..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


شعرية المفارقة بالحرب ؛ قراءة في إكليل جواد الحطاب

أ.د.بشرى البستاني

ظل الأدب الحي شعرا ورواية وقصة وأنواعا أخرى ينبض بقضايا الإنسان العادلة ، وظل يرفض العدوان والاستلاب ، دامجا رفضه بالشعري والجمالي ، على ألا تطغى الوظيفة التواصلية ولا السمة المرجعية على الوظيفة الشعرية والجمالية فيه ، لأن طغيانها يعني القضاء على روح الشعر بمقاربة المرجعيات وجها لوجه ، وإحلال لغة الواقع ومن يُكتب إليهم بدلا من لغة الإيحاء في النص ، فالموهبة الفنية المقتدرة تأخذ على عاتقها في عملية التحويل الإبداعي صهر المرجعية لتذوب في  صميم الشعرية ، منسجمة مع البيئة التي تحولت إليها ، والمرجعية لا تتحول إلى شعر إلا إذا تمكنت من الإفلات بعيدا عن قبضة من يحاول الإمساك بها في فعل القراءة كي تغادر محدوديتها إلى فضاء الفن الذي يوحي ولا يحدد ، وبقي الشعر في طريقه لتحقيق هدفه يسلك طرائق غير مباشرة في تشكيل اللغة ، ولعل المفارقة واحدة من هذه الطرائق التي وجدت في لغة الأدب والشعر منذ القدم ، لكن تعريفها وترسيم حدودها ووظائفها وطبيعة تشكلها تأخر حتى العصر الحديث وان كان لهذا الفن حضور في تراثنا الفني العربي القديم ، الا انه لم يسجل  حضورا مصطلحيا لدى النقاد بل حضر من المصطلحات ما يقترب من التعبير عنه كالتعريض وتجاهل العارف وتأكيد المدح بما يشبه الذم ، وتأكيد الذم بما يشبه المدح والمتشابهات والتشكك ، وقد وردت هذه المصطلحات في أكثر من كتاب نقدي  كالمثل  السائر والعمدة  والسكاكي  والقزويني ( 1 ) ،  أما عبد القاهر الجرجاني فقد أعطى أهمية كبيرة لفكرة الجدل والمغايرة في المعنى وضرورة توليد دلالات جديدة في حديثه عن التجنيس والتشبيه والاستعارات والكناية مؤكدا أهمية المغايرة والمخالفة والتفاوت في توليد المعاني وكسر أفق توقع القارئ على حد تعبير نظريات القراءة ، فالفن الأصيل ما هو إلا تداخلات جدلية معبر عنها بتشكيلات جمالية ، إنه جدليات وعناصر تتشكل عبر " الهدم الكامن في الإثبات " (  2 )   ولذلك كانت الكثافة بؤرة انطلاق الدلالات مؤتلفة مختلفة في كل تقنيات الأدب ، ولعلها في المفارقة كامنة  بشكل شديد الحضور ، ولقد حاول الدكتور خالد سليمان تلخيص أهم تعريفات المحدثين الغربيين الذين اهتموا بموضوعها من وجهة نظره محاولا استشراف العناصر المشتركة بين هذه التعريفات المتباينة والتي لخصها فيما بعد بثلاثة عناصر فكان جدوله مشتملا على المصادر الآتية : ( 3 )
1-     معجم اوكسفورد المختصر : وعرفها بأنها تعبير عن معنى معين بلغة نقيضة ولهدف مختلف .
2-    أوجست شليجل : المفارقة شكل من النقيضة .
3-    ميويك : هي قول شئ دون قول حقيقته .
4-    صموئيل جونسون : طريقة من طرائق التعبير يكون المعنى فيها مناقضا او مضادا للكلمات .
5-    صموئيل هاينز :نظرة في الحياة تجد الخبرة عبرة لتفسيرات متنوعة ليس فيها واحدة صحيحة دون غيرها ، وذلك لأن التنافرات جزء من طبيعة الوجود .
6-    آلان رودي : المفارقة ليست رؤية معنى حقيقي تحت آخر زائف ، بل مسألة رؤية صورة مزدوجة على صفحة واحدة .
7-    رولان بارت : المفارقة شكوك تتحول إلى نوع من القلق مطلوب في الكتابة ، ومن شأن هذا القلق إبقاء تلاعب الرموز وتعدد دلالاتها قائما .
8-    ماكس ييربوم : المفارقة إحداث أبلغ الأثر بأ قل الوسائل تبذيرا .
9-    ماريك فيتلي : المفارقة علامة منتجة لعدد غير محدود من العلامات .
10-البلاغيون الجدد : المفارقة صيغة او اثر من الصيغ الثلاث :
أ‌-    الباث يقول شيئا بينما هو يعني شيئا أخر .
ب‌-    الباث يقول شيئا بينما يفهم المتلقي شيئا أخر .
ج‌-    الباث يقول شيئا بينما يقول في الوقت نفسه شيئا آخر .
ومن خلال هذا العرض يستخلص الباحث وجود عناصر يراها مشتركة في هذه التعريفات ويلخصها بثلاثة : أولها ، أن الدال في منظومة المفارقة يؤدي مدلولات سياقية نقيضة لمدلوله المعجمي .وثانيها ، إن الرسالة التي تتضمنها معاني المفارقة ودلالاتها نقيضة لدلالة المعجم الظاهرة ، وما تود تحقيقه من رؤية في المتلقي صاحب البصيرة ، وثالثها  ، صاحب البصيرة ، وهو الطرف الذي تحقق رسالة المفارقة نفسها لديه .
ولكثافة الدلالات التي توجزها المفارقة كونها قديمة قدم الوجود الإنساني وعميقة عمق الاحتدامات الدرامية التي ملأت عالمه ، فان مصطلحها ظل يكتسب معاني جديدة كما يرى ميويك بحيث جرى عليها تحولات جذرية حتى غدا من الممكن النظر الى العالم بما يموج فيه من متناقضات على انه مسرح ذو مفارقات شتى (  4  ) .
وتؤكد الدكتورة نبيلة ابراهيم قضية نشوء مصطلح المفارقة في إطار فلسفي بدءا من "كانت" الذي كانت فلسفته القائمة على الفصل بين التجريبي والترانسندالي -الذي يعني الوعي بوجود أنا مفكرة مقترنة بكل تجربة - مثار هجوم عليه ، كون العقل عنده لا سلطان له على الواقع ، وبهذا يظل العالم منقسما على ذاتي وموضوعي ، وعلى عقل وحس وفكر ووجود ، وهذا ما حاول هيجل التغلب عليه في نظريته اتحاد الأضداد وأهمية قدرة الإنسان على إعادة توحيد الأجزاء المنفصلة لعالمه والحرص على إدخال الطبيعة والمجتمع في حظيرة العقل ، وإلا كتب عليه الإخفاق والإحباط ، من هنا تكون فلسفة " كانت " هي فاتحة المجال في الفلسفة الحديثة والنقد الحديث للبحث عن جذور المفارقة وشيوعها ،  ( 5 )  ويرى شليجل أننا لن نصل للمفارقة إلا بعد ان تكون الأحداث  والحياة بأسرها مدرَكة وقابلة  للتمثل بوصفها لعبة وحشدا ً من المتناقضات ، اذ تكون المفارقة ليس هي الصراع بين تلك المتناقضات حسب ، بل هي الوعي الشديد بالتناقض القائم داخل الذات وخارجها ، ولذلك لا يمكن للمتحير ان يتقن فن المفارقة ، بل لا بد للإنسان من تجاوز حيرته كي يستطيع أن يناور ليلعب على الشئ  ونقيضه بمهارة  فائقة ، فهي عنده السمو الكامل على الذات ، وهي المناورة باللعب على كل الاحتمالات ، بل المناورة باللعب على الذات نفسها .  (6 )   كل ذلك يؤكد ان المفارقة ليست حلية للزينة في النص الأدبي ، ولا هي لعبة بلا قوانين ، بل هي لا تكون مكونا أدبيا إلا إذا كانت نابضة في صميم البنية التشكيلية للنص ، لا تطغى عليها الصنعة ولا يهيمن عليها الوعي القصدي ، بل تندمج في تشكيلها الموهبة المقتدرة بذكاء الفن ومهارة المعرفة ، ولا تكون أدبا  إلا إذا امتلكت الأدوات التي تجعل منها مفارقة منبثقة الدلالات ، لها قوانينها الماهرة والماكرة معا ، كما أن لها أهدافها التي تتنوع حسب عمق رؤية المبدع وسعة أفقه ومدى وعيه بذاته وبما حوله من صراع واحتدامات ، فكلما كان المبدع واعيا بكثافة الحياة وتعقيداتها وكارثية وقائعها ، وبالفلسفات المغذية لتلك الوقائع كانت مفارقاته متشظية الدلالة ، عميقة  البعد ، بعيدة المرمى ، ومتشابكة الأهداف ، ولذلك كانت مقاصد المفارقة أبعد أثرا من أن تحصى ، وأبعد من أن يُرسم لها معنى واحد ، فهي فن منحاز لقضية أو متحيز ضدها ، يحقق انحيازه بأشكال شتى منها الدعوة للفعل إغراء أو سخرية أو تشويقا أو هجاء وتهكما ، وتتلخص آليات إنتاجها بالتلاعب بالألفاظ والتناقض والتضاد والرمز والانزياحات التي تأخذ لها مظاهر مجازية متعددة ، وعليه فالمفارقة تطرح معنيين الأول يشتغل في المستوى اللفظي حسب ، فهو ليس مقصود النص ، ولذلك فهو عرضي وكاذب ومحدود ، أما الثاني فهو المعنى الجوهري ، وهو الكامن المضمر والمقصود غير المحدد كونه قادرا على توليد الدلالة ، وذلك ما يقصده صانع المفارقة ، فالمفارقة إذن هي فن الاحتمالات التي كرستها نظرية الكوانتم في الفيزياء الحديثة حيث لا يمكن صياغة قوانين تحكم سلوك الذرة بالرغم من كون العملية متواصلة الحدوث ، فكل شئ هو مشروع احتمال ، والاحتمال أمر يظل مشروع حدوث أو تحقق ، ولكنه لم يحدث بعد ، ولذلك كان لهذا الفن في الشعر خاصة وفي ضروب الأدب الأخرى بشكل عام مكانة مهمة أرستها التوجهات الحديثة نحو ضرورة نزوع النص المعاصر بطبقاته التشكيلية نحو تعدد القراءات التي تفتح مع كل قراءة احتمالا لقراءة أخرى من خلال كسر مركزية النص وتفجير بؤرته التي كانت تشتغل عليها البنيوية  ، وهذا لن يتم إلا بكونه نصا ذا مستويات كثيفة ، وحاوية لطاقة درامية محتشدة بالقدرة على التفجر الدلالي ، ويختلف حضور المفارقة في الشعر بين ضربين ، الأول حضور جزئي يرد خلال السياق بين الصياغات الفنية الأخرى ، والثاني كلي ، حينما تبنى القصيدة كليا على تشكيل المفارقة ، ومن تأملنا لمكونات الشعر العربي والحديث منه بشكل خاص نجد للضرب الاول حضورا يكاد يكون شاملا في القصيدة عموما ، وفي القصيدة المعاصرة على وجه الخصوص ، إذ لا يكاد يخلو نص حديث من مفارقة هنا وهناك كونه ابن بيئة التناقضات الحادة التي يعيشها الحاضر الإنساني المأزوم .
في هذا الميدان تأتي قراءتنا لنماذج من ديوان " إكليل موسيقى على جثة بيانو  " (7)  للشاعر جواد الحطاب الذي عرف بتنويعاته الحركية على وتر القصيدة وقدرته على تشكيل قضية الإنسان المحاصر تشكيلا جماليا بطرائق فنية شتى ، مرة بالتفعيلة وأخرى بقصيدة النثر ، وثالثة بهما معا ، ورابعة بشعرية السرد وخامسة بدمج كل ذلك في تشكيلات حوارية قائمة على تداخل فني اجناسي ، يسعى إلى نسج إكليل موسيقي ينضفر بانسجام على جثة بيانو ، وإذا كان البيانو مجموعة مفاتيح يمكن أن تطلق أنغاما وموضوعات عدة ، وانها تتشكل عبر تصاعد زمني سريع مرة وبطئ أخرى ، وخافت مرة وجهري ثانية ، فإن " المفتاح في البيانو " كما يقول الفرنسيون ، والمفتاح بداية الحل وهو رمز العبور والانتقال من مرحلة الشتات إلى التحقق ، لكن ذلك التحقق ما يلبث أن يؤول إلى جثة ، والجثة جسد فارقته الروح ، فهل كان البيانو هو جثة الادعاءات الغربية التي عزفت طويلا الحان الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي باءت في التطبيق أنانية وسلبا ونهبا واجتياحا وتعذيبا لذلك الإنسان وتخريبا لحياته ، ام كان هو العراق الذي يمثل للشاعر ولكل العارفين في العالم وللمحتل نفسه مجموعة المفاتيح لكل ما أُغلق ، كنوزا للعلم والثروات المادية والمعنوية وحاويا للحضارات وواحة خصبة للفنون والآداب ، لكن تلك المفاتيح ظلت عرضة للكسر والتحطيم والضياع من قبل كل قوى الشر في العالم ، حتى غدا جثة يعلوها إكليل موسيقى ، في مفارقة بين الحركة والسكون ، بين الصوت والموت ، أم هو حلم الشرقيين بالخلاص من جملة الكوابيس التي عاشوها قرونا تحت وطأة التخلف وأنواع الاستلاب ، لكن ذلك الحلم بالخلاص تشظى كتشظي عنوان مجموعة الحطاب في القصائد الداخلية للديوان دون أن يضعه عنوانا لقصيدة واحدة يتحقق فيها ، قصيدة تمثل مضامين المجموعة كلها وتتمثلها ، فنحن نجد شيئا منه في قصيدة  موسيقى ، وشيئا في قصيدة  جثة بيانو ، لكنا لا نجد الإكليل عنوانا ، ولعلها مقصدية حق من الشاعر بان زمن الأكاليل التي توضع على هامة النبل والصدق الإنساني قد قضى وذهب أوانه مذ جثمت على الإنسان فلسفة البطش والحديد والذرائع وعبادة المصالح الذاتية ، ولذلك لم يرد الإكليل في المجموعة إلا علامة حداد مرفوعة على جثة بيانو ، وتلك اولى المفارقات التي ستعاود حضورها في الديوان  :
قلقي وهو يرتجل النوم ..
تناسى ان ينزع أسنانه من سريري
فظلت الأجفان بلا ستائر ..
الريح شك ...
والكلمات إكليل موسيقى
على جثة بيانو .. ص62

إن الصورة تشي بقسوة حادة ، فالقلق قد أنشب أسنانه في سرير النوم / جسد الإنسان المؤرق على السرير،  والمجاز المرسل الذي علاقته مكانية لم يعد يشتغل من خلال العلاقة ، بل من خلال الاندماج والاشتباك ، حتى غداالقلق وهو شعور داخلي خاص يتجاوز الذات ليحتل كل ما حول الشاعر، ويغرس أسنانه بوحشية هناك ، فهو يتناسى أن ينزع أسنانه من ذلك الجسد ، والفعل يتناسى يحمل في دلالته مقصدية التذكر بوعي غرس الأسنان ، ونتاج هذه المقصدية وجع أبقى الأجفان دون إغماض مما نفى النوم عن الذات الشاعرة  .
إن سطرين من النقاط بعد الصورة المركبة والمشتبكة ببعضها والقائمة على المفارقة استطاعا أن يوحيا بالعذاب المحايث للأرق عبر زمن نفسي كثيف من الاغتراب والألم ، فالنقاط عبر الأسطر- كما هو فراغ البياض-  فضاء للقراءة ، إنها فجوة للتأويل وفرصة لتنوع القراءات ، وامتداد لليل الأرق الذي ظل عبر الشعر لانهاية لهواجسه وعذاب شجونه ، وعبر تقلب النفس بوساوسها وأوزارها وشفافيتها تكون الريح شكا ، وبما أن الريح حركة بسلبياتها وايجابياتها ، والحركة حياة ، فان الحياة ريح في رؤية الشاعر ، والحياة شك هي الأخرى ، والكلمات المضفورة بجمع المؤنث السالم تغدو إكليلا لكن المفارقة أن الإكليل يفارق ما وضع له من دلالات النصر والزهو وتذكر الامجاد ، ليصير إكليلا على جثة بيانو . في هذا السياق الحاد يرد ترميز العنوان ، إذ تعبر الكلمة من سرها المقدس الذي يكتنز طاقة الفعل بدءا ، ففي البدء كانت الكلمة ، أقولُ  تعبرالكلمة من سمتها العلامية التي تمنحها إياها اللغة حيث المعاينة الدلالية ، إلى سمة فنية أخرى حيث يكون التجريد هو الغاية حينما تعجز اللغة عن أداء مهمتها فتلجأ لفن آخر لكن باللغة كذلك . إن المفارقة اللغوية بقدرتها على كسر التوقعات قادرة على خلق اللغة من جديد ، كما أنها قادرة على تشكيل شعرية التنوع التعبيري الذي يحمل سمة التفرد والدهشة  ، ان وعي الشاعر بدور المفارقة وأثرها في النص يغذيه الوعي بالظروف المأساوية المحيطة به على المستويين الفردي والجمعي ، تلك الظروف التي شكلت وما تزال تشكل مفارقة تاريخية بالغة الخطورة استمدت روافدها من حسه الوجودي بما حوله ومن ضروب الصدام السياسي والاجتماعي والطائفي والمحاصصي الذي أوقعه وجود المحتل في وطن كل مافيه صار عرضة للتفجر والانتهاك بعد تاريخ كامل من بهاء الفعل وحركية الحضور والتراكم الحضاري الخلاق :

ايتها الممرضة
اطليني بدهان ضد الزنجار
فماذا يفعل المكركروم
لجسدي الموغل في الشظايا
الشظايا تلبسنا
لتستر عريها ..  ص99
نعم الشظايا لكثافتها وانتشارها في كل مكان ، وطغيان حضورها على كل  شئ صارت تلبسنا لتستر بشاعة فعلها التدميري والعشوائي ، لا سيما وهي تحصد الأبرياء في بيوتهم ، في أسرة النوم ، وفي الشارع ، وفي أماكن العمل ، إنها تلبسنا وتكسونا بالصدأ إشارة لدوام الحال وطول المدة ولذلك ما جدوى الأدوية مع الصدأ، إن الشاعر عدل عن استعمال مفردة الصدأ الى الزنجار إيغالا بالتعبير عن لا إنسانية ما يحدث ، وعن تشيئ الإنسان ومدى الإساءة إليه ،وعن شيوع التجريح والموت شيوعا لا يلائمه غير التعبير الشائع ..
إن كثافة حضور المفارقة بأنواعها لدى جواد الحطاب عبر هذا الديوان تبدو لافتة للنظر وذلك لتشكلها في صميم نبض النصوص بشكل عام فقد جاءت بأشكال جزئية شتى ، كما بُنيت عليها قصائد عديدة بناء كليا مما دعا الى تخصيص هذه القراءة لمعاينة حضورها الجمالي عبر النصوص :

ماذا افعل ( برأس المال ) ..
حين يكون رأس وطني مطلوبا ..
أيتها المعارضة ..
ماذا افعل بإذاعة المستقبل
وحاضرُ أطفالي محكوم بالموت ..ص 71.

فرأس المال لا يحيل على ماركس الا لدى من يعرف ذلك من القراء النموذجيين ، لكن تعبير (رأس المال ) يبقى مُعبراً بشقيه اللغوي والاصطلاحي عن مفارقة حادة بين الحياة التي تمثلها فاعلية الاقتصاد في ( رأس المال ) الذي يعد وحده النبض الذي يحرك حضارتهم المعاصرة ، والذي من أجله يغزون بلدان الكنوز والثروات ويسلبونها ، وبين الموت الذي يهدد الوطن ، كون رأسه مطلوبا من اشد الأعداء شراسة ضد الحياة ، والمفارقة الثانية تأكيد للأولى ، كون المعارضة مهتمة بإذاعة المستقبل بينما أطفال الحاضر محكومون بالموت ، وحيث لامستقبل بموتهم ، وتتجلى اللعبة ما بين حاضر الأطفال المهدد وإذاعة تتحدث عن مستقبل ، اذ المنطقي الانصراف لإنقاذ المستقبل الحقيقي الإنساني من الفناء أولا ،  ففعل الإنقاذ أولا حين يكون الموت محيقا  بالإنسان ، ومن ثم تأتي مشروعية الكلام في الإذاعات عن المستقبل  .
هكذا ترتفع الواقعة عن واقعيتها المادية لتكون صالحة للتعبير عن الوقوف إلى جانب الإنسان وهو يواجه الطغاة والقتلة في كل زمان ومكان ،  لان الواقعة متى ما حضرت بحدودها وميقاتها ومرجعياتها المطابقة دون أن تنهض بصميم الشعرية ، نفت عن النص تفرده الشعري وإدهاشه الجمالي لتكون هي الواقع البديل عن الشعر فيه ، ولذلك قيل إن أهم عقيدة أدبية يصدر عنها الناقد هي أن يعدَّ الأثر الأدبي أو النص الأدبي الرفيع بنية مهاجرة متحولة تتأسس على نقض العلاقة المباشرة التي يمكن أن تشدها وتمنعها من الترحال والحلول بكل السياقات ، سواء كان ما تحيل عليه الكاتب أم السياق أم الأفق المرسوم في علاقة الكاتب بمن يكتب إليهم ..(8)   ونجد أن نظريات القراءة  قد  اتخذت لها في الأمر مذاهب تنوعت بحسب آراء المنظرين لها وفلسفاتهم  ، فمنطلقات ياوس تسعى إلى وضع التاريخ في قلب الدراسة الأدبية لأنها الأشمل والأدق تعبيرا عن قضايا الإنسان وأكثر ملامسة لمواجد  روحه ، على النقيض من منهج آخرين ممن كان همهم  وضع الدراسات الأدبية  في قلب عملية  التاريخ  كما يرى هايدن هوايت . (9 )
واذا كانت المفارقة تصعب على التحديد الدقيق فإنها بلا شك لعبة لغوية ماهرة وذكية بين طرفين ، صانع المفارقة وقارئها على نحو يقدم فيه صانع المفارقة النص بطريقة تستثير القارئ وتدفعه الى البحث عن المعنى الخفي الذي غالبا ما يكون المعنى الضد (10) ، ولذلك اختصر شليجل المسألة في تعريف المفارقة حينما قال هي " شكل من أشكال النقيضة  "  فحينما تكون الشظايا موغلة بالجسد ، فإنها تشعل من العذاب ما لا يصدق  ، ولذلك قلب التشكيل الحقيقة الى الضد الذي لا يصدق ، لكنه  يكون مقبولا إذ يوازي حجم  الألم الناجم عن اختراق كميات هائلة من الشظايا لجسد السارد ال ( أنا ) زيادة بالحميمية  التي يُشيعها  ضمير المتكلم . ولعل السخرية  التي تنتجها المفارقة في واحدة من دلالاتها هي واحدة من أمرِّ دلالات الألم ، إنها وجع الروح التي يئست من الجد منقذا ، وأحبطها السعي نحو العثور على حل فراحت تفرغ عذابها بسخرية ملتاعة  :

أيتها الزائرة ..
لا تجلبي فاكهة
اجلبي شاشا وقطنا ..ص100

فبأي الدلالات يمكن أن نوجه هذا النص البالغ العذاب والتعذيب ، أهي مفارقة توجّع أم سخرية مرة ، أم هي تعبير عن خفوت فاعلية الحياة بسبب ما لحق بها من تدمير بأسلحة قتل الإنسان بحيث لم يعد الجسد ألان بحاجة للغذاء قدر حاجته للأدوية وعلاج الجروح ونزف الدماء ، لكن النص بالرغم من مرارته وفاعلية السلب فيه إلا أنه يضمر روح التواصل الحميم في سطره الأول ، مما يؤكد استمرار المراهنة النبيلة على وحدة هذا الشعب والوطن ،     لكن روح الشاعر في بحثها عن ملاذ لا تجد من يغيثها فتلجأ للتراتيل من اجل سلام وانسجام مفقودين . إن تكرار مفردة بلادي ، وجعلها بداية النص والنهاية معا يحيل على تكثيف كوني يجعل من هذه البلاد مفارقة مربكة بتحولاتها التراسلية ، فهي الدمعة في الشفتين ، والضحكة في العينين ، والرجفة في الرئتين ، حتى لنحس ذلك التعاطف الإنساني الشامل مع بلاد الشاعر حين تصير الدمعة والضحكة والرجفة والشهقة عموما..... بلادي :

بلادي بلادي
الدمعة في الشفتين بلادي
الضحكة في العينين بلادي
الرجفة في الرئتين بلادي
والشهقة في الكفين بلادي  ..ص 109

هكذا في عودة إلى التراتيل الأولى يوم كان الشعر هو دين الإنسان الأول ، حينما كانت اللغة تكتنز ملاذاته وتحمي خوفه من الطبيعة وما يزخر فيها من رعود وبروق وكواسر ، وحين يصير النداء ضراعة وشهادة وابتهالا ، ويصير اللعب باللغة من خلال المفارقة بالتراسل وتبادل الوظائف موازيا للعب بمقدرات الحياة لكن شتان بين اللعبتين ، فقي الشعر تمتلك اللعبة قوانينها الفنية التي تنتج جمالا في الدلالة ودهشة في التشكيل ، وبهجة وفرحا روحيا في التلقي يوازي فرح المبدع المنشئ ، ذلك أن ذكاء التلقي يوازي ذكاء المنشئ فكلاهما منتج جاد ، الاول في تشكيل النص والثاني في تشكيل الدلالة ولذلك كان الفن موازيا للجمال فكلاهما تشكل وتشكيل في آن معا ، أما اللعب بالحياة والعبث بها وبالقوانين التي تحكم توازنها فإنه لعب يشيع فيها الموت والخراب والقتل وفوضى الصدامات المجنونة حتى يحس الانسان ألا خلاص :

جئنا
نغسل أنفسنا
بالنسيان
فأصيب النسيان
بداء الذكرى ..ص35
ولذلك كان عنوان هذا المقطع تساؤلا مكثفا ب (  لماذا ....؟ ) حيث تبقى الاسئلة المصيرية الكبرى هي الهاجس الاليم الذي يواجه عذاباته غير المبررة فمن يستطيع نسيان ما حدث ويحدثُ  في العراق  :

حين أكون بمزاج أعزل ..
أصحب لامبالاتي إلى نزهة  ،
وأدعوها إلى وجبة أخطاء كاملة
...........

تحت الصح بإصبعين ..
أفاجئ الكلاب ،
تتناهب قميص أخطائي ..
وتقترح النباح علي ..ص 64

هكذا يذهب الشاعر الى تدوين اعترافاته من خلال اللعب باللغة لعبا يكسر توقع القارئ ويلون له افق التلقي من خلال الخروج على التشكيلات اللغوية المعتادة ، فالمزاج اعزل ، واللامبالاة مصحوبة الى نزهة ومدعوة كذلك ، لكن النص اذ يفصح عن طبيعة الدعوة فانه يفاجئ القارئ مرة اخرى من خلال لعبه الحر باللغة فتكون الدعوة الى وجبة اخطاء كاملة ، وليس الى وجبة طعام حيث اعتاد التركيب التقليدي على الربط بين المفردتين . لكن أهي أخطاؤه هذه التي يعترف بها ام هي أخطاء اكبر من كونها فردية ذاتية ، بدليل تنكيرها في السطر الثالث لشموليتها وكونها وجبة كاملة، وبدليل كثرة الكلاب التي تناهبت القميص ، فهل كان القميص متناصا مع قميص ذلك البرئ الذي سجن بمزاج عاشقة مذنبة ....؟ وما أكثر المذنبين غير العشاق في ديوان الحطاب بحيث نجد الشاعر يعمل بمثابرة وتنويع من اجل تعريتهم وفضح الجرائم التي ارتكبوها بحق وطنه وشعبه  :

ادفعوا عني أبو غريب قليلا ...
أريد أن أمدد قلبي ..ص81

ان ما جرى ويجري في العراق من فعل دموي يحتويه الحطاب بين دفتي مجموعته لم يتمكن من استلاب الشاعر/ الإنسان كليا ، فالإرادة مضطربة مثل كل شئ ، ولذلك نجده وسط عذابه دراميا بفن ، وآمرا ( إدفعوا ) بشعرية تضمر معاني شتى حسب علاقتها بمرتكبي الجريمة ودلالة الفعل المقصود من جهة  ، ومن جهة أخرى فان الطلب هنا يحتمل التوبيخ واللوم أو الاستهزاء حين يكون المخاطب عدوا محتلا ، ويحتمل التضرع وطلب النجدة إذ يكون المخاطب مؤازرا، وفي فعل الأمر تكمن الى جانب الدراما قوة قادرة على المقاومة ، وفي ضمير المتكلم - عني - تكمن طاقة الإحساس بعذاب الذات وهي تضمر الجمعي ، بإنسانيتها وحساسيتها ومقصدية الدفاع عنها ، وفي الصورة الكاريكاتيرية التي يخططها السطر الشعري والتي تعبر عن حدة الاختناق : - ادفعوا عني أبو غريب قليلا -  يُجري التشكيل انحرافا واضحا ونحن نقرأ الطلب ، فمن يستطيع ان يدفع سجنا كبيرا يُطبق بكوابيسه على الشاعر ، وهو في الحقيقة مطبق على أهله وناس وطنه الأبرياء ،  حتى كأن الشاعر بحدة شعوره الجمعي صار كل شعبه ، إن العبء غير المعقول الذي يتطلبه هذا الأمر لم يكن من اجل تشويه الحقيقة التي تكمن في العجز عن زحزحة أي سجن ، بل من اجل كشف الجريمة وفضح بشاعتها وتقديمها للعيان بكل فعلها التدميري ، فتعرية الطغيان والكشف عن بشاعته هي أولى خطوات العمل على سقوطه ، إذ تنضوي داخل هذا النص مفارقة تختزن حزنا يصل حد الجرح والانكفاء ، واختفاء الفاعل في ضمير الجماعة إثارة للبسٍ مؤازرٍ للبس الواقع وإرباكاته وضياع الحقائق فيه ، فمن سيدفع ( أبو غريب )،  هذا السجن الرهيب الذي جرى فيه ما جرى من عدوان على إنسانية الإنسان العراقي وتجريح لشرف كرامته ، وكبرياء روحه ..؟! ولسجن أبي غريب - هذا المكان المعادي والمهيأ لحبس الإنسان تاريخيا -سطوته وقهره بحيث لم تستطع سطوة فعل الأمر المتعدي - ادفعوا - أن تقع عليه فتنصبه مزيحة إياه عن ثقل الواو إلى خفة الإلف ( أبا ) المفتوحة على الفضاء الحر ، ولذلك ظل في النص جاثما بواوه الأبوية السلطوية الثقيلة بوصايتها وحرصها على إدامة حال الواقع المرير ، ورفضها لأي تحول أو تغيير . لكن فعل الأمر ذاته لا يحمل في داخله طلبه في إبعاد السجن حسب ، لأنه يوحي بدلالة أخرى مسكوت عنها ، إذ ما حجم الاضطهاد الذي مورس ضد الذات الشاعرة بحيث أدى بها إلى الشعور النفسي الشديد بالحبس وهي خارجه ، كما أدى بها الى الإحساس بعجز الإرادة في دفع الأذى عن نفسها مما ألجأها إلى الاستعانة بالآخرين ، وكل ذلك يوحي بدوام المعاناة وشدتها وطول زمنها  ، لكن إثبات الفعل ( أريد ) مطلع الجملة الثانية ، يمنح تلك الإرادة أملا بالتحقق ، لان هذا التحقق لن يكون إلا بفعل الذات المريدة وليس بفعل الآخر ، والفعل - أمدد - يشير إلى انقباض القلب واكتظاظه بمكابدات واقع شديد العذاب ، فهل تحول الوطن إلى سجن كبير ، أم تحول الوطن إلى قلب معذب  ينبض في جسد الشاعر.؟!
ويحاول الشاعر اللجوء الى جماليات الصورة التي تتشكل في صميم الحرب تخفيفا لحدة الوجع الراكز في الطرف الأول منها لكن الجمال لا يزيد الصورة الا استنكارا لدى المتلقي ، لأنه يضفي على الألم مزيدا من الشعور بالخسارة :

أطفالنا
يلبطون في اليورانيوم
كأسماك زينة ملونة  .. ص98
**
ان ميزة الشعر الحق تكمن في قدرته على تحرير اللغة من قيودها ومن ارتباطاتها النمطية ما بين الدوال ومدلولاتها بحيث تصير مهيأة لبث طاقتها الكامنة على التألق بدلالات حرة ، هذا التحرر الذي يمنحها جدة متواصلة عبر الزمن لأنه يحررها من ثقل المادة التي تشد الإنسان الى الواقع ويرفعها نحو القيم السامية ، ذلك أن إنتاج الفنون هو إنتاج القيم نفسه ، والسعي بحثا عن الرفعة الروحية والارتقاء بالإنسان فإذا كانت الحرب وعنفها قد قدمت الإنسان غولا مفترسا لم تهذبه الحضارة ، فان الفن يقدمه مخلوقا ذهبيا ذا ماهية وأصالة متعاليتين ،فالإنسان حين يشعر ويتفنن انما يسعى وراء قيمته الخاصة كونه مخلوقا قادرا على اكتشاف منابع اللغة وتوظيف طاقاتها بمهارة خاصة بالشعر وحده   (11) . من اجل شفافية تستبطن دواخل الإنسان لترقى بأحاسيسه المرهفة نحو العلى ولذلك كان الشعر الحق نائيا عن تقديس الشكل ، مراهنا على المعادلة الصعبة التي ظلت حريصة على تحقيق القيمة ، والقيمة في الفن تحقق جمالي دامج للشكل بالمضمون ، وهي قدرة ذلك التوق الروحي الباطن على منح نفسه للغة وقدرة اللغة الشعرية على الاستلام والتشكل والتعبير سواء بشعرية المجاز أم بشعرية البساطة والمباشرة التي تحمل في اشراقها ألق الفن وومض جماله  :

أيها المجندون
أحذيتكم تشعرني  بالإهانة
فامشوا حفاة
في طرقات
وطني  ..ص91

إنه لا يدخل في الأيديولوجيات ولا في علم السياسة ، ولا في تعليل كراهية فلسفة الطغيان التي يصدر عنها المحتل ، ولا في الشعور بالرجس من أذاه ، لكنه يوحي لنا بكل ذلك من خلال إيجاز مفعم بمشاعر الوطنية والانتماء وتقديس الأرض التي رعت حياته ، فالشاعر لا يكره أحدا ، لكنه يكره فعل الأذى الذي يصدر عن المؤذي وهو يوقع الدمار به وبأهله ، ولذلك يلتفت بشعرية البلاغة وإيجازها الى التنديد بأحذية جند المحتل ، لأنها تمثل فعل من ينتعلها عدوانا وانتهاكا. ويبلغ العذاب منتهاه فلا يجد تعبيرا عن ذاته إلا بشعرية المفارقة :

أيتها الحرية ..
اطمئني ،
إننا نحرز تقدما ملحوظا
في  ...
الاحتلالْ .. ص90

فهو يُبلِّغ الحرية بأقصى ما تعنيه الفجيعة حينما يأمرها بالاطمئنان كوننا نحرز تقدما واضحا في الاحتلال ، إذ يوغل المحتل بالاستلاب والإذلال ، وكسر التوقع هنا هو الذي أعطى المفارقة قيمتها ، لأن المتلقي سيشعر بكثير من الأمل المبثوث في الجملة الأولى وفي الجزء الأول من الجملة الثانية : إننا نحرز تقدما ملحوظا ، لكن شبه الجملة من الجار والمجرور يتشظى كقنبلة مفاجئة تقلب التوقع في التشكيل رأسا على عقب ، وتجعل الصمت سائدا بالسكون المقفلة على اللام الأخيرة ، ليكون الصمت تعبيرا عن الحيرة في تحديد الدلالة من جهة ، وفي تحديد مَنْ وراء المخاطب المباشر الذي ينفتح على اكثر من احتمال هو الاخر . لكن الأدعياء بشعاراتهم الكاذبة يظلون كامنين وراء مثل هذه المفارقات الترميزية   .
أما القصائد التي وردت مبنية على المفارقة كليا فقد تمثلت بأكثر من نص منها ( فايروس ) و ( حجج ) و( اختناق ) ، حيث يلجا في قصيدة فايروس إلى مفارقة السخرية بأسلوب عصري منددا بالدولة الجديدة التي لاتمتلك من مقومات الدولة أية سمة ومستهزئا بحضارة الفراغ التي لم تمنح الإنسان غير زيف من الأحلام الكاذبة التي يراها أمامه عبر ميديا من الصور الصفراء التي لعبت بأصالة القيمة الإنسانية وحولت حياته من ثقافة الجوهر ومجتمع الأمن إلى ثقافة الهامش والزبد ومجتمع الخطر والاستهلاك ومحو هوية الإنسان وتغييب قيمة العمل والتحقق الخلاق :

اختر حلمك بالريموت
فالدولة ...
جزء من تسهيلات الدولة للشعب
سجلت الأحلام على دسك
*
في القاموس
أضيف التعريف التالي للكابوس :

حلم صنّعه الأطفال
فهاجم دسكات الدولة
كالفايروس
*
ما تخشاه الدولة
ان
يصبح
ناموس ... ص24

فبدلا من تحويل الحلم إلى حقيقة بالإرادة والعمل يتحول الحلم إلى دسك متغير سريع المحو بلمسة واحدة ، حلم قابل للتبديل وبعيد عن الحقيقة ، لكن الكابوس الذي ابتكره الأطفال الذين يشكلون طاقة المستقبل سيظل بالمرصاد لتشوهات الدولة وانحرافها ليحطموا بفايروس إرادتهم دسكاتها  المزيفة ويمحوا أقراص وعودها الكاذبة لأنها وعود المحتل .
وتنبني قصيدة ( حجج ) على مفارقة مرة تعلن عن ضياع أمن الإنسان واستقراره ، إذ تتواصل القصيدة في بناء هيكلها على شكل أحلام متتالية يبدو معظمها مشروعا، ومن حاجات الإنسان المعاصر الأساسية من اقراص سي دي وتلفاز ملون وافلام ممنوعة ، ويحرص الشاعر على تدوينها بالحرف الانكليزي كما بثتها أمريكا للعالم ، لكن استدراك الشاعر ب(لكن) وسط النص يعلن عن بطلان هذه الاماني بسبب فساد آليات المعاصرة الآتية من الغرب ، وخراب أدواتها ،واستنفاد طاقتها وفشلها الذريع في تحقيق أي خدمة لأنسان هذا العصر ، لانها بكل التقنيات المبهرة التي زوت حياته لم تدعه يستمتع بها كونها حرمته الامن وسلام الروح ، وهددته بعقر داره ،  وتأتي الضربة الأخيرة لتعلن عن مفاجأة أخرى تؤكد عجز كل هذه الاحلام عن التحقق في جملة واحدة :

فأنا ،
أصلا ، لا أملك بيت  .. ص50

إذ تقوم هذه الجملة بهدم كل مابنته الجمل السابقة التي شكلت النص من أحلام ، وليقوم هذا الهدم بعمل ستراتيجي في القصيدة  يتمثل بالتحويل الابداعي/ الدلالي  الذي ترتكز عليه الخبرة الفنية والجمالية معا ، فهذا الهدم لا يتم من اجل تحقيق لعبة لغوية بحتة ،  لكنه يقوم بمهمة الكشف عن أمر إنساني بالغ الخطورة والاصرار على تعريته وفضحه ، وكيف للإنسان المعاصر أن يمتلك بيتا وهو يعيش وسط الخراب مفتقدا أبسط متطلبات الحياة الآمنة  والانسجام الروحي ، وهو مهدد بالعراء والتشرد والفقدان جراء الصواريخ والاجتياحات والمداهمات ، وجراء السجون والتعذيب وغياب الانتماء بسبب الضياع الشامل لجوهر القيم ، إنه ينفي المادي المحسوس وهو يريد من ورائه المعنوي المغيّب ولذلك جاء الضمير ( أنا ) مستوحدا يفصله عن البيت لسانيا في التركيب فاصلة وفراغ كبير ، وتأكيد لغياب البيت ( أصلا ) وفارزة أخرى ، ثم يأتي النفي سابقا الفعل المضارع تعبيرا عن نفي الأمان في الزمن الحاضر كله ، إذ تكون الأحلام كلها باطلة بعدم وجود البيت كونه مركز الحلم وحاوي الحياة ومنقذ الإنسان من التفكك والتشتت والضياع كما يؤكد باشلار .
كذلك بنيت قصيدة تحوطات على المفارقة الكلية :

في مقبرة سرية
مقبرة قرب القصر
تماما قرب القصر
في الدرب المتعرج
بين هزائمنا وأغاني النصر
نبتت بضع شجيرات
أصدرت المنطقة الخضراء
القاء القبض عليها

قال الناطق :
قد يستعملها الأموات
عصيّ تظاهرات ... ص75خ

في هذه القصيدة المبنية على المفارقة أيضا ، وفضلا عن تمركز المفارقة في القفل ، إلا أن مفارقات أخرى جزئية تتشكل داخل النص معززة المفارقة الأخيرة ، ففي اجتماع الهزائم وأغاني النصر مفارقة ، وفي إصدار الأمر بإلقاء القبض على الشجيرات مفارقة ، وبدل الأمل بإثمار الشجيرات يتم قطعها ، ومفارقة أخرى بين المنطقة الخضراء وقطع الخضرة اذ تنحو دلالة المفارقة نحو تشويه خضرة المنطقة بقبح فعل حكامها أمام جمالية الخضرة المضمرة في الشجيرات اليافعة ، وأخرى في الخوف من نهوض الأموات للاحتجاج على شرور حكام المنطقة غير الخضراء ، وفي كل ذلك تتباين أنواع المفارقات فمنها اللفظية البلاغية ، وفيها ما هو للسخرية ، ومنها التشويشي الذي يخفي وراءه بعدا يوحي بالورطة الفادحة التي تكمن وراء زبائن المنطقة الخضراء ومدى ذعرهم من الأموات فكيف بهم مع الأحياء ، وفي كل ذلك يتجلى عمق الدلالة وتحقيق مهمة اللغة الشعرية التي لا تسلك لتحقيق هدفها طريقا أحاديا وواضحا، بل هي تذهب اليه من طرق خفية ، وتلك مزيتها الأولى .
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن السرد كان مؤازرا لتشكيل مفارقة الحطاب أكثر الأحيان حيث أضفى التداخل الاجناسي على النص الشعري ومفارقاته بعدا فنيا آخر ، مؤكدا أن الفن مفعم بحركية التوثب لا يمكن لحدود أن تحده ، وتسقط القيود حالما تُداهم بعنفوانه ، وأن الفنون والآداب تتسم بالمرونة ، ولذلك فهي كثيرة التراسل مع بعضها ، ودائمة التضايف حتى غدا النص الذي تتداخل فيه أنواع وأجناس متغايرة في رأي بعضهم هو من ابرز منجزات الحداثة  ، لان الطرائق التي تنتج على وفقها النصوص وتُستقبل ويتم تداولها تخضع لعملية متواترة من التحول والصيرورة ، فالضغوط المستمرة التي تمارسها الافكار بالخلق والابتكار والذوق ومتطلبات المتلقي تؤدي الى تعديل وتطوير هذا الدور باستمرار (12 )
و تجدر الاشارة كذلك الى ان تشكيل صورة الحطاب هو الآخر يحتاج لوقفة ، لأنه  يتسم بنوع من الدهشة التي تفاجئنا بين اللذة والنشوة وكثيرا ما توقظ فينا طفولتنا التي علاها صدأ الموت وجروح الانكسارات  :

لكني
يقظ ٌكالعكازْ ..
أتساءلُ :
في دائرة الأسرار المفضوحة
من سوّاني ، أرجوحة
تضرب في التيه عصايَ
كأني أُمسك قلب الليلِ
بكف مفتوحة  .. ص47

ان الإمساك بقلب الليل بكف مفتوحة يذكرنا بمحاولة الشاعر القديم القبض على الماء وهو يسعى لوصال الحبيبة التي تتسرب دوما ، مؤكدا انتصار الأنوثة وانسيابها وخلودها بالخصب والانتشار ، و يحفل الديوان بالتشكيل الصوري والمفارقي فهو يحفل بشعرية البساطة الممتنعة التي تنثال بهدوء وعذوبة تصل حد المباشرة التي تغذيها إشراقة الشعر :

أهلنا يسقطون
وقوفا
ولا ينحنون
سوى لالتقاط حجر .. ص 57 .

حيث تتكثف الشعرية في مفردتي  (التقاط حجر)  حيثُ  تكتنز الحجر بالقوة المستمدة من المقدس الذي كانته في الجاهلية ، إذ صُنعت الآلهة من الحجارة ليلوذ الإنسان بقوتها من ضعفه وحيرته امام كوارث الحياة والطبيعة ، ولذلك فهي تضمر القدرة على المقاومة لاحتوائها الزمن الأزلي في تشكلها حتى نسبت الثورات والانتفاضات اليها ، وحين تغيب أو تنسحب كل أنواع الانزياحات تبقى إشراقة الشعر قائمة على الرؤيا ، وعلى شعرية القيمة الإنسانية الحافلة بألمها وحزنها وحلمها معا :

مختنق  ، مختنق ، مختنق
عشر رئات لا تكفيني ..
**
النجدة
أل ..نج ..د ..ة
من ينقذني الليلة
من بلطة طفل مجنون
يتمرد في أعماقي الآن ..ص45

هكذا ببساطة المتمكن يتنقل الحطاب بين مكونات اللغة من أقصى الفنية إلى أبسطها تعبيرا عن المحنة وهو يطرح ألمه وعذابات شعبه في حركات قلقة ومتوترة حد الاختناق ، لكنها حركات مؤدية لا تحجب الرؤية ولا تدخل في الضباب ، كونها تمتلك موقفها من كل ما ترى لأنها تعيشه بوعي وتدرك مسبباته وما سيؤول إليه .
أخيرا ، يتمكن الديوان بإصرار فني من التعبير عن بعثرة حياتنا وأحزاننا تماما بكثرة الأشكال التي اعتمدها وتنوعها وكثرة المرجعيات التاريخية والمعاصرة كثرة لافتة مع أن من مهمات الشعر حسب هاوسمان تنظيم أحزان العالم ، لكن الشاعر وجد بصدقه أن أحزان وطنه اليوم غير قادرة على التنظيم ، فأطلق العنان للموهبة وصدق التجربة ونار المعاناة كي ينشر عذابنا بوحا ينبض بالوجع والانتماء ، وعلي ان انتهي بواحدة من المفارقات الأجمل في الديوان حين يخاطب الشهيدة أطوار بهجت ، المرأة الشجاعة ، والشابة النبيلة التي أعلت الحقيقة في مصلحة وطنها  ووحدة شعبها على حياتها اليافعة وأحلامها وأمانيها ومسؤولياتها الشخصية :

وماذا في رحيلك يا قديسة :
عينان خضراوان
واحتاجهما الله
لإضاءة ليل الجنة
فارفعي أطراف كفنك وأنت تمشين على الماء
إني أخاف على النجوم أن تبتل .. ص119

فأي حزن صوفي هذا ، وأي أسى شفيف مقدس ، وأي عذاب  يشتعل بالهمس ويكمن في أعماق لغة تتلظى بتجربة إنسانية شديدة المرارة ، أهي أفروديت آلهة الحب والجمال عند الإغريق التي ولدت من أعماق موج البحر وظلت ترمز عندهم للقوة التي لا تقاوم ، ولتوهج المشاعر ، أم هي أوفيليا التي انتحرت بالماء حبا ، وكانت وحيا فنيا لأكثر من أديب وفنان أوربي ، أم هي تلك الصوفية التي تمشي على الماء كما مشى أجدادها المتصوفة من قبل ، بشر بن الحافي وسهل بن عبد الله ،  أم هي ليلى العامرية التي استشهدت بوجد حبها  ، ولعلها في استشهادها أستعادت تشكيل ذاتها المرهفة من صدق اولئك المريمات الشهيدات جميعا ، مع إحالتها على سيدنا الخضر الذي تُنذر له الشموع في مواسمه لتُطلق على سطح الماء كي تلتقيه فجرا ، وهو الحي في التراث الشعبي ، وفي مخيلة الناس الذين يعلّقون على حضوره أمانيهم وأمنياتهم العصية ، كما أن أطوار بهجت ستظل حية بالشهادة من أجل الحقيقة وفداء الوطن ، والإخلاص لمبادئها التي افتدت قضية شعبها العادلة .

الهوامش والمصادر :
1-     نظرية المفارقة ، خالد سليمان ، مجلة أبحاث  اليرموك  ، العدد 2 ، 1991 ، 65- 66.
2-    النقد العربي ، نحو نظرية ثانية ، د. مصطفى ناصف ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، 2000 ،  120 .
3-    نظرية المفارقة ،  مصدر سابق ، 60 - 61 .
4-    المفارقة وصفاتها ، ( موسوعة المصطلح النقدي ، 13 ) دي سي ميويك ، ترجمة . د.عبد الواحد لؤلؤة ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد ، ط2 ، 1987 ، 29 .
5-    المفارقة ، نبيلة ابراهيم  ،   مجلة  فصول العددان  3-4 / 1987 - 132 ومصادرها .
6-    المصدر نفسه ، 134 ومصادرها .
7-    دار الساقي ، بيروت ، 2008 .
8-    من تجليات الخطاب الأدبي ، قضايا تطبيقية ، دار قرطاج للنشر والتوزيع ، تونس ، ط1 ، 1999  ، 113 .
9-    نظرية التلقي ، مقدمة نقدية ، روبرت هولب ، ترجمة د . عز الدين اسماعيل ، النادي الادبي الثقافي ، جدة ، ط 1  ، 1994  ،351 .
10-    المفارقة ، نبيلة ابراهيم ، مصدر سابق ، 132 ومصادرها .
11-    القيمة والمعيار ، مساهمة في نظرية الشعر ، يوسف اليوسف ، دار كنعان للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق ، ط2 ، 2003 ، 33 ، 34 .
12-     الأجناس الأدبية من منظور مختلف ، خلدون الشمعة ، المجلة العربية للثقافة ، العدد  32 / 1997 . 129 ، 135

 

 

 

أ.د.بشرى البستاني


التعليقات

الاسم: د . محمد صالح رشيد الحافظ
التاريخ: 18/11/2011 13:12:22
دائما متألقة ياأستاذة بشرى...

لقد احببناك أستاذة مربية، وأختا رائعة، وأديبة مبدعة...

انت نجمة الأدب في سماء الموصل والوطن الكبير..

وعلامة ابداع في ذاكرة طلابك لاتمحى مهما حاولت الأيام والسنين أن تعبث بالأقدار ..سلامي

الاسم: د . محمد صالح رشيد الحافظ
التاريخ: 18/11/2011 13:11:06
دائما متألقة ياأستاذة بشرى...

لقد احببناك أستاذة مربية، وأختا رائعة، وأديبة مبدعة...

انت نجمة الأدب في سماء الموصل والوطن الكبير..

وعلامة ابداع في ذاكرة طلابك لاتمحى مهما حاولت الأيام والسنين أن تعبث بالأقدار ..سلامي

الاسم: حيدر الحدراوي
التاريخ: 24/10/2011 08:38:02
ا .د . بشرى البستاني
احسنتم في كل المقادير.. حبيت اعلق اكثر لكن الوقت دهمني




5000