.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور للابداع/ البحوث والدراسات /الفائز الثاني مناصفة: تناقضات متقابلة في مجتمعنا العراقي

عزيز عبدالواحد

جائزة النور الثانية للابداع  

دورة المفكر عبد الاله الصائغ

2009

البحوث والدراسات

تناقضات متقابلة

في

مجتمعنا العراقي

يصنّف ا الاستاذ الدكتور سيّار الجميل( في غاليري الكوفة بالعاصمة البريطانية - لندن  - ضمن المحاضرة التي القاها مساء يوم 20 ايلول/ سبتمبر2005  ) .بعض فئات وطبقات المجتمع العراقي ,- بعد أنْ يصل الى نتيجة يعتبرها استثنائية  في مجتمع تأكله التناقضات -  , يصنّف هذه النتاقضات الى سبعة تناقضات تشكّل هذا الاستثناء لواقع المجتمع العراقي .

 وما نريد الوقوف عنده هنا ,  تصنيفه الذي انتهى فيه بتسميته (بمجتمع تنابلة ) : كما ورد في التصنيف الثاني , حين قال :
ثانيا : ان التناقض الاجتماعي في العراق يأخذ اقصى تنوعاته اقتصاديا بين مجتمع رعوي واخر عشائري وآخر قبلي ( والفرق كبير بين العشائري والقبلي ) ومجتمع زراعي وآخر صناعي وآخر تجاري ( بتنوعاته الكبيرة والصغرى ) وآخر مهني حرفي وآخر مدني وظيفي الذي يجاريه عسكري مهيمن .. مرورا بمجتمع طفيلي خلق حديثا وهو يجمع جماعات طفيلية متخلفة ولكنها تملك الملايين بلا حدود وقد تبلورت هذه الطبقة من خلال اسباب غير مشروعة وصولا الى مجتمع عمالي ( حتى للاطفال والنسوة ) وانتهاء بمجتمع تنابلة كالذي ينضوي فيه ملالي ورجال دين صغار في المدن لا تشغلهم الا المناسبات ويقابله مجتمع غجري ( الذي يسميه العراقيون بمجتمع الكاولية او القرج او المطاربة ) .. الخ عند حوافي المدن . هنا تصل درجة التناقض الى ذروتها بدءا من الشمال وخصوصا حول مدينة الموصل واطرافها وصولا الى مدينة البصرة واطرافها . (1)

وقابل مجتمع التنابلة هذا مع المجتمع الغجري , وذكر تسمية العراقيين لهذا الأخير ! .

في التقابل :

مفهوم التقابل في اللغة والاصطلاح:

تأخذ كلمة (تَقَابَلَ) في المعاجم العربية معانى لغوية مختلفة منها: التلقاء، والمواجهة، والضم. تحدث الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175هـ)  عن التلقاء والمواجهة، فقال: "والقِبَل: الطاقة، تقول: لا قِبَل لهم. وفي معنى آخر هو التلقاء، تقول: لقيته قِبَلاً أي مواجهة"([1])، وقال البطليوسي (ت 521هـ): "والقِبَل بالكسر: الطاقة، والقِبَل: المواجهة"([2]). نفهم من المقتبسين أن معنى (تَقابَل) يرتكز على معنى الطاقة المقابلة لطاقة أخرى، وذلك من خلال معنى المواجهة. ويمتد التقابل إلى معنى المواجهة بشكل عام، يقول ابن فارس (ت 395هـ): "القاف والباء واللام أصل واحد صحيح تدلّ كلمة كلّها على مواجهة الشيء للشيء"([3])، ويقول ابن سيده (ت 458هـ): "وقابل الشيء بالشيء مقابلة وقبالاً: عارضه... وتقابل القوم: استقبل بعضهم بعضاً"([4]). فليست المقابلة عند ابن فارس وابن سيده مقتصرة على الطاقة المواجهة، وإنما هي مواجهة عامة فكل شيء يواجه شيئاً آخر فهو يقابله ويعارضه، ويزيد الليث على المعنى المتقدم معنى الضم كما ورد عنه قولـه: "إذا ضممت شيئاً إلى شيء قلت قابلته به"([5]) فضم الشيء إلى الشيء مقابل له. والمقابلة والتقابل في اللغة واحد، يقول الجوهري (ت 393هـ): "المقابلة: المواجهة والتقابل مثله"([6]). ويقول ابن منظور (ت 711هـ): "المقابلة: المواجهة، والتقابل مثله. وهو قبالك وقُبالتك أي تجاهك"([7]).

نفهم مما تقدم أن معنى التقابل في اللغة المواجهة التي تتم بين شيئين يكون الأول منهما يواجه الثاني ويتقابل معه، سواء أكان تقابل طاقتين أم تقابل قوتين وغير ذلك من المتقابلات التي تتم بين الشيئين، ويعني أيضاً ضم الشيء إلى شيء آخر أي قابله. (2)

في معنى التنبل :

( التنبل ) كدرهم , الرجل القصير , ويطلق عند العامة على الرجل الذي لا عمل له .

                        

التِنْبَل :و التِنْبال والتُنْبُول والتِنابلة ج تنابيل وتنابلة : القصير القامة .

البليد الكسلان ( تركية) . ( المنجد ص66) .

التِّنْبال والتِّنْبَل والتِّنْبالة الرَّجُل القَصِير، كما في اللسان .

ما معنى تنبل؟

أصل كلمة تنبل تركية و تعني البليد ، الكسول و تأتي كفعل في لغتها الأصلية، وردت في كتاب المحيط و قيل في شانها أنها تركية، و أوردها طوبيا العنيسي في معرباته أنها تركية.

و قد يكون استخدام الناس لهذه المفردة من باب الاستخدام المجازي أو التطور الدلالي لمعنى الكلمة.

و قيل عن التنبل الشخص الذي لا ينفعل و لا يغضب و لا يفهم .. ليس له طعم و لا لون و لا رائحة إنسانية ، تقوم الدنيا و تقعد و لا يحرك ساكناً ، و لا يعرف معنى " لكل فعل رد فعل ".

د.عبد اللطيف الرعود http://www.factjo.com/Manbar/MemberDetails.aspx?id=243

و تنبل من الكلمات الدارجة على الألسن.
يقول الناس : هذا تنبل, أي أ نه لا يحسن التصرف, أو أنه ليست لديه حنكة وحكمة في النظرة إلى الأشياء..
قد يكون استخدام الناس لهذه المفردة من باب الاستخدام المجازي أو التطور الدلالي لمعنى الكلمة, حيث كان يراد من الكلمة القصير الجسم, ثم اتسع المعنى ليشمل قصر النظر إلى الأشياء بحكمة ..
عندما تقال هذه الكلمة لا يفهم أحد أن معناها القصير الجسم, بل يتبادر إلى الذهن صورة ذلك الشخص الذي لا يقدر الأمور, ولا يحسن النظر في العواقب .

. http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=23998

في الموروث الشعبي العراقي هنالك حكاية شعبية متداولة في العراق وهي قصة تنبل ابو رطبة وهو احد مشاهيرالكسل  واخذ اسمه من شكله لأنه كان قصير القامة ومشهور بالكسل والتواني والعجز حتى انه احترق بيته وكسل وعجز عن ان يطفيء النار التي بدت صغيرة حتى احترق مع البيت . وسمي ابو رطبة لأنه كان لايعمل وعندما يجوع يذهب الى النخل وينام تحته وينتظر ان تقع رطب النخل اليه . وفي احدى المرات وقعت رطبة بجانب فمه وتكاسل ان يضعها في فمه .

http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?p=152176

ولنستعرض في جولة - ومعنا الاستاذ الدكتور الجميل -  بعض الذكرى

{ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } الحج (15) 

لقد هيأ الله جل وعلا لهذه الشريعة الغراء من العلماء الأصفياء والأولياء الاخيار والاتقياء الصالحين من اتصلت محامدهم وعلت مبانيهم وجّمت مكارمهم فلهم من كل فضيلةٍ السهم الأعلى، والقدح المعلى، فجردوا فيها العناية وأظهروا فيها الكفاية وصرفوا إليها اهتمامهم، فأوضحوا للناس ما التبس عليهم فهمه واستبهم، وبينوا لهم معاني القرآن وكثيراً من أسراره وأحكامه وبلاغته ومعجزاته، وذلك بفضل الله عز وجل ثم بتقواهم وعبادتهم فصار عسير الناس عليهم يسيراً وصلبهم عندهم سهلاً ووعرهم عندهم هيناً فلهم أنفس أبية وهمم علية، فأنجح الله سعيهم وسدد أمرهم، وسهل مطلبهم فلله درّهم ما أحسن سيرتهم وأنقى سريرتهم وأكرم أخلاقهم وأمجد أعراقهم.

ولتعظيمهم كتاب ربهم وخدمته جرى على بشرتهم صفاء وضياء، وحسن وبهاء وكلما قرأنا سير هؤلاء العلماء المرتضين الأوابين والأزكياء المنيبين صارت قلوبنا مشوقة إليهم وأعيننا تواقة للنظر إليهم وأنفسنا ذات حسرة عليهم بهم وانتزاعاً إلي لقائهم، يشوقنا إليهم كثرة محاسنهم وحسن أخلاقهم وبذلهم الغالي والنفيس خدمة للعلم.

وإن أمة كثر فيها أولئك العلماء البررة لجديرة أن تصافحها يد السعادة والهناء والعز والإباء، ويأبى القلم ويعجز أن يخط جميع مآثرهم فذلك ما لا نستطيعه، ولكننا لم نعجز أن ننقش محبتهم في سويداء قلوبنا فهي تخفق بمحبتهم، وأن نلهج بالدعاء لهم، والاستغفار آناء الليل وأطراف النهار.

وأدم البكاء على أناس لا يرون للعلماء حقاً، ولا يقيمون لأقوالهم وزناً، فكيف يطلبون السعادة والهناء، فالهم لا يزال ضجيعهم، والغم كميعهم، والأسف أليفهم، واللهف حليفهم. . (* )

مكانة العلماء في الحاضر.. والمستقبل :

عرف الناس في الماضي قدر العلم، ومكانة العلماء ودورهم، بدءاً من عامة الناس وانتهاء بخاصتهم من القادة والزعماء، كانت هذه هي القاعدة العامة، وإن لم تكن تخلو من حوادث متفرقة لا تمثل ظاهرة، إلا أن هذه المكانة العظيمة للعلماء التي أضاءت حياة المسلمين في أكثر عصورهم ازدهاراً ورقياً وقوة؛ أخذ ضوؤها في العصر الحاضر يخبو، وقدرها يضعف، بانزواء تأثير كثير من العلماء وضياع دورهم واختلاف الناس في نظرتهم إليهم اختلافاً كبيراً. والخطير أن هذا الضعف يأخذ شكل الظاهرة العامة، وتقف وراءه أيد ماكرة تريد أن تطفئ نور هذا الدين من خلال تحطيم مكانة علمائه ومحو دورهم.


ضعف دور العلماء يؤدي إلى عواقب خطيرة، في حاضر الأمة ومستقبلها، وخصوصاً مع تطور وسائل الاتصال وكثرة منافذ التأثير، والتي وضعت المجتمعات في بحر يثور بالتيارات والأفكار والعقائد المنحرفة والضالة، فبناء المجتمع المسلم، يعتمد اعتماداً كلياً على علماء الدين، وضعف مشاركتهم ودورهم يعني ضعف بناء هذا المجتمع وبناء أفراده، كما يعني هشاشة في الحماية المهمة لهذا المجتمع ضد عوامل الفساد والانحراف، ومكايد الإيقاع به في أوحال الثقافات المنحرفة والأفكار الغربية الضالة، ويعني أن التيارات الفاسدة والضالة سوف يزداد تأثيرها يوماً بعد يوم في المجتمع، مما يؤدي إلى محو هويته وضياع قوّته، كما يؤدي إلى تصدر الجهلاء وقليلي العلم، فتنشأ البدع وتكثر الخرافات ويظهر الغلو وتنفتح أبواب الفتن والخلاف والنزاع.

سبب هذا الضعف- في رأيي-
(محمد سعد  ) , هو وجود تصورات منحرفة لعالم الدين، فقد تفاوتت نظرة الناس إلى علماء الدين على مر العصور، وتعددت أسباب تلك التصورات، إلا أن عصرنا هذا يتميز بأنه تجمعت فيه كل التصورات التي ينظر بها الناس إلى عالم الدين، والتي نشأت في الماضي والحاضر، وما يهمنا بصورة كبيرة هو ما تجمع لدينا في مجتمعاتنا من تصورات نحو العلماء في العصر الحاضر، وما سيكون عليه الحال في المستقبل.


1-
نظرة الغلو والتقديس في العلماء:


وهي نظرة تتجاوز الحد الشرعي في تقديس الإمام أو العالم أو الشيخ، وأبرز من يقع فيها غلاة الصوفيين الذين تتميز نظرتهم لشيوخهم بالغلو الحاد، والتقديس المنكر، فالشيخ لديهم هو محور السلوك، ولكي ينتفع المريد ببركاته فيجب عندهم ألا يزن أفعال شيخه بالشرع، وإن ارتكب المنكرات وعطل الفرائض وقعد عن الصلوات، ولا بد للمريد أن يعتقد أن شيخه هو الغوث، وأنه يستقي علومه من اللوح المحفوظ، وكل خير سيق إليه في الدنيا والآخرة إنما هو من مدد الشيخ وبركته ، جاء في كتاب الوصايا لابن عربي: "من اعترض فقد انطرد"، وقال: "ومن قال لشيخه: لِمَ؟ لا يفلح. وقال القشيري في رسالته: "من صحب شيخاً من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة ووجبت عليه التوبة، ثم إن الشيوخ قالوا: إن حقوق الأستاذين لا توبة منها . ويقول أبو الحسن الشاذلي عن مكانة القطب: "له التصرف العام، والحكم الشامل في جميع المملكة الإلهية، وله الأمر والنهي... والرسول ليس له عموم الأمر والنهي إلا ما يسمعه من مرسله لا يزيد وراء ذلك شيئاً، فالخليفة الولي أوسع دائرة في الأمر والنهي والحكم من الرسول الذي ليس بخليفة، وله تحريك الجمادات وكل حي، وله الإمارة على كل شيء، ولا يصل إلى الخلق شيء كائناً ما كان إلا بحكم القطب .

وإضافة إلى هذا الغلو في تقديس الشيخ لدى غلاة الصوفية نجد طامة أخرى تزيد الطين بلة، وهو نبذ العلوم الشرعية والاعتماد بصورة كبيرة على ما يسمونه العلم اللدني أو العلم عبر الإلهام في تكوين شخصية الشيخ عندهم، يقول أبو اليزيد البسطامي: "ليس العالم الذي يحفظ من كتاب فإذا نسي ما حفظه صار جاهلاً، إنما العالم الذي يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا حفظ ولا درس، هذا هو العالم الرباني....

وعلى هذه الصورة المنحرفة لعالم الدين لدى الصوفية وغيرهم يتكئ العلمانيون في التنفير من علماء الإسلام، ومن عودتهم إلى مكانتهم في قيادة الأمة وأداء دورهم، وهم بذلك يخلطون الأمور ويضللون الناس، فليست هذه هي المكانة الحقيقية للعلماء في الكتاب والسنة، فعالم الدين مهما بلغ علمه لا يصل إلى مقام النبوة، ولا عصمة له من الخطأ، ويجوز عليه السهو والنسيان، ولذلك يؤخذ من قوله ويرد عليه، وعلمه مكتسب بالتعلم، والأخذ عن العلماء، والنظر والفكر والفهم والاجتهاد، لا بالوحي أو الإلهام كما يعتقد غلاة الصوفية في شيوخهم، وليس العالم مصدراً للتشريع، فمصدر التشريع هو الكتاب والسنة، وليس له سلطة إلهية كما يعتقد النصارى في رجال الكنيسة، أو صفات ربوبية كما يعتقد غلاة الصوفية في غوثهم وأقطابهم وأوتادهم.

 ومع ذلك كله فقد رفع الإسلام مكانة علماء الدين، وأعلى منزلتهم، وزاد من فضلهم، وأوجب لهم الاحترام والتقدير والتبجيل، بلا إفراط ولا تفريط، والأدلة على ذلك والشواهد وأقوال العلماء كثيرة.

2-
النظر إلى العلماء على أنهم عقبة في طريق التقدم:


وهذه النظرة لعلماء الدين،حدثت في فترات وأوقات قليلة عبر تاريخ دول الإسلام، لأن الأصل في ولاة المسلمين عبر عصورهم، ما عدا بعض الفترات، أنهم كانوا يقربون العلماء من مجالسهم، ويعتمدون عليهم في إرساء قواعد الدولة، ويجعلون لهم مكانة خاصة، إلا أنه في العصر الحديث، ومع بدء الاحتلال الصليبي المعاصر لكثير من بلدان العالم الإسلامي، صار الأصل فيه هو إبعاد العلماء عن مكانتهم الحقيقية، ودورهم المنوط بهم في إصلاح المجتمع وحمايته، وتصويرهم على أنهم عائق للتقدم.

وعلى هذا النهج الذي سنته سلطات الاستعمار الأجنبي من تهميش العلماء في بناء المجتمع، وإضعاف دورهم وتأثيرهم، سارت كثير من دول المسلمين بعد انتهاء الاستعمار، فصارت تعمل على تهميش دور العلماء، والنظر إليهم كعائق من معوقات قيام الدولة الحديثة، والأخذ بأسباب التقدم، فكان لا بد من إزاحتهم عن مواطن التأثير وحصر دورهم في مهمات إدارية، وقد بلغ الأمر في بعض الدول إلى حد التحذير من العلماء بأسمائهم، والجهر بعداء الدولة لعائلات دينية وتسميتها للشعب بأسمائها ليشاركوا في عدائها. بل أقدم أحد القادة على غلق جامعة من أعرق الجامعات التي يتخرج منها العلماء، وهي جامعة الزيتونة، والتي لم يتجرأ الاستعمار الفرنسي نفسه على إغلاقها. وإمعاناً في تهميش دور هذا الصرح العلمي الذي يخرج العلماء وطلاب العلم، قام أحد المسؤولين بإجراء مسابقة سباحة بملابس شبه عارية لبعض طالبات الشريعة، وأعلن فيها أن الشريعة قد تخلصت من عقدتها!

هذه أمثلة قليلة لبعض المحاولات التي تحدث في بعض البلاد المسلمة، والتي تهدف كلها لعزل العلماء عن المجتمع، وترسيخ النظر إليهم كعقبة في طريق الانفتاح والتقدم.

وما يصفونه بالدولة الثيوقراطية أو "الدولة الدينية" بالمفهوم الغربي، لا ينطبق على دولة الإسلام، لا من قريب ولا من بعيد، وذلك لسبب بسيط وهو أن دولة الكنيسة، ليست دينية بل وضعية؛ لأن من حق رجل الدين عندهم أن يشرع من نفسه ويضع الأحكام بلا مناقشة من أحد، ولذلك انقلب الغرب على دولة الكنيسة وصارت الدولة الدينية عندهم تعني تسلط رجال الدين بأهوائهم التي يفرضون على الناس قداستها، وهو ما يعني قهر إرادة الناس والحجر على عقولهم، وليس الأمر كذلك في الإسلام .

وهذا هو تراث العلماء وكتب الفقه مليئة بالمناقشات والمحاورات والمناظرات بين العلماء، إضافة إلى ما فيها من فقه واجتهادات وأصول ومبادئ ومناهج، كانت سبباً في شحذ العقول عبر عصور الإسلام، وتخليصها من قيود الغلو والجمود، وكون للأمة تراثاً كان ولا يزال نبعاً فياضاً لا ينضب، ولا يُظن وجود مثله عند أمة من الأمم، ومصنفات علماء الدين الإسلامي عبر العصور تعد من أقوى معالم الحضارة والتقدم، وأبرز الأدلة والشواهد على مدى ما قام به علماء الدين من جهود أثرت الفكر الإنساني، هو ما سطروه من موسوعات، ومصنفات، ومعاجم، وبحوث، تدل على عبقرية حضارية فذة، سبقت حضارات الشرق والغرب، سواء من حيث الإبداع في التصنيف، أو التنوع في مناهج البحث والتأليف، أو من حيث قوة الفكر وسعة الأفق، أو من حيث بناء حضارة الأمة والسعي لمعالجة مشكلاتها وإصلاح أحوالها .

3- النظر إلى بعضهم بوصفه "عالم سُلطة":
ظاهرة "عالم السلطة" قديمة، إذ كان يطلق على المنحرفين بالعلم عن مقاصده الشرعية والمسايرين لأهواء الحكام علماء السوء، لكنها في حياة المسلمين المعاصرة أخذت صورة بارزة ومؤثرة، فبعد أن كانت في الماضي محصورة في عدد قليل، يتخذ بعض ذوي الأهواء من الحكام منهم سـنداً لمآرب شخصية محدودة في الغالب، ففي العصر الحاضر ظهرت الحاجة إلى توسيع دائرتها، لأن الهدف لم يعد مجرد مآرب شخصية، وإنما اتسع ليشمل، في عدد من بلاد الإسلام، تغيير منهج الحياة من المنهج الإسلامي إلى المنهج العلماني بمختلف تياراته، ومن ثم كان لا بد من زيادة أعدادهم بما يتناسب مع متطلبات عملية تغيير المجتمعات، ليكونوا خلفية دينية لمباركة خطوات التغريب أو على الأقل إقرارها باستغلال صمتهم وسكوتهم.

فعلى سبيل المثال في إحدى الدول العربية التي اتجه نظامها إلى النظام الاشتراكي في الستينيات؛ قام مسؤول في منصب علمي كبير "بإصدار فتوى أوضح فيها أن القوانين الاشتراكية التي صدرت في عام 1961م تتفق إلى حد كبير مع قواعد الفقه الإسلامي، بل غالى بعض المنتسبين لأهل العلم في إثبات مسايرتهم للتوجه الاشتراكي، فتباروا في دراسة الميثاق الوطني الذي يتبنى الاشتراكية، وحثوا تلامذتهم على حفظه، حتى لقب بعضهم بـ"الشيخ الأحمر.

وقد أدى ظهور تلك الفئة بشكل بارز ومؤثر إلى وصف المجتمع لها بـ "عالم السلطة"، تمييزاً لهم عن غيرهم من باقي العلماء، وفي الوقت الذي يرى الناس فيه غالباً العلماء على درجة عالية من الصدق والإخلاص والجرأة على مواجهة الظلم، والقرب من الناس، والحرص على الدعوة، ونشر العلم؛ فإنهم يرون عالم السلطة، على عكس هذه الصفات. وترجع هذه النظرة لعالم السلطة، من وجهة نظر العامة، إلى ما رأوه من مواقف لعالم السلطة تتعارض بشكل واضح مع مسلّمات الدين وقيمه الواضحة، واقتصار ظهوره فقط على أوقات حاجة سُلطة ما إلى تأييد ديني لموقف معين ستقوم به، فيخرج فيه بالمباركة والتأييد المناسب لذلك الموقف. كما رأى العامة في عالم السلطة إهمالاً لما يحدث من ملمات وأزمات تمر بها الأمة، وتخاذلاً في مواجهة ظلم أو لردع ظالم، وعزوفاً عن نشر العلم، وعدم اكتراث بإصلاح الأجيال الناشئة.

وعلى صعيد آخر تتسم العلاقة بين عالم السلطة وبين غيره من أهل العلم في كثير من الأحيان بنوع من الخصومة والعداء، يكون في الغالب على حساب عالم السلطة، حيث تتهدم الثقة به وتنحط مكانته لدى الناس، ويزداد وضعه في المجتمع سوءاً، وخصوصاً لدى جماعات الدعوة الإسلامية والتيارات الدينية، والخطير هنا هو أن رؤية العامة تتصف عادة بالشمولية، حيث يسحب العامة هذا الوصف غالباً على كل من ينتسب إلى المناصب الكبيرة، فلا يميزون بين عالم وآخر إلا قليلاً، مما يسيء إلى غيره من العلماء، وهو ما يتحتم معه توجيه الجهود للحد من هذه الظاهرة الخطيرة؛ بتصحيح أوضاع العلماء، وتخليص أدوارهم من الأهواء الذاتية والأغراض غير الشرعية.

4-
نظرة الاستهزاء والاستخفاف:
لا يوجد عصر من عصور المسلمين تطاول فيه أهل الضلال والانحراف على العلماء بالاستهزاء والإهانة مثل العصر الحديث، حيث يتعرض علماء الدين لحملات تشويه كثيرة، وموجات استهزاء عنيفة .

وحينما تمنع بعض الجهات العلمية الرسمية المسؤولة عن حماية الدين كتاباً لما فيه من مخالفات ومنكرات تمس الإسلام في الصميم، تخرج ألسنة العلمانيين الطويلة في وسائل الإعلام تنعى الحرية، وتندد بالقرارات الظلامية، وتطرح التساؤلات عن دور المؤسسة الدينية تحريضاً للسلطات عليها!

ولا تقف صور السخرية بالإسلام والعلماء عند هذا الحد بل تتنوع ما بين نكات تدور بين بعض العامة جهلاً، إلى رسوم ساخرة في الجرائد، إلى مواقف تمثيلية مهينة، في الأفلام والمسرحيات والتمثيليات التي تشد العامة وتؤثر فيهم، حيث يتم رسم صورة ساخرة للشيخ أو عالم الدين تجعله مادة للتفكه والتندر لدى المشاهدين، تكون أحياناً هي المرجعية الذهنية التي يتم استدعاؤها في نظرتهم نحو العلماء، لأنهم لا يرون غيرها، فالعلماء وُضعوا بقصد أو وضع بعضهم نفسه في عزلة عن مجتمعه، فأي تأثير سيبقى لعالم الدين في نظر العامة، وأي تقدير لفتاوى العلماء إذا شغب السفهاء على كلامهم وتطاولوا! إنها وسائل مقصودة وأساليب مرصودة لهدم هيبة العلماء ومكانتهم ودورهم لينكسر باب عظيم يحول بين الناس وبين الفتن والفساد.

ولا مفر من مواجهة هذه الحرب الإعلامية على الدين وعلمائه، ولا يصح السكوت فيها عن صغير أو كبير، ولعل التعريف بعلماء العصر، وما قدموه ويقدمونه للأمة من أعمال، وما لهم من فضل، وشرح مواقف العلماء المعاصرين وإزالة الشبهات عما قد يُساء فهمه أو يُشوّه مضمونه منها، وتقديم ذلك للناس بأسلوب سهل ميسر، يزيل تلك التصورات الباطلة ، كما أن الرد على هؤلاء بشتى الوسائل المتاحة يكون مخيباً لخططهم ورادعاً لأمثالهم.

فليُفسح لعلماء الدين طريق العودة، لاستعادة دورهم في بناء المجتمع وإصلاحه، وإلا ستظل مجتمعات كثيرة تجري تائهة بين التيارات المنحرفة في الداخل، والتيارات الضالة التي تأتي من الخارج.
(3)

العلماء والسياسة :

قال الإمام الحسين عليه السلام: «إنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه» .بحار الأنوار: ج97 ص80 ب1 ح37
إنّ العلماء عبر العصور المتمادية والقرون المتتابعة سائرون على منهجهم الذي رسمه لهم رسول الله صلي الله عليه و آله والأئمة الطاهرون من إصلاح أمور الأمّة الإسلامية وتقويمها، فلم يتركوا الحكّام وما يفعلون، ويدعوهم وما يريدون، بل تدخلوا في السياسة.
وقد كان من واجب العلماء أن يردّوا الأُمراء والحكّام عن الغي والفساد، إذا انزلقوا، وكان عليهم أن يقابلوهم ويرشدوهم باللسان والنصح، فإن لم ينفع ذلك فبالوقوف دونهم وما يريدون، مهما كلّفهم الأمر، وكانوا يقومون بذلك ويرشدون وينصحون، ويهددون ويكفّرون، ويعارضون ويقاطعون كل من كان ينحرف عن الإسلام من الحكام.
فكم من عالم أُبعد من دياره؟
وكم من مجتهد أُوذي وسُجن؟
وكم من فقيه أُحرق داره وطُرد؟
وكم منهم قُتل وصُلب؟
وكم؟ وكم؟
كل ذلك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الحكّام وتقويمهم عن الهوى والشهوات.
وكتاب «شهداء الفضيلة» للعلامة الأميني رحمه الله
(** ) يذكر العشرات من علماء الشيعة ـ منذ القرن الرابع الهجري حتى هذا القرن ـ الذين قضوا شهداء قد قُتلوا في سبيل إقامة الدين وإصلاح الأُمة. (4)

ميسرة المرجعية والولاية :

وتأسيسا على مكانة العلم والعلماء حددت الرسالة الإسلامية مسؤوليات العلماء وصلاحياتهم ودورهم في مسيرة الرسالة والأمة والحضارة الإسلامية، فشهد التاريخ، وحفلت آفاق العلم بما بذله العلماء من جهد فكري واثراء علمي متواصل وجهاد من اجل حفظ الشريعة وحماية نقائها وأصالتها والدفاع عن كيان الأمة السياسي والاجتماعي وقيادة جماهيرها المجاهدة في معارك التحرير منذ بدا الاحتلال الاستعماري الذي مارسته أوربا وحتى اليوم، وبذا برز دور العلماء الميداني في القيادة السياسية في معارك الدفاع والتحرير والوقوف بوجه الحكام المنحرفين عن مسار الشريعة كما برز في مجال العلوم والمعارف.


كان من اهم الأحداث السياسية في المنطقة الإسلامية في القرن الرابع عشر،ظهور قوة سياسية جديدة وقوية في الساحة السياسية، وهي مرجعية الفتيا والتقليد.. وقد دخلت المرجعية في القرن الأخير في العراق وإيران في صراع عنيف مع الأنظمة الحاكمة في الإقليمين، ومع محاور الاستكبار الانكليزي والروسي والأمريكي. واستطاعت المرجعية خلال هذا الصراع ان تكسب ثقة جماهير المؤمنين. وتستقطب المحرومين والمستضعفين من المسلمين الى جانبها، وتفرض نفسها قيادة حقيقية فاعلة ومؤثرة وشرعية للساحة الإسلامية.

خاضت المرجعية غمار معارك عنيفة مع الأنظمة الحاكمة في المنطقة، منها حركة المرجع الشيرازي السيد محمد حسن رحمه اللّه في تحريم استعمال التبغ في ايران في قصة طويلة لإرغام الشاه على فسخ العقد الذي عقده مع شركة استثمارية انكليزية، ومنها الصراع الذي خاضه المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي، من كربلاء مع الانكليز في ثورة العشرين الشهيرة في تاريخ العراق، ومنها المواجهة والصراع الذي خاضه المرجع السيد محسن الحكيم، ضد حزب البعث في العراق ومن قبله ضد التيار الإلحادي الماركسي.. وأخيرا الثورة الإسلامية الكبرى التي قادها الإمام الخميني قدس سره لإسقاط الشاه وإقامة الدولة الإسلامية المباركة في إيران.

وما اشرنا اليه هو بعض الأمثلة فقط من حركة المرجعية الإسلامية في مواجهة الأنظمة العميلة وغير الإسلامية في المنطقة الإسلامية، وفي قيادة الانتفاضة والثورة الإسلامية، وفي بناء وتأسيس الدولة الإسلامية التي هي موضع آمال وطموحات الملايين من المسلمين.

وخلال هذه المسيرة التاريخية الشاقة والصعبة والحافلة بالمشاكل والمتاعب، كانت المرجعية تتمتع بثقة جماهير المسلمين، وكانت جماهير المؤمنين تضع أيديها بيد المرجعية بثقة واطمئنان، وتدفع ضريبة هذه الثقة والتبعية الواعية من دون حرج..

ولم تتكون العلاقة المتينة بين المرجعية والأمة، بصورة عفوية، وانما تمتد جذور هذه العلاقة والقناعة الى عصر أهل البيت(ع)، وتوجيهاتهم المتصلة في ربط الأمة بالعلماء والفقهاء الصالحين في مقابل الحكام المنحرفين، الذين كانوا يمارسون الولاية والسلطان في العالم الإسلامي بعيدا عن خط الإسلام الفقهي والأخلاقي.

كان ائمة اهل البيت(ع)، يطرحون الارتباط بالفقهاء الصالحين بديلا عن الارتباط بالحكام والسلاطين المنحرفين..

وكانوا يربطون جماهير المسلمين بهم في امور دينهم ودنياهم، في معرفة حدود اللّه تعالى، وفي شؤون حياتهم وتنظيم معاشهم، وحل المشاكل والخلافات التي تبرز في حياتهم.

ولو أردنا ان نستعرض شرحا بأسماء وجهاد علماء الإسلام في تاريخنا السياسي المعاصر لطال الحديث وتطلب الأمر مجلدات من البحث في هذا التاريخ. (4)

دور علماء الدين الشيعة بأحداث العراق السياسية الثورة العراقية الكبرى 1920  :

في وقت وجد رجال الدين الشيعة في العراق إن الانكليز لا هم لهم سوى هم السيطرة والسلطنة على العراق وانَ لابد لهم من التحرك السياسي الذي ينتهي بانجاز ملموس على الساحة السياسية العراقية، هذا التحرك السياسي تمثل بتشكيل بوادر التنظيمات السياسية التي تتناسب مع المرحلة التي يعيشها العراق أبان تلك الفترة.

منها التشكيلات السياسية ذات الطبيعة السرية (حزب النجف السري) والذي شكل بدعوة من عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد الرضا الشبيبي والشيخ محمد الباقر الشبيبي والسيد محمد السيد كمال الدين وآخرين(1) بطبيعة الحال السياسي لم ينشأ هذا الحزب حال بقية التنظيمات السياسية المتعارف عليها إنما أعتمد على التنسيق بين العلماء وزعماء القبائل من أجل تعبئة الجماهير والاستعداد للثورة، كما كان له مجموعة من الفروع المتنثرة مابين كربلاء والكوفة والحلة والرميثة والغراف وعفك والعمارة والناصرية وسوق الشيوخ والبصرة وغيرها .

من جهة أخرى أسس الشيخ محمد رضا الشيرازي نجل الميرازا محمد تقي الشيرازي ما يسمى بالجمعية الإسلامية في كربلاء بأواخر عام 1918 وضمت في عضويتها السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني والسيد حسين القزويني والسيد عبد الوهاب الوهاب والشيخ محمد حسن أبو المحاسن وعبد الكريم العواد وعمر العلوان وعبد المهدي القمبر وغيرهم(3) كانت هذه الجمعية تمتاز بالجراءة والفعالية الأمر الذي دفع الانكليز إلى اعتقال عدد من أعضاءها في (1 تموز 1919) وكان من بينهم عمر العلوان وعبد الكريم العواد وطليفح الحسون ومحمد علي أبو الحب والسيد محمد مهدي المولوي والسيد محمد علي الطباطبائي، مما دفع السيد محمد تقي الشيرازي بأن أرسل رسالة إلى (ولسن) يطلب منه إخلاء سبيلهم وإنهم لم يفعلوا شيئاً طالبوا بحقوقهم المشروعة وبالطريقة السلمية، وكان رد ولسن على الرسالة قسما بالمراوغة والتملص مما أثار هذا الأمر حفيظة السيد الشيرازي الذي أعتزم السفر إلى إيران وإعلان الجهاد ضد الانكليز لما لهذا الأمر من استهان لكرامة الوطنين، وعندما أنتشر هذا الخبر بين الأوساط العراقية بدأت العديد من الرسائل تتوافر من الكاظمية والنجف يبدي أصحابها عزمهم على الهجرة معه ومجاهدة الانكليز من هناك، وكان من ضمن الرسائل حملت تواقيع سيد كمال الدين ومحمد باقر الشبيبي ومحمد الشيخ يوسف والسيد حسين كمال الدين وعبد الرضا السوداني والسيد أحمد الصافي والسيد سعد جريو.

    أما في مدينة الكاظمية فقد أسس السيد أبو القاسم الكاشاني وبتوجيه من شيخ الشريعة الأصفهاني (الجمعية الإسلامية) التي كانت تحمل مبادئ ومضامين سياسية تقضي بتحسين الوضع القائم في العراق وبحثه (الأخير) على التوجه إلى الفرات الأوسط للمشاركة في الأوضاع التي يعيشها العراق هناك وان يكون مندوباً عن أهالي الكاظمية داخل القيادة المرجعية هناك . أما في بغداد فقد تأسس في نهاية شباط 1919 حزباً سرياً عرف باسم (حرس الاستقلال) ضم في عضويته السيد محمد الصدر والشيخ يوسف السويدي والشيخ محمد باقر الشبيبي وجعفر أبو ألتمن وعلي البازركاني وغيرهم كثير من الشخصيات الشيعية والسنية المنتمية له .

 كانت هذه الأحزاب والجمعيات المذكورة وغيرها الكثير كانت تعمل بدعم وتوجيه من الميرزا محمد تقي الشيرازي وكان هناك نوعاً كبيراً من التنسيق المتبادل لتوحيد التحرك السياسي .

شمل الوضع السياسي في العراق إلى تدخل رموز دينية كبيرة أمثال الشيخ فتح الله، شيخ الشريعة الأصفهاني والذي مثل فيما بعد الركن الثاني لزعامة الثورة بعد وفاة الشيرازي، حيث تمثل موقفه موقف الإصلاح مابين الطرفين المتنافرين طرف يمثله الحكومة الإنكليزية وطرف الوطنيين والذي يقوده الزعيم الروحي الشيرازي، حيث وجد شيخ الشريعة الأصفهاني خطاباً يوم الخامس والعشرين من حزيران عام 1920 موضحاً فيه إن طبيعة الشعب العراقي هو الهدوء والسكينة وإن طريقهم لنيل مبتغاهم هي الوسائل السلمية إذ إنهم يتمتعون بمتانة العقول وسلامة الفطرة وشرح في كتابة عن شديد استقرار حول الأسباب والآلية التي وعت الحكومة البريطانية اعتقال الوطنيين في الحلة وكربلاء ومنهم نجل الإمام الشيرازي، وأضح له إن مفتاح إصلاح الوضع مابين الطرفين هو فك المعتقلين وإطلاق سراحهم قبل أن تأول الأمور إلى غير حسن.

من جهة أخرى كان للعلماء مشاركة مباشرة في القتال حيث توجه السيد أبو القاسم الطاشاني والشيخ جواد الجزائري وهبة الدين الشهرستاني إلى جبهة الحلة وقياداتهم للعمليات العسكرية مباشرة من هناك  .

دور آخر لعلماء الشيعة في ثورة العشرين تمثل بالتعبئة والتوجيه وطرح الشعارات والأهداف التي تعكس المضمون الإسلامي للثورة، والعمل على بث الروح الحماسية من خلال الخطب التي تلقى في المساجد والحسينيات والعمل على إصدار المنشورات وتوزيعها، كما وأنشأت ( الهيئة العلمية العليا) ما يسمى بلجنة (إرشاد ودعوات) والتي كان من اختصاصها اصدار المنشورات والبلاغات وصحافة الثورة وكان من بين من حملوا هذه المسؤولية الشيخ محمد علي والشيخ محسن أبو الحب والشيخ باقر الحلي والسيد محسن أبو المحاسن والشيخ عبد علي الماجدي  . كما كان للثورة صحيفة حرة، إذ كان يصدر عنها صحيفتين اسبوعيتين هما (صحيفة الفرات) أشرف عليها الشيخ محمد باقر الشبيبي وكان بداية صدورها يوم 15 أيلول 1920، كما وأصدر السيد محمد عبد الحسين جريدة (الاستقلال) في اليوم الأول من تشرين الأول 1920 إذ صدر من الجريدة الأولى خمسة أعداد ومن الجريدة الثانية ثمانية أعداد وكان لهذه الصحافة والمناشير التي كانت توزع  أكيد الأثر في تأجيج مشاعر الحماسية لدى الثوار بالإضافة من إنها جعلت الجميع أمام اطلاع مباشر على سير العمليت العسكرية. ( 5 )

وما زال التلاحم بين الشعب ومرجعيته , الضارب في عمق التاريخ , يمثّل التفاعل المطلوب , استرجاعاً  للحق المسلوب .

ومثاله  تاريخ العراق الحديث , و حتى وقوع التحول الأخير , في الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي , المصاحب للجديد من التغيير  , لن تنفك اللُحمة بينهما , حتى يحكم الله , و إليه المصير .

 ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة:105)
<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عزيز عبد الواحد

مالمو- السويد

aaaziz_1954@hotmail.com

25 رجب 1430ه

18 يوليو 2009م

WWW.TAWASOL.SE

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------

الهامش

ـــــــــــــــــــــ

(1)

العبارة من بحث للدكتور سيار الجميل

بنية المجتمع العراقي .. محاولة في تفكيك التناقضات

http://www.sayyaraljamil.com/Arabic/viewarticle.php?id=Lectures-20060213-703

وهذه  خلاصة البحث المذكور :

 لقد اختلفت الرؤى حول العراق والعراقيين كثيرا ، وهذا دليل على ان المجتمع العراقي يتميز بثقل موروثاته وتنوع ثقافاته وتعدد اجناسه .. وبالرغم من ان الثقافة العربية قد صبغت العراق وان العراقيين قدموا لها وللتاريخ وللوجود ابرع التكوينات الحضارية منذ فجر السلالات حتى اليوم .. وكان العراقيون برغم تنوعهم بين الماضي والحاضر قد قدموا لهذا الوجود منجزات كبرى ، الا ان مهد الحضارات شهد العديد من المجتمعات عبر العصور وقد تنوعت تنوعا كبيرا . ان كل ما نجده اليوم في مجتمع العراق هو نتاج سلاسل طوال من التاريخ الذي ينقسم عندي الى قسمين ( وقد اوضحت ذلك بالتفصيل في فلسفة التكوين التاريخي ) ، قسم سياسي يمثّل منتهى البشاعات وعلى نقيضه قسم اجتماعي يمثل اروع الحضارات ! ان مجتمع العراق اليوم يعّبر عن حالات عقيمة نتيجة افظع الاهوال التي مر بها ، وقد اجتمعت عنده ركامات من التناقضات وافتقد بعضا من انسجاماته وتعايشاته القديمة بحكم تفاقم اسباب وتفاعل عوامل داخلية وخارجية على امتداد خمسين سنة مضت .

اننا نتحدث عن اقدم مجتمع في الدنيا اذ انه الوحيد الذي يمتلك تاريخا كلاسيكيا يكاد يكون الاعرق بين مجتمعات الدنيا قاطبة .. كما اننا نتحدث عن مجتمع لا يقتصر على عمقه الزمني ، بل على مركزيته الجغرافية في كل من العالم القديم وعالم اليوم ايضا .. اما البعد الاخر ، فان مجتمع العراق مزيج من بقايا ثقافات وحضارات متنوعة وعديدة ، فضلا عن كونه فسيفساء من السلوكيات المتناقضة التي افرزت هذا " التنوع " في الالوان وهذا التعدد في الاطياف .

مصادر معلوماتنا متنوعة ولكنها صعبة المنال نجحت على مدى ثلاثين سنة من الحصول عليها من توالي الايام والسنين .. انها تتصل بتاريخ المجتمع قبل واقعه ، وهي تتنوع ما بين الرواية والحدث والنص .. وهي مضامين مخطوطات قديمة وارشيف تقارير سرية الى رحلات وسالنامات ومعلومات رسمية ووثائق واضابير ومذكرات ورسائل تتوزع في هذا العالم ، ناهيكم عن ما يحتفظ به العراق من ذخائر ثقافية وسياسية وسرية ورسمية ناهيكم عن احصاءات سكانية فضلا عن موروث ثقافي هائل لا يمكن السيطرة عليه بسهولة يمتد من فولكلوريات وقصص وتراث اجتماعي وامثال شعبية وحكايات واساطير ومنتجات ادبية وفنية وتعابير ومصطلحات عراقية بحتة .. الخ كلها لا تملك عشر معشارها مجتمعات اخرى .
من الامور الاخرى التي اود الكشف عنها ان سجلات المحاكم الشرعية العراقية ودوائر الطابو والتسوية والضرائب والنفوس .. وغيرها تلقي بكم هائل من المعلومات الرسمية التي لا تشوبها شائبة ، ولكنني وجدت ان معلومات المرجعيات الدينية مبتسرة منذ القدم ، فاغلب السجلات التي سمح لي الزمن ان اطلع عليها لا تعتني بالمعلومات الاجتماعية عن جماعاتها وفئاتها الاجتماعية بقدر ما تعتني بالامور الدينية والفقهية في المرجعيات الاسلامية واللاهوتية الكنسية في المرجعيات المسيحية .. وليس فيها الا معلومات شحيحة عن عقود زواج او مهور او اسماء موتى او نسخ من وصايا .. ولا يمكن ان يتاح الامر بسهولة حتى للعلماء في الاطلاع على المقبوضات المالية وحجم الانفاقات في كل المرافق الدينية العراقية وهي لا تعد ولا تحصى . ثمة امر آخر ، اذ ان كل ما انتجه المبدعون من الادباء والروائيين العراقيين المحدثين يقدّم مادة ثرية في معرفة التوغّل في مفاصل المجتمع وتعّلم جملة هائلة من السلوكيات شريطة معرفة ربطها بالواقع ناهيكم عن كيفية فهم تلك الادبيات التي تعج بها حياة العراقيين المحدثين . ولقد وجدت ان رسائل واطروحات الدراسات العليا عن مجتمع العراق هي اقوى مادة وتحليلات في تلك التي انجزت في جامعات غير عراقية مقارنة بمثيلاتها في جامعة بغداد .
ان ما يمكنني الاشارة اليه هو ان ما قدمه رجال الثقافة العراقيين من غير الاكاديميين في القرن العشرين من تجميع معلومات عن المجتمع هي اكثر بكثير من تحليل رجال الاكاديمية العراقية لتلك المعلومات .. ان اسماء مثل : انستاس مارى الكرملي وغروترود بيل والليدي آن بلنت وعباس العزاوي ومعروف الرصافي وبطرس نصري وادي شير ومحمود فهمي درويش ومصطفى جواد ويعقوب سركيس وصديق الدملوجي وامين المميز وداود الجلبي ومحمد امين زكي ويوسف رجيب ورؤوف الغلامي وجعفر الخليلي وعبد الرزاق الحسني وسعيد الديوه جي وجرجيس فتح الله وعبد الرحمن التكريتي وبابو اسحق ومير بصري ويوسف حبي وعبد الحميد العلوجي وسهيل قاشا وغيرهم ( ممن فاتني ذكرهم ) ، قد قدموا معلومات عن الاقليات والاديان والامثال الشعبية والطوائف والاصناف والعشائر اكثر بكثير مما قدمه اكاديميون عراقيون في القرن العشرين . المهم ملاحظته هنا ان علماء الاجتماع من العراقيين وجملة كبيرة من رجال الفكر العراقيين لم تستطع السيطرة على هكذا خزين اجتماعي ثر من اجل تحليل المجتمع العراقي ، وباسثناء محاولة او اثنتين من قبل بعض الاكاديميين العراقيين ، فان المجتمع العراقي بطوله وعرضه لم يدرس حتى يومنا هذا دراسة حقيقية ، او ان تفكك تناقضاته بشجاعة متناهية و ان تعالج جملة هائلة من عوامل الخلل فيه خصوصا وان تناقضاته هي التي افرزت حياته السياسية في القرن العشرين واصبح كل من المجتمع والدولة رهينة بيد موروث صعب جدا لا يمكن تخيله ابدا . صحيح ان مجتمعنا العراقي اليوم لا يتجاوز الثلاثين مليونا من البشر ، ولكن بنيته الاجتماعية معقدة جدا على اشد ما يكون التعقيد ليس بسبب التنوع والتعدد والالوان العراقية الزاهية ، بل بسبب الارث الثقيل لكل من عمق التاريخ والمركزية الجغرافية التي تمتع بها العراق منذ القدم .
ثمة دراسات عراقية وغير عراقية يمكننا ان نشير اليها ، ولكنها لم تعتن بالمجتمع بقدر ما اعتنت بالدولة اولا وبتحليل العلاقات الاجتماعية ومنتجاتها وهنا يبرز امامنا عمل المؤرخ الراحل حنا بطاطو الذي صرف عليه سنوات طويلة واخرجه بالرغم من كل اتعابه فيه الا انه عني بالطبقات الاجتماعية ومنتجاتها السياسية من دون فهم الاليات التي كانت تعمل في سياقات متنوعة ليس في السياسة حسب ، بل حتى في اصغر الوحدات الاجتماعية المعقدة . ان عمله يكاد يكون اثرى عمل لتاريخ اي مجتمع في منطقة الشرق الاوسط ، ولكنني ارجع لاقول بأن العراق اكبر بكثير ايضا من كل اتعاب مؤرخ واحد استطاع بقدرة قادر نجهلها حتى اليوم الوصول الى ارشيف العراق السري بسهولة لا يستطيع احد منا نحن المختصين العراقيين ان كان سيصل اليها ابان القرن العشرين
.

لقد نشر خلال السنتين المنصرمتين ركام هائل من المنشورات والكتب عن العراق وخصوصا باللغة الانكليزية ، ولا يمكن للمرء ان يسيطر على قراءة ذلك مهما اوتي من زمن وجهد .. ولكن لابد لي ان اقف عند ابرز المراجع التي يمكنني تحليلها هنا والتي نشرها اساتذة وكتاب غير عراقيين وغير عرب .. ربما نشيد بجهودهم البالغة في ما قدموه للعالم عن العراق .. ولكن ليس بالصورة الحقيقية التي يدركها العلماء العراقيون مهما اوتيت للاخرين من فرص وامكانات .. وخصوصا من الناحية الاجتماعية . ان اعمالا رصينة كالتي نشرها مؤخرا كل من : روبرت اولسن وجيرارد غايلياند وساره شيلدز واريك ديفس واسرائيل كرشوني وتوبي دوغ وكنعان مكية ووليام كليفلاند وستيفن كلين وجوزيف ساسون ونانسي بيرك ويتزاك نقاش وافرا بينغويو .. وغيرهم لابد ان تكون عند اهتمام العراقيين ، ليس لكتابة عروض عنها ، بل لاخضاعها للنقد والدراسة .. ثمة مواقف مسبقة من حالات بعينها ، وثمة تجاهل لعناصر من المجتمع ، ولا استطيع بهذه العجالة ان اوضح اعتراضاتي على كثير من المعلومات التي سيقت خطأ في كتب هؤلاء وغيرهم .. اذ لا يمكن لأي محلل سياسي او مختص اكاديمي ان يغامر في تقديم معلومات عن المجتمع العراقي منقولة قيل عن قال من دون معايشة العراقيين ومعرفة مجتمعهم بكل تعقيداته وجزئياته وتفصيلاته .

لم ترسم حتى اليوم اي خرائط اجتماعية وهي ليست خرائط سكانية او خرائط في الجغرافية البشرية ، وهنا تأتي اهمية دراسة البنية الاجتماعية للعراق والتعرف على طبيعة الفسيفساء الاجتماعي الذي يتحدث به الجميع من دون معرفة كنه تفصيلاته ومعلوماته على وجه الدقة .. ومن خلال التجربة المتواضعة لي فانني اجزم بأن اي عراقي مهما كان صنفه او عرقه او بيئته او دينه أو طائفته .. لم يعرف العراق بعد من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه .. فكيف سيعرفه الغرباء معرفة حتى وان كانت سطحية !؟؟ وبقدر ما كان الامر مسكوتا عنه على مدى اكثر من خمسين سنة نظرا لأن العراقيين كانوا قد حبلوا بالسياسة وجبلوا بها واكلوها اكثر من الخبز ، واهتمامهم بالحركات السياسية والنزعات الايديولوجية والبيانات الثورية والشعارات القومية اكثر من اهتمامهم بالمجتمع فان هذا لم يكن سببا كافيا ، اذ ان المجتمع نفسه لم يعلن عن مخفياته التي لا تعد ولا تحصى .. !!
نعم ، كان المسكوت عليه اكبر حجما من المعلن عنه وما يعرفه هذا عن ذاك هو قليل جدا لا يستوف ابدا ومتطلبات معرفة المجتمع معرفة حقيقية .. فعندما يغني ابن الهور اي اغنية من اغنياته لا يمكن ان يفهم معانيها ومغازيها ليس ابن الموصل ، بل حتى ابن الفرات الاوسط ! والاثنين من ارومة واحدة .. ثمة امر آخر ، ان حكم البعثيين للعراق قد ساعد كثيرا على كتم الاشياء من دون التعريف بها اما استخفافا بها او عدوانا عليها ام تجاهلا اياها .. ولما سقط حكم صدام حسين ، بدأ العراقيون انفسهم يتعرفون لأول مرة على جملة هائلة من آليات بعضهم البعض الاخر . ان العديد من العراقيين قد فوجئ وهو من ابناء الخمسين عاما باشياء كثيرة لم يتصورها انها تكمن في العراق ولدى العراقيين انفسهم . ان اعظم ما كسبه العراقيين ( وغيرهم من بعدهم ) من تغيير نظام صدام سقوط الالهة وكل الرموز التي جعلت من نفسها وصية على المجتمع . لقد تحرر الانسان من الخوف ، ولقد انحلت عقدة اللسان التي استحكمت في القرن العشرين .. ولكن الانفجار قد سبب هزات اجتماعية مرعبة واعمال بدائية متوحشة اخذ العراقيون ينتابهم عامل الخوف مرة اخرى ليس من الدولة هذه المرة ، بل من المجتمع نفسه ! لقد انطلق العراقيون ليعبروا عن انفسهم تعبيرا حقيقيا او مشوها ، فهم حتى هنا انقسموا الى قسمين متناقضين اثنين ، قسم مؤيد للنظام الجديد ، وقسم لم يزل يوالي النظام القديم . فهذا يعّبر سلما وذاك يعبر عنفا !

لقد عاش العراقيون منذ القدم في ود وصفاء ، اذ تخبرنا كتب التاريخ ان التعايش والتواد والتواصل بين العراقيين كان مثلا يحتذى خصوصا كلما ابتعدنا في الماضي تبدو الصورة صافية ورائعة ، وكلما اقتربنا من التاريخ الحديث ، وجدنا زيادة ملحوظة في حدوث مشكلات ومعضلات ربما لا تصل الى درجة الصراعات وقتل العراقيين للعراقيين ، اللهم الا في حالة أخذ الثأر او تصفية الحسابات في حين نجد ان التعايش بلغ اقصى روعته وذروته في كل ارض العراق اذ وقعت على سندات ملكية عقارات يشترك في واحد منها مسلمين ومسيحيين في بيت واحد . لقد بدأت تناقضات العراقيين المعاصرين منذ تضاعيف القرن التاسع عشر ، والتي كان لابد ان تراعى مع بدايات تشكيل الدولة والمجتمع الحديثين عام 1921 عدة اعتبارات لاستئصال ركامات الماضي الصعب ومعالجاتها ، والانطلاق في مناخ زمني جديد ، ولكن برغم كل المحاولات الا ان حجم التناقضات وثقلها قد جعل المجتمع يتقهقر في العقدين الاخيرين كثيرا مع حجم ما اقترف من اخطاء كبرى . ان التناقضات نكاد نجدها في كل قسمات المجتمعات العربية ومجتمعات المنطقة ، ولكن المجتمع العراقي قد فاق الاخرين بتأثير تلك التناقضات واعبائها والتي انتجت تعبيرها السياسي والاجتماعي في اشكال متباينة .. ترجمتها الاحزاب السياسية والنزوعات القاسية وآليات القتل والتعذيب والفاشية والوشايات وتأليه الحكام وكتابة التقارير والثأر السياسي والنفاق السياسي والكبت الاجتماعي والتشفّي وسحل البشر وقطع الرؤوس واباحة المال العام والسباب والشتائم واذلال الضعفاء والخوف من السفهاء مع سلوكيات المكابرة والنفخات الفارغة والشوارب الكثة واستعراض الانوية والبطولة المزيفة والانتقاص من الاذكياء والمبدعين وبخس الاعمال الجيدة ونبذ الروح الجماعية .. .. الخ

اذا كانت الحالة التي وقفنا عليها استثنائية او ربما من يقول انها حالة شاذة ، فانني اقول بأنها حالة معّبرة بادق صورها عن مجتمع تأكله التناقضات ، فكيف يمكننا تصنيف ذلك ؟
تصنيف تناقضات الواقع الاجتماعي العراقي


اولا : ان التناقض الاجتماعي في العراق يأخذ أقصى مداه جغرافيا بين مجتمع جبال وهضاب واودية وعرة الى مجتمع سهوب وحشائش الى مجتمع سهول وزراعة الى مجتمع انهار وضفاف انهار الى مجتمع بوادي وصحاري الى مجتمع بساتين الى مجتمع اهوار الى مجتمع انواع جغرافية اخرى


ثانيا : ان التناقض الاجتماعي في العراق يأخذ اقصى تنوعاته اقتصاديا بين مجتمع رعوي واخر عشائري وآخر قبلي ( والفرق كبير بين العشائري والقبلي ) ومجتمع زراعي وآخر صناعي وآخر تجاري ( بتنوعاته الكبيرة والصغرى ) وآخر مهني حرفي وآخر مدني وظيفي الذي يجاريه عسكري مهيمن .. مرورا بمجتمع طفيلي خلق حديثا وهو يجمع جماعات طفيلية متخلفة ولكنها تملك الملايين بلا حدود وقد تبلورت هذه الطبقة من خلال اسباب غير مشروعة وصولا الى مجتمع عمالي ( حتى للاطفال والنسوة )
وانتهاء بمجتمع تنابلة كالذي ينضوي فيه ملالي ورجال دين صغار في المدن لا تشغلهم الا المناسبات ويقابله مجتمع غجري ( الذي يسميه العراقيون بمجتمع الكاولية او القرج او المطاربة ) .. الخ عند حوافي المدن . هنا تصل درجة التناقض الى ذروتها بدءا من الشمال وخصوصا حول مدينة الموصل واطرافها وصولا الى مدينة البصرة واطرافها .


ثالثا : ان التناقض الاجتماعي يأخذ اقصى مداه نسويا عند المرأة العراقية التي ربما تعاني اليوم ليس من مجتمع ذكوري حسب ، بل من هيمنة التخلف باسم الدين تارة وباسم التقاليد تارة اخرى .. والمجتمع الانثوي العراقي نفسه يعج بتناقضات هائلة بعد ان كان يتطور ببطء منذ الخمسينيات .

رابعا : ان التناقض الاجتماعي يأخذ مستوياته غير المتكافئة في العراق طبقيا ، اذ ان تناقضاته فاضحة جدا لواقع غير عادل ابدا ، ومن الصعوبة جدا تحقيق اي عدالة اجتماعية فيه ما دام هناك مجتمع محافظ ومجتمع مهترئ .. مجتمع تجار ومجتمع مهن .. مجتمع احياء حديثة ومجتمع ازقة .. مجتمع جماعات فنية ونخب وثقافة ومجتمع جماعات دينية وسدنة وحسينيات .. مجتمع افندية ومجتمع دشاديش .. مجتمع ادب عربي ومجتمع ادب شعبي ..

خامسا : لقد انجب مجتمع العراق العديد من الشخصيات غريبة الاطوار التي تجتمع عندها جملة هائلة من التناقضات ، وهم كثر ليس في حياة المجتمع بل في حياة الدولة . ومنهم : رؤساء جمهورية ورؤساء حكومات ووزراء وقواد وضباط واساتذة جامعيين واعلاميين ورجال اعمال .. الخ ولابد من وقفة مطولة عند هذه الظاهرة الاجتماعية التي لم ازل اتابعها حقيقة منذ فجر عصر السلالات وكلاسيكيات الثقافة العراقية مرورا بالعصور الوسطى وما افرزته مجتمعات مدن العراق ابان العصر العباسي وانتقالا الى العهود التالية وصولا الى العهد العثماني وما كان في العراق من ثقافات غريبة حملها اناس غير طبيعيين ابدا .. وانتهاء بالقرن العشرين وما انجبه العراق من عدد كبير منهم لا نحظى بمثلهم ابدا في بيئات اخرى في الشرق الاوسط .
سادسا : بقدر ما نجحت الدولة العراقية في القرن العشرين ببناء مؤسسات قوية لها ، الا انني اعتقد بأنها قد اخفقت في بناء مجتمع متماسك .. وبقدر ما نجحت الدولة في تعظيم نفسها ، فشلت في خدمة المجتمع وجعله مجتمعا متواضعا متسامحا .. وكم كان رائعا لو بقيت الدولة في خدمة المجتمع لا ان يحدث العكس ، عندما بدأت الدولة بامتهان المجتمع واخذت تستخدم تناقضاته من اجل ابقاء انظمة الحكم تتلاعب بمصير العراق كله .. وبقدر ما كان الجيش العراقي الذي يشيد به الجميع يمتاز بالقوة والرهبة ، والادعاء بأنه من الشعب واليه ، الا انه فشل في يكون مدافعا حقيقيا عن المجتمع ونجح في تأليه الدولة ومن ثم السلطة ..

سابعا : لعل اخطر من ساهم في العبث بمجتمع العراق واذكاء تناقضاته هو ذلك البعض من زعمائه الذين تولوا قيادته بعد حكم الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يعشق شعبه ، ولكن لم يدرك او يفهم تناقضاته ، فغلبت عاطفته على المنطق ..

ولا يمكننا ان نقف على تناقضات تصل الى حد الصراعات في تاريخ العراق الاجتماعي ، وهنا لابد من القول :
اولا : ان مجتمع العراق قد صادفته عدة متغيرات وعاش صفحات متنوعة عبر زمن طويل .. فلا يمكن ان نقيس مجتمع العراقيين في العصور الكلاسيكية كالمجتمع الذي تمتع به العراقيون ابان العصور الوسطى مقارنة بما اتصف به المجتمع العراقي في العصر الحديث اي منذ بدايات القرن السادس عشر حتى بدايات القرن العشرين ..

ثانيا : ان التحديات الخارجية التي ألمت بالعراقيين قد ولدت جملة تعايشات متنوعة ولكن هذا لا يمنع من ان نجد ركاما من التناقضات التي حكمت المجتمع العراقي في تراكيبه الثلاثة ، المدن والريف والبادية .. فلقد شهدت المدن صراعات داخلية محلية لم ترق الى ان تبقى مزمنة ودائمة وخصوصا بين طرف واخر او بين محلة واخرى ..

ثالثا : تعتبر الطائفية خازوقا مدقوقا في قلب العراق منذ قرون مضت – كما يذكر احد اصدقائي العراقيين - ، وهي بلاء ارعن ابتلي به العراق .. وحاول العراقيون المدنيون اخفاء تناقضاتهم الطائفية ردحا من الزمن ، ولكن هذا البلاء عاد من جديد ليشكل اسفينا شائكا وصعبا لا يمكن انتزاعه بسهولة في اي تنظيم سياسي او اي مؤسسات للدولة ، فما بال الدولة ان كانت تتبنى النزعة الطائفية وتكرسها دستوريا ! ان اي اعلان لاذكاء اي مشكلة اجتماعية او سياسية في العراق من قبل طرف طائفي ضد الطرف الاخر .. معنى ذلك تكريس للتناقضات واحياء مشروع خلافات كانت مختفيا ودعوة صريحة للصراع الاجتماعي وهو اقسى بكثير من الصراع السياسي .

رابعا : عندما يتشدق البعض انهم سلالات حضارات قديمة وان عمرهم الحضاري يتجاوز سبعة الاف سنة .. فهذا خطاب فيه دليل صحة عندما نجد النخب العراقية الذكية التي تتمتع بخصال اصحاب الحضارات الاولى ، بل وما ورثه العراقيون في لهجاتهم وفولكلورياتهم واساليب حياتهم .. ولكن الامر لا ينطبق على عموم مجتمع مهترئ بعاداته وتقاليده البالية التي تجسد التخلف بكل ابعاده .. ان اعتلال مجتمع العراق وهو يحمل كما هائلا من عوامل التخلف والذهنية المركبة والشخصية المتناقضة قد ادى الى اختباء كل الاذكياء وهروب كل العقول وشقاء كل المفكرين وسيطرة كل البلداء وهيجان كل الاشرار وعصف كل المتطرفين والمتعصبين وهيمنة كل الطفيليين ..


خامسا : من الاهمية بمكان ان انقل عن كتابي " انتلجينسيا العراق : دراسة في النخب العراقية المثقفة " النص التالي : " تنوعت مواقف المثقفين العراقيين إزاء السلطة، نتيجة لتبدل السلطات وتنوعها هي الأخرى على مدى قرن كامل، هكذا، اختلفت توجهاتهم باختلاف طبيعة الأساليب الثقافية أو الثقافوية التي اضطلعوا بالتعامل معها، ومن ثم تم التفاعل فيها، وقد تلاشت معظم توجهاتهم الواعية وطموحاتهم في الإصلاح والتغيير كونهم اصطدموا بالتناقضات الاجتماعية جنباً إلى جنب مع الواقع السياسي المرير، لقد كان المجتمع أقسى عليهم كثيراً في أنماط تفكيره ومجمل علائقه الأسروية والبيئية، وتقاليده وعاداته، وأنساقه المتخلفة في المحليات والأطراف، إلخ، وطالما اتهموا بانتمائهم إلى الطبقة البرجوازية وأنهم ابتعدوا عن مصالح المجموع. لقد كان مجتمعهم قاسياً عليهم بسلطاته القسرية المتعددة التي أحكمت قيودها على أي مثقف كان يحمل فكراً مستنيراً ويعلن بجرأة عن مواقفه الحرة والصريحة إزاء سلبيات المجتمع وأمراضه، كان المجتمع لما يزل أقوى من المثقف المستنير، فيشقى بوعيه وأفكاره وتجاربه، ويجد أن مجال التثاقف هو الأقوى والمسيطر بفعل السلطات الاجتماعية متعددة الأطراف التي تخدم التخلف.
سادسا : هناك – أيضاً – سلطة العقائد والتقاليد والطقوس الاجتماعية المتوارثة، وسلطة قوانين (= أعراف) العشيرة، وشكليات العلاقات المهزوزة، وموروثات المؤسسات الوقفية والتفكير المرتبط بتلك الموروثات، ثم الطرائقية الصوفية (= التكايا والزوايا) كانت ولما تزل أشكالاً من قهر السلطة السوسيوتاريخية الارثية، وقمعها لنخبة الاستنارة والمثاقفة، فكان أن ظهر تعارض مطلق ناشز بين الذات الاجتماعي المعقد الذي كان يريد إرضاء افق التفكير السائد بكل أنساقه الافقية، وبين الوعي الحقيقي بالتغيير، والنضال من أجل إجراء التحولات على الصعيد الفكري الحديث، صدامات متعددة بين المهن القديمة (= طبقة الصناع التقليديين/ الحرفيين والتجار الصغار) وبين المهن الجديدة (= فئات مثقفة من الصحفيين والمحامين والأطباء..)، تعارضات ساخنة بين الأجهزة الدينية في الجوامع وتدريس العلوم الدينية المتوارثة (= المدارس الدينية) وبين المؤسسة التربوية والتعليمية الرسمية ( = المدارس الحديثة)، باختصار : حدوث تناقضات واسعة النطاق بين الاعتبارات الافقية القديمة المسيطرة وبين المؤسسية العمودية الحديثة ووسائلها " .
سابعا : الاحادية : كانت نزعة الاحادية بالنسبة للمجتمع مقتلا له ومصرعا لحياته .. العراقي احادي بطبعه لا يرضي على احد ولكنه يريد من هذه الاحد تقديسه !! لقد كان هناك الملايين يوالون الزعيم الاوحد ، وهناك الملايين ينضمون ويسجلون في الحزب الواحد .. وهناك تأليه السيد الرئيس القائد انه التماهي بين النزعة الفردية ومصرع الروح الجماعية .. ما اجتمع عراقيون الا واختلفوا .. كل واحد يريد لنفسه وكل واحد يريد لذاته .. اختلافات العراقيين اكبر من اتفاقاتهم .. كان على الدولة ان تعمل على زرع روح الجماعة في المجتمع وترّبي وازع الثقة والاحترام ، ولكن هذا لم يحدث ابدا .

(2)

قائمة المصادر والمراجع

1- ابن الأثير، ضياء الدين: المثل السائر، تحقيق: الدكتور أحمد الحوفي، والدكتور بدوي طبانة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، الفجالة-القاهرة،دون تاريخ.

2- البطليوسي، المثلث، تحقيق: صلاح مهدي علي الفرطوسي، دار الحرية للطباعة، بغداد (1401هـ-1981م).

3- البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد لله بن عمر بن محمد الشيرازي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي،  مؤسسة شعبان للنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، دون تاريخ

4- التفتزاني،  : المختصر، ضمن كتاب شروح التلخيص، طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر (1937م).

5- الجوهري،  : الصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفار عطار، الشركة اللبنانية للموسوعات العربية، دار العلم للملايين، بيروت، ط2، (1377هـ-1958م).

6- ابن خلف الكاتب، علي: مواد البيان، تحقيق: الدكتور حسين عبد اللطيف، طرابلس- جامعة الفاتح، سنة (1982م).

7- ابن رشيق القيرواني، أبو علي الحسن: العمدة، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، دون تاريخ.

(*)

http://www.islamlight.net/index.php?option=content&task=view&id=10601

(3)

مكانة العلماء في الحاضر.. والمستقبل

محمد سعد  | 15/11/1426

بتصرف

http://www.almoslim.com/node/83041

(**)


العلامة الشيخ عبد الحسين بن أحمد الأميني (1320ـ1392هـ) = (1902ـ1971م) مؤرّخ أديب من فقهاء الإمامية، ولد وتوفي بإيران، ولكنه نشأ وأقام بالنجف الأشرف، أسس فيها (مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامّة) من مؤلفاته: موسوعة (الغدير) و(شهداء الفضيلة) و(أدب الزائر) وغيرها.

http://s-alshirazi.com/library/books/siyasat/42.htm

( 4)

الاجتهاد والتقليد سلطات الفقيه

دراسة فقهية ميسرة في المرجعية والولاية

محمد مهدي الاصفي

مركز الغدير للدراسات الإسلامية المقدمة

.

(5)

باسم أحمد هاشم الغانمي  أستاذ أكاديمي وباحث في التأريخ السياسي العراقي/ كلية التربية/ جامعة كربلاء

http://fcdrs.com/magazem/426.html

 

عزيز عبدالواحد


التعليقات




5000