..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


القصة العراقية قديما ً وحديثا كتاب لجعفر الخليلي

مهدي شاكر العبيدي

إلى جميع الذين وضعوا ويضعونَ لبنة في بناء القصة العراقية دون ضجيج وادِّعاء وغرور .

       إلى القصَّاصينَ المتحلينَ بأسمى زينة من التواضع ، أهدي هذا الكتاب من القصة العراقية قديما ً وحديثا ً " [1] .

 

       بهذه الديباجة المونقة القشيبة استهلَّ الكاتب الراحل جعفر الخليلي إهداءَه كتابه التوثيقي المهم والمفصِّل في نشأة القصَّة العراقية ، وإثبات أنَّ هذا اللون من الفنِّ والإنشاء الأدبيين ِ ليس مجتلبا ً من آداب الشعوب ومأثورات الأمم التي انفتحنا عليها واتصلنا بها وتأثرَتْ ثقافتنا بشكل وآخر بما دوَّنه مبدعوها من ضروب النتاج ، وكأنـَّه مستبقٌ منذ أنْ أصدره في موضوع القصَّة وأسلوب كتابتها وابتغاء حسن تمثيلها الواقع ، وتوخِّي أنْ لا تغرب وتشذ عنه وتهيم بالمجرَّدات ، قلتُ منذ ظهر هذا السفر الثمين في الوسط الأدبي وتداوله المشغوفونَ بالمطالعة والتتبُّع إبَّان ذلك التاريخ البعيد الذي يبتدئ منذ عام 1962م ، وما عقبه وتلاه بمدَّة قليلة من هذا الهوس والتنفج القبيح الذي ساور بعض النفوس من كتبة المقالات المتعجِّلة حول الموضوعات القصصية وصلتها بالبيئة الاجتماعية والوسط الشعبي الزاخر المشحون بالصراعات والأحداث ، وما يتولد عنها من الخلجات والأهواء وضروب المشاعر والأميال ، فما فرغوا عن شيءٍ يُعتدُّ به من الاستنتاجات والأحكام النقدية المستندة إلى الأصول الفنية الملزمة بضرورة توفر عنصر الموهبة في هذا الكيان البشري الذي يتوق لمزاولة القصَّة ، وأخذ نفسه بالدربة ، وتجريب قابليَّته للمضيِّ في السرد ، وتمكنه من وصف ما حوله من الأجواء والأمكنة ، وتصوير ما تختلج به أعماق الناس من الإحساسات والعواطف ، مع التقيُّد بما لا مندوحة له عن مواتاته والجدِّ في طلبه من إتقان الصوغ اللغوي والتجويد فيه والتناهي ما أمكن من التفنن والابتكار ، بحيث تتشكل بكرور الأيَّام والتمرُّس بالتجارب ، طريقة الكاتب في التعبير عن اتجاهاته ومراميه ، وبوحه بما يعنُّ له من إحساساتٍ وخوالج ، حتى يُومَا له بأنـَّه صاحب هذا الأسلوب والبيان ، وتنعكس فيه عناصر شخصيته ومقوِّماته جميعا ً ، فلم نلمس من وراء إمعانهم وتمحيصهم لركامات النتاج القصصي الجم والذي تحتويه المكتبات في عموم الديارات والأمصار ، غير ألفاظ ينبسونَ بها كلَّ مرَّة ويلوكونها بأعيانها ، ويسمونَ بها سائر الكتابات والشواهد القصصية ، ويلصقونها بأيِّ أديبٍ ومنشئ حاول أنْ يختبر قدرته في هذا اللون من الكتابة ، من قبيل أنَّ الأبطال الشاخصينَ والفاعلينَ في نصِّه القصصي قانطونَ ومتشائمونَ قد انسدَّتْ بوجوههم كلُّ أبواب الأمل في الانفلات والتخلص من عجزهم ونكوصهم واستسلامهم لقدرهم دونما توق وطماحةٍ إلى استبدال به غيره من هذا الروح الحيوي والنفس الجيَّاشة بدوافع التحرُّك والنشاط ، ويلابس ذلك أنْ تعمر نفوس الدُرَّاس والنقدة بالاغترار والتعالي والكِبَر والوثوق الأجوف ، بأنـَّهم أحدثوا نقلة بينة وملحوظة في الحياة الأدبية العراقية ستذكرها لهم أجيال الأدباء الطالعينَ والناشئينَ ، ويحفظ المدوِّنونَ والراصدونَ لمستجدَّات المرحلة في صحائفهم وطروسهم وما طرأ على الثقافة من تجديد وتحول ، بأسنى عبارات التهليل والثناء على أساس أنـَّهم سفهوا صنيع مَن سبقهم من الكتبة وأثبتوا خواءَه وفجاجته ودللوا على سطحيته وفهاهته ، لأنـَّه يعدم المقياس الفني الذي يقيسونَ به الأعمال الأدبية ويعرفونَ بما تحتويه وتنطوي عليه من الأغراض المفتعلة والفحاوى المبتذلة والمعاني السوقية الرخيصة ، وخلاف ذلك كله من المقاصد النبيلة والأهداف السامية والحقائق الطافحة والنابضة بالإيثار والشرف ، والمفرغة في ديباجةٍ رصينةٍ وكدُها أنْ ترتفع بالأذواق الفنية لعموم القرَّاء وتصقلها وترفدها بحاسة التمييز بين الأداء المعنوي الجيد وبين الأداء المتكلف والدال على صدوره عن حذلقةٍ وتعمُّل ، ومن شأن هذا الضرب من النتاج أنْ يلهي قارئه عن التفتيش عمَّا وراءه من معاني السموِّ والجمال والجلال ، وجُلُّ ما تولوا عنه في مراسهم الكتابي أنَّ أندادهم من الأدباء ممَّن حييوا في الحقبة الماضية وشهدوا مكارهها وخطوبها ، لم يسلفوا نصوصا ً راقية تستلهم الواقع بمرائره وأنكاده ، أو نماذج مستوفية للأداء الفني بحيث تقوى على مغالبة الزمن ، وتقف من حيث روعتها واكتنازها بعناصر الإسارة والتشويق أمام أمثالها من شواهد يكتبها أدباء المستقبل ، متأثرينَ بالتطور الذي توفي عليه الثقافة زمنهم ، وغاية ما أنتجته مواهبهم في طورهم الزمني ذي الأوضاع المتخلفة والظروف المرتكسة في التهيُّب من الطامع الأجنبي وشدَّة وطئه على الوعاة والمتنورينَ ، هذا إذا أتيحتْ لهم الفرص للتزود بالثقافات المشترطة للموهبة الفطرية ، الأصالة الدالة على الواقعية والصدق ، لا يعدو أنْ يكون مقالاتٍ قصصية فيها شِياتٌ وملامح من القصة ، وليسَتْ بالعمل المكتمل والمستند إلى أصول وقواعد ، وذلك تأثرا ً بالواقع السياسي والاجتماعي وحرصا ً على أنْ يستوحوا مشكلاته وأزماته وتستهويهم الرغبة والميل الجارف للإسهام فيما يتطلع له الأناسي من التجديد والتغيير ، فهم في ملة أولاء المتحذلقينَ لم يعرفوا ( الدايلوج والمونولوج ) واستغراق شخوص القصَّة في سَبر أغوار نفوسهم واستلهام عقولهم الباطنة .

       وأصل حكاية هذه الشؤون والشجون ، هو أنَّ ديوان وزارة الإعلام أو الفنون أو الثقافة والإعلام ــ بحسب التنويعات المستجدَّة كلَّ مرَّةٍ في مسمَّيات هذه المؤسَّسة الثقافية العتيدة ــ  قلتُ أنَّ الديوان ذاك كان مشتملا ً في ظرفٍ ما على رهطٍ معني بهذا اللون من الكتابة والتحبير الأدبي بين موظفيه ، ويعتدُّونَ ما عداهما من الفنون الأدبية كالبحث في ضروب المذاهب والفلسفات ، وكذلك الخاطرة وتصوير الأشواق الوجدانية ، وإيداعه قالبا ً آسِرا ً بكلماته الموحية وألفاظه الرشيقة ، وحتى الموضوعات السياسية التي تنظر لأحداث الساعة وتستجلي خطورتها وتأثيراتها وفاعليتها في الواقع اليومي ، فإنَّ هذه الوجوه والمناحي المتشعِّبة لا تستحق أنْ يولوها فضل عنايتهم ولا قسطا ً من اهتمامهم ، إنـَّما الأداء القصصي وحده هو ما ينبغي لهم أنْ يكرِّسوا مجهودهم ، ومن هنا هذا الهوس الذي مُنـِّيَتْ به الأدبية العراقية في ستينيات القرن الفائت ، وحتى لقد أقلع الكاتبونَ عن تصفح مأثورات أعلام النهضة الحديثة ، وغدا معنى الحداثة أو المعاصرة أنْ تطرح كتابات السابقينَ وتنهمك في تحليل هذه المجموعة القصصية التي أنجزها هذا الأديب الفتي الواعد ، وتومئ لإحساس أشخاصه بضياعهم واغترابهم وعدم تلاؤمهم هم ومحيطهم وانسجامهم مع الناس العائشينَ في نفس البيئة ، فلك أنْ تلحقه بالوجوديينَ وكلفهم بألفاظٍ تجسِّد سِبق ماهيَّتهم لوجودهم كمحاولةٍ للتمرَّن على التحذلق الفلسفي ، ثمَّ تنبري لتدينه على توانيه في التعاطف هو وقضية فلسطين ، وشططه في التجاوب وما ترفعه بعض الواجهات والفصائل يومها من شعارات ، وهذا ما قد يقبله منك ولا يضنُّ عليك بكنية الناقد المنصف ، وكذا اختفتْ من صفحات كتابتنا أسماء جيل التنوير والتجديد والمناداة بالحرية وحقوق الإنسان ، ونـُظِر لك بمجرَّد تقـليبك نتاجات : محمد عبدة ، ولطفي السيد ، وطه حسين ، وعبد العزيز البشري ، وأمين الخولي ، ومحمود أحمد السيد ، وسليمان فيضي ، وإبراهيم صالح شكر ، وحتى اجتلائك بعض الكتب المنسوبة لابن رشـيق ، والتوحيدي ، وابن خلدون ، وابن الأثير ؛ على أنـَّك لا تعيش في زمنك ولا تحيا في حاضرك ، إنـَّما في بطون الكتب والأسفار القديمة التي تحجب عنك الرؤية الصحيحة والنظر الثاقب ، ووصلتْ الحالة من الشعور بالتضاؤل والابتئاس أنَّ مغتربا ً اليوم قي جهات الدنيا تحدَّث من خلال برنامج إذاعي عن حيرته في انتهاج أيِّ الوسائل الكفيلة بردِّ الاعتبار لمؤلفات طه حسين واستحثاث الشباب على تداولها ، فشكوته بعد النظر له كمتطلب شهرة ومبتغ ٍ استلفات الأنظار من وراء هذه اللهوجة ، قلتُ شكوته إلى المرحوم عبد الحميد العلوچي ، فارتاع وانتابه الفـَرَق حينها ، ونعى على أمثال هذه الزمر من فتيتنا جهلهم بفكر طه حسين ، وتجديده في المقاصد الأدبية ، واجترائه على مصادمة مجتمعاتنا في مواضعاتها وأعرافها الدينية وموروثاتها الفكرية ، بحيث لا يدانيه أحد في تحمُّله الأذى والصد ، واصطباره على الكيد والمكر ، فضلا ً عن تفرُّده واختصاصه بنمط من الأداء والتعبير ورصف العبارة يبدو سهلا ً يتأتى لكلِّ إنسان أو لكلِّ محاول ، لكنـَّه يشقُّ على أحد أنْ يقتفي غراره وينسج على شاكلته .

       وما علاقة هذا الصنف من موظفي الوزارة المذكورة بالكتابة حول القصَّة الفنية وشروطها وخصائصها ؟ ، قد لا نكون مشتطينَ إذا قلنا أنَّ أولاء كانوا محوجينَ لمَن يجاملهم ويخاتلهم ويُعلِي شأوهم ، فبيدهم تزكية الأعمال النقدية وترشيحها وإجازة طباعتها ، ومَن يتجافى عن هذا الهوس ولا ينغمر فيه ويُحَاكِي أربابه في لوك مفردات عن اغتراب البطل القصصي وتشاؤمه واستطاعته بغيره ، له الهَبَل والانحسار بين هذه المعاشر من فتيان الأدب الذين لا أدري متى يشبعونَ نزوعهم للظهور ، ويكتفونَ بما حازوه من صيتٍ وشهرة ؟ .

       وكذا ظهر كتاب جعفر الخليلي في ظروف احتدام الناس وصراعهم حول مناسبة المبادئ والعقائد وملاءمتها جميعا ً لنهوض شعبنا ، ولهَوا عنه بأوغارهم وأحقادهم ، وأعرضوا عن تداول أيِّ سِفر ٍ أدبي ٍ من جنسه ، بينا أقبل على الإفادة منه مثقفو بقية الحواضر والعواصم العربية ، فصحَّ في رؤيتهم ووجدانهم هذه المرَّة أنَّ هذا الفنَّ الأدبي ليس مدخولا ً أو طارئا ً على مألوفاتنا الثقافية ، أو أنـَّنا استوردناه كأيَّة بضاعة أو سلعة مصنعة في بلاد الغرب بهرَتْ عقولنا وخلبَتْ أذواقنا وحرصنا على استخدامها في تجميل حياتنا ، إنـَّما له أصول وثوابت في تاريخنا وحضارتنا حتى منذ أقدم عصور الجاهلية ، فالعصر الإسلامي الأولي القصير ــ أعني عصر التبشير والنبوة والخلافة الراشدة ــ وتبعتها الأزمان والعصور الأموية والعباسية ، فتقسيمات حكم المسلمينَ في الأدوار المتأخِّرة بين شتى الأجناس والعناصر ، من عربية مهاجرة إلى الأندلس ، فإخشيدية في مصر ، وفاطمية في بلاد المغرب أولا ً ، ثمَّ امتدَّ نفوذها فشمل مصر وبلاد الشام التي كانتْ قبلها مرتكنة لبني حمدان ، ثمَّ الدولة الموطدة لبني أيوب ، واعتلى بعدهم السلطان أجراؤهم وخدمهم المماليك ، وانعقدَتْ أواصر أولاء الحُكـَّام المتأخِّرينَ جميعا ً وصحَّ إجماعهم على الذياد عن حِياض المسلمينَ وجلاء العادينَ والغزاة من القدس وسائر المدن المطلة على ساحل البحر المتوسط ، وناهيك بالبقاع والأوطان التي شيَّد فيها المسلمونَ ملكهم ونشروا حضارتهم ، وراجَتْ كتب أساطينهم في العلوم المتنوعة وصنوف المعارف المختلفة من فلسفة وحكمةٍ وطب وتشريع ، وارتقتْ في تحبير تينك المأثورات والكنوز أساليبهم الكتابية وتعاملاتهم وتصرُّفاتهم حيال لغتهم المُغالبة لعاديات القرون المتتالية في محاولة ميؤوس منها لمسخها وتشويهها وافتعال مزاعم وافتراءات بشأن عدم كفايتها أو نكوصها عن مماشاة الزمن ومستجدَّاته الحضارية .

       ومن خلال المرور بكلِّ هذه الجوانب والمعالم الشاخصة خلص الأستاذ جعفر الخليلي إلى أنَّ حياة أسلافنا لم تكن تخلو في واقع الحال من قصص وحكايات ومرويات ، وإنْ تجسَّدَتْ في قوالب وصياغات تفتقر إلى عنصر الفن والجمال وإسلاف الأثر الصادم ــ إذا جاز التعبير ــ في نفس مَن يطلع على هذه المدوَّنات الكتابية في شكلها البدائي ، ليوقفنا على القاص العربي الأوَّل ( ابن مخنف ) ، وهو لوط بن يحيى بن مخنف الأسدي من أبناء القرن الأوَّل الهجري ت ( 157هـ ) ، وقد عُهدَتْ عنه آثار أدبية ما زالتْ متداولة بين القرَّاء ، ويتناقلها الرواة من عصر إلى آخر ، ومنها ما افتقِدَ أو اندسَّ أو حُشِرَ ضمن باقي محتويات آخرينَ أغاروا عليها واجتلبوها لكتبهم بقصد الاستئناس بها والاعتماد عليها كمصادر موثوق من صحَّتها وضبطها ، ولعلَّ سفره المُبين عن مصرع الحسين بن علي في كربلاء هو الأشيع والأسير في الأوساط والحلقات التي تنعقد في مدن إسلامية مخصوصة بشعائرها ومناسباتها ، ليستجلي من بعد أثر ( كليلة ودمنة ) لمؤلفه ( بيدبا ) الفيلسوف الهندي ، والذي ترجمه إلى العربية عبد الله بن المقفع في بيان جزل ٍ وسلس ٍ معا ً من اللغة الفارسـية التي تـصـدَّى أحـد أعـلامـها المتفيهقينَ باللغـة ( الفهـلـوية ) والـمُـسَـمَّـى بـ ( برزويه ) ، فنقله عنها إلى الفارسية بكامل حكاياته المسرودة على ألسنة البهائم ، يقصُّها على الحاكم المستبدِّ محذرا ومنذرا ً بالعواقب والخواتيم التي لا بُدَّ من أنْ تسفر ــ مهما طال الأمد ــ عن تلاشي التحكم وزوال التعسُّف بمصائر المخلوقات الآدمية ، والمظنون أنَّ فاتحة الكتاب للتعريف بدواعي كتابته وتنسيقه وموجبات تأليفه كتبها ابن المقفع نفسه ، مستخدما ً لفظي : ( التزاويق والأمثال ) في وقتٍ لم تكن الذهنية العربية قد توصَّلتْ إلى الفقه والدراية بمحتوى الشكل والمضمون ، غير أنـَّه يُعَاب بأنَّ الحكاية التي يتضمَّنها الفصل الواحد تتشعَّب عنها حكاية جديدة يستلزمها الاستدلال وضرب الأمثال كلَّ مرَّة ، ممَّا يؤدِّي بالتالي إلى اختلاط الروايات وسرعة غيابها عن البال واختفائها من الذاكرة ، ولا يُغري أحدا ً بالعود عليه ثانية .

       والمهم أنَّ ابن المقفع مَثل دور الرائد المتمرِّس بالأسلوب الرشيق والبيان المتسلسل والعبارة الخالية من التنميق والحذلقة والمبتعدة عن التنطع والتكلف ، وهو قبلا ً وبعدا ً يُعَدُّ مطلِعا ً للرمزية قبل أنْ تندسَّ عليها الضبابية والإغراب والتعتيم في الآونة المتأخِّرة ، مهما اصطنع غير واحد من مداخلات ومسوِّغات لتمرير ذلك بدعوى تعقد الحياة الذي استتبعه تعاقب العصور والدهور .

       ولم يفتِ المؤلف أنْ يستقصي أثر حكايات ( كليلة ودمنة ) في أدب الحقب التالية ، أو يغفل عن تصدِّي بعض الشعراء لنظمها ونسجها بقالب الشعر التعليمي الذي يشرح وقائعها ويحيط بغاياتها قبل أنْ يفتنه بصياغته ويخلبه بطراوته ، وذلك في زمن قريب من الزمن الذي عاش فيه أو الأزمان التي تتالتْ بعده ، كما صنع الشاعر العباسي ( أبَّان بن عبد الحميد اللاحقي ) ، فحوَّلها إلى مطولة شعرية تبقتْ لدينا شواهد قليلة منها ، كما ترجمها نظما ً الشاعر السلجوقي ( ابن الهبَّارية ) ، وشفعها بتأليفه على منواله كتابه ( الصادح والباغم ) ، وجاء بعده في حقبةٍ تاليةٍ حكم مصر والشام فيها سلاطين بني أيوب وأجراؤهم المماليك ، قلتُ جاء الشاعر المصري ( ابن مماتي ) المتوفى سنة ( 606هـ ) ، فانصرف لنظمها كي يحتذيه آخرون من الشعراء والكـُتـَّاب في التأليف على نسقه أو معارضتهم في منثورهم ومنظومهم ، وفي الآونة المتأخِّرة عنَّ للشاعر محمد مهدي الجواهري أنْ يُعالِج صوغه شعرا ً ، محتويا ً شيئا ً من التأثير في وجدان القارئ ، حيث يترسَّم طريقته المعهودة في نسجه للشعر ، وقد توقف عند حد منها ، وهاكم هذه النماذج  من منظومته :

 

قــَـــالَ مَـلِـيْـكُ الـهـِنـدِ دَبْـشَـلِـيْـمُ       لـِـبَـيْـدَبَـا يَـأيـُّهَـا الـــــحَـكِـــيْـمُ

اضْربْ لِيَ الأمْثالَ فِي الأحْبَابِ       تـَعـْـمَـلُ فِـيْـهـَا حِـيْـلـَة الكـَذابِ

حـتـَّى تـَبـِيْـتَ شُـحْـنة البَغـضَاءِ       تـَدْويْـهـُمُ وَمـَـا بـِهـِم مِــــن دَاءِ

فـَقـَالَ ذاكَ الـفيلسُوفُ الـبَرْهَمِي       وَلـَمْ يَقـُلْ غيْرَ القويِّ المُحْكم ِ :

إذا ابْـتـَلـَى الأحْـبَـابِ بالـكـَذوْبِ       لمْ يَلبَثـوا أنْ يَرْجعُـوا بالحُـوْبِ

.............

       والخلاصة أنَّ الخلفاء ووزراءهم وكـُتـَّابهم شغفوا جميعا ً بقصص ( كليلة ودمنة ) ، وأعجبوا كثيرا ً بغرائب حكاياتها المروية والمجراة على ألسنة البهائم المجرَّدة من العقل والتفكير والمحرومة من نعمة النطق باللفظ الصريح ، والرائد المبتغى من ورائها هو عسى أنْ ينهدَّ الآدميُّ العاقل وممتلك اللسان الذرب ، ويمرِّن نفسه أو يشحذ قدرته لفكِّ الأحاجي ، واستجلاء المُعمَّيات ، وتفسير الرموز التي يحويها هذا اللون الأدبي الموشَّح بالإبهام والإلغاز .

       وينبري الخليلي لدراسة أو استعراض فصول ( ألف ليلة وليلة ) ، وهو هنا مجرَّد مستجمع لما ورد عنها في آثار الدارسينَ والمؤرِّخين القدامى من العرب وأبناء بقية العناصر الداخلة في الإسلام ، أو يعرِّفك بمَن عُنِيَ بتصفحها وتسجيل رأيه في حقيقتها ومصدرها ، وما إذا كانتْ أصولها هندية أو فارسية ، أو أنَّ العرب هم وحدهم مَن ابتدعوها وأتاحوا لبني مجتمعهم أنْ يزجوا بها أوقات سمرهم ويمتعوا نفوسهم وأذواقهم بطرافتها ، ويحيطوا بما يصنعه الخيال أو يتصوَّر إمكان وقوعه من العجائب والغرائب ومدهشات الأسفار والرحلات ، ويقف كذلك على ترجمة لقيات منها إلى اللغات الأوربية ، فاستهواها ناسها ، وكلِف شعراؤهم وأدباؤهم بما اتسمَتْ به من روعة الفن وسحر الأداء وامتلاك اجتذاب القارئ للانغمار فيها وتواصل المتابعة والقراءة ، فتأثرتْ بها قصصهم ورواياتهم ، بحيث غدا الاستطراد إلى إلمام ( بوكاشيو ) الإيطالي بها واستفادته منها في مـزاولة هـذا الفن تلقينا ً مـدرسـيا ً مملولا ً .

       فكيف بالقوم الذين ابتدعوا حكايات ( ألف ليلة وليلة ) على مراحل وفي أزمنة وأدوار متفاوتة ، كما صحَّ اكتناه بعض الدارسينَ ، ومنهم توفيق الحكـيم عـبـر كتابه ( زهرة العمر ) ، فقد نصَّ على أنَّ اختلاقها وافتعالها مَثـَّلَ ردَّ فعل ٍ لما غلبهم وساد بينهم من هذا الأدب الرسمي الجاف الذي يُعنى باللفظ ويصطنع منه كلَّ مُعضِل ٍ وخال ٍ من الرواء والسلاسة ، ويهمل المعنى الذي يُرهِب البغاة والمتسلطينَ لو أمكن له بوساطة دفقه وسهـولته ووضوحه ورشاقته أنْ يدينهم ويُشهِّر بخسائسهم وجرائرهم ، قلتُ كيف لا ينتعش الفن القصصي بين أهل ( ألف ليلة وليلة ) وهم الأولى باحتضانه وإبداعه ؟ .

       ويعقبُ ذلك أنْ يخوض الخليلي في شأن دور الأصمعي عبد الملك بن قريب ، من خلال شهوده بلاطات الخلفاء والملوك كهارون الرشيد و( آل برمك ) ، وإذكائهم حافظته وشحذهم ذاكرته ليمتع نفوسهم وأذواقهم بقصصه الموائمة للمعقول المتعارف على وجوده أو البعيد عن التصديق لإيغالها في الاختلاق والكذب لحد يقرب من الاستحالة ، وفي كلِّ ذلك جميعه كان مثل وعاءٍ حفظ شوارد اللغة ووقى مفرداتها من الضياع ، وتسرَّبَتْ أدبيَّاته ومأثوراته اللغوية إلى مصنفات غيره مثل اللغوي ابن دريد .

       والمصدر الأخير الذي نلتمس إلمامه بنشأة القصَّة في أدبنا العربي هو المقامات التي برع في ابتداع حكاياتها وحبكها أولا ً بديع الزمان الهمداني ، والذي اكتشف حفـَّارو القبور بعد دفنه بمدَّة أنـَّه استفاق من رقوده وسط ظلمة القبر ، بدليل إماطته الكفن عنه ، وربَّما انطلق في الصياح والهياج ، وآثر أخيرا ً مرتعبا ً أنْ يظلَّ طيَّ الصفائح والرجام .

       والكتب المعنية بشرح أهداف المقامة وإفاضتها في اشتمالها على التسلسل والتتابع الوئيد في عرض حكاياتها وتقديم سرودها شائعة ومتداولة ، ممَّا تولى عنه غير دارس أدبي ومؤرِّخ ، رغم احتذائها أسلوب السجع وانصباب أغراض منشئيها في مختلف الحقب والفترات على استجماع مفردات العربية التي يبينُ فيها الإعضال والنبوِّ والجفاء والوعورة والخشونة ، ممَّا حدا بالشاعر نزار قباني أنْ يصمها بالحشيش في قصيدة له ملقاة بمهرجان شعري .

       غير أنَّ المقامات يمكن أنْ تستجلي فيها بعض قواعد القصَّة وأركانها المفترضة من مقدمةٍ وحبكةٍ وخاتمةٍ ، وما يتولد عنها أثناء قراءتها من متعةٍ ولهاثٍ وراء نتيجة الصراع والحوادث التي تدور الحبكة عليها ، وإنْ كان المنصوح به من جهابذة النقد أنَّ المعوَّل في التدرُّب على الحكي وإتقان كتابة القصَّة المكتملة هو موالاة القراءة المتمعِّنة وتتبُّع آثار المشاهير من مختلف الأمم والجماعات ، أمَّا النظر للقواعد الموضوعة فلا يلزم بالتقيُّد به وترسُّمه على طول الخط ، إنـَّما يتوجَّب معرفته بشكل عام .

       وفي القسم الثاني من هذا السفر النفيس والجمِّ الفائدة والمكتنز بأشتات المعلومات المستوعبة محتويات مصنفات وتآليف كتبها قدامى ومحدثونَ ، واستناده في توثيق أخـباره ودلائله بالـرجـوع إليها وتـحـديـدها في مواضعـها مـنـه ، أمـثال : ( القـرآن الكـريم ) المُـنـزَّل عـلـى الـرسـول ، و ( الـعـهـدين ِ ) القـديم والجـديـد ، و ( طـبـقـات ابن سعد ) ، و ( رسالة الغفران ) للمعري ، وكذلك مجانيه من ( دائرة المعارف ) لمحمد فريد وجدي ، و( ألف ليلة وليلة ) ، و ( مجاني الأدب ) للأب لويس شيخو ، و ( فجر الإسلام وضحاه ) لأحمد أمين ، وغيرها من نفائس الدوريات والمدوَّنات ؛ والتي منها ما يشي بانفتاح المؤلف على الثقافات الأخرى ، أو ما يكرِّس دمغه ووصمه بالسلفية والعتاقة والارتجاع وجنفه عن المعاصرة ، التي يدَّعيها ويدلل عليها بمناسبة وبدونها غير طارئ ومدخول ومأفون الرأي ؛ قلتُ اشتمل هذا القسم الثاني من الكتاب تراجم وتعريفاتٍ بمجهودات أربعةٍ من معاصريه ومجايله ، ممَّن شُغِلوا بهذا الهمِّ ، وكتبوا قدر إمكانهم ، وبذلوا فيه جهد طاقتهم ، وتركوا للأجيال شواهد حيَّة ناطقة بفرط حماستهم وما واتاهم اقتدارهم اللغوي وحذقهم في الصوغ والتصوير والتجسيد ، المهم أنـَّهم كانوا صدىً لواقع مجتمعهم الذي يتهيَّأ منذ الحرب العظمى لشقِّ طريقه وتسديد خطواته نحو التطوير والحضارة ، نائينَ في ذلك عن الافتعال والتكلف ، متوقلينَ على لغة فصحى سليمة ومبرَّأة من مزالق العجمة وعثرات النحو والصرف ، وهم : سليمان فيضي ، ومحمود أحمد السيد ، وأنور شاؤول ، وخلف شوقي الداودي .

       والثالث من هؤلاء الرواد يهوديٌ من أهالي مدينة الحلة تولد عام 1904م ، وتزوَّد من مجالسها ومنتدياتها الثقافية والأدبية وطبيعة الحياة فيها بمجانيه من الآداب والأخلاق ، واشتغل بالمحاماة وأصدر أخريات عشرينيات القرن الفائت مجلة مأثورة هي ( الحاصد ) التي ازدهرَتْ بنتاجات أرباب الأقلام يوم كانتْ النهضة الأدبية في العراق حديثة العهد ، لتأخُّر اتصالنا بالأشقاء المصريينَ واللبنانيينَ ، وتصفحنا لما يصدرونه من دوريات وكتب ، وكان في أوَّل عهده مندمجا ً بمحيطه ومحبا ً لمدينته الحلة ، وجسَّد هذا الهيام والحب بشعره ونثره ، وصاغه بأروق أساليب البيان والتعبير وأكثرها احتواءً وامتلاءً بالشغف والوجد ، ممَّا يجعل المتتبِّع في استغراب وحيرة من دواعي هجرته في أواخر حياته إلى إسرائيل ، وتفريطه بعهده وولائه لموطنه العراق وسط المهرجانات الشعرية التي تقام في هذه الربوع ، وكذا قدَّم تذكاراته وما يحيط به ذهنه من حكايات عنه إلى الرئيس الإسرائيلي .

       وبخصوص ترجمة الخليلي لمحمود أحمد السيد ، فقد ذكر أنَّ أباه عربي علوي بغدادي ، وأمه هندية أفغانية قريبة عهد بالأفغان ، وهي عمَّة خليل إسماعيل أحد وزراء المالية في العراق سابقا ً ، وما لا يعرفه أحد من العاملينَ في الحقل السياسي أو المهتمينَ برصد التنوع الثقافي والمقاصد الأدبية أنَّ ( خليل ) هذا المتوائم مع ساسة العهد الملكي هو شقيق لعبد القادر ويوسف إسماعيل الملاحقين ِ بتشدُّده وإجراءاته ، فيا للمفارقة ! ، وشقيقهم الرابع هو المحامي والأستاذ في كلية الحقوق قبلا ً عبد الله إسماعيل البستاني ، أو المتوكل في دور العدالة عن الأوقاف الذرية وتصفيتها إبَّان سني خمسينيات القرن العشرين ، بقصد إشغال الناس بما لا يهمُّهم وينفعهم في شيءٍ وافتعال سفاسف كلامية يقطعونَ بها الوقت .

       ونخلص إلى بيان رأينا في أسلوب الخليلي لا غير ، فنشير إلى أنَّ المفكر السوري حافظ الجمالي أشاد مرَّة بديباجة الكاتب المصري إبراهيم عبد القادر المازني ، وقرنه بأسلوب أبي الفرج الأصفهاني مصنف كتاب ( الأغاني ) الملم بسير شعراء الجاهلية والإسلام لغاية مبتدأ القرن الرابع الهجري ، مغضيا ً عن ذكر المتنبي وابن الرومي لأسباب لا تزال مجهولة ، غير أنـَّها لا تشين بروعة هذا الأثر الموسوعي في اللغة والشعر والتاريخ ؛ كما أطلق شاعرنا يتيم الرصافة ــ ونعني به معروف الرصافي كما نعته الشاعر محمود الحبوبي في مرثيته له ــ قالته عن منوال المازني في أدائه بكون أسلوبه أشبه بشراب التوت في مذاقه ؛ وعلى شاكلتهما جرى شيخ النقاد في لبنان الأستاذ مارون عبود في تقديمه لكتاب الشاعر والمؤلف السوري شفيق جبري عن ( دراسة الأغاني ) بأنـَّه لا يقف عند مطبٍ حينَ يقرأ الأغاني ، وتسطير شفيق جبري فتدوينه ملاحظاته عنه ونظراته المُسَلطة عليه ؛ فنقول : إنَّ جعفر الخليلي انفرد بأسلوب ونمط من التعبير هو نسيجه وحده في رشاقته وخلابته وفصاحته ونبوِّه عن كلِّ تقعير وتعالم ٍ وتفاصح ٍ ، قدر حرص صاحبه على التصادي ونزعة القارئ وتشويقه للانغمار في استساغته والتزود بما لم يسبق له أنْ ألمَّ به ووقف عنده من الأخبار والوقائع في سِيَر الرجال العائشينَ لغيرهم أكثر ممَّا أرخصوا حياتهم لذواتهم في دنيا كثر فيها الجحود وتفشَّى التوقح وخلع العذار وعمَّ التطاول ومدُّ الألسنة القذرة حِيال الفضلاء والأكرمينَ ، إنـَّه ( أبو الفرج ) لهذا العصر حقا ً في توثيقاته واستدلالاته ، ويكفي أنْ نستذكر مؤلفاته في الوجوه والمناحي الأخرى ليتوكد لدينا هذا التشخيص .

      


[1] . هذا الكتاب من منشورات مطبعة الإنصاف ببيروت ــ الطبعة الأولى 1962م .

 

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 03/11/2011 10:59:03
مهدي شاكر العبيدي

------------------- ///// سيدي الكريم لك وقلمك وابداعك الثناء ايها النير
دمت سالما

شكرا دمتم سالمين ياابناء النور

تحياتي فراس حمودي الحربي سفير النوايا الحسنة




5000