النجف بفريق سياسي أو عقائدي ، علماني أو اسلامي ، فهي مثّلت الموزاييك كلّه بجميع ألوانه وصوره ، هي معقل ثورة العشرين ورحابة فكر الحبوبي وعلي الشرقي وعبدالكريم الجزائري وأحمد الصافي النجفي وسعد صالح والجواهري وسيد ابو الحسن وكاشف الغطاء ومحمد رضا الشبيبي وحسين الشبيبي وسلام عادل ومحمد باقر الصدر وموسى صبّار وحسن عوينه وعبد الحسين أبو شبع وعلي الصراف ، وبطولة نجم البقال والفتى الشجاع محمد موسى التتنجي ، هي مدينة الجدل والحوار، والتعايش والمشترك الانساني .
للنجف سلطة عليّ ، سلطة عليا ، أظنّها سلطة الحق ، تواجهني بالقوة الناعمة ، وليست تلك السلطة سوى المعرفة خارج حدود اللاهوت ومعه أحياناً ، لكأني بهذه العلاقة الروحية أردد ما ذهب اليه المتنبي حين يتحدث عن الوطن ، المنبع الاول ، الذي «ينبت العزّ» ، وعزّ النجف في حريتها ، في معرفتها ، في كرامتها ، في تعددها ، في كونها مدينة خارج حدود الانصياع لهذه اللافتة أو تلك ، انها تمانع وترفض وتتمرد ، لأنها تعرف كم لديها من مخزون للضوء لا يمكن حجبه في جميع الأحوال والأهوال ...
ضوء النجف يفيض ليشرك الآخر ويشاركه ، القريب والبعيد ، بما فيه «الغريب» ... إنه ضوء المعرفة المتجدد ، دون حدود أو توقف ، أسمع صوتاً مثل الرعد أحياناً يأتيني من بعيد ، ويظل صداه في أذني يحضر ويغيب ، لكنه لا ينقطع ، هادراً أو خفيضاً ، يوشوشني كلاماً كأنه استحضار لصوت النفّري المتصوّف الكبير وهو ما انفكّ يلاحقني :
إني أحدثك لترى
فإن رأيت
فلا حديث ! ))  

كل قسم لا يرى النور، اذا لم يقرأه ويطلع عليه البروف عبد الأله الصائغ ، وهذا القسم لكم قراءته ، ومسك خاتمته من أبي الصائغ 

قراءة عبد الاله الصائغ

مازال هذا القريشي يقرزم حتى قال الشعر ! ان التدوين التاريخي عن الامكنة الممحوة من الجغرافية والازمنة المضيعة المعتمدة على ذاكرة استلبتها الشيخوخة والهرم اعز ما اكتنزته فضلا عن الموت فضلا عن التلبيس الذي يحاول المقارنة بين الفاتيكان والنجف اي إلباس النجف ثوب الفاتيكان وليس ثمة اوجه شبه من اكبر التفاصيل الى اصغرها ! الفاتيكان دويلة اصطنعت لتمثل طائفة من المسيحيين ولايسكنها سوى رجل دين او طالب علم او تويجر يعتاش على هذا وذاك لكن النجف قارة عصية على التدويل ففيها طلبة علم من اصقاع بعيدة ولغات عديدة وفيها رجال دين عصيون على الفكر الطائفي الخرافي مثل محمد حسين كاشف الغطاء ومحمد سعيد الحبوبي والشيخ علي الشرقي والشييوخ محمد الشبيبي ومحمد رضا الشبيبي ومحمد باقر الشبيبي وعلي الشبيبي ! ومثل شيخ الحداثة محمد رضا المظفر بل وفيها الائمة الماركسيون مثل الشيخ الشهيد حسين مروة والشهيد سلام عادل (حسين أحمد الموسوي الرضي) قائد الشيوعي العراقي ، وائمة قوميون مثل الشيخ علي الجزائري وولده ، والقائمة لاتنتهي ! نحن مع احترام خصوصية النجف كمدينة مقدسة شاء قدرها ان تكون ملاذا لرموز اسلامية كبيرة من مثل السيد الدكتور جمال الدين الافغاني الذي درس اللغات في الحوزة وهو حالم بنظام اسلامي فيه مقدار من العلمانية ليحاكي التطور الحضاري الغربي ! اليوم تحتجن النجف الغيوم وقد كثر عشاقها والتبسوا دون علمهم بالعذال واللصوص والجهلة فمن يفرز الزيت المر عن الزيت الحلو ! محنة كبيرة ان ينشأ جيل مغسول الدماغ فيشيع ان زيارة النجف تعادل الف حجة وان النجف اشرف من الكعبة ! وان حصة النجف من خزينة الدولة والنفط تحديدا ينبغي ان تكون خارج اللوائح حتى تكون السرقة مريحة دون عناء ومستورة بلا فضائح ! ان مقهى عبد ننه كما اتفقنا مع ولدنا الباحث المجتهد ذياب ال غلام كوة وسيعة سيطل ذياب وقراؤه على الظاهر والمتجلي من شيات النجف ! اللهم بارك لولدنا وتلميذنا ال غلام في ما يصبو اليه فهو كما اعلم زاهد بالمديح ( عفية شكرا مبارك ) ومعرض عن القديح فكل من يكتب في موضوع شائك كالنجف لابد ان يتعرض الى عاصفتين ترابيتين الاولى مديح والأخرى قديح والعبرة في الوصول وليس في امنياته .

عبد الاله الصائغ

  

  

( يتبع )

  

ذياب آل غلآم


التعليقات




5000