.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سارترية الموجد في مسرح جان بول سارتر

د. سرمد السرمدي

في مسرحية المواطن كين للكاتب جان بول سارتر, تتجلى أزمة الإنسان المعاصر من خلال معاناة شخصية الممثل المسرحي الذي يجيد كل الأدوار,  وحينما يريد تمثيل دوره هو يرفضه الجمهور.

  

تشترك الفلسفات الوجودية جميعا في سمات إنسانية عامة شائعة من التوتر والدراما, بداية من الصراع مع الذات والآخر, والاختيار والقلق والمسئولية, وللقيام بدرس فلسفي فاعل وجد الفلاسفة الوجوديون المسرح وسيلة ناجحة لتحقيق ذلك, وكان أبرزهم جان بول سارتر الذي أعلن أن الوجودية فلسفة لا يمكن او تؤسس على وجود الموجد الذي يمثل الخالق او الرب او الله في مضمون الفكر الديني او الفلسفي النابع من الدين, ولا نستطيع في هذا السياق الا التنويه على اننا استنتجنا منطقية مصطلح الموجد مقابل كل ما جاءت به التراجم والمؤلفات من شروح وافية لفلسفة سارتر ولكنها في ذات السياق لم تفصل بين الدين والفلسفة الوجودية بما يحفظ لكل منهما خصوصيته المنهجية في النظر للإنسان, وهذا يضر بالفكر الديني والفلسفي على حد سواء, حتى لو كان بحسن نية من الباحث العربي في مجال الفلسفة, فموضوعية البحث لن تكون في مأمن الحياد على صعيد النتائج بالضرورة, ومصطلح الموجود نستخدمه لأول مرة كبديل موضوعي تبريره إن فلسفة سارتر ليست ملحدة إلا لو تم تناول عرضها بواسطة أدوات بحث لاهوتية المنهج, ومن وجهة النظر هذه قد يكون كل التفلسف ملحدا, وفي الوقت الذي يتهم أصحاب دين معين أصحاب دين آخر بالإلحاد لمجرد أنهم على غير دينهم, لا نجد الأمر منطقيا ان يقال عنها فلسفة وتقاس لاهوتيا بل تقاس كفلسفة ونتاج فكر إنساني وإلا صح بالمقابل عرض الفكر الديني بواسطة أدوات بحث فلسفية وحينها لن يقاس كدين ونتاج فكر الهي, فلهذا السبب لا يستقيم استخدام الفكر الديني في تحليل الفلسفة وخاصة ان الوجودية تلغي أهم ما يقوم عليه الفكر الديني الا وهو الخالق, بالتالي استبدلنا مصطلح الخالق المستخدم دينيا بمصطلح الموجد الملائم فلسفيا في سياق عرض فلسفة جان بول سارتر الوجودية, وهنا تجدر الإشارة الى ان أكثرية من سبقوا سارتر الى قائمة التصنيف بكونهم فلاسفة وجوديون انطلقوا من الفكر الديني على عكس سارتر, وهذا ما يجعلنا نؤثر هذه الخصوصية في دراسة فلسفة وجودية خالصة للتفلسف نتاجا وفكرا وفعلا لدرجة إن مصطلح الموجد لا يتلاءم إلا مع الفلسفة السارترية.

  

وتنسب إلى سارتر هذه النتيجة ليس لأنه أول من توصل إليها واتخذها منطلقا لفلسفته الوجودية, فقد سبقه نيتشه وهيدجر, لكن لأنه الشخص الذي تنسب إليه الفلسفة الوجودية الحديثة في صورتها النهائية, وربما تنسب إليه الفلسفة الوجودية كلها, لأنه من بين كل الفلاسفة تقبل فكرة أن يتم وصف اتجاهه الفكري الوجودي بالفلسفة الوجودية مقررا ان العدم لا يوجد, كما انه آخر مفكر في سلسلة المفكرين الوجوديين مما يفترض استيعابه لأطروحات من سبقوه, وهذا الافتراض مبني على أساس كون سارتر أستاذا في مادة الفلسفة, قبل أن يشتهر بصفته فيلسوف الوجودية , وفضلا عن ذلك فهو الأديب الفيلسوف الذي صاغ أعماله لتعبر عن أفكاره الوجودية واكتسب مكانة أدبية وفلسفية كما اكتسب مارسيل من قبله, يريد سارتر مثلا من كتابه الغثيان أن يؤكد على أهمية رفض الإنسان لكل المبررات التي يصطنعها بدون تساؤل , واخذ سارتر على عاتقه مهمة النظر إلى الإنسان من الداخل والخارج , و تبدأ فلسفة سارتر من جملة ديكارت أنا أفكر إذن أنا موجود , فالتفاعل الحقيقي مختلف تمام الاختلاف لأنه مصحوب الأيمان , فيرى أن هذه الجملة تفيد معنى وجود الشخص ووجود الآخرين ووجود الأشياء الأخرى التي يتضمنها الوجود, ويفرق سارتر بين الموجودات ويصنفها حسب وجودها, فهنالك الموجود في ذاته,  الموجود لذاته, والموجود للغير , أما الموجود في ذاته فهو ذلك الموجود الكامل الذي يشبه وجوده الشيء الصلب, ليس فيه ثغرة ينفذ منها وجود الغير أو الآخرين, ذلك أن الموجود كامن في ذاته كامل بها, أما الموجود لذاته, فهو وجود متغير متحرك على مسار الزمان, قوامه الشعور, وهو اقرب باعتباره مشروع وجود ينزع إلى التنصل من ماضيه باستمرار لتحقيق وجوده, ويؤكد سارتر أن نزوع الإنسان إلى تحقيق ذاته دائما يجعله يعدوا خلفها دون أن يملك اللحاق بها فنحن نضع عفويا التفرقة بين الموجود بنحو الشيء والموجود بنحو الصورة ,  ويحول دون الوجود عامل الزمان, وهنا يكمن العدم الذي يحول بين الإنسان وبين التطابق مع وجوده التام, فالإنسان هنا يكون, عدم يفرز اللا وجود, إلا انه يخلق نفسه بنفسه, مما يعني انه حر, وبهذا يعوض عن غياب الموجد  حسب رأي سارتر , لأن الوجود يسبق الماهية, ولا وجود للخالق الموجد  الذي يحددها, لهذا يفترض على الإنسان أن يسير إليها, إلى الماهية, ليحقق وجوده.

  

ويبتعد المذهب الوجودي لسارتر على ما هو ظاهر للعيان, عن الأفكار الذاتية المبنية على تجارب شخصية, أي كما ذهب إليه كيركجارد في وجوديته , فالوجود تسمية ومراقبة , إنما يظهر سارتر نظرية انطولوجية ينطلق منها في تحليل الوجود ليطبق المبادئ المستخرجة من ذلك التحليل تطبيقا صارما دقيقا على ميادين خاصة وأهمها مشكلة نظرية الإنسان, ومن هذه المبادئ هو الرفض القاطع لمبدأ أرسطو في حالة ما بعد القوة التي نادي بها , حيث يرى سارتر أن كل ما يوجد, يوجد على ما هو عليه فعلا, وبعبارة أرسطو فأن كل شيء يكون بالفعل أما سارتر فيرى انه ليس هنالك في الموجود أي إمكانية وقوة بالمعنى الأرسطي فليس منطقيا أن نتحدث وفق هذا المعنى عن عبقرية إنسان ما ونؤكد انه لو عاش أكثر من عمره لكان إنتاجه أكثر مما أنتج, وهذا الرأي الأرسطي مرفوض من وجهة نظر سارتر لأنه يرى أن الإنسان يكون حسب أعماله التي ينتجها فقط وليس في شيء خارج هذا المعنى, وما يمكن أن يقال عن الوجود هو شيء واحد, انه موجود, انه يوجد في ذاته, وانه هو ما هو عليه, أن الوجود يوجد, فلا هو يملك وجوده ولا هو تلقاه من جهة ما, ولا يرى أن هنالك أساس ونبع لكينونة الوجود تعتمد عليه, إنما الوجود عارض وغير قابل للتفسير, السعادة ذاتية لايمكن فهمها موضوعيا , فقد يستطيع الإنسان أن يفسر الماهيات من حوله كما يفسر الدائرة بوسيلة صيغة رياضية ولكن التفسير المحتمل للوجود بهذه الطريقة لا بد أن يكون هو الموجد , بينما الموجد  لايوجد , بل أن مفهوم خلق العالم هو ذاته مفهوم متناقض في رأي سارتر, يؤكد سارتر من خلال هذا الطرح على أن الوجود يسبق الماهية هو المبدأ الأول الذي يخرج به من تحليل الوجود في ذاته, وهو وجود الأشياء والإنسان الذي ارتضى لنفسه أن يكون شيئا موجود, أما المبدأ الثاني الذي يخرج من تحليل سارتر للوجود فهو الوجود لأجل ذاته وهذا هو الموجود الإنساني, ولو أن قوامه العدم, لأنه يسعى لأن يتحد مع ذاته, لكن لا بد من أن نفهم معنى العدم حسب رأي سارتر حرفيا فالعدم لا يكون, أنا أتمرد إذن أنا موجود , العدم لا يوجد, لأن الموجود أي الإنسان هو وحده الذي يمكن أن ينعدم أو يتمرد و يوجد , وان ما يؤسس العدم ليس النفي إنما هو داخل عملية التغيير واللحاق بالذات دوما, ويقصد سارتر بذلك أيضا أن الإنسان يأتي بالعدم أثناء سعيه لتحقيق وجوده من خلال كون جسم الإنسان وعادته والأنا فيه وما إلى ذلك , جميعها تنذره بالعدم, حيث أن الإنسان الموجود لذاته يتميز بثلاث صفات: ميله نحو العدم, أي أن يكون موجودا في ذاته كأي شيء من الأشياء, وميله نحو الأخر أي الوجود للغير, الآخرين, وأخيرا ميله نحو الوجود , أن من الواضح كون سارتر ليس تابعا لوجودية هيدجر, وقد أعلنوا  ذلك أعلن هيدجر عن نفسه انه غير مسئول على أي نحو عن المذهب السارتري في الفلسفة الوجودية, وأعلن سارتر أيضا , وبهذا اكتمل العرض للصيغة النهائية لفلسفة سارتر الوجودية , يرى  سارتر  في علاقة الإنسان بذاته الإنسان هو الموجود لذاته وحول علاقة الإنسان بالآخرين, في مسرحية, لا مفر, حيث يقول الجحيم هو الآخرون أما عن علاقة الإنسان بالموجد  الوجود يسبق الماهية, وليس في وسعنا إلى أن نركز جل ما تم تناوله من آراء الفلاسفة الوجوديين, لنصل إلى صيغة نهائية مكثفة ودقيقة ومحددة للمفاهيم التي وصلت إليها الفلسفة الوجودية أخيرا.

  

تعد قصة الجدار تجسيدا حقيقيا للمنهج السارتري في سبر أغوار النفس الإنسانية بحثا عن أدق تحليل وجودي لها, وقد اختار لهذا المنطلق الفلسفي الأدبي ثلاثة من الشخصيات ينتظرون ساعة إعدامهم رميا بالرصاص في صباح اليوم التالي, ويبين سارتر من خلال هؤلاء الثلاثة كيف أن موقف الإنسان يتميز بالفردية حتى وان اشترك في بداية ونهاية واحدة مع الآخرين, وفي مسرحية نيكراسكوف يبين سارتر كيف أن نصابا يمكن أن يتحول إلى باحث عن وجوده الخاص وسط الآخرين الذين يريدون صبغ جلده بهويات تناسب أغراضهم الفكرية, فشخصية نيكراسكوف وزير في الاتحاد السوفيتي لم يظهر على شاشة التلفزيون في حفل أوبرا رسمي أصبح حديث الصحف الفرنسية التي تحشد الرأي العام نحو النيات المبيتة لدى الاتحاد السوفيتي باحتلال فرنسا وقتها, وأصبحت تنشر خبر هروبه المزعوم خارج روسيا طلبا للحرية ورغبة منه في كشف إسرار السياسة السوفيتية السرية, بنفس الوقت يوجد نصاب معروف على مستوى دولي ينتحل شخصية نيكراسكوف لغرض استغلال الحادث, لكنه لم يعلم إلا متأخرا بأنه هو ذاته مستغل بتحوله إلى نقطة لصالح الاستخبارات الفرنسية التي تريد إعماء الرأي العام الفرنسي عن حملة التسليح الألمانية وقتها وتوجيه الأنظار بعيدا إلى خبر هروب نيكراسكوف المزعوم وإعلانه عن نية روسيا السلبية تجاه فرنسا, وبعد أن يدرك النصاب هذه اللعبة التي تحول إلى احد عناصرها, يفضل أن يعود نصابا عاديا يملك مصير وجوده على أن يبقى بيدقا في ساحة شطرنج السياسة مسلوب الإرادة والوجود, فيعلن عن هذه الكذبة الكبيرة, وتبدأ الاستخبارات الفرنسية والقضاء الفرنسي بملاحقته بنفس الوقت على اختلاف نياتهم, فالاستخبارات تريد منه أن يبقى نيكراسكوف, والقضاء يريد منه أن يثبت اعترافاته التي أعلنها سابقا بوصفه نيكراسكوف والتي منها أن الصحف التي تروج لتصريحاته الكاذبة هي بالحقيقة عميلة لألمانيا, فيختار أن يهرب من الطرفين معا محققا بذلك خطوته الأولى نحو تحقيق وجوده بأن يعود نصابا, يقر بكل هذه اللعبة, متقبلا كونه نصابا على أن يكون مجرد أداة .

  

نتلمس كيف عبر سارتر عن فلسفته الوجودية أيضا من خلال شخصياته في مسرحية المومس الفاضلة, تلك المرأة التي أيقنت أنها لا بد وان تفعل ولو شيئا واحدا يعبر عن رؤيتها للحياة, وإذا بها تتخذ موقفا ضد المجتمع الذي تنتمي إليه في الأساس وتخبئ الزنجي الذي يطاردونه البيض يدفعهم هوس التمييز العنصري, ويستمر سارتر في توغله بين ثنايا النفس البشرية ليبدع رواية الغثيان , مسرحية موتى بلا قبور , وتمت اللعبة , وسجناء الطونا , التي تعرض الرغبة في التملك وسوء الطوية والرأسمالية الحديثة , وسيناريو فيلم بعنوان الدوامة , وسارت جميعها على نهج سارتر الوجودي, وتعتمد مسرحية "الذباب" على أصولٍ يونانية, فهي تدور حول خيانة كليتمنسترة لزوجها أغاممنون وتآمرها مع عشيقها إيجيست لقتله بعد عودته مظفراً من حرب طروادة، وانتقام ابنها أورست وأخته اليكترا منهما فيما بعد، حين قتلا أمَّهما وعشيقها, ولكن سارتر يعرضها بطريقته الخاصة ومن خلال فلسفته الوجودية التي تخالف رؤية أسخيلوس وسوفوكليس. فقد صاغها صياغة عصرية أسْهم فيها الديكور والرقص الرمزي الإيمائي، وأكّد من خلالها حرية الإنسان وإرادته وحقه في اتخاذ قراره واختيار مصيره وتحمله مسؤوليته الكاملة بعد ذلك, كان أورست عند سارتر فتىً مسالماً لايفكّر بالانتقام ويعزف عن الخصومات والتدخل في شؤون الموتى , ولكن رقصة إليكترا الرمزية حركتْ فيه دواعي الانتقام والثأر فاستقر رأيه على قتل أمه وزوجها  وتحرير المدينة من ذلك الطاغية المستبد, ثم نفذ وأخته مؤامرتهما من دون أي ندم أو شعور بالإثم, وفي حين ترضخ إيليكترا لسلطان الندم، لايندم أورست ولا يتراجع، وينتصب عملاقاً أمام الإله جوبيتر, ولابد من الإشارة إلى الظرف الزمني الذي أُلِّفتْ فيه هذه المسرحية، أن هذا بلا شك موقفا لسارتر من الاحتلال النازي لفرنسا , إنها فترة الاحتلال النازي لفرنسا في الحرب العالمية الثانية, وكان الأمر من الخطورة بحيث يتطلب حشد الفكر والفن وكل شيء في سبيل التحرير, ومن المعروف أن سارتر انتمى بقلمه وشخصه إلى حركة المقاومة السريّة والجهرية, وحين عُرضت مسرحيته هذه على المسارح منعتها السلطات الألمانية لأنها تحرّض على الثأر والانتقام والحرب وتدعو إلى الحريّة.

  

أما مسرحية الشيطان والرحمن فيعالج من خلالها سارتر الموضوعات الوجودية بطريقة درامية شيقة استطاع سارتر أن يوضح رؤيته الوجودية عن طريق استفهام حول الإنسان الذي من وجهة نظره يحاول أن يكون بدل أن يعمل, وحتى يصبح لما يملكه قيمة ومعنى, ويركز سارتر على فكرة أن الرب الكائن يحتاج إلى شيطان لكي يصبح الرب هو الخير, أن هذه المسرحية كعادة الدراما الوجودية تقوم في مجملها على تحولات ومأزق حياة إنسان يمر بتطور في علاقته مع الذات والآخرين و الموجد, وفي مسرحية الشيطان والرحمن تمثل شخصية جوتز هذه الشخصية المحورية, وتنقسم المسرحية إلى ثلاثة فصول واحد عشر منظرا,اختار سارتر لمسرحيته تلك الفترة المظلمة القلقة من تاريخ الشعب الألماني في القرن السادس عشر, حينما كانت ألمانيا تغلي بالكراهية والمقت لرجال الدين, وماكانوا يفرضونه على الشعب البائس من سلطانهم الباغي الجائر, ومن إتاوات ثقيلة خبيثة يبتزونها باسم السماء, والسماء منهم براء, واختار سارتر لمسرحيته تلك الحقبة المضطربة المليئة بالمذابح الدنيئة الدامية, وكأنه يرمي إلى تأويل مآسيها بأنها من صنع الموجد , مادام رجال الموجد , أي رجال الدين هم الجلادون والجزارون وسفاكي الدماء, وتبدأ حوادث المسرحية في مدينة وورمس التي اضطرب فيها حبل الأمن, وهب شعبها البائس الذي يئن من الفقر والجوع يناضل ضد رجال الدين وشيخهم ذلك الأسقف الدنىء الذي ظل يستعبد أهل المدينة باسم الدين استعبادا لا حد له لكي يثري جيبه ويفقر الناس ويشبع نهمه ويجوع أهالي المدينة, ويعجز هذا الأسقف الباغي عن تسكين ثورة غضب الثائرين وإخماد نار الثورة, فلا يرى بدا من الالتجاء إلى الغدر والحيلة, وأخذ الشعب الثائر بدوره تحت قيادة زعيم ثائر يعمل خبازا يدعى ناستي, بالسيف مادام الحلم لم يجد معه من قبل الأسقف سبيلا, لذلك يذهب الأسقف ليفاوض أحد الجيوش المكونة من الأفاقين وقطاع الطرق, والتي عاثت في المدن الألمانية فسادا, يذهب ليفاوضه ويغريه بمحاصرة المدينة وإخماد نار الثورة فيها, وهذا القائد هو الشخصية المحورية في مسرحية سارتر, جوتز, بطل هذه المسرحية, وهو رجل وضيع نشأ من بيئة منحطة لا شأن لها ولا ماض, ملحد , وكان الأسقف يفاوضه على أن يعطيه مفتاح المدينة بشرط أن يحفظ لهم ممتلكاتهم وتقاليدهم الدينية, وعندما التقى الأسقف بجوتز أسف وتندم وتمنى لو التقى الشيطان نفسه ولم يلتق هذا الطاغية المتجبر الذي يعتبر البشر ذبابا, فقد كان يعتقد انه سيلتقي عابثا راغبا ببعض النقود ولن يفوت مثله هذه الفرصة, إلا انه تفاجئ حينما رأى شخصا لا يبالي بأن ينزع الطفل من أحضان أمه ليحطم رأسه في جدار من الصخر لكي يستمتع باغتصاب الأم والويل لها أن عبست أو أظهرت شيئا من الحزن على ابنها المحطم المقتول, ولهذا فكر الأسقف أن يحاول إقناعه بأهمية قمعه للثورة الشعبية حفاظا على الدين, والدين هو منهج أنساني خطه الموجد  لصلاح البشر.

  

وبدأ رغم الرعب الذي دب فيه يحاول استمالة جوتز إلى أهمية وعظمة ما قد يكون عليه فعله بقمع الثورة التي تهدد المدينة وعلى رأسهم رجال الدين الذين يحفظون نهج الموجد   من الضياع ويدعون إلى الخير, وقد فهم جوتز إلى ماذا يرمي الأسقف واختصر معه الحديث بقوله أن الذي يستطيع أن يمنعه عن ما سيجرم به في هذه المدينة التي سلمه الأسقف مفتاحها, هو الموجد , فأن كان الموجد  موجودا فليمنعه ويبرهن على وجوده, وينتظر الاثنان أن تأتي علامة من الموجد , معجزة ما, وبعد قليل يضحك جوتز بصوت عال, ويقول للأسقف المر تعب البائس, بما أن المعجزة لم تأتي فهذا يعني أن الموجد  أن كان موجودا فهو راض عما يحدث, وفي كل الأحوال إنا الموجود الوحيد, لأن فعلي يدل على شخصي, هنا ينتهز الأسقف هذه الفرصة التي يجد فيها جوتز غارقا في غروره حول فعله ووجوده الذي يقرره بيده, وانه لا وجود ولا حاجة إلى الموجد  الذي يهدينا ويرشدنا, وانه أي جوتز حر ومخير ولا سلطان لغيره على نفسه, يفعل ما يشاء ويمتنع عما يشاء, فطرح عليه الأسقف أن يمتنع عن الشر لو كان هذا صحيحا, لو كان قويا بما يكفي لكي يكون على جانب الشر والخير دون الحاجة إلى وجود الموجد  فهذه فرصة ليثبت ذلك للأسقف والناس جميعا, وفرض جوتز على الأسقف أن يرمي الزهر فأن كسب هو يكون الموجد  قد خسر ولا حاجة لهذه التجربة, أما إذا ربح الموجد  رمية الزهر هذه فسيجرب طريق الخير ليرى إلى ماذا يؤدي غير إثبات انه حر ومخير ولا حاجة لوجود الموجد  ليرشده, فرمى الزهر وخسر جوتز مما جعله ملزما بكلمته, وانتشر الخبر في المدينة التي أصبحت تقبل يديه هذا الطيب المعطاء جوتز الذي احل الشبع محل الجوع لدرجة أن الثورة الشعبية قمعت بدون قطرة دم, بعدما وزع خيراته على أهل المدينة التي استقبلته بالورود ليصالح بين الشعب ورجال الدين, لدرجة انه كسب أهل المدينة مما زاد سخط رجال الدين عليه, وظل جوتز يراقب الناس وتحولاتهم نحوه, وباقتراب موعد انتهاء الرهان بينه وبين الأسقف والذي كان عاما واحدا ويوما واحدا, يخلص جوتز إلى حل اللغز الذي حيره فيما عاش هذه الفترة من بحث في حقيقة الوجود الإنساني, فتوصل إلى فرضيتين, أما أن يكون الموجد  موجودا, والعدم هو الإنسان, وأما أن يكون الإنسان موجودا والعدم هو الموجد , وفي داخله كان يأمل أن يجد حقيقة غير التي يعرفها, أن يصح الفرض الأول, أي وجود الموجد, لكن تجربته أثبتت عكس ذلك بأن الناس هم الين خلقوا الموجد  وليس الموجد  هو من خلقهم, لأن فكرة وجود الموجد  تحل محل الضعف والعدم الإنساني, لدرجة أن قاتلا مأفونا مثله ملعونا من أهل المدينة أصبح بينهم مبشرا نبيا بالخير والصلاح لمجرد انه يتكلم باسم الموجد  معهم, فأنتفض جوتز وهجم على المدينة وقتل ما قتل وأولهم رجال الدين والأسقف بالذات, وسلبهم ونهبهم واختار أن يعود لوجوده الذي اختاره بديلا عن وجود تابع للغير أو تابع للموجد.هذا الاختيار الفردي لاتخاذ موقف من الذات والآخر والموجد  من قبل هذه الشخصية يأتي متناغما بشكل واضح لما للمناهج الفلسفية التي انتهل منها سارتر فكره وطوعه ليخرج بوجودية خاصة التصق بها اسمه في القرن العشرين, للأطروحات الموضوعية, والتي وضحت عند سارتر لما استبدل ديالكتيك الطبيعة, واستبدله سارتر بدوره بديالكتيك الروح , والذات الإنسانية الساعية لتحقيق وجودها الخاص, وما تذهب المسرحية لتأكيده من فلسفة سارتر الوجودية, هو أن علاقة الإنسان بذاته أملا في تحقيق وجودها المتميز المتفرد لابد أن تصطدم بعلاقته بالموجد  حتى ولو كانت محاولة تحقيق وجود الذات تتجه إلى تأسيس علاقة مع الآخرين, فبالنهاية سينال هذه العلاقة مع الآخرين ما نال علاقة الإنسان مع الموجد  إثناء انشغاله بذاته والبحث عن وجوديتها المنشودة. *للمزيد ينظر:  سرمد السرمدي, تفكيك المسرح الوجودي, رؤية نقدية, المركز الثقافي للطباعة والنشر (بابل), مسجل لدى دار الكتب والوثائق العراقية, بغداد, رقم الإيداع 250 - السنة 2011م.

  

  

د. سرمد السرمدي


التعليقات




5000