.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
.
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور الثانية للابداع/ النقد الادبي / الفائز الثاني: شعرية الوطن بعد عام 2003

أثير الهاشمي

جائزة النور الثانية للابداع 

دورة المفكر عبد الاله الصائغ

2009

النقد الادبي

 

 
شـِعـْرية الوطن  بعد عام 2003

قصائد الصحف العراقية أنموذجا   

 

  

يتلو الشعر أحزانه ، وينقاد تحت وطأة الظروف التي تقيده بانفتاح مأساتها ، هذا الحزن هو حزن جديد ، بطعم ِ موت ٍ غريب ، الحزن الذي يتجلى في استدارات شائكة تدخل ضمن مسار فكري ، يتخذ من الواقع معطيات غرائبية تندرج ضمن منولوج داخلي وآخر خارجي ، يسهم في تغيير اكتفاء الذات وتغيير مسارها إلى مسارات أخرى .

الشعر العراقي المعاصر اتجه اتجاها جديدا في تقديم الفكرة المراد طرحها ، وهو ما يحدث تغييرا في الصور الشعرية ، وهذا ما رأيناه لهيمنة أفكار ومعطيات وقياسات أضيفت إلى الشعر الجديد ، فالحرب مثلا تجلت لأن تكون أفواها تلهم الإنسان ليكون طعاما لها ، هكذا ولدنا من نطفة الحرب لنكون بارودا للموت ، أو نعيش بلا منافذ إلا مع انتصاب حرقة الشمس أو جفاف الأنهار لتكون الشهوة جائعة في ظل الفقر والموت الذي أصبح لا قيمة لأجسادنا ولا لأرواحنا لأنها تموت بتفاهة .

 هكذا بدأنا وهكذا نشأنا كسلحفاة يقضمها ظهرها من شدة ما تحمل ، فكم حملنا الحروب على أكتافنا ! ولم نزل نرقب اختفاءها .

انسان وُلد في رائحة الحروب ، ومات كطعام ٍ لها ، في زمن ٍ أغبر يعلمنا كيف نقاتل او كيف نموت  ، أهكذا يصير الإنسان في العراق ؟

أصبحنا زجاجا من دخان نتطاير أينما هبت الريح ، أو نتكسر أينما تساقطت أعمارنا.

هكذا كنا في أدبنا الحديث ، كل ما كتبناه كان شعرا يـُراد له ان يكون شعرا مختصا بفلسفة الحروب .

الشعر العراقي بعد عام 2003 ، شعر واقعي جديد ، اتجه اتجاها معرفيا على الرغم من عشوائيته المستكينة تحت فراسة المصطلحات الحديثة التي دخلت إلينا سواء بالاستعمال  أو كونها دخيلة على لغتنا العربية .

امتد الوقت فامتد الموت معه ، وقصر العمر فنسينا طقوس آخرتنا ، بحثنا عن الدنيا ففاجأتنا المعجزات ، سكبنا الماء على السراب فجف رحيقنا من النظر إليه ، تعلمنا ان الحياة من المحرمات لأنها أسكرتنا من غير خمرة ، أ ُصبنا بداء السياسة  فتعلقت أصابعنا بمحبرة الفقر ، تكدست حواجزنا الكونكريتية  فاشممنا رائحة السمنت بدلا من رائحة الزهور ، غيرنا بحور الشعر فتمارضنا بداء الشتيمة الأدبية ، توارثنا الحرب فزدناها لظى .

  

المكان ... الوطن :

 

المكان باعتباره وطنا صغيرا او كبيرا هو ( وطن ) بحد ذاته ، لغة الشاعر المكانية تنتقل بين الواقع المكاني وبين اكتراث الذات إليها ، فالوطن ( المكان ) هو الانتماء الأساسي لأي شاعر ، فنرى الشاعر العراقي بعد عام 2003 يختلف في طرح الفكرة ، لان أساس الفكرة هو ان الواقع  قد تغير ، فالموت ، الغربة ، الفوضى ، الجوع ، الالم ، وغيرها ، كل ذلك انشئ رؤية جديدة لقصيدة الشاعر العراقي المعاصر بأي موضوع كان ، ولا سيما المكان باعتباره وطنا ، تكرست فيه قضايا مهيمنة عليه واكتسب الشعر إضافات جديدة مكرسة فيه ، تحمل مغزى آخر بغض النظر عن كون الفكرة هي فكرة تشاؤمية او تفاؤلية ، يقول عبد الحسين فرج :-

البيت أحول

وصاحبه ...

لذلك ....

نخطئ دائما

في الدخول (1)

ان ترنيمة الانتماء الى البيت ( الوطن ) تكمن في عملية البناء الذاتي ، فكل شاعر له رؤية في تكريس فكرته المراد طرحها وبوسيلته الخاصة ، وهنا الشاعر فرج أضاف رؤية جديدة تمثلت بنقل الواقع الذي يراه واقعا  - احولا-ـ  لأنه لا ينصف  الآخر ، مع مقابلة تضادية وتعميم صفة الحول للكل باعتبارٍ شمولي لأن الكل مشترك في نفس الصفة .

ان ما يُتاح للشاعر من إيجاد حل لتعليل شيء ما يتعلق في ذهنه كي يجد تصويرا يضفي فكرته بها ، وهو ما يـُبلغ الآخر بانتفاء الكلام الذاتي الذي يعبر به عن وصف المكان ليكون المعنى جليا للمتلقي ،  يقول كرم الأعرجي :-

كلما دخلت البيت

باغتني الرصاص

.. هكذا دائما

تكثر النوافذ

في البيوت البريئة ( 2)

الوطن باعتباره بيتا ، يجعل صفته المكانية ذات قيمة حقيقية ، فالوطن هو بيت الإنسان ، فلا انسان ان لم يكن له وطن .

اما الشاعر ياس السعيدي فجعل البيت متداخلا بالوطن ، مضيفا له صبغة قدسية ، وهذا ما يضيف صفة الشمولية ، اذ يقول :-

اعرف انك ستغفر لي

طوافي المستمر

حول احزاني العتيقة

لأن لك بيتا عتيقا (3)      

ان دائرة إضفاء المكان تشغل حيزا يتعلق بانزياح شكلي هو ما يولد انعكاسية لمعان أخرى ، يقول عامر موسى كاظم :-

الرواق الاول

المدينة .....

بتجاعيد حواجزها الكونكريتية

تحوك الآم جياعها غطاء

ما بين النهر والجرفين

المتبقي من رغيف احلامهم

شربته اوردتها

والآتون (4)                     

ان المعاني التي تولدت في هذا المقطع نتيجة انزياح مكاني هي تلك التي تضمنتها صورة الجياع ، ذلك الانزياح المكاني الذي نقل انعكاسات المدينة باعتبارها جزء من الوطن ، كانت انعكاسات وصفية حول ما يشاهده الشاعر من تجليات لواقع يعيشه ، محاولا بث رؤاه ، وكل شاعر حسب تصوراته للمدينة التي يعيش بها ، يقول سلام محمد البناي :-

حاصرني الحلم

وتلقفتني المحطات المحترقة من الخوف

لا أحد يتقدم الي ًَ

برائحة المدن المرتعشة في الذاكرة (5)

  

 الشعراء في هذه النصوص  على الرغم من اختلاف مدنهم الا انهم ينقلون صورة واحدة عن الموت والحزن والمعاناة ، باختلاف الطريقة التي يريد الشاعر ايصال صوته بها ، فالوسيلة تكمن في فن الشاعر نفسه ،  وكيفية التلاعب بالكلمات من حيث الشكل والمضمون ، يقول كاظم الميرزي :-

مثل احلام شاحبة

يغتال ضجيج المدن

نهارات الخطى

وانت تتخبط في الخوف

يا هذا التائه في الهذيان

لا تسأل المرآة

عن سرها المكبوت

حين تمس الوجوه  ( 6)

في هذا المقطع تتوسع دائرة الانزياح المكاني ليضج الشاعر حيزا نحو صفات اخرى تتعلق بالمدن ( ضجيج - تخبط في الخوف - تائه في الهذيان - سر المرآة المكبوت - الوجوه ) هذه الانزياحات المكانية هي ما تعكس الأشياء جلية وواضحة  لدى الآخر ، وهذا ما رأيناه عند الشاعر عقيل حبيب في انزياحاته المكانية  ، وتجلياته الواقعية في وصفه لمدينته الديوانية ، اذ يقول :-

مدي لي كفك المرتعش مثل كلمات الموتى لأقبلها

في العمر الطالع كالغياب من وحشة الكفن

من فوهات البنادق بعد الحرب

ضعيها فوق جبيني كي يهدأ الموتى

في قلبي

ويغتسل الورد من رائحة البارود

اغرزيها بعيد في هواء الردهات

في الأبدية ، في الموت (7)

ان ارتباط المدينة بـ الموت - البنادق - الحرب - البارود - هو ما يتيح لانفتاح النص واكتساب صفة الانزياحية نحو أشياء أخرى تكون حاضرة ومرتبطة معا .

  

  

البلاد - الموت

 

الشعر بحد ذاته  طقوس يتلذذ الشعراء بترتيله ، ليمتد هذا الشعر ليكون شعرا يتجسد لقضية - الوطن - باعتباره الانتماء .

ان التصورات التي ( يمنهجها ) الشعراء في قصائدهم كثيرا ما تكون حاضرة في أذهان الناس الآخرين ، الشعر وارتباطه بالوطن هو حالة انتماء ذاتي تكمن في حب الشاعر وانتماءه لوطنه ، وما يعمق هذا الانتماء هو تجسيد الحب والإبداع بقرن الشعر بالوطن ، على الرغم من الحزن أو الموت المهيمن عليه .

فاعتبار الشعر قضية رسالية تكمن نحو تطلعات اكبر ومدى اوسع ، كما ان ارتباط الموت بالبلاد امرا لم يكن غريبا علينا ، فهذا شيء طبيعي ، فما ممرنا به من حروب وظلم ، اخلد لنا شعرا سياسيا ينقل الينا ارتباط ذلك العنصر بالبلاد ، الا ان الحروب قد اختلفت ، وصار للموت اشكالا عديدة وغريبة ، يختلف عما كان في السابق ، فــ ( الخطف والذبح والتفجير وغيرها) خلفت لنا موتا بدون رتابة ، كما يقول اديب كمال الدين في قصيدته تناص مع الموت :-

في الطريق الى الموت

الموت القديم المقدس

فاجأني موت جديد

موت لذيذ بطعم السم

موت لم احجز له موعدا أو مقعدا (8)

  

ان ارتكازية الموت بالعراق - يفضي لمنهجة مركبة تركيبا عضويا ، أساسها البلاد وأهمها البلاد وآخرها البلاد ، يقول أحمد الهيتي  :-

مشانق

مشانق

مشانق

مشانق

متى بربي

تقتل الحروب

وترفس

ولو مرة البنادق (9)

  

 ان عنصر السرد عند الشاعر أحمد الهيتي  يستلهم جانبا شكليا وآخر يفضي بالمعنى نحو فضاءات وصفية ذات معنى انعكاسي لذات أكثر نظرة للآخر ، فيتسع المضمون بحجم الصور الشعرية المعطاة  وبحجم التفاعل النفسي الذي بـُني عليه النص ، فتكتمل الصور بتوسيع صورة الواقع الذي يعيشه الإنسان العراقي ، فيربط دائرة المشانق - الحروب - البنادق- بالوطن ، يقول أيضا :

انت يا عراق

ثامن الفتق والرتق والرقع

سقط فيك الوطن

وانقرض فيك الشعب (10)

ان اشتغال النص الذاتي  يـُنشئ إحالة تصويرية لكي تتسع دائرة الوصف الداخلي للنص باعتباره تكوينا انزياحيا ذاتيا ، فالبلاد تقترن بحالة فوضوية للدم ، هذه الفوضوية جعلت من مستويات الاستبدال الذاتي استبدالا شموليا عاما ، فالذات هي نقل حالة الشمولية لتقترن البلاد بتجليات المعاناة التي يعيشها الإنسان في العراق ، ومنها  الدم الذي يشير إلى الموت ، فتكون الرؤية الحسية رؤية ذاتية تعبر عن الشمولية ، كما في نص خالد السعدي ، الذي اشتغل على اشتغال ذاتي معبرا به عن الآخر ، فينقل إلينا أوردة الواقع لتنبض كلماته تحت وطأة الجميع :-

كم انتظرت ُ الفجر .. !!

كان الضوء مرتجفا

وكان لحني قديما

.. شاحبا .. اسفا

كم انتظرت ُ الفجر !

كان كل أوردتي حبرا

على دربي المجنون

قد نزفا ..

التي لم تتخذ وطنا

سوى الرحيل ..

فيا مولاي وا أسفا

امشي وينزف دربي

بل أمتعتي للآن نزفي

فوق النخل .. ما نشفا

وان نخلي عراق

والسما رئة مخنوقة

قصت شعرها السعفا ( 11)

ان ما يكونه النص الشعري من اشتغالات داخلية واقعية مع اضفاء مستوى استعمال الكلمات بصورة فنية انيقة يمهد لانفتاح خواص النص والكشف عما يريده الشاعر من الآخر .

  

  

التشاؤم :-

 

يبدو ان السرد التشاؤمي للقصيدة العراقية الحديثة ، أخذ ابعادا جديدة في نقل الواقع ، فحالة التمرد ما عادت قادرة لان تستولي على قبضة العتمة ، والأمر المستحيل ما عاد نصرا خرافيا ، بل كان الشعراء أكثرهم ينتمون الى الواقع ، على الرغم من رؤيتهم الفلسفية من خلال التلاعب بالكلمات ، الا ان المعاني اخذت حيزا وشكلا آخر ، أصبح الفراغ مخبوء تحت وطأة الواقع نفسه ،والشعراء هم - رساليون-  يسعون الى إثراء ذلك الفراغ أو محاولة منهم لإيجاد فرصة للتغيير عبر تشاؤميتهم المستنيمة ،يقول أحمد الهيتي :-

لأن

غدي مقطوع الرأس

مثلي

جاءت حكاياتي

بلا لسان (12)

  

ان وسائد الموت كالحرب ، القتل ، الصليب ، مشنقة ،  الخ ، تهيمن على اكثر النصوص العراقية في الوقت المعاصر وهذا ما يكثر من حالة التشاؤم على الرغم من إحداث التأثير الذي يطمح إليه الشاعر ، يقول عقيل حبيب :-

ذات ليلة

سترتدي البلاد

زي مشنقة

ولتشق طرقها

بين القرى معلنة أسرار الموتى

بين سكانها تفشي هدوء المقابر (13)

  

  فمحاولة التغيير تكمن عند الشاعر نفسه في ايصال رسالته الشعرية عبر تشاؤمه الشعري ، مع وجود بعض من الشعراء يتفاءلون بمستقبل واقعهم على الرغم من مرارته ، يقول علي شبيب :-

سروة للذبيح العراقي

تحمله كالصليب

بحجم العراق الذبيح ؟ (14)

لم تكن الحرب الا حالة تشاؤمية ، لخلق صراعات نفسية عند الإنسان ، فحالة الحرب هي حالة تعددية لموت الإنسان ، فتكون صفة أنثوية لأنها تلد لنا هدايا الموت والرحيل ، يقول حسين الهاشمي :-

 تركت الثقوب على مصرعيها

كلوحات تذكارية

تركت جسدا لهدايا الحروب ( 15)

التحول الشعري بات تحولا مرتكزا على أسئلة الشاعر نفسه في طرح مكنونات اللغز المحير الذي أصاب الوطن ، اما الخطاب فيكون في أكثر الأحيان خطابا مباشرا موجها نحو الوطن ، تقول آمال الزهاوي في قصيدتها ( عراق 2006 ، عراق 2007 ) :-

أي عراق أنت ؟

ولأي مدى في العنف تحولت

وبأي الإشكال تجسدت

تتلظى في أردية الفتنة غيظا

بعضك يضرب بعضا

لتعاني ما عانيت

عصف .. عصف يتوالى (16)

ان تأثير الحالة السياسية في العراق ، هو ما أثر في الشعر الحديث ، فاستنهض بشعراء كانوا غير ظاهريين للعيان ، اما في حالة سجن او منفى او خوف من السلطة ، فظهر لدينا شعراء وخاصة الشباب منهم ينتمون الى حالة واقعية صريحة ، يمنهجون لافكار جديدة اكثرهم في رأيي ينتمون الى الشعر الرسالي على الرغم من -ارتباكيتهم الشعرية -، فحالة الصراع الذي يعيشونه مع انفسهم او مع كتاباتهم ما هي الا حالة نفور من الواقع المزيف ، ومحاولة منهم لايجاد بديل مناسب يلغي عنهم جروح الوطن وآلآمه ، فما يؤهل لان يكون مصطلح الوطن ذات دلالات كيميائية يتفاعل معها الشاعر بصيغ عفوية ، يلوذ بها ويتجسس نبض الآخرين ، مع ايجاد فسحة زمانية ومكانية لابعاده الشعرية ، لتكون النتيجة هي الانتماء الى الوطن بكل صوره ، يقول حسن النواب :-

الأحزاب التي حررتنا .. كما قالوا

فطائس ...

واللهاث للأفكار الحمر

 التي تنقذ الفقراء من جوع مستديم

ايضا فطائس

والهمرات التي جئنا وجاءوا

بها .. فطائس

والبيوت .. كل البيوت فطائس

والحكومة فطائس ( 17)

ان ( فطائسية ) الشعور بالمنفى والحزن ، وما يمر به الوطن من صمت ومن موت ومن دمار في كل مفاصل الحياة ، أهلت لان تكون مشاعر الشاعر ذات - فطائسية - تشاؤمية مــُحاكة بطريقة ذاتية تكترث لان يكون البديل ( فطائسيا ايضا ) وهذا ما يعطي تأثيرا لدى الآخر في تحديد الخطأ ، او محاولة لإيجاد مبرر ما للأخطاء التي يرتكبها الجميع ، يقول صادق الطريحي في قصيدته ( السلطة ) :

  

أيـّها الضعفُ ،
اسمك السلطة.
كمْ مضي من الوقت؟
وأنتَ... بنياشينك الذهبية ليس المخاطبُ أنتَ
تقتاتُ علي ساعاتي فنياشينك من ذهبٍ زائف
كمْ مضي من الوقت؟ ووقتك كهباء ٍ منثور،
وأنت ترتادُ حقولَ الصـّيف تذروه الريح
بماعزك الغبيّ
وقطعانك الفولاذية وقطعانك الجبلية هزيلة ٌحدّ، الموت ... مع أنها تقتات علي حشاش بابل
... وأماه سومر
كم مضي من الوقت؟
(18)

ان هذا النوع من عدم التفاؤل ، او ربما الرغبة في محاولة ايجاد بديل مناسب للوضع المأساوي الذي يعيشه البلد ، سيعكس الجوانب السيئة ، فتقديم الأخطاء او الحالات السيئة في الفن الادبي هو ما يتيح لولادة درس اخلاقي ، لانك ستتعلم من الخطأ اكثر مما تتعلم من الأصح ، وهذا ما فعله شكسبير في مسرحيته ( هاملت)  ، اذ انه قدم النموذج السيئ في مسرحيته ،  لان بداية البشرية تعلموا من الأخطاء ، كما ان تقديم النموذج السيئ هو ما يعطي درسا أخلاقيا أكبر .

ان محاولة التمرد على الواقع الذي يعيشه الشاعر ربما هي تلك النقاط التي يستمدها في نقل واقع الفقراء ، فواقعية الفقراء مرتبطة بفن الصمت ، لأنهم متعبون من الركض وراء السنين ، وهذا ما حرك نصوص الشعراء لان يقابلوا الفقراء بالتماثيل ، فهذا هيثم جبار عباس  ، يجعل منهم ( أصنام من خزف)  :-

النساء المترفات

يكشفن اعضائهن

بكل جسارة

امام الباعة المتجولين

لان الفقراء

 اصنام من خزف ( 19)

 ان تشاؤمية الشاعر بالفقر هو بحد ذاته يكون تمردا على الرغم من براءة هذا التمرد في بعض الاحيان  ، يقول فاضل الغزي :-

حينما نفد الخبز والزيت

نفد الرز والماء

علس الفقراء

بقايا البطاقة

حتى تظل الدماء ! ( 20)

يبدو ان التغيير الذي انشأه الواقع ، وما أسرف في تمديد خطوط الفقر ، وجعلها مبنية على شموليات طارئة ، جعلت من الحالة الشعرية تختص بحالات الفقر عبر متغيرات واقعية ، فالبطاقة مثلا احدى علامات هذا الفقر ، يقول جلال حسن :-

ايها الرصاص

يا اخطبوط اللقاءات المستحيلة

هل نحلم بلا ريش

ونهيم في عشق المدن

التي ارضعتنا العذوبة

ونستنا على الارصفة

ذاكرة تفتح مصارع الندم

على شهوة الحروب الطويلة (21)

كما ان  العامل السياسي أثر كثيرا بمحتويات النصوص الشعرية ، فاشتغالات الشاعر السياسية تكمن في عملية نقل الصورة بإخلاص ، وبأيقونات ذات شفرات لغوية حديثة ، وهذا ما تضمنه نص عادل مروان ، اذ يقول :-

يا صديقي

لا قيمة لأصوات الموتى

لذلك لا يعلق المرشحون ملصقاتهم في المقابر ..

لذلك لا يعدكم المسؤولون بإنشاء مقابر جديدة ..(22)

ان صورة الموت ، هي محتوى دلالي للفقر نفسه ، وهذه الآلية التي اشتغل عليها مروان عادل ما هي الا آلية حديثة ، تستطلع لان يكون النص ذات إيحاءات مزدوجة ازدواجا ايجابيا لإعطاء صفة الرسالية القائمة على إيصال الصوت الشعري بطريقة فنية جديدة ، تقول الشاعرة رسمية محيبس زاير :-

من أشاع الحزن في الأغنيات

من دحرج الرؤوس واشعل الفوضى

من قص جدائل تلك النخلة

من صادر ضحك الأطفال ..؟ (23)

كما ان تهميش صورة الانسان من واقعه ومن إنسانيته ، هي معترك لأن يكون الواقع اكثر سلبية ،  يقول كرم الاعرجي :-

الصور

جميعها مشوهة

الا صورة

الكلب ..

الواقع عند باب المدينة ( 24)

ان ارتكازية الموت والاقتتال والفقر ، ما هي الا عوامل أنشأتها الظروف التي تغيرت في البلد ، فما كان من تشاؤم الشعراء الا تعبير واضح لآليات الخطاب الحديث ، الذي يتسم بالخطابية الصريحة والواقعية ، يقول خزعل الماجدي :-

البلاد تحترق

البلاد ُ تئن مثل حصان طويل ممدد ينزف دما

كيف سأقول للربيع تعال

لم أحصل على ايامي وأنا الذي فقدتها الى الأبد (25 )

 يبدو ان الحالة التشاؤمية هي فرصة او محاولة لإيجاد حلول مناسبة للاعتلاء بهذا الواقع ومسخ صورته المموهة والعودة من جديد الى صورة الإنسان الحقيقي .

  

  

  

  

 

التفاؤل :-

  

في المقابل نجد بعض الشعراء يجعلون من قصائدهم تنتمي الى عنصر السرد التفاؤلي ، فاقترنت صورة الوطن بتفاؤل نسبي عبر لغة إيحائية مباشرة او غير مباشرة ، على الرغم من تناقضات السرد الدلالي الذي بــُنيت عليه بعض القصائد ، مع قلة ذلك التفاؤل عند الشعراء ، يقول كاظم مزهر :-

بلدي يا عراق

يا عائدا

من بين اكداس الرماد

من بين أطنان السموم القاتلة

كذب الذي قد قال تفنى يا عراق

في تربك الباكي جذور الانطلاق  ( 26)

ان قرن الوطن بالحب او بالتفاؤل هو محاولة لإنهاء  حالة تمطيط الحزن ، وهو ما يكون في مورد ثقة بان هناك أوردة ستهب أبنية الغزل والفرح ، يقول عدي العبادي :-

نروي عن سحر أعين تبكي

من اجل اجمل وطن

في كل اسمه فراشات

تغازل الورد حين يكون حزينا ( 27)

يبدو ان استعمال اللغة الشعرية المباشرة هو ما يكرس لإيذان السرد المركب بخطاب عفوي ينتمي الى لغة الثقة في ترتيب المكان المــُدمَر ، او محاولة جادة لإعادة صياغة مفردات يجوبها الموت ، كي تكون الحياة مفادها الرئيسي  ، يقول عبد الجبار بجاي :-

يا سر الكينونة ولغز الاشياء

يا بيدر خير الدنيا

يا قافية الشعراء

وطني وطني

ضمد جرحك من ملح الارض

وكابر يا وطن الشهداء ( 28)

  

ان عوامل مختلفة ساعدت في ان يكون الشعر العراقي الحديث ، بصورته التي نراها اليوم ، فهناك تغيير واضح في الأسلوب ، والأفكار ، كما ان هناك آليات جديدة في تقديم الصورة او القيمة المراد إيصالها الى المتلقي بإشكال مختلفة وجديدة ، كما ان هناك كلمات طارئة دخلت الى الشعر المعاصر كــ ( الانفجار - مفخخة - ذبح - جسد بلا رأس - ناسف - الخ ) نظرا للظروف والمتغيرات التي طرأت على البلد ،  وهناك كلمات أقصيت ، كإقصاء بعض حالات الفن الشعري كالأسلوب والموسيقى وغيرها .

  

  

  

  

  

الهوامش :-

  

•1)    صحيفة  الصباح ، قصيدة عبد الحسين فرج ، العدد 1076 ، الاربعاء - 28-اذار 2007

•2)    صحيفة الزمان ، قصيدة كرم الاعرجي ، العدد 1425 ، السبت 24 نيسان 2004

•3)    صحيفة الزمان ،قصيدة ياس السعيدي ،   العدد 3196 ، الاحد 18 كانون الثاني 2009

•4)    صحيفة الزمان ، قصيدة عامر موسى كاظم ، العدد 3090 ، الاربعاء 3 ايلول 2008

•5)    صحيفة الصباح ، قصيدة سلام محمد البناي ، العدد 1640 ، السبت 4 نيسان 2009

•6)    صحيفة الزمان ، قصيدة كاظم الميرزي ، العدد 2777 - الاربعاء 22- اب 2007

•7)    صحيفة الديوانية ، قصيدة عقيل حبيب ، العدد 158 ، الثلاثاء - 18-تموز 2008

•8)    صحيفة الصباح ، قصيدة اديب كمال الدين  ، العدد 1400 ، الارعاء 28 يار  2008

•9)    صحيفة الزمان ، قصيدة احمد الهيتي ، العدد 3211 الخميس - شباط 2009

•10)                       المصدر نفسه

•11)                       صحيفة الزمان ، قصيدة خالد السعدي  ، العدد 2581 ، الاربعاء 27-كانون الثاني 2006

•12)                       صحيفة الزمان ، قصيدة احمد الهيتي ، العدد 3211 الخميس - شباط 2009

•13)                       صحيفة الزمان ، قصيدة عقيل حبيب  ، العدد 2581 ، الاربعاء 27-كانون الثاني 2006

•14)                       صحيفة الصباح ، قصيدة علي شبيب ، العدد 1438 ، السبت 12 تموز 2008

•15)                       صحيفة الصباح ، قصيدة حسين الهاشمي ، العدد 1578 ، الاربعاء 14كانون الثاني 2008

•16)                       صحيفة الزمان ، قصيدة امال الزهاوي   ، العدد 3092 ، السبت 6 ايلول 2008

•17)                       صحيفة الزمان ، قصيدة حسن النواب ، العدد 3142 - السبت 8 تشرين الثاني 2008

•18)                       صحيفة الزمان ، قصيدة صادق الطريحي ، العدد 2882 - 3/1/ 2008

•19)                       صحيفة الزمان ، قصيدة هيثم جبار عباس ، العدد 2845 الثلاثاء - 13تشرين الثاني 2007

•20)                       صحيفة الزمان ، قصيدة فاضل الغزي ، العدد 3283 - السبت - 2-ايار 2009

•21)                       صحيفة الصباح ، قصيدة جلال حسن ، العدد 591 -  2تموز 2005

•22)                       صحيفة الزمان ، قصيدة مروان عادل ، الاربعاء 22-10-2008

•23)                       صحيفة الصباح ، قصيدة الشاعرة رسمية محيبس زاير ، العدد 579 - 18 حزيران 2005

•24)                       صحيفة الاديب ، قصيدة كرم الاعرجي ، العدد 64 23اذار 2005

•25)                       صحيفة المدى ، قصدية خزعل الماجدي ، العدد 1460 الخميس -19 اذار 2009

•26)                       صحيفة الزمان ، قصيدة كاظم مزهر ، العدد 3287 الاربعاء - 6 ايار 2009

•27)                       صحيفة الزمان ، قصيدة عدي العبادي  ، العدد 3214 الاثنين - 9 شباط 2009

•28)                       صحيفة الزمان ، قصيدة عبد الجبار بجاي ، العدد 3083 - الثلاثاء 26 اب 2008

  

أثير الهاشمي


التعليقات

الاسم: mnmnmadad@yahoo.com
التاريخ: 16/06/2012 23:05:58
الصديق الشاعر اثير الهاشمي
ما هذه الا ثمرات جهدك المتواصل .. اعرف انها متاخرة .. لكنها لاجلك صديقي ..

الاسم: أثير الهاشمي
التاريخ: 21/03/2012 10:29:52
العم الدكتور حميد الهاشمي
شكرا لكلماتك المشرفة .. تحياتي لك

الاسم: حميد الهاشمي
التاريخ: 25/12/2011 23:29:29
العزيز المبدع اثير
الف مبروك الشهادة بتميزك وتأكيد موهبتك ومثابرتك وثمرة جهودك في بلوغ هذه المنزلة.
انا فخور بك حقا واتطلع الى ان اراك تحقق المزيد من النجاحات.

الاسم: أثير محسن الهاشمي
التاريخ: 07/10/2011 19:19:59
الاخ والصديق الجميل جدا احمد الهيتي
شكرا لكلماتك التي تجعل ابداعي يتسع كلما تضيق علي الدنيا

الاسم: أثير محسن الهاشمي
التاريخ: 07/10/2011 19:11:18
الاخ الشاعر الرائع كاظم مزهر
شكرا لكلماتك التي زادتني فخرا وستزيدني ابداعا

الاسم: كاظم مزهر
التاريخ: 17/09/2011 22:07:10
الأستاذ أثير محسن الهاشمي
نبارك لك هذا الجهد المتميز , الذي يدل على علو كعب صاحبه في تقصي ومتابعة الحراك الثقافي .انك باحث جدير بالفوز. لأنك تملك من الأبداع ما يؤهلك لذلك ...
اتمنى لك النجاح دائما
دمت مبدعا أثير

الاسم: احمد الهيتي
التاريخ: 14/09/2011 10:47:22
الاستاذ القدير والصديق اثير الهاشمي
محبة واشتياق ..
لك كل الحب الازلي مني .. ولك مليون مبارك للجائزة . ولك اعجابي لهذا الجهد ..
سلمت صديقي




5000